Page 1
حنان بيروتي
و"ليل آخر" من الخيبة والتعاسة والصدمة
بقلم: أحمد فضل شبلول(*)
تكتسب "القصة العربية القصيرة جدا" كل يوم أرضا إبداعية جديدة بفضل كتَّابها ومبدعيها الجدد الذين يحاولون تقديم جماليات جديدة لهذا الفن، تناسب ذوق العصر وتتماشى مع احتياجات الإنسان الثقافية والفكرية والأدبية.
ولعلنا نتذكر أن "القصة القصيرة" نشأت في أحضان الصحافة من حيث المساحة والمعالجة، حيث أحسنت الصحافة استقبالها، وفردت المساحة المناسبة لنشرها، مما أسهم في انتشارها وتقديم عدد كبير من مبدعيها إلى القارئ العربي.
وأعتقد أن "القصة القصيرة جدا" تمر الآن بالمراحل نفسها من حيث استيعاب وسائل النشر الحديثة لها خاصة الوسائل التكنولوجية أو الرقمية، سواء على شبكات التواصل الاجتماعي بالشبكة العنكبوتية الرئيسية (الإنترنت) من فيس بوك وتويتر وغيرهما، أو على شاشات أجهزة التليفون المحمول، أو حتى على صفحات الجرائد والمجلات الورقية التي تميل إلى تقديم مساحات أقل للإبداع (شعرا كان أو قصة قصيرة) مما كان في العقود السابقة، وحتى القارئ نفسه لم يعد لديه الوقت الكافي لقراءة قصة طويلة أو حتى متوسطة الطول، اللهم إلا للأسماء المعروفة.
غير أن هذا القارئ قد لا يغفر لكاتب قصة قصيرة جدا يقدم له شيئا غير جيد أو غير مفاجئ أو لا يحمل إبداعا حقيقيا في هذا الكم الضئيل من الكلمات أو السطور، أو في هذا الحيز الصغير من المساحة الورقية أو الرقمية، فإذا لم يكن هناك إبداع حقيقي وتكثيف وتركيز وتشويق ومغامرة فنية ما، فقد يسقط الكاتب من نظر القارئ ولا يعود إلى قراءة نصوصه وأعماله مرة أخرى.
وسط هذه الرؤى المتشابكة إبداعا ونقدا يبرز اسم الكاتبة الأردنية حنان بيروتي التي تابعتُ إنتاجها القصصي منذ سنوات على بعض المواقع والمدونات بشبكة الإنترنت، وعلى بعض صفحات المجلات الورقية.
وقد لاحظت أنها استطاعت في كثير من قصصها القصيرة جدا أن تحقق تلك المعادلة الصعبة التي تكمن ما بين الحيز أو المساحة والإبداع المتألق. ولعل المجموعة القصصية التي بين أيدينا الآن "ليل آخر" تؤكد هذا الأمر.
احتوت مجموعة "ليل آخر" على واحدة وأربعين قصة، تنوعت ما بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، دارت معظم أجوائها ـ كما تشي عناوينها ـ ما بين العتمة والجوع والبكاء والغفوة والإغفاءة والدمعات والضجيج وسوء الفهم والخطى العارية والنداءات والدوائر والليالي والظلال.. إلى آخر هذا العالم الإنساني الكثيف الذي تصوره الكاتبة بمعالجات فنية مختلفة، وبضمائر متنوعة وخاصة ضميري المتكلم والغائب، مع ملاحظة عدم تسمية شخوص القصص في معظم الأحيان، لتظل القصة حالة من حالات الغليان أو التشظي الإنساني التي لا تشير إلى شخص بعينه، فمثل هذه الحالة التي تنقلها لنا الكاتبة من الممكن أنْ تنطبق على أشخاص عديدين، أو أشخاص آخرين غير شخوص القصة المعينة.
Page 2
أحيانا نشعر أن آبار الذكريات قد فُتحتْ على اتساعها، وأن الكاتبة تستخرج كلماتها ومشاعرها ورؤاها من هذه الآبار، وأن البوح الإنساني والشجن الدافئ والصراخ الهامس، والهمس الصارخ يسيطر على عوالم بعض القصص، في حين تسيطر التكنولوجيا والحواسيب والعلاقات الإنسانية الباردة "غربة باردة تباغتها وهي تنام في فراش وبين جدران لم تعد تألفها" على عوالم قصص أخرى.
ولكن تظل قصة "ليل آخر" التي اختارت حنان أن تتخذها عنوانا للمجموعة كلها، تحمل ـ على قصرها ـ مشاعر القسوة من ابن ـ لا تسميه الكاتبة ـ لأمه ـ أيضا لم تسمها الكاتبة ـ التي تعاني من مرض أقعدها عن الوقوف والمشي، وعندما يطلب منها الابن أن توقع على معاملة أو ورقة، تظن أن هذه المعاملة هي معاملة استقدام خادمة تسندها في شيخوختها ومرضها، وتتذكر كم هي توسلت وبكت في سبيل جلب مثل هذه الخادمة التي تعينها على تحمل أوجاع الليل ووحدة المرض وعذابه، ولكن الابن القاسي في لحظة فارقة يخبرها أن تلك المعاملة هي "معاملة التنازل حتى ما نتغلب مع البنات!" كاشفا طمعه وحرصه الشديد قبل رحيل أمه أن تتنازل عن ممتلكات ما أو أموال ما، وتنجح الكاتبة في عدم الكشف عن مفردات تلك المعاملة تاركة للقارئ مساحة من التفكير والمشاركة، وتسلط كاميراتها على حال الأم التي جرَّت كلمات ابنها الجمرات عليها لتدخل في "ليل آخر" أعتقد أنه لا نهاية له، هو ليل الخيبة والتعاسة والصدمة التي جلبها الابن إلى جانب ليل المرض والتعب والإنهاك.
وهناك ليل آخر تحمله المجموعة القصصية عبر قصة "تلك الليلة"، ولأنها حالة خاصة فقد أسمت الكاتبة بطلتها "أحلام" التي تعاني من جو بارد يكوي العظام، ويجعل أطرافها ترتجف وفكها يصطك لا إراديا وتزداد ضربات قلبها. وينقلنا هذا الوصف أو الجو البارد إلى مشاعر دافئة وذكريات حميمة تحملها أحلام لأبيها، على العكس من الابن في القصة السابقة.
لقد أعجبني في تلك القصة براعة الكاتبة في تصوير الجو الخارجي شديد البرودة، ومزجه بالجو الداخلي أو النفسي أثناء استدعاء ذكرى الوالد الراحل فتشعر أحلام بالدفء الذي تفتقده خارجيا. ومع كل اشتداد للبرد تحضر صورة الأب وكأنها طوق النجاة من برودة العالم الخارجي بكل علاقاته وتشابكه غير المفهومة لطالبة تستعد لامتحان التوجيهي.
على هذا النحو الإنساني الكاشف تدور معظم قصص حنان بيروتي في هذه المجموعة القصصية التي تعد إضافة جديدة إلى نبض الأدب العربي المعاصر في رصده وكشفه ومواكبته لأحلام الإنسان العربي وآماله وإحباطاته وآلامه وهواجسه منذ مطلع الألفية الجديدة وحتى تاريخ كتابة آخر قصة في المجموعة، فهل آن لمثل هذا الليل أن ينجلي؟
______________
* -شاعر مصري يعمل حاليا في مجلة العربي الكويتية.
Page 3
أقـــوال
"يأتي في مقدمة أولويات القاصات الأردنيات، الهموم الإنسانية العامة، فهن بعيدات عن الإقليمية والقطرية والطائفية، تعكس قصصهن معالجتهن لأرق الجماهير، والبحث عن سبل إرساء قواعد السلام والأمان والعدل والديمقراطية في العالم، وكراهيتهن للحرب والدمار الذي يحصد الأبرياء، تقول القاصة حنان بيروتي في قصتها (تعرفني أحب الورد): (بكاء متواتر لطفل وليد يخفت ويعاود الارتفاع، صوت لمذياع ينزف أخباره، ثمة امرأة تفترش البلاط، يشدها الشهيق فتنتفض، يدر نهدها حليباً حاراً محتجاً، ترفع رأسها المرئيات، تميد دوائر تتلاحق فقاعات، ترتفع لمدى عينيها وتنطفئ!"
محمد المشايخ -ناقد وباحث أردني
"استعانت بيروتي في هذا النص بقدرة الأنثى الفائقة على فهم الرجل أكثر من قدرته هو على فهم نفسه , بسبب الخبرة العميقة للمرأة هذه الخبرة التي منحها لها الميراث العظيم من القمع الموجه ضدها عبر التاريخ . فتجربتها الطويلة مع القمع الذكوري منحتها دقة كبيرة في التعبير عن هذا الفهم للرجل".
احمد ضحية -كاتب سوداني
"قارنت بعض القصص بين عالم الكبار الذي يتسم بالشرّ والنفاق والكذب والزيف والكراهية، وعالم الصغار الذي يتّسم بالبراءة والطهارة والفطرة والحبّ. حيث تبرز هذه الخاصية في تصوير أحوال الطفولة المعذّبة التي تفقد حنان الأمومة وتعيش تحت رحمة زوجة الأب، التي جسّدتها "حنان بيروتي" في قصة "خطى عارية" بلمسات حانية، تقطر عاطفةً طفليةً، فالتلميذة المسكينة ما إن ترى المرأة التي جاءت إلى المدرسة لتسأل عنها، حتى تعترض طريق معلّمتها" "وقفت بوجهها الطفولي الملطخ بالخوف قبل أن تهمس بنبرةٍ تتقطر رجاءً: يا مس! يا مس ما تحكيلها عني إشي!.
بلحظة استعادت المعلمة صورتها في الصف، هادئة مطيعةٌ كثيرة السرحان. صحيح أن مستواها الدراسي متوسط، لكنها....
انتشلت المعلمة من أفكارها بسرعةٍ وهي تهمس بانكسار: يامس، هذه ليست أمي! إنها زوجة أبي!".
وواضح أن القصة تعبّر عن حال الطفولة البريئة التي تريد أن تعيش من دون ألم، نتيجة التفكك الاجتماعي، وتكسب مهادنة الكبار، خوفاً من العنف الأسري."
محمد قرانيا -الملتقى الثامن للقصة القصيرة جدا /حلب /2010
"هاهو الشرخ الإنساني الناقص الفادح، والجرح الذي يصعب أن يندمل تقدمه لنا حنان بيروتي في نص قصصي يتسم بقدر من الدقة والإحكام، وأول ما يلح على ذهن المتلقي هو تلك الكتابة الجارحة التي لا تهاب أن تواجه الوجع الإنساني في شتى تجلياته، وفي نفس الوقت لا تطرحه بنوع من الاستعراض المجاني بل تمرر عليه الأصابع المتعبة في خشوع وتمهل لأنه جرحنا الشخصي".
" ولنعد لقلب النص فنزعم أن الطبقات السردية التي قدمتها حنان بيروتي قد نجحت في الكشف عن تلك العلاقة المريضة بين الرجل والمرأة في مجتمعنا العربي، ولو عدنا للأدب الغربي فسنجد أن كاتبا عظيما مثل" فرانتس كافكا " قدم المسخ المؤثم لرجال يعيشون على هامش الحضارة الأوربية في صورة مرعبة وتبعث على الاشمئزاز تماما، وبطريقة تجمع بين الغموض والتضبيب المقصود، وفي حالتنا هذه لم تختبيء الكاتبة خلف ثنايا السرد بل أبانت هويتها وكشفت انحيازها بكل جسارة وكأنها تعلن مع سحر خليفة " لم نعد جواري لكم ".
مير الفيل -قاص وروائي مصري
Page 4
عتمــة !
انقطع التيار الكهربائي بغتة، لعنتْ المرأة الحظ المنحوس، وظلتْ أصابعها ممسكة بجورب كانت قبل لحظات منهمكة في رتقه، تفكر... ماذا تدبر لولدها ليلبسه عند ذهابه للمدرسة غدا؟ وحصة الرياضة يوم الثلاثاء وما تتطلبه من زي آخر غير زي المدرسة المتكرر والذي أمكن تدبيره من هنا وهناك.
تحدق بالعتمة المفاجئة، يرتسم أمامها وجهه المحتقن ودمعته الحارقة وهو يخبرها كيف أجبرهم أستاذ الرياضة على خلع الأحذية ليعلمهم مهارة جديدة أسماها "الوثب العالي" وكيف اضطر لخلعه وانكشف جوربه المثقوب، وتناهتْ لمسامعه تعليقات من زملائه مبطنة بالسخرية تلتها أخرى جارحة وصريحة في استراحة الخمسة دقائق بعد انتهاء الحصة.
أغمضتْ عينيها بألم كأنما لتمحو تلك الصورة وتلوذ من وقعها الثقيل، تخيلت نفسها في السوق تشتري له زياً وجواربَ جديدة، تخيلته يقفز في الهواء ببدلة رياضية مناسبة مجتازاً العارضة قبل لن يهبط على الفرشة السميكة برشاقة، ويصفق له الجميع! وجدتْ نفسها تبتسم بفرح صافٍ حتى دمعت، فجأة انبعث النور، تبددت الصور وتلاشت تلك الفرحة، ابتلعتْ دموعها وتابعت رتق الجورب علّه يجده جاهزًا صبيحة الغد!
Page 5
شمعــة
فيما كان يسترق النظر لزوجة المستقبل الوشيك وهي تنحني لجمع أكواب الشاي، تفاجأ بانقطاع التيار الكهربائي، أسرع لاحتضان كفها فرحاً، ندّت عنها صرخة خوف أو دلال لكنها كانت كافية لاختراق السكون بسرعة، أعقبها صوت الأم وهي تهرول للغرفة رغم العتمة: يمّه! ... يمّه تعالي بسرعة حتى نلاقي الشمع ونضويه!
اتضحتْ الرؤية بعد أن اعتاد نظره العتمة، رآهما تقفان مثل شبحين، تمسك الأم ذراع ابنتها وهي تقول بلهجة من يقصد أن يشدّد على كل حرف: شكل الكهرباء هالمرة مطولة ويمكن ما ترجع الليلة!
تراجعت فرحته وحلّ مكانها تكدُّر وهو يستأذن بالانصراف محرجا.
لا يدري ما الذي جعل ذلك الموقف يرد في خاطره الآن؟ ربما انقطاع الكهرباء على نحو مفاجئ فيما كانا -هو وزوجته -يتابعان فيلم رعب، التصقت به بخوف لكنّه أبعدها بسرعة متذرعا بضرورة إيجاد شمعة!
9/12/2009
Page 6
جـــــوع
أمام مدخل الحمامات في المطعم تتابع الجلوس، في ملامحها طفولة ذابلة، عيناها معلّقتان بالداخلين ترجوهم بالإيماء حيناً وبالكلام أحياناً أن يشتروا منها محارمَ ورقية، وتمد كفها الصغيرة بلهفة لتقبضَ على المبلغ الزهيد، وقفتُ أمامها لحظات لم أستطع تجاوزها بتلقائية محايدة كما يفعل الآخرون، رمقتني باستطلاع مشوب بخوف: ماذا؟! نظفت الحمامات قبل قليل؟ أرجوك ألا تشكيني للإدارة سيضربونني ويحرموني من الأكل! وأنا أكاد أموت من جوعي..!
سألتها بإشفاق: هل تنظفين الحمامات بعد كل هذه الأفواج الداخلة إليها؟!
قالت وهي تعيد ترتيب المحارم الورقية على الطربيزة أمامها: إن وجدوا حماما متسخا يعاقبونني ليومين!
قالتها بحزن لا يتناسب وعمرها الغض، ونظرة الجدية لا تغادرها وهي ترقب الداخلين وتسترق النظر باشتهاء مكتوم لأصناف المأكولات المحمولة للقاعة برائحتها الشهية، في نظرتها جوع عميق... للطفولة!
Page 7
صــــوت
بغير قصد -فيما طفلها يحبو على بلاط المطبخ -سقطتْ منها آنية الطعام المعدنية فأثار ارتطامها بالأرض قرقعةً ضخمة أعقبها رنين يصم الآذان، لحظتْ بأنه لم يجفل ولم تصدر عنه أية ردة فعل ولو بسيطة كأنّ شيئا لم يحدث، أجفلت من الداخل، خوفٌ غامضٌ مترقّب منبئ بالخطر تدافع لأعماقها، خوف يسبق لحظات الكشف عن أمر موجع غير مرغوب في حدوثه، أعادت إسقاط الآنية عن قصد وترقّب هذه المرة، وحواسها معلّقة بطفلها... لم يحدث شيء، بدا واضحا أنه يعيش في عالم خاص به ومألوف له ساكن معزول، لم يسمع...!
لكنّها سمعتْ بوضوح صوتَ بكاءٍ مرّ آتٍ من أعماقها..!!
Page 8
بكــــاء
أهرب من جموع تطاردني ترتدي السواد، تلهث خلفي مثل كلاب بوليسية مدرَبة تنبثق من الفراغ بضجيج منتظم تتشكّل جماعات متقاربة وتطاردني أركض... ألهثُ.. لكن الأشكال السوداء تستمر بمطاردتي, تتنظم بخطوط مستقيمة أشبه بطرق متوازية, تتابع التدافع يا رب! لماذا يطاردونني؟! لا أتذكر بأني أسأت لأحد, أنا إنسان مسالم لا أتقن الخروج عن المألوف والاعتراض! ولا أعداء لي كي يدبروا لي انتقاماً ... لماذا؟!
فجأة يتوقف كل شيء ويعم سكون تام, تتجمد الأشكال خلفي تصطف بانتظام كأنما تتهيأ للانقضاض عليّ, لكني لم أعُد أحس بالخطر أو بالخوف أقبعُ في مكاني لكني ماذا دهاني لماذا لا أستغلُّ هذه الهدنة غير المعلنة إلا من طرف واحد... لم لا أستغلها للهروب؟! فرصة قد لا تتكرر خاصة أنّه من الواضح بأني لست من يضع الشروط هنا, لكن إلى أين أهرب؟!!
أنظرُ حولي ثمة مدى من البياض الممتد بلا انتهاء , أنظر أمامي وأشهقُ برعب! ثمة وجه ضخم يظهر قبالتي, لا يبدو بأنه يراني, تمسك أصابعه الضخمة بفنجان قهوة يرشف منه رشفات متتالية قبل أن يمد أصابعه على لوحة مفاتيح مثبتة أمامه ويتابع ويا للهول!!! تعاود الأشكال التوالد وتطاردني أركض وألهث بقهر أود الصرااآخ الاستغاثة, أقرع الزجاج أمامي أتذكر موقف الغواص الذي نسيه فريقه في المحيط وغادر دونه, كيف أخذَ بالصراخ بعد أن انتظر لساعات, لم يكن أمامه إلا مدى مفتوح من الماء, وثمة أسماك القرش التي تترصَّد رائحته, كان عاجزا إلا أن يترك جسده ينجرف مع تيار الماء, أتذكر لكم تألمت لأجله لأجد نفسي الآن في موقف شبيه! لكن ما حولي بياض محايد ساكن وما يطاردني ليس أسماك قرش أو كائنات بحرية بل أشكال سوداء تتوالد بانتظام من الفراغ وأمامي آدمي ضخم لا يكترث بوجودي ولا يأبه بصراخي... لم لا أهرب؟ أبدأُ بالانزلاق على البياض، آه يبدو الأمر أسهل مما تصورت, ها أنا أبتعدُ عن الجيوش السوداء اللاهثة خلفي لا شيء حولي إلا البياض كأني مجرد نقطة في صفحة, أتكئ على إحدى الحواف الجانبية لأستريح، أرقبُ الآدمي الضخم وهو يتابع عمله بتثاقل, أتلصص عليه وهو يمسك بالخليوي ويتحدث, المسكين يبدو حزينا، يتحدث بانفعال وهو يضم أصابعه الضخمة, أنصت لكلماته التي تتسلل لمسمعي بانفعال: كأنّ جيش الوقت يطاردني مش مرتاح حتى في نومي ضغط... ضغط والله أنا مش آله !! ابني مريض ومرتي "حردانة" عند أهلها حاسة شغلي على الحاسوب ضرّتها !... مش لاحق مصاريف والشغل فوق راسي ولازم أكمله اليوم!!
يلقي بالخليوي يغطي عينيه بكفه ويبكي!! دموعه تجرّني للبكاء، أتفاعل معه دون أن يدري... نبكي معا!
Page 9
مــــرآة
وجدتُ نفسي أبدّل برنامجي اليومي وأنزل من الحافلة لأتجه دون تخطيط صوبَ باب الجامعة الرئيس، الجامعة التي غادرتُها منذ ما يزيد عن عشرين عاما مرّت مثل زوبعة، رجوتُ الحارس الذي سألني عن هويتي الجامعية باستغراب ظاهر أن يسمح لي بالدخول لأني كما لفّقتُ بلحظة ذكاء طارئة أود مفاجأة زميلة سابقة لي تعمل في قسم سكرتاريا اللغة الإنجليزية بزيارة! ما إنْ دخلتُ الشارع العريض المسيّج بأشجار السرو والذي يظهر على شماله مبنى رئاسة الجامعة، وعلى يمينه المكتبة بلون قرميدها القرمزي المميز حتى تدافعت ظلال تلك المرحلة ففي كل بقعة ذكرى، وتصاعد الحنين، كدتُ أبكي متحسراً على تلك الأيام، أيام الدراسة حيث لا هم ولا شاغل إلا "الفاينل" وكيفية تمضية أوقات تضجُّ شباباً، أتلفّت حولي لا أرى غير وجوه فتية غريبة، ضحكات تفرقع ببهجة صافية لم تكدرها شوائبُ الحياة، لا يلتفت إليّ أحد، فكرتُ أن اختار مقعداً بموقع استراتيجي وأراقب، لكن سأبدو حينها وحيداً وغريباً فقررتُ أن أتجوّل علّي استعيدُ بعض ألق الجو والإحساس، أنظر لكل شيء حولي، سرتُ وبدأ يتلبسني إحساس عميقٌ بالفرح والارتياح، كنتُ أدركُ بأنّه مزيف، لكني تابعتُ، أحسستني أعودُ طالباً تمنيتُ لو أحضن دفتر محاضرات ويسلّم علي أحدٌ أيّ أحدٍ أعرفه أو لا أعرفه، ونجلس في الكافتيريا نتحدث بأي كلام ونضحك لأبسط سبب ونتصيّد الجميلات، تصطدم نظراتي بمرآة مثبتة على الجدار داخل الكلية، لم أستطع تجاوزها، أنظر لهيئتي... وجهي فقدَ نضارته وتسللتْ إليه خطوطُ الزمن وبانت تفاصيلُ التغضنات التي تواصل غزوها، دققتُ أكثر، ثمة كرش يبرز بوضوح، لا بد أنّ المرآة مخطئة، ألم تستطع مجاملتي قليلاً؟ أحسستُها تقذف بي، ابتعدتُ عنها وأسرعتُ السير كأنّها تتبعني بنظرة ثاقبة لا ترحم، وجدتُ نفسي أجري كأني أهرب من عدوٍ غير منظور، أصطدمُ بشاب صدمة قوية تهتزُ كفه الممسكة بكأس ويتراشق السائل الحار عليه، أكرر الاعتذار بصورة متلاحقة، لاحظتُ بأنّه يشبهني كثيراً عندما كنت في مثل سنه، عجبتُ من تقبّله الأمر بكثير من الود: لا بأس! لا بأس! ويضيف بحزن: لا ترهق نفسك يا صديقي فهو أسرع منك على كل حال!
قبلَ أن يغيبَ في الزّحام...!
Page 10
رُفعــت الجلســـة
ابتدأت إجراءات المحاكمة بمجرد اكتمال النصاب القانوني ثبت الديناصور نظارته الطبية وهو يلقي بنظرة جانبية متفحصة للمتهم الرابض في قفص الاتهام!..
: بعد المداولات وجدت المحكمة المتهم مذنبا بالجرائم التالية: أولاها: مذنب بممارسة السحر والشعوذة مما يخالف القانون الذي لا يعترف إلا بسيادة العقل والمنطق بمنأى عن الخرافات والأساطير وما من شأنه تشويش العقول وتضليلها! ثانيتها: مذنب بنبوءته المغرضة بانقراض الجنس الديناصوري الأعظم وانتهاء حكمه وسيادته للعالم وانتقال السيادة لعنصر بشري يبدأ بتدمير نفسه بنفسه بعد بضعة آلاف من السنين! لذا قررت المحكمة الحكم بالإعدام على هذا الديناصور العرّاف ليكون عبرة لمن يعتبر! رفعت الجلسة!