eKtab
EN ع
لست جرحاً ولا خنجراً أنت البكاء الطويل في الليل
Read free sample

لست جرحاً ولا خنجراً أنت البكاء الطويل في الليل

by قاسم حداد

Page 1

مساميرُ السفينة

إهدأْ قليلاً

وانتظرْ تلك الحشود تمرُّ ذاهبةً إلى الماضي

ودَعْها ،

دَعْ لها مستقبلاً ينساكَ

واهدأْ

ريثما يتذكر القتلى خريطتَهم

حشودٌ تنتشي بالغيم

تهفو للدلالة

فانتظرها وهي تعبرُ

ربما تكبو كما جيشٍ وهاويةٍ

وتحتملُ الخسارةَ

فانتظرْ واهدأ قليلاً

ساعةٌ في التيه أقسى من يـدٍ مبتورةٍ

لَمْلِمْ مساميرَ السفينةِ وانتظرْ

يأتيكَ موجٌ من تجاعيد البحار

ويجيئُ حشدٌ ضائعٌ،

أين السفينة

كلما أصغيتَ أجَّلْتَ المراثي

لستَ في حِلٍ من التأويل

لا المعنى يَـدُلُّكَ

لا انتهاكات المُغنِّي وهو يَجْرَحُ صوتَه

لا رفقةُ الحيتان

إهدأْ وانتظرْ

وأنظرْ سفينتَك الوحيدةَ وهي تغرق عند رأس البحر

في حِلٍ من التأويل

شعبٌ شاخصٌ في الغيم

لم يحسنْ قراءةَ موجِه

لم يبتكرْ سفراً بلا سُـفـنٍ

ولا يُحصي مساميرَ السفينة وهي تَصْدَأُ

فانتظرْ واهدأ قليلاً

ريثما يرتدُّ بدوُ البحر عن أخلاطِهم

يأتون مضطربي العناصر

منهكين

ضغائنٌ في لغوهِم

فاغفر لهم

وأهدأ طويلاً

ريثما يبكون

Page 2

الخبر

لا تريدونَ أن تسمعوا خبراً عاجلاً

في بدايات ليلٍ طويلْ

لا تريدون هذا العويلْ

ليس في البيت ما ينتهي للتأمل

فالبيتُ أن تنتمي

مثلما تفتدي وردة المستحيلْ

إنما في الحياة التي تشبه الله فينا

الحياة التي سوف تنتابنا

مثل أسطورةٍ

يَغدُرُ الله بالحلم في جسدٍ طازجٍ

كي نُصدّقَ أخبارَنا

هل تريدون أن تسمعوا بيتنا

مثلَ طفلٍ عليلْ

Page 3

صديقة التشللو

تتركُ كمانَها في ركن البيت

مستوحشاً

والقلب في رعشة الحب

تنسى القوس

تنسى درسها

تنسى سلالمَ الإيقاع

ولا تنسى جنة العائلة

تَحضنُ طفلتَها متلعثمةً بفصاحةِ المعرفةِ

واختلاجِ المذعور

ثمة غابةٌ تعيث في المدينة

ثمة طفلة في المباغتة

في انبثاق الهلع من مسامٍّ غضَّةٍ

طفلةٌ - أكثر جزعاً من أوتار الكمان -

تَـكـنُّ طفلتَها بحضنٍ حانٍ

كَمنْ يحمي وردةً في عاصفة

هذا هو الدرس قبل الموسيقى وبعدها

خوفٌ يحبسُ الطفلة في خشية الأم

ويزيح الكمانَ في العتمة

طفلةُ في الموسيقى

أوتارُها أدنى من الصوت

وأقصى رهافةً من الصمت

تصغي مأخوذة مثلَ اكتشاف الحياة

فالخوفُ موسيقى أيضاً

طفلةٌ تسهر في حضن طفولتِها

مشغولةً عن كمانِها

تروي حكاياتها عن شمسٍ في الحَبس

وتضعُ الحبَ في مكانه

فيما الحزنُ في الناي

فيما الغموضُ في الغيم

فيما الغيابُ في السَفَر

فيما السؤال في الناس

فيما الكمانُ وحده

يصغي ويكفُّ عن النوم

طفلةٌ وحدَها ،

في آخر الليل

تسمع كمانَها الوحيد

يعزفُ الحزنَ وحده

Page 4

خطأ الدم

ليس للدَّمِ صوتٌ

انه الصوتُ

والصمتُ والمستَخفُّ من الروح

فالدَّمُ لا ينتمي للكلام

انه شهوة الغائبين عن البيت في العُرس

قنديلةُ الضائعين

ارتعاشُ الضغائن في لحظة الحب

بابٌ لنا عندما يعترينا الندمْ

ليس للصوت دمْ

نسمِّيه أخطاءَنا

كي يرى الله

- من حمرة الأزرق المستهام -

ويغفرُ أنّـا خرجنا عليه

رفضنا دماً في الكلام

فمن يسمع الصوتَ في الدمّ

يصغي إليه وينتابنا

Page 5

حيرةُ الروح

مثلما يُطفأ الضوءُ في الليل كفَّتْ المخلوقات عن طبيعة اللغة، وتوقفَ الكلامُ عن البوح، وجَمدتْ الحياةُ في الناس أخذت الرطانات تَصرخُ

والصمتُ يُزهر في بهجة الجُرح، والمجابهات تعوِّق حواس الكائن يهرع صديقٌ فيرى في الصديق عدواً ماثلاً ممتثلاً لوهمٍ عدوٍّ يدُه طليقةٌ

ورُوحُه في الأغلال حشدٌ يتلعثمُ بوسائطَ حبٍ فاترٍ، ويتعثَّر بأشراكٍ ضاغنةٍ وتناله الحيرةٌ الضارية

هكذا بغتة كمن يقتل الضوءَ في غرفةٍ

نرى حياتنا تنسَلُّ من العناقات مثل سوط النار في كواهل العبيد ثمة خرافة تتماثل في الغفلة

Page 6

ذخيرة

ومَنْ لديه طاقة النسيان لينسَ

أما نحن

نسيانُنا يُفقدنا صورةً تصقلُ الخيالَ في الروح

مَنْ لديه طاقة النسيان

فليذكر أنه شاهدٌ في غابةِ الحريق

وأنه الدمُّ الأخير في القتل

وهو اللون الذاهبُ في الجُرح

فَمَنْ استطاع النسيانَ فلينسَ

أما نحن

خيالنا مشحونٌ بذخائر الليل

بالصورة مكنوزة بالمرايا وذكريات الغيم

حتى إذا ما نسيتمونا

تذكرناكم في صلاة الكتمان

ثمة قتلى لا يحسنون النسيان

Page 7

يبكي ويعزف

هادئٌ مثل إعصارٍ وشيكٍ

أجنحتُه كثيرةٌ والريحُ تَشُحُّ

لماذا كلما نَهَضَتْ لغةٌ

كلما بكتْ قُبرةٌ

كلما اكتملَ ليلٌ

يرى الأنخابَ المخبوءة

فتناله الرأفةُ بالزُجاج في الماء

ويوشِكَ على الحُلم

نيرانه المكتومة تصقل الجمرَ في مواقع أقدامه

أقداحٌ تفيضُ وتشفُّ عن ولعٍ طائرٍ في صداقة الريح

خطواتُه في الرمز الرشيق

يبكي لئلا ينسى

يبكي لكي يوقظَ الحجرَ من سباته

يَعزفُ أو ينزفُ

تُصغي إليه غفلةُ الناس

عريشته في الحزن ومقصورته في الفرح

كلما التفتَ له شخصٌ احتضنه بالتآويل

وذرائع الأمل

له ذؤآباتٌ تنير عتمةَ الكائن

تَصْعَدُ به شرفاتٍ وسلالمَ وأغنيات

لإيقاعِه شجنُ العذارى وشَغفُ الثواكل

وشكيمةُ الفَرَسِ الهائمة

يُصغي لطرائد الطبيعة في الفَرار والفوضى

يبتكر صناجاتٍ تمنح المعنى طاقة السَفر

ويسهر على ترويض الأعاصير

كلما صادفَ جُرحاً طَرَحَ عليه الصكوك والمواثيق

كلما بَكتْه امرأةٌ منهمكةٌ بصنيع المعادن

تخلله غيمٌ وخالجته شهوة المغامرين

موسيقاهُ كنزُهُ الوحيد وخسارَتُه النادرة

ميزانُ الذهب ساعته

وكرةُ اللَّهب بوصلته في سهرة الندم

محتقنٌ بالدلالات

يغوي الخطأ لكي يُصيب

Page 8

ذئاب

ذئابُكَ ليستْ من الوحش

ليس مِنْ طبيعتِها مَـسُّ شخصٍ

يجاورُها في الحزين من النًّص

ذئابٌ تَجسُّ جراحَ المصابين بالفقد

ذئابٌ لها من صفات التصوفِ

مِنْ صورةِ الناسكين يؤدونَ طقساً

ويستشهدون بأخطائهم حكمةً

فمن أين، في الناس، شخصٌ له حكمةُ الذئب

له في الحنان والشغف المستثار

مِنَ الناسِ

شخصٌ له شجنٌ مثل هذي الذئاب

فبجِّلْ ذئابك قبل الذهاب

Page 9

الطعنة

ها أنتِ أيتها الطعنة تغمدين النصلَ في الخاصرة

ها أنتِ، يا الغادرة

لا أنا في مقتلٍ

وليس بوسعك شَـدِّ الخنجرَ دونَ موتٍ

ها أنتِ في الأعداء تدركين

رجعة النصل أكثرَ قتلاً من الطعنة الفاجرة

فمن أنتِ أيتها الطعنة

هل تعرفين الشخصَ في قَتلةٍ خاسرة ؟

Page 10

الأخدوعة

أخبارنا ضائعةٌ في البحار

والمرافئ منهوبةٌ في الفقد والتجارة

سفائنُ مكنوزةٌ لا تَصلْ

أيهذي البحار الغريبة

من أين تأتيكِ أخبارُنا

ولنا في القلوع الكسيرة أخدوعةُ الليل

بيضاءُ بيضاءُ يحرُسُها جوعُها

البلادُ التي ضيعتنا بأنشودةٍ لا تصلْ

فهل نحن بحارةُ الفقد

نصطادُ لؤلؤةً كي تضيعْ،

نُغنِّي لها عَلّها تستجير بنا مرةً

في هدأة الليل

في خشبٍ تائهٍ

في مواثيقَ مهدورةٍ

في النساءِ اللواتي بَعثنَ لنا بالرسائل كي لا نغيبَ

فنرسل أخبارَنا،

غيرَ أن البريد المغامر في عَوْدِهِ لا يصلْ

جائعونَ وعطشى

وترجُعُ أخبارُنا كالصدى،

أيهذا المدى قُـلْ لنا

ما الذي يقطعُ الصوتَ فينا

ويسرق مَحّارَنا،

ما الذي سوف يبقى لنا كي يصلْ