Page 1
1
فارس عربي حديث
في يوم لم يكن ببعيد عن استيلاء الجنرال اللبني على مدينة القدس، كنت أقف بالصدفة أمام سوق خيري أُقيم في الشارع المسيحي، محتجاً على صاحب دكان تركي بدين كبير السن يحاول أن يسلب مني اثني عشر قرشاً مقابل حفنة من التمر. وتحول انتباهي فجأة إلى مجموعة من العرب يمشون باتجاه بوابة دمشق. وحقيقة أن كونهم عربا لم يكن هو السبب في تحويل انتباهي من احتجاجي وتقريعي المطول ضد الكلفة العالية للتمر، إذ أن فلسطين، وكما يعرف جميع الناس، كان يسكنها من العرب عدد يفوق بكثير عدد اليهود. وإنما انصب اهتمامي وفضولي على رجل بدوي، وقف بعيداً عن رفاقه. كان يرتدي الكوفية والعقال والعباءة كتلك التي كانت ترتدى من قبل الحكام والملوك الشرقيين. وقد ثبّت على حزامه خنجراً قصير معقوفا يشبه خنجر أمير مكة، ذلك الخنجر الذي غالباً ما كان يوضع من قبل الأشراف المنحدرين من سلالة النبي (ص).
كان الشارع المسيحي واحداً من الشوارع العامة الذي يحتوي على مشاهد وصور رائعة مختلفة الألوان والأشكال، مثله مثل تلك الشوارع العامة في الشرق الأدنى. وكان الشارع مكتظاً باليهود الروس، بلفائف شعورهم اللولبية المتدلية من رؤوسهم، والقساوسة اليونان الذين يضعون القبعات السوداء الطويلة على رؤوسهم ويرتدون العباءات الطويلة المتدلية، والبدو الصحراويين الذين يرتدون السترات المصنوعة من جلد الماعز التي تذكر بأيام النبي إبراهيم ، والأتراك الذين يرتدون السراويل الواسعة الشبيهة بالبالونات، والتجار العرب الذين يرتدون العباءات المقصبة والطرابيش الزاهية، وجميعهم كانوا يتدافعون بمرافقهم في ذلك الممر الضيق للأسواق الخيرية والحوانيت والمقاهي والذي يؤدي إلى كنيسة القيامة.
لم تكن القدس وعاء صهر وإذابة. بل كانت مكاناً لالتقاء مختلف الناس من الشرق والغرب. ما جعل المميزات والأمور الغريبة والسمات الخاصة لكل فئة تمتاز وتتأكد، كما لو أنها ملخصة بحدة من قبل شمس الصحراء في لونين: أسود وأبيض، كالخصوصيات والميزات العرقية للمسلمين والمسيحيين واليهود. لذلك فالشخص الغريب لا بد أن يكون هناك شيء غير عادي بشأنه يجذب الانتباه إليه في شوارع هذه المدينة المقدسة. بيد أنه عندما مر هذا الشاب البدوي في ثيابه الملوكية المميزة، تحولت نظرات الحشود من الناس الواقفة أمام البازارات نحوه.
ولم يكن لباسه فحسب، ولا سموه وقامته الممشوقة التي تبلغ خمسة أقدام وتجعل كل بوصة فيه ملكاً أو خليفة متخفياً خارجاً أو قافزاً من صفحات رواية «ألف ليلة وليلة» وإنما كان وجهه اللافت للنظر. ذلك أن هذا الأمير لم يكن ليشبه أحد أبناء إسماعيل أو عبدا حبشيا بدويا، يبدو مثل واحد من أبناء ستيفانسون ذي الشعر الأحمر، ومع أنهم من سلالة قوقازية، إلاّ أن جلودهم قد لسعت بشمس الصحراء القاسية إلى أن أصبحت بشرتهم بلون حجارة اللافا البركانية. بيد أن هذا الشاب كان من دم وأصل اسكندنافي، تتدفق في شرايينه دماء الفايكنغ وتقاليد وعادات برودة البلدان البحرية والقصص الزاخرة بالأعمال البطولية.
Page 2
إن أبناء إسماعيل البدو جميعهم يطلقون لحاهم كما كان أسلافهم يفعلون في الماضي. أما هذا الشاب الذي يضع خنجراً معقوفاً على خصره، فقد كان حليق الوجه. وكان يمشي بسرعة ويداه مطويتان وعيناه الزرقاوان غفلتا، بل ونسيتا بيئته الأصلية، وبدا وكأنه غارق في تأمل وتفكير داخلي.
كان انطباعي الأول عنه عندما نظرت إلى وجهه أنه ربما كان واحداً من الحواريين الشبان عاد إلى الحياة. فقد كانت تعابيره صافية وهادئة.
«من هو؟» سألت ملتفتا بتشوق نحو التركي الجشع، الذي أمكنه فقط اعتباره سائحاً انجليزياً صغيراً.
ورغم أنني كنت متأكداً أن بإمكاني الحصول على بعض المعلومات عنه من الجنرال ستورز، حاكم المدينة المقدسة إلا أنني قلت في نفسي: «من يمكن أن يكون؟» ولذلك فقد تحولت باتجاه قصر الحاكم الذي يقع خلف الجدار القديم بجانب حائط سليمان.
كان الحاكم هو الجنرال رونالد ستورز، الخليفة البريطاني لبونتيوس بيلات، وكان السكرتير الشرقي للمعتمد البريطاني في مصر قبل سقوط القدس بيد الانجليز، وحافظ لسنوات على علاقات حميمة مع سكان فلسطين. وكان يتكلم العبرية، واليونانية، واللاتينية، والعربية بنفس الطلاقة التي يتحدث بها اللغة الانجليزية. لقد كنت متأكدا أن بإمكانه أن يحدثني بشيء ما عن ذلك البدوي الأشقر الغامض.
قلت: «من هو هذا الشخص أزرق العينين، ذو الشعر الأشقر الذي يتجول في الأسواق وهو يضع حول خصره خنجرا معقوفا، الأمير.....؟».
ولم يدعني الجنرال حتى أن أنهي سؤالي بل إنه فتح بهدوء باب غرفة مجاورة. حيث كان يجلس هناك على نفس الطاولة فون فالكنهاين (الجنرال الألماني) ليعد خطته الفاشلة لهزيمة اللنبي، وكان الأمير البدوي يجلس هناك حينئذ، منشغلاً بعمق، ومتأملاً في كتاب كبير عن علم الآثار.
وعند تقديمه لي قال الحاكم: «أريدك أن تتعرف على الكولونيل لورنس، الملك غير المتوج».
وصافحني بخجل وبمزاج منعزل، كما لو أن فكره كان منشغلاً بكنز مدفون وليس بالأمور الحالية للعالم وقتذاك، والذي كان مليئا بالحملات العسكرية والحرب. وكانت تلك أول مرة تعرفت فيها على واحد من أكثر الشخصيات الخلابة للعصر الحديث، رجل يمكن أن يوصف على صفحات الكتب الرومانسية التاريخية جنباً إلى جنب مع كل من راليبح، دراك، كليف وجوردون(1).
كانت سنوات الحرب العالمية متخمة بالأحداث الملحمية، وخلال تلك الأحداث كان هناك شخصان بارزان جداً، مغامران ومندفعان، وظهرت حكايات نادرة عن أعمالهما يمكن أن تزود كُتّاب المستقبل بمواضيع ذهبية، كروايات حياة كل من يوليوس، والملك آرثر، وريتشارد قلب الأسد وما قدمته تلك الروايات للشعراء، والمؤرخين فيما بعد. وأول هذين الشخصين رجل طويل القامة جداً، يبلغ طوله ستة أقدام، وذو فك مربع، إنه قائد الفرسان البريطاني الباهر، الفيلد مارشال فيكاونت اللنبي، قائد الصليبيين للقرن العشرين، الذي اكتسب شهرة عالمية بسبب إخراجه الأتراك من الأرض المقدسة وتحقيق حلم الأجيال. والشخص الآخر هو ذلك الشاب حليق الوجه والذي رأيته مستغرقاً في بحثه الفني الأثري عن النقوش المسمارية التي اكتشفت على حجارة الآجر للعصر البابلي القديم، والذي كانت اهتماماته الرئيسية في الحياة: الشعر وعلم الآثار.
Page 3
لم تكن الإنجازات المذهلة لثوماس ادوارد لورانس، ذلك الشاب خريج جامعة أكسفورد، معروفة للناس عند انتهاء الحرب العالمية الأولى. ومع ذلك، وبهدوء، ومن دون أية إعلانات وعناوين صحف مسرحية أو جعجعة وتطبيل، فقد ساهم في توحيد القبائل البدوية المتفرقة في حملة موحدة ضد مضطهديها الأتراك، الأمر الذي لم يتحقق منذ قرون من قبل خلفاء وسلاطين ورجال دولة.
لقد وضع لورانس نفسه في قيادة جيش شريف مكة، الذي أعلن فيما بعد ملكاً على الحجاز. وساهم في توحيد قبائل الصحراء الرحل، وفي إعادة الأماكن المقدسة الإسلامية لأبنائها وإخراج الأتراك من البلاد العربية إلى الأبد. ولقد حرر اللنبي فلسطين، الأرض المقدسة لكل من المسلمين والمسيحيين واليهود، كما ساهم لورنس في تحرير الجزيرة العربية، الأرض المقدسة لملايين المسلمين.
لقد سمعت عن هذا الرجل الغامض عدة مرات خلال أشهر من وجودي في فلسطين مع المارشال اللنبي. ووصلت الشائعة الأولى إلي عن لورانس عندما كنت في طريقي من إيطاليا إلى مصر. فقد أفضى إلي ضابط بحري استرالي بأن هناك رجلا انجليزيا يفترض بأنه كان يشارك في قيادة جيشٍ مقدامٍ من البدو في مكان ما من الصحراء الشاسعة في الجزيرة العربية. وعندما نزلت في مصر سمعت حكايات مثيرة عن أعماله البطولية. كان اسمه يُذكر دائماً في نبرات ساكنة، لأن جميع الحقائق فيما يتعلق بالحرب في أرض ألف ليلة وليلة كانت في ذلك الوقت تحفظ بسرية.
وحتى ذلك اليوم الذي قابلته فيه في قصر الحاكم الانجليزي في القدس كنت غير قادر على تصوره كشخص حقيقي. لقد كان بالنسبة لي أسطورة شرقية فحسب، فكل من القاهرة والقدس ودمشق وبغداد، هي جميعها في الحقيقة مدن تقع في الشرق الأدنى، وهي مليئة بالرومانسية والمظاهر المختلفة الملونة. ومجرد ذكرها يكون كافياً لتحفيز خيال الغربيين، الذين يتخيلون عند ذكرها فجأة البساط السحري، وحكايات «ألف ليلة وليلة» المخزنة في ذاكرتهم منذ أيام الطفولة. لذلك فقد توصلت إلى استنتاج من أن لورنس كان نتاجاً لخيال غربي بولغ فيه أكثر مما ينبغي بسبب الاتصال الغزير مع الشرق. إلاّ أن تلك الأسطورة تحولت لتكون أقرب كثيراً إلى الحقيقة.
وقف هذا الرجل الانجليزي ذو الخمسة أقدامٍ طولاً أمامي وهو يرتدي كوفية من الحرير الأبيض مزخرفة بالذهب ويضع عليها عقالاً منسوجاً من الصوف الأسود وملفوفاً بأربطة وخيوط فضية وذهبية. وعباءته السوداء الثقيلة المصنوعة من شعر الجمل تغطي ثوبه ناصع البياض ويضع حول خصره حزاماً ثبّت عليه خنجراً معقوفاً خاصا بأمير مكة. لقد أصبح هذا الشاب حاكماً فعلياً وقائداً لعدة آلاف من الرجال البدو الذين يمتطون الجمال السريعة والجياد العربية الأصيلة. لقد كان مرهباً للأتراك.
ومن خلال اكتشافه بأن علم الآثار كان يستهويني، فقد أصبحنا متعارفين بشكل أفضل خلال الأيام التالية من لقائنا في القدس قبل أن يعود إلى جيشه العربي. وأمضينا ساعات عديدة سوياً، مع أنني لم أكن أشك في أنه من الممكن أن يكون لي حظ جيد فأنضم إليه فيما بعد في الصحراء.
وكان، عندما نكون برفقة ضباط أو مجتمعين معهم، غالباً ما يجلس في إحدى الزوايا، منصتاً بانتباه لكل ما كان يقال، إلاّ أنه لم يكن يساهم أو يشترك في الحديث إلا نادرا. وعندما نكون لوحدنا كان ينهض من على كرسيه ويجلس القرفصاء على الأرض في زيه البدوي، غير أنه خجل عندما فعل ذلك أمامي أول مرة، وبرر تلك الطريقة الغريبة في الجلوس قائلاً إنه قد مكث لفترة طويلة في الصحراء بحيث أصبح يجد نفسه غير مرتاح في الجلوس على كرسي. ولقد قمت بمحاولات عديدة لحثه على أن يحدثني بشيء ما عن حياته ومغامراته في الصحراء، إذ أن بضعة أوروبيين فقط، باستثناء السير ريتشارد بورتون وشارلز دوفتي، قد تجرأوا على القيام بمثل هذه المغامرة من قبله. غير أنه كان دائماً يغير هذا الموضوع ببراعة متحولا إلى موضوع علم الآثار أو الدين المقارن، أو الأدب الإغريقي، أو إلى السياسات الشرقية. وحتى فيما يتعلق بارتباطه بالجيش العربي فإنه لم يكن يقول شيئاً بهذا الشأن، ما عدا أنه كان يعطي الفضل في كل شيء يحدث في حرب الصحراء للزعماء والقادة العرب، أو إلى كل من نيوكمب، جويس، كورنواليس، داوناي، مارشال، ستيرلينج، هورنبي، وغيرهم من زملائه البريطانيين الآخرين.
وبالتأكيد فإن القدر قد لعب مع لورنس دورا أكثر مما اختار، إذ أن هذا الرجل خريج جامعة أكسفورد الذي كان يلعب دوراً رئيساً في تحرير البلاد العربية، كان طموحه في الحياة أن يحفر في خرائب الآثار وأن يكتشف ويدرس تاريخ المدن المنسية منذ زمن طويل.
__________________________
(1) كتاب وشعراء في العصر الرومانسي.
Page 4
2
بحثاً عن حضارة مفقودة
عندما التقينا لأول مرة في القدس، وفي الصحراء المقفرة فيما بعد، كنت غير قادر على دفع لورنس للتحدث عن حياته المبكرة. لذلك، فبعد انتهاء الحرب، وأثناء عودتي إلى أمريكا، زرت انجلترا على أمل أن أتوصل لمعرفة شيء ما يتعلق بسيرته الذاتية قبل عام 1914، يمكن أن يلقي الضوء على فترة تكوينه ونشأته عندما كان القدر يُهيئه للعب دوره الهام. إلاّ أن الحرب قد شتتت أسرته وزملاءه الأوائل بحيث لم أستطع الحصول سوى على معلومات ضئيلة وهزيلة جداً عن طفولته وشبابه المبكر.
كانت مقاطعته غالوي، الواقعة على الساحل الغربي لايرلندا هي الموطن الأصلي لأسرة لورنس. ويمكن أن يكون هذا سببا ولو جزئيا لقوته الجسدية غير العادية وقدرته البدنية على التحمل، إذ أن سكان غالوي هم من بين أقوى السلالات شدة. ولكن دماء اسكتلندية وويلزية، وانجليزية، وإسبانية تجري في شرايينه أيضاً،. فقد كان من بين أسلافه وأجداده المشهورين السير روبرت لورنس، الذي رافق ريتشارد قلب الأسد إلى الأرض المقدسة، قبل أكثر من سبعمائة وثلاثين سنة وبرز في حصار عكا، تماماً كما فعل الشاب لورنس عندما رافق اللنبي إلى الأرض المقدسة وبرز في تحريرها النهائي. كما كان كل من الأخوين، السير هنري والسير جون لورنس، وهما من الرواد الأوائل للإمبراطورية البريطانية في الهند، من أجداده القريبين.
وكان والده، ثوماس لورنس، من أصحاب الأملاك في ايرلندا ورياضيا كبيرا. إلاّ أنه فقد معظم أملاكه خلال فترة جلادستون، عندما انخفضت أسعار الأراضي في ايرلنده إلى أدنى مستوى، فسافر بأسرته عبر البحر الايرلندي إلى ويلز. وولد ثوماس ادوارد لورنس في مقاطعة كارنافون، التي لا تبعد كثيراً عن الموطن المبكر للسيد لويد جورج(1) الذي كان يوماً ما من أصدقائه الحميمين والمعجبين به، والذي أبلغني ذات يوم، أنه يعتبر لورنس أيضاً واحدا من أروع الأشخاص في العصور الحديثة.
لقد أمضى خمس سنوات من طفولته في جزيرة قناة جيرسي. وعندما بلغ العاشرة من عمره هاجرت أسرته إلى شمال اسكتلندا، وبقيت هناك لمدة ثلاث سنوات. ومن ثم انتقلت إلى فرنسا، حيث سجل لورنس الابن في كلية الجزويت، مع أن جميع أفراد الأسرة ينتمون إلى الكنيسة الأرثوذوكسية الانجليزية. ومن هناك انتقلت العائلة إلى أكسفورد، وقد ترك ذلك المركز الثقافي الانجليزي، الذي أصبح موطنهم منذ ذلك الحين، أثره الذي لا يُمحى على لورانس. وهناك أطلق عليه أصدقاء صباه اسم نيد، وسجل بمدرسة أكسفورد العليا ودرس بإشراف معلم تحضيري تمهيداً لدخول الجامعة. ويروي أحد أصدقائه الحميمين أن لورنس على الرغم من أنه لم يكن نجماً رياضياً إلاّ أنه كانت لديه روح جريئة وكان مليئا بحب المغامرة.
وروى لي هذا الرفيق للورنس «أن نيد لورنس وصبيا آخر كانا يسبحان تحت طاحونة في جدول مائي يقع أسفل أكسفورد وهما يحملان المصابيح وغالباً ما كانا يشقان طريقهما بصعوبة وهما يمران من خلال المسارب المائية الضيقة، ويجتازان ذلك المجرى المائي تحت الأرض».
وتعتبر أكسفورد مركزاً كبيراً لركوب الزوارق. وأي جدول مائي يرتبط بنهر التايمز يمكن أن يعوم فيه أي مركب صغير أو هزيل. بيد أن الملاحة في نهر شيرويل كانت أصعب كثيرا، إلاّ أن الصبيان الذين يملكون روح التحدي مثل نيد لورنس برهنوا على أن ذلك غير صحيح. وهذا ما كان يفعله هو ورفيقه. فقد دربا قاربهما الصغير على اجتيازه حتى بانبري ومن ثم يمضيان مباشرة إلى جزء الجدول الذي كان غير قابل للملاحة.
وكان لورنس مغرماً بتسلق الأشجار والقفز فوق سطوح الأبنية، وهو الأمر الذي لم يكن أحد من أصدقائه يجرؤ عليه. وقد ابلغني أحد أشقائه «أنه في حادثة ما وقع وكسرت ساقه جرّاء ذلك». ويعزو أحد أقاربه صغر قامته إلى تلك الحادثة. حيث بدا أنه لم ينمُ منذ ذلك الحين.
Page 5
إن حياته كلها كانت غير منتظمة بل وشاذة، فقد قضى معظمها كرجل قبيلة شرس يعيش في الصحراء العربية، إلا أنه من جانب آخر أتم إنجاز ما هو مطلوب منه من فروض السنوات الأربع لنيل درجة البكالوريوس في ثلاث سنوات فقط، ومع ذلك فهو لم يحضر أبداً محاضرة واحدة في جامعة أكسفورد. وكان يعمل مع معلميه من فترة لأخرى وبشكل متقطع، إلاّ انه أمضى معظم وقته متجولاً حول انجلترا ماشياً على الأقدام، أو كان يقرأ أدب القرون الوسطى. وعندما يكون لوحده فغالباً ما كان ينام في النهار ومن ثم يقرأ طيلة الليل.
ولقد كان معارضاً تماماً لأي نظام تعليمي موضوع. وقد عاتب البروفيسور مس بغضب صموئيل جونسون، أحد أساتذته، عندما كان طالباً في جامعة أكسفورد، بقوله: «ذلك الشاب، يطوي الآن كتبك بإتقان ويمتلك مخزونا من المعرفة»، فقد كان غير مسرور من الشاب لورنس. ففكرة الحصول على تعليم جامعي من أجل الحصول على مهنة تقليدية لم تكن لتسره تماماً. فمبدؤه اللاواعي منذ طفولته المبكرة جداً، مثلما قال روبرت لويس ستيفنسون(2)، كان يبدو عبارة عن مسرات مفيدة أكثر من الواجبات، لأنها كمثل خاصية الرحمة، فهي ليست متكلفة، ولها مسرة مزدوجة.
وكجزء من قراءاته المبكرة فقد قام بدراسة شاملة للكتب العسكرية، ابتداء من حروب سينا شيرب، ثوتميس ورامييس إلى حروب نابليون، ويلدينغتون، ستونويل جاكسون، ومولتكه. إلاّ أنه قام بذلك بشكل طوعي وليس كجزء من أي عمل مطلوب منه. وكان من بين كتبه المفضلة كتاب مبادئ الحرب للمارشال فوش(3)، إلاّ أنه أفضى إلي في مناسبة ما ونحن في الجزيرة العربية، بأن دراسته لاستراتيجيات كل من قيصر وكسينوفون(4) كانت أكثر قيمة بالنسبة له في حربه الصحراوية، لأنه في الحرب غير النظامية التي كان يقوم بها ضد الأتراك فقد وجد من الضروري تبني تكتيكات جديدة ومباشرة تخالف تلك التكتيكات التي وضعها كبار الاستراتيجيين الفرنسيين.
وكموضوع لأطروحته في جامعة أكسفورد فقد اختار لورنس موضوع فن الأسلوب العسكري للصليبيين، واستوعبه تماماً واستخدمه في مهمته أو في عمله هذا، ولهذا الغرض فقد حث والديه من أجل السماح له بزيارة الشرق الأدنى، بحيث يمكنه الحصول على معرفة أولى للجهود الهندسية الحربية لفرسان المسيحية الأوائل. وقد شُجع في هذا المجال من قبل عالم جامعة أكسفورد المتميز والمختص بالشؤون العربية، الدكتور ديفيد جورج هوغارت، أمين متحف اشمولين، وهو رجل كان له تأثير هام على مجمل حياته بدءاً من تلك الأيام، حتى أنه ذهب إلى مصر خلال الحرب وعمل معه كمستشار خاص خلال الحرب في الجزيرة العربية.
كانت والدة لورانس تعارض ذهابه إلى الشرق، إلاّ انه بعد عدة أسابيع من التوسل منحته موافقتها لزيارة سورية كسائح طباخ، وأعطته مائتي جنيه من أجل الرحلة. وكانت أسرته متأكدة بأنه سيعود للوطن بعد بضعة أسابيع مقتنعاً بالاستقرار فيه بقية حياته ومستعداً لنسيان الموقد، وروائح الطهي، ومعيقات الحياة في الشرق.
إلاّ انه حينما وصل إلى الشرق الأدنى (الشرق الأوسط) سخر من ذلك وترك رفاهيات السياح والطرق والممرات المألوفة. ودخل إلى سورية عن طريق بيروت، وبعد وقت قصير من نزوله من البحر، اتبع العادة البدائية ومشى على أقدامه العارية إلى الداخل. وبدلا من السفر كسائح، فقد تجول لوحده حتى وصل إلى تخوم الصحراء العربية الكبرى، ومتع نفسه بدراسة أساليب وعادات الشعوب المختلفة والمتنوعة التي تستوطن تلك المنطقة الضيقة الممتدة من بلاد ما بين النهرين إلى وادي النيل. وبعد سنتين، عندما رجع أخيراً إلى أكسفورد ليسلم أطروحته ويستلم شهادته أو درجته الجامعية، كان لا يزال معه مائة جنيه من المائتي جنيه التي أعطتها له والدته.
كان يوجد في عائلة لورنس خمسة أولاد، حيث كان ثوماس ادوارد لورنس الابن الثاني في الترتيب. وكان الابن الأكبر وهو الرائد (الميجور) مونتاغيو لورنس يعمل في السلاح الطبي والخدمات الطبية؛ أما الثالث فهو وليام، وكان يعمل مدير مدرسة في دلهي في الهند؛ والرابع أنهى دراسته من جامعة أكسفورد وسافر إلى الشرق الأدنى مع شقيقه ثوماس؛ والخامس وهو أرنولد نجم رياضي بجامعة أكسفورد، وكان أيضاً باحثا مهما في علم الآثار، وأخذ مكان شقيقه لفترة في بلاد ما بين النهرين (العراق). وقد قتل كل من ويليام وفرانك في ميادين المعارك التي جرت في فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى.
Page 6
ومنذ الحرب عمل الميجور مونتاغيو لورنس ضمن بعثة طبية في الصين على جبهة التيبت البعيدة جداً؛ كما أن والدتهم قد ذهبت إلى هذه الزاوية المعزولة الواقعة في آسيا الوسطى، بينما كان ابنها الأصغر يجوب متاحف العالم في بعثة سفر من جامعة أكسفورد لدراسة فن النحت في عهد انحطاط الفن الإغريقي.
وقبل عدة سنوات من الحرب ذهبت حملة من جامعة أكسفورد برئاسة صديق لورانس، هوغارت، وكان عالم آثار كبيرا، وبدأ القيام بحفريات في حوض الفرات، على أمل اكتشاف آثار للحثيين، وهم عرق قديم لا يعرف عنه سوى القليل. وبسبب معرفته الأساسية بلغتهم وتعاطفه وفهمه لعاداتهم وتقاليدهم، فقد وضع لورنس بمسؤولية إدارة مجموعات الحضر من الأكراد، والتركمان، والأرمن، والعرب. ونجحت هذه الحملة في نهاية الأمر في اكتشاف كرشيمس، وهي العاصمة القديمة للإمبراطورية الحثية، وهناك بين أنقاض وآثار تلك المدينة المنسية منذ زمن طويل، متع لورنس نفسه بدراسة النقوش الموجودة على الفخاريات وربط المراحل المختلفة للحضارة الحثية.
وبالفعل فقد اكتشف هو وزميله ليونارد وولي، مدير حملة التنقيب عن الآثار، الرابط المفقود بين حضارة البابليين وبداية الحضارة الإغريقية في جزر البحر الأبيض المتوسط، والتي تمتد إلى خمسة آلاف سنة مضت. ويحتوي متحف اشمولين بجامعة أكسفورد على العديد من المعروضات الأثرية «مقدمة من قبل ثوماس ادوارد لورنس» قبل أن يبلغ العشرين من عمره.
وصدف وأن زار مدير البعثات والحملات الأمريكية في الشرق الأدنى المعسكر الذي جرت فيه هذه الحفريات بشكل مفرد. وقدم لنا صورة حية عن زيارته وتبيانه للكيفية تلقّى بها لورنس تدريباً مكنه من اكتساب مثل هذه الخبرة المدهشة في معرفة قبائل الصحراء والإبقاء على صلة معها عندما انخرط في الحرب العظمى.
ويقول السيد لوثر فاول «إنه كان في عام 1913، خلال عطلة عيد الفصح في الكلية الأمريكية في عينتاب وتسنت لنا الفرصة للقيام برحلة مدتها ثلاثة أيام بعربة إلى عورفا، وهي أديسا القديمة. وبعد زيارة عورفا، زرنا حران التي تبعد بضعة أميال إلى الجنوب، حيث هاجر النبي إبراهيم من أور الكلدانية.
وكانت عودتنا من الرحلة إلى عينتاب عبر طريق بعيدة نحو الجنوب، مما أوصلنا إلى نهر الفرات عند طرابلس، حيث كان الألمان هناك ينشئون جسرا ضخما للسكة الحديد ليكون رابطاً أساسياً بين برلين وبغداد. وعلى الضفة الغربية للفرات وعلى بعد بضعة مئات من الياردات من الجسر كان يقع موقع كرشيمش، حيث وجدنا هناك دارسا بريطانيا هادئا، سرعان ما تحول تحت ظروف الحرب القاسية من الحفر بين الآثار والخرائب القديمة الواقعة بجانب نهر الفرات ليصبح شريفاً وقائداً لمجموعة كبيرة من البدو في حرب ناجحة لإزالة الاحتلال والظلم العثماني.
«وجاء السيد وولي، عالم الآثار المسؤول عن حفريات كرشيمش من عمليات الحفر وهو يرتدي ثياب عمله المكونة من قميص فانيلة رمادي اللون وبنطال غولف. وكان لورنس زميله الشاب، منتعشاً أيضا من أعماله، يخطو بشكل خفيف عبر أكوام التراب وهو ما ندعوه نحن الأمريكيين بلباس العمل، ويضع في وسط حزامه ندبة مزخرفة عربية لتدل على أنه رجل غير متزوج. بيد أنه اختفى عن الأنظار في لحظة، وعندما اجتمعنا من أجل تناول طعام العشاء، بدا لورنس الشاب الصغير في بدلة تنس لجامعة أكسفورد من الفانيلا البيضاء وعليها وشاح أحمر، إلاّ أنه كان لا يزال يرتدي حزامه العربي، واستهل حديثه بقصة مثيرة عن أشغال الحفريات؛ وعلاقاته مع الأكراد والعرب والتحدث عنهم؛ وعن رحلاته وحيداً بين قراهم بحثاً عن قطع سجاد وآثار نادرة، مما منحه الفرصة لإقامة علاقات وثيقة معهم كانت بالتالي أساساً لخدمته الكبيرة في وقت كانت فيه بلاده بحاجة لذلك.
Page 7
كانت وجبة العشاء شهية وقدمت من قبل رجل عربي قوي داكن البشرة يرتدي ملابس أصيلة أنيقة، ويضع على حزامه خناجر ومسدسات كثيرة يمكن تزويد متحف بها. وسرعان ما دخل وهو يحمل دلة القهوة التركية الشهية، فأشار أصدقاؤنا الانجليز، الذين كانوا قادرين بصعوبة على إيجاد اهتمام بأطباق المكسرات الرومانية التي تعود إلى ألفي عام وجزء من النفايات والأنقاض لتزاح وتنقل قبل الوصول إلى آثار وأنقاض الجيش، أشاروا بفخر إلى أن أكواب القهوة البنية الصغيرة المزخرفة كانت حثية من غير ريب، ومن المحتمل أنها تعود إلى أربعة آلاف سنة مضت.
«ولا يجب أن أقول بأنها أبنية» أو حتى «بناء» وإنما عبارة عن «غرفة» حيث علمنا بأن الحكومة البريطانية، بسبب تفاهمها مع السلطات التركية، قد حصلت على إذن لبناء غرفة واحدة فقط. ووفقاً لذلك، فقد بنى كل من وولي ولورنس غرفة من جدران متساوية منعزلة على بعد حوالي عشرة أقدام، وتمتد إلى خمسين قدماً جنوباً، ثم إلى خمسة وثلاثين قدماً غرباً. وثم خمسين قدماً شمالاً. وهي مغلقة من جانبيها، وهي على شكل حرف U ضخم وقد كانت غرفة في الحقيقة؛ ومع أنها كانت مدهشة إلى حد ما، إلاّ أنه كان على الحكومة التركية أن تسلم بالحقيقة. وبالطبع فإن سعادة المفتش لم يكن بإمكانه الاعتراض إذا ما أجريت فيها تقسيمات صغيرة بحيث تفصل أجزاء النوم عن غرفة الجلوس والمكتب، وإن تفتح من أجزاء مختلفة من البناء لتطل على الساحة.
«هكذا كان ذلك البناء، عندما رأيناه لأول مرة، ففي الجانب الأيمن منه كانت توجد سلسلة من الغرف لخزن الآثار وإنجاز العمل التصويري أيضاً؛ وعلى اليسار كانت توجد غرف نوم المنقبين عن الآثار وضيوفهم؛ وفي الوسط كانت تتواجد غرفة الجلوس البهيجة وفيها المستوقد، وخزانة كتب مليئة بالمجلدات الجلدية ذات المواضيع الكلاسيكية التي يمكن أن يعتمد عليها العالم والدارس معا، وطاولة طويلة مغطاة بالصحف البريطانية الحديثة وبالمجلات المتخصصة بالآثار من جميع أنحاء العالم.
وعلمنا ونحن حول المستوقد الكثير الكثير عن حسن النية والصداقة المعقودة بين هذين الانجليزيين الوحيدين والسكان الأصليين المحيطين بهم. فقد أصرّا على أنهما كانا أكثر سلامة وأمناً وهما على ضفاف الفرات مما لو كانا في بيكادلي. ولكن أكثر ما كان الاثنان يخافانه هم قطاع الطرق في المنطقة، لذلك كان هناك رجلان يتمتعان بثقة منقبي الآثار يقومان بالحراسة على مدار الساعة، أحدهما كردي والآخر عربي. وهكذا لم تكن هناك سرقة ولا خطر. علاوة على ذلك، فقد كان هذان الانجليزيان معروفين ومحترمين من قبل السكان إلى أن وصلا لأن يحكما بمختلف المسائل بين القرويين المختلفين، أو حتى في النزاعات الشخصية. ولم يضايقا أو يظلما ممثليهما، ولم ترفض أو تراجع قراراتهما أبداً.
وكان لورنس قد عاد مؤخراً من إحدى القرى إذ كان في مهمة لتسوية صعوبات نشأت جرّاء اختطاف فتاة شابة من قبل رجل رغب بالزواج منها، غير أنه لم يكن قادراً على التغلب على اعتراضات والدها.
فهل كان يمكن للورنس أن يحصل على تدريب عملي أفضل من هذا الذي كان يمارسه بين السكان الأصليين تمهيدا للعب دوره الكبير في إنقاذ العرب؟
في غرفة الجلوس كان هناك صندوق خشبي قديم سبق وأن استخدم لتجهيز عروس صحراوية إلاّ أنه يستخدم الآن كصندوق لخزن المال وهو يمثل خزانة آمنة لذلك. وكان حجمه أكبر من صندوق خزانة ثياب وكان مليئاً بالنقود الفضية التي كانت معدة لدفع أجور مائتي رجل يعملون في حفريات التنقيب. إلاّ أنه كان هناك قانون غير مكتوب للمجتمع هناك، فهذا الحب من العمال لزعيمهم، والعقوبة التي يمكن أن ينزلوها هم أنفسهم بأي عدد من أفرادهم إذا ما استغلوا وخانوا هذه الثقة وسرقوا نقوداً من الصندوق، جعل هذه النقود في وضع أكثر أمنا مما لو كانت في بنك انجلترا نفسه.
Page 8
وكان ذلك يتناقض بحدة مع أساليب وتجارب المهندسين الألمان الذين يبعدون نصف ميل فقط عن الموقع، والذين كانوا يبنون جسر خط حديد بغداد عبر نهر الفرات. فقد كان لديهم عمالهم الذين بدوا مليئين بالازدراء والبغض. ولم يستطع المهندسون الألمان أن يفهموا لماذا كان العمال العرب لا يقبلون نظامهم التأديبي وعقابهم. وكان الألمان يحتاجون دائماً إلى عمال جدد، في حين أن الانجليز، الذين كانوا يبعدون عنهم بضعة مئات من الياردات، كانوا على وفاق تام مع عمالهم، ومسيطرين عليهم. وعندما حدث مرة أن أجبروا - أي الإنكليز - على تقليص عدد عمالهم والاستغناء عن خمسين عاملاً منهم، فإن العمال العرب والأكراد ابتسموا واستمروا في عملهم. وعندما أبلغوا بأنهم لن يحصلوا على أجورهم، ابتسموا أيضاً واستمروا بعملهم، لأن حب عملهم وحب معلميهم كان هو الدافع للعمل أكثر من المال.
ولم يكن أولئك العمال البسطاء يمارسون عملهم في الحفريات والتنقيب من دون اهتمام، فهم قد فهموا حماس معلميهم الذين علموهم مشاركتهم في متعة العمل؛ فلم تكن حفرياتهم عبارة عن كدح من دون معنى من أجل المال فحسب، وإنما كانت بدلاً من ذلك مشاركة في متعة علم الآثار.
«وكنا نرتاح في الليل، وكانت أفكارنا وعقولنا مليئة بقصص الشرق، حيث اختلطت فيها قصص المسيحية والوثنية، والحثية، والإغريقية، والرومان، قصص الماضي العريق مع القصص الحالية القذرة والخسيسة، ممزوجة بخلفية الجهد الألماني النشط والإنجاز الهادئ من قبل هذين الانجليزيين وممثليهم من الرجال ذوي النشأة البريطانية. وكنا ننام طويلاً وبشكل جيد على أغطية مطوية في غرفتنا النظيفة ذات الجدران الطينية، ولم يكن نومنا الخفيف ليتأثر بأغطية سرائرنا المصنوعة من القماش الذهبي اللون الدمشقي ذي الزخرفة العربية النادرة وبخلفيتها الحمراء الغامقة والباهتة مما تدعو العين إلى رحلات خيالية لا تنتهي. فهذه الأغطية القديمة كانت تشكل بعض كنوز لورنس، جُلبت من رحلاته المتعددة للقرى العربية، والتي كانت أمكنة وجوده فيها لا تعرف لعدة أسابيع.
وكان لورنس خلال تلك الرحلات، وهو يرتدي الملابس العربية الأصلية، يخوض في محادثات مع شيوخ القرى وهم يجلسون في ركن مظلل من الخيمة، أو يأتي ليفهم ومن ثم يعجب بالعرب في محادثة هادئة أمام نار مشتعلة حيث يجلسون على الأرض، فيما تعد القهوة وتشرب بهدوء، ويتحدث الواحد تلو الآخر. بينما كان أربعون مهندساً ألمانياً يبنون جسرهم، ويحاولون إخضاع هؤلاء السكان في حالة عدم إطاعتهم لهم، فرجل إنجليزي، واسع الفكر، لطيف الشخصية كان يعد بطريقة لا واعية ليصبح قائدا لهؤلاء الناس في الأزمات العظيمة، ليس فقط لتدمير أحلام الألمان بالغزو، وإنما أيضاً لكسر العبودية السياسية للأتراك التي دامت قروناً.
Page 9
«كنا بعد تناول الإفطار نقوم بفحص الأرضية الموزاييك (الفسيفساء) لغرفة الطعام، وهي جزء من آثار رومانية أحضرها هؤلاء الرجال بدلاً من إتلافها وهم يبحثون عن الآثار الحثية المدفونة في الأرض. ولكن حينئذ جاء من يبلغنا بخبر مثير نحن في الأشغال. فأسرعنا لنستطلع الأمر فوجدنا كلا من العمال العرب والكرد متجمعين بشكل محكم حول حفرة كبيرة. وكان كبير العمال اليوناني يزيل التراب عن حجر أسود حجمه بضعة أقدام مكعبة، وفي الوقت الذي وصل فيه السيد وولي إلى جانبه عرف من يكون الوجه الموجود على الحجر. وبيد بارعة ممارسة بدأ السيد وولي بإزالة آخر طبقة من التراب من على الوجه الذي احتوى على كنز تحت الأرض. ولم يكن باستطاعة أي واحد أن يأمر هؤلاء القرويين ليعودوا إلى عملهم، إذ أن الثمار الطبيعية لهذا الاكتشاف تعود للجميع، ابتداء من الرجل الانجليزي إلى الصبي السقا الذي يجلب الماء والذي ترك حماره ليخوض في نهر الفرات لوحده بينما انضم إلى المجموعة المحبوسة أنفاسها وعيونها مثبتة على مطواة وولي الكبيرة وهي تقوم بعملها بطريقة رشيقة.
وانطلقت عاصفة أولى من التصفيق لتحيي الملامح الأولى لظهور شيء على الصخرة القاسية. فقد كانت يد، لا إنها زاوية من بناء! أسد! جمل! وانطلق عدة تخمينات حول ذلك، في حين كانت المطواة الكبيرة تقوم بعملها. وسرعان ما كشفت عينا وولي المدربة له أنه كان عبارة عن تمثال حيوان ضخم يقف بحالة سليمة، وكان يزيل التراب عن رأس التمثال. كما أن تظاهره بالبدء بالعمل في الناحية الأخرى من التمثال قوبل بثرثرة من الاحتجاج من قبل عماله الذين لم يكونوا متأكدين ماذا كان ذلك الشكل للتمثال. واعترفت ابتسامة وولي السريعة باستقبال وتلقي نكتته الصغيرة، ومن ثم عاد ثانية إلى البقعة غير المكتشفة من التمثال.
وسرعان ما بدا كل من رأس وصدر وقدمي التمثال تحت الضوء، وبدت معها الأفكار والآراء المختلفة بالظهور، من قائل إنه شكل بقرة أو حصان، أو خروف أو غير ذلك. وما زال الأمر كذلك إلى أن رجعت يد وولي إلى رأس التمثال الحيوان وببضع حركات سريعة أزال التراب الذي يغطي الزخرفة الكاملة ليظهر زوج من القرون ظلت حية جرّاء فن لا يموت لمدة أربعين قرناً، ووقف التمثال هناك مكشوفاً أمامنا، إنه تمثال رائع لأيل (نوع من الغزلان). وكان مثل هذا الاكتشاف جديراً بالاحتفال، وكان قانون الاحتفال غير مكتوب إلا أنه كان واضحا. فبالنسبة للمنقبين فقد أومأوا برؤوسهم موافقين على ما توصل إليه كبير العمال اليوناني من أن هذا اكتشاف رائع، وما إن أعطى الإشارة المنتظرة، حتى قام مائتا شاب ورجل تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة إلى الخامسة والستين بإفراغ جميع محتويات بنادقهم ومسدساتهم في الهواء.
وتساءلت بماذا فكر الألمان المتواجدين على ضفة الفرات عندما سمعوا أصوات الرصاص وهم عند جسرهم الذين يقومون ببنائه؛ وعرفت بعد بضعة أسابيع عندما كنت أعدو زيارة ثانية مع الرجل الانجليزي، بأن إطلاق النار على مكان ألماني كان يعني شيئا ما مختلفا. واليوم، أصبحوا يتصببون عرقاً بسبب هيجانهم الكثيف بعد اكتشاف تماثل الأيل الحثي من خلال عمالهم، وجلس العمال العرب وهم يضحكون ليدخنوا السجائر في ختام هذه الاحتفالات، في حين بدأ الصبي السقا في البحث بشراسة عن حماره، متبوعاً بنعوت مختلفة من أصدقائه العطشى، الذين كانوا يعرفون بأن النكهة التامة للسيجارة تأتي فقط من شربة ماء بارد.
وسرعان ما حل الظهر، وكان يوم خميس، يوم دفع الأجور. فيوم الجمعة هو يوم العطلة الأسبوعية عند المسلمين، وهؤلاء الانجليز كانوا متسامحين إلى أبعد حد في علاقاتهم مع عمالهم المسلمين فلم يكونوا يطلبون منهم العمل في يوم عطلتهم. وكان ذهابي بالسيارة إلى «عنتياب» قصيراً، لذلك فقد تأخرنا لنسلم الأجور للعمال، حيث كان تأكيد لورنس على أن ذلك ضروري.
Page 10
ووضعت طاولة في الساحة المفتوحة أمام الغرفة الضخمة للبعثة، وبدأ وولي بتسليم القروش المعدنية للعمال المصطفين في طابور. وكان ذلك بسيطاً، ذلك أن الرجال كانوا يقومون بجلب اكتشافاتهم في يوم دفع الأجور، ويتلقون مكافآتهم النقدية عن كل ما يقدمونه. وبالطبع، فقد كانت العناية بأي جزء يتم العثور عليه من الآثار أبرز ما في عملهم؛ وفي الحقيقة فإن الاكتشافات التي تمت قد أرسلت أخبارها وانتشرت في جميع أنحاء الريف من خلال يوم تسليم الأجور هذا. فهؤلاء الرجال المنقبون عن الآثار سيكافأون على ما قدموه. وسيتلقى بعض العمال عشرة قروش لكل منهم مكافأة لما قاموا به، وربما أكثر من ذلك لتشجيعهم على عملهم؛ بينما سيتلقى آخرون قطعة من آنية فخارية مع ابتسامة من قبل (وولي) فيما زملاؤهم يضحكون عليهم لمحاولتهم تقديم شيء زائف من الآثار ليس حقيقياً، وهم يستمعون إلى تنبيه وولي لهم بأن ذلك هو جزء من جرة ماء حديثة، مع قوله «لا يمكنني أن أدفع لكم شيئاً لقاء ذلك، وإنما سأحتفظ بذلك الشيء كما هو». وبذلك فإنه لن يدفع لهم ولن تعاد إليهم أيضاً تلك الأجزاء. وبين فترة وأخرى كانت قطعة ذهبية تلمع مثل عيون شخص عربي وهو يتسلمها كجائزة لقاء عمل باهر، ولكن سواء تلقى قطعة ذهبية أو ضحكة، فلم يكن قرار سيده وصديقه خاضعاً للنقاش.
وعندما كنا ندب بخيولنا عبر السهل على نغمة الأجراس المعلقة في رقاب الخيول، فقد كنا نفكر ملياً بما كنا نراه. فلقد كانت بريطانيا تحكم الكثير من أجزاء العالم، وكان ذلك بالإضافة إلى الاستحقاق والقدرة، بسبب الشعور الطيب الذي يتركه أبناؤها في جميع الأراضي والبلدان.
ولقد تعمق هذا الانطباع عند زيارتنا لكرشيمش وكذا عند استقرارنا في القسطنطينية (اسطنبول) ورؤيتنا لجميع نواحي الحرب العالمية؛ حيث شاهدنا اللعبة أو المسرحية الألمانية من أجل تحقيق النصر الكبير، إذ لم يكن الجسر الذي كانوا يقيمونه على نهر الفرات ليشكل أكثر من تمهيد ما لحدث عظيم. إلاّ أنّ الألمان خسروا بسبب الطريقة التي اتبعوها.
أما لورنس فقد عمل بطريقة مختلفة. وقد كان إنجازه غير العادي رائعاً وفوق مستوى القياس. غير أنه لم يكن معجزة. بل كان عملاً متفوقاً من الذكاء، والخيال، والقدرات الشخصية.
ورغم أن الكاتب روبرت لويس ستيغنسون يستهجن في كتابه «دفاعاً عن الكسولين والعاطلين» كيف أن «العديد من الأشخاص قد استخدموا كتابه بإتقان ويعلمون تماماً بطريقة أو بأخرى ما هي المعرفة المكتسبة المقبولة، ويقرون ويعترفون بهذه الدراسة على أنها كمثل بومة قديمة أو كالديناصور، وتبرهن على جفاف، وحمق، وكآبة في نواح مختلفة من الحياة». ولكنه أي ستيغنسون يجد في لورنس روح شقية، وأن العالِم والدارس يجد فيه ضالته، سواء كان مولعا بالكتب أو شبيها بالبوم.
وخلال الأيام المبكرة للثورة العربية، كان النقيب (الكابتن) لويد، وهو الآن السير جورج لويد، الحاكم الحالي لمدينة بومباي، مع لورنس في الصحراء لفترة قصيرة. وقد قال لي مرة: «من الصعب وصف بهجة الزمالة الحميمة مع مثل هذا الرجل. فقد وجدته شاعراً وفيلسوفاً على حد سواء، بل إنه بروفيسور بإحساس قوي من الدعابة».