Page 1
(1)
هذا ما حدث، لكم أن لا تصدقوا!
لم يكن أحد ممن يعرفون السيد يونس رحيم، أو سمعوا به، يتصور أن هذا الرجل الهرم جداً، الهزيل الجسد، الكليل البصر، سيكون بطل حكاية عجيبة مثيرة لا تصدق· لذا فإن من يسمعها يعتقد إنه قد جن، أو اعتراه خرف الهرمين، بل ربما حل في جسده شبح ماكر، أو أحد الكائنات الأسطورية التي يقال أنها تستوطن هذه القلعة العريقة الموغلة في القدم، والتي تحوي سكنه الصغير· من يفكر بغير ذلك، يتصوره شاباً أو كهلاً نشيطاً؛ فهو إذا كان صادقاً فلابد إنه بقوة وحيوية تمكنه من خوض غمار هذه الرحلة الهائلة الطويلة المرهقة، ويعود منها سالماً ليرويها بذاكرة متقدة جلية كاللهب· وإذا كان دعياً كاذباً كما قيل، فإن حكايته تدل على خيال جامح، لا يمتلكه الشيوخ العازفون عن الحياة؛ واقعاً أو خيالاً!
منذ سنوات اعتكف يونس في قلعة أربيل كنسر عتيق فقد ريشه وأحلامه ورونقه· يعيش عزلة طويلة، وحصاراً ونبذاً من رفاقه، ومعظم أصدقائه القدامى·
في عصر رائقٍ خالطته نسمات باردة منعشة بعد ظهيرة ساخنة، التقى أصدقاء قلة تبقوا معه، رغم اللوم والتقريع والشكوك المسلطة عليهم من حزبهم وأصدقائهم الآخرين، وراح يروى لهم ما حدث له، وما رأى· بعضهم نقل ما سمعه منه بتفصيلات وقائعه، بنفس عفويته وحرارته في الحديث، بعضهم أطفأ كل شيء، وسفهه وأحاله ثرثرة مضحكة· ثمة شاب أجهد نفسه في صياغتها مقارباً الشعر، فجاءت غامضة جداً، قريبة من الطلاسم· آخر نظمها شعراً باللهجة الدارجة، وصيرها مرة مراثيً، ومرة نكاتاً· رغم تعدد الروي، واختلاف الكلمات والأساليب، أدرك من قرأها أو سمعها غرابة ما حدث· فمضوا يتناقلونها إلى بيوتهم، أو البارات والمقاهي· ثمة من وجد حكايته مشوقة مسلية ومضحكة، أو حزينة كئيبة تبعث على الأسى والملل، ولكنها كالحكايات القديمة؛ لا تخلو من عبرة· أخذ البعض وقائعها كمسلماتٍ وحقائق واضحة· بينما تداولها آخرون خرافات وتهيؤات وأوهاماً، خاصة بعد أن نمت وتضخمت على الألسن ورذاذ الأفواه· انتشرت الحكاية على أي حال· أضحى يونس مقصداً لكثيرين، يستحثونه للحديث بها ؛فيصغون له بانتباه وتعاطف، أو برثاء وإشفاق· بعضهم مست حكايته أوضاعهم أو سمعتهم، قالوا إنها(هراء وسخف، وإن بطلها هذا دعي ُ بلغ به الخرف والهذيان حداً يجب أن يحجر عليه بقرار محكمة؛ لتحكم أن كلامه وأحلامه وتصرفاته المادية والمالية لاغية أيضاً)؛رغم إنه لا يملك من حطام الدنيا شيئاً!
ظل يونس غير مكترث لما يثار حوله، متحدثاً بهدوء لمن يزوره، مختتماً كلامه دائماً بلازمة:
- هذا ما حدث، لكم أن لا تصدقوا!
تكاثر مستطلعو حكايته، والمتقصون لأصولها، بعد أن نمت كشجرة في جزيرة نائية مجهولة تحمل فاكهة غريبة: وجوهاً وكتباً، جواهر ولعباً، قناني خمور، وعظام طيور، هياكل أناس تعذبوا وماتوا، أناس لم يولدوا بعد· ورغم طولها وكآبتها وجدها البعض لا تخلو من تشويق ومتعة و فائدة· كان في كل مرة مع تغييره في الكلمات أو التفاصيل، ونبرة كلامه، وحرارته لا يخرج عن فحواها المدهش وغير المعقول والصادم لبعضهم· كثيرون أيضاً وجدوا في كلامه خلاصة روح هائمة نادرة في هذا الوجود، وتمنوا لو يستطيعوا أن يمدوا في عمره ليسمعوا المزيد من حكمته الممزوجة بالحركة والطرافة، وتأسوا أن عمر الإنسان مهما طال بالأغذية والأدوية أو الأدعية لكنه ينتهي دائماً، وبينما تزداد حاجة الناس إليه، لا يستفيد من حكمته سوى دود القبور!
Page 2
تقاطر على يونس رحيم كثيرون، ولم يعد يسعهم بيته الصغير المتداعي: صحفيون وكتاب ومراسلو وكالات أنباء وسياسيون وفضوليون وهواة إشاعات، وجدل سياسي، وأصحاب نميمة وفتن· أحد الأشخاص وجد حكايته خلاصة للأسباب التي آل إليها حالنا اليوم؛ قال: يونس هو رائد (الفضاء الأسفل) و(مكتشف الأعماق الأرضية الأهم من أعماق الفضاء الشاسع) إنه حصتنا في هذا العالم، بينما لأوربا وأمريكا (رائد الفضاء إلى الأعلى)، وكل ينطلق من قدراته وحاجاته، والمكان الذي هو فيه!· رجل من المكلومين وهو والد لشابين شهيدين، قال: إن يونس هو (مكتشف الشهداء، والمدافع العنيد عن حقوقهم) مضيفين: أن هؤلاء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل غيرهم، لم يجرؤ أحد حتى الآن أن يتكلم عنهم بصراحة، ويقترب من أعماقهم، ويتعرف على هول خسارتهم، وكيف صارت أرباحاً لرجال ونساء قطفوا الثمار المروية بدمائهم، دون أن يستحقوها، وما يجودون به على ذوي الشهداء؛ ما هو إلا فتات موائدهم؛ للتغطية على الصفقة المجحفة! من المؤسف إن ما يرويه يونس يمنح صحوة؛ لكنها جاءت متأخرة! آخرون وهم في محنتهم القاسية نظروا لما يتحدث به من زاوية عملية، أو فائدة مباشرة، فتطلعوا إلى معلوماته ونصائحه: آباء وأمهات يبحثون عن أبنائهم المفقودين، وفتيات وفتيان يبحثون عن أحبتهم الضائعين يتسلقون المنحدرات العالية ذات الدروب الملتوية إلى بيته؛ يريدون أن يعرفوا المزيد من التفاصيل عن حقيقة ما يقال عن هذه المعجزة التي بطلها هذا الرجل المنعزل في أعالي قلعة عتيقة غامضة، علها تكشف حقائق أو وقائع مجهولة ومبهمة عن مصير أبنائهم، وتلقي شيئاً من الضوء عما يجري اليوم من أحداث، وتقلبات تتعلق بالمصائر العامة، أو الشخصية! ويجلس يونس على سريره الحديدي المفكك؛ ليروي لهم ما رأى· يرد على أسئلتهم الكثيرة المتلاحقة· بعضها لم تكن تخلوا من فجاجة، كسؤال الكثيرين منهم: ماذا تتنبأ لنا ولبلادنا؟ هل سيتذكرنا العالم؟ هل سيقرون بفضل حضاراتنا القديمة عليهم؟ هل سيرفعون الحصار عنا؟ هل ستتغير الأوضاع؟ هل سيسقط طاغية بغداد؟ هل سنحظى بحياة رغيدة في وقت قريب؟ بعض الأسئلة ملتاعة كالقلب الذي شهق بها: هل رأيت حبيبي؟ نطقت به متلعثمة، فتاة لا تزال تحتفظ تحت شحوبها بجمال وفتنة· أعلمته باسم حبيبها الحقيقي، معتذرة إنها لا تعرف اسمه الحزبي، وهو الأهم في القضية، استغرقت بوصف ملامحه وخصاله ونضاله، ومكان استشهاده، سألت دون أن تنتظر إجابة سائلة: هل ستقوم بزيارة أخرى له وأصحابه؟ هل تستطيع أن تأخذني معك إليه، إذا ذهبت ثانية؟ أريد أن تقول له إنني باقية على العهد؛ لن أتزوج غيره! ولكن ثمة من بقى يسخر من يونس ضاحكاً:
- رائد فضاء تحت الأرض؟ كنا نتوقع أن يتوج سنواته التسعين بأن يكون رائد فضاء، يكتشف لنا كوكباً مأهولاً آخر في هذا الكون؛ نذهب إليه؛ وقد عجز عنه رواد الفضاء من الغرب والشرق، أليس هو حفيد أحمد بن فرناس البغدادي أول طيار في العالم؟ هذه المرة حتى إذا أذابت الشمس الشمع عن جناحيه، فهو يمكنه من قمة القلعة أن يمسك بذيل طائرة أمريكية ويحلق معها!
ويرد عليه آخر جاداً متفلسفاً:
- أعتقد إنه حاول أن يتخلص من جاذبية التاريخ التي هي أقوى من جاذبية الجغرافيا!
ويتدخل آخر بعد صمت وتأمل طويلين، لهؤلاء المتجادلين أو المتندرين بالحكاية قائلاً:
- وما الضير إذا كان الإنسان لا يستطيع الخروج من هذا الكوكب الصغير بنفسه أن يخرج بخياله ويرى عوالم أخرى؟ أو النصف المظلم من عالمنا، ويعود أو لا يعود، فلا أحد يدري هل الحقيقة هنا أم هناك! أم هي لا هنا ولا هناك! وكل جهودنا في البحث عنها مضيعة لوقت ينبغي أن ننفقه مع كأس وامرأة حسناء، وقطعة موسيقية، أو قطعة صمت وظلال، وعبير وذكريات! ما قاله هذا الشخص، يشجعنا على أخذ حكاية العجوز يونس على محمل الجد، وسواء صدقنا أو لم نصدق ما يقوله، ألا ينبغي أن نصغي له؟ أو لمن روى عنه، ونحاول أن نعرف ما حدث؟ رغم إنني ومنذ الآن أرفض الانحياز لآرائه وأفكاره التي قد يريد فرضها علينا كضريبة أو ثمن لبطاقة دخول، ومشاهدة رحلته التي يقول أنها مثيرة ممتعة، كما هي مضنية وقاسية!
Page 3
(2)
لا تزال قلعة الآشوريين تعج بالأشباح
ذوي الخوذ الحديدية!
في ذلك اليوم، يوم المعجزة كما أسماه البعض، فرح يونس لبزوغ الفجر· ضوءه الدافئ سيطرد أرقه وهواجسه وأفكاره الشائكة· مع ذلك أحسه يوماً غريباً كأنه قادم من جنة الأحلام القديمة· لكنه لا يحمل شذاها اللذيذ، إنما نكهة غامضة تدعو للتوجس· لليوم جناح طير يمس قلبه· خطر له أن ينظر إلى التقويم· في غمرة ذهوله المتواصل، اكتفى بهزة من رأسه، يأذن لليوم أن يأخذ تسلسله بهدوء بين أيامه العادية الرتيبة، قائلاً في نفسه، إنه مجرد قطرة براقة أخرى في سراب العمر!
تجاوز يونس رحيم الخامسة والثمانين من العمر، والبعض يقول إنه قارب التسعين· أضحى هيكلاً مهدماً يحفظه جلد أصر بقوة الروح، لا بقوة الدم على الاحتفاظ بنضارة الشباب ونبضه رغم أوجاعه ونحوله· قامة متوسطة مستقيمة، رأس أشيب ثابت على كتفين غير هزيلين، وجه أسمر مستدير عذب الملامح· عينان واسعتان لم تفقد بريقهما، يسكن بيتاً صغيراً متداعياً مؤجراً في منطقة السراي من قلعة أربيل، قريباً من مئذنة جامع ربما لقصرها يتخيلها مقطوعة الرأس· حين يسير في دروب القلعة، يحس أنه في عالم آخر، تتداخل به طرق السماء بطرق الأرض، النجوم بالحجارة، الغيوم العطرة بالسواقي الآسنة، طرق الحاضر بطرق الماضي، مكونة حياً خاصاً به تسكنه الأطياف والأشباح والطيور وربما الملائكة، والشياطين أيضاً· يسعى البشر تحته في شوارع المدينة بأحجام الأطفال، يتحركون بسيارات كأنها لعبهم· بيته والبيوت التي حوله بجدرانها المتهدمة، والآيلة للسقوط هي ملك لأناس هجروها وراحوا إلى قصور وعمارات شامخة بنوها في أحياء فخمة بعد أن اغتنوا في الظلال الوارفة للصراع القومي المتصاعد، والحروب وما ينبت على ضفافها الدموية عادة من سنابل ذهب، وصفقات كبيرة!
شعر أن هواجسه وأفكاره لا زالت جاثمة على قلبه، طاردته وأحالت ليله إلى صحارى أرق وهموم· نهض ببطء وسار بتثاقل إلى الحمام المتآكل الجدران· دهمته رائحته الثقيلة الجافة، أفرغ جسده الضئيل، سكب ماءً صيفياً دافئاً قليلاً على جسمه· ألقى نفسه على أريكة صغيرة رثة في حوش البيت فتطاير غبارها· شعر بالسماء تنسكب في روحه متغلغلة كماء في طين قديم؛ فيبعث تلك الرائحة الغامضة الشذية، ربما رائحة ذكريات قديمة تحللت ونسيت· تناول قطعة خبز بائت، وجبنة بيضاء، وقدحاً من الشاي، تلك وجبة مازالت تثير شهيته المحتبسة عادة· نظر إلى الكتب مركونة بجانب سريره، وأحس بالأسى أنه لم يعد يستطيع القراءة· ليس فقط لأن بصره قد ضعف، ولكنه يجد مزاجه يحرن ويكبو· وكل كلمة تثير شجنه لتفترسه ذكريات وفكر يراها حشرات شرسة تتسلل داخله! مع هذا وجد إنه مستعد لاستقبال صباح جديد، يضيفه؛ على استحياء لعمره المديد العسير· قضى لحظات طويلة يتأمل مدينة أربيل من شباك حجرته شبه المتداعية· جال ببصره في السماء الصافية الفارغة إلا من طيور عابرة· توقف قليلاً عند منحدرات القلعة القديمة المكسوة بالحشائش الجافة، وقد استحالت عهناً ذهبياً من لهب الشمس الطويل· الأفق أمامه يمتد متسعاً لتأخذه الضواحي الجديدة، ولا يتبينها سوى كتلاً بيض مشعة·
Page 4
رغم عدم استطاعته صعود مرتقياتها وطرقها القديمة العالية الملتوية، صار متآلفاً معها، شاعراً أن هواءها الندي بعبير صنوبر، وماض بعيد يلائم أنفاسه الأخيرة· كان يتأمل ذرات الزمن مختلطة بلمعان الضوء، ويرى في نوافذ بيوتها الصغيرة إطلالات على المجهول من تاريخ هذه الأرض المكونة من حطام سيوف وجماجم، كتب، ومجامر بخور، وعطور وخمور! يتسلى كل يوم باستعادة الذكريات العتيقة لهذه المدينة، ربما هرباً من ذكرياته الشخصية، أو لترويض عقله كما يقول لكي لا يصيبه الخرف· يشعر بحنين ووجود أعمق حين يتذكر إن أربيل هي من أقدم مدن الدنيا التي ما تزال مأهولة! قبل خمسة آلاف سنة تقريباً بنى الآشوريون في هذا السهل الرحيب هضبتها الكبيرة حجراً حجراً· أعلوا في بنائها حوالي ستة وعشرين متراً تحسباً لهجمات الأعداء، حيث لا يوجد حولها نهر أو جبل يحميها· أسموها أرباـ إيلو، أي الآلهة الأربعة· أعلنوها عاصمة أبدية لمملكتهم! بعد أزمان طويلة حين بسطوا سيطرتهم على سهل وادي الرافدين مخضعين من تبقى من السومريين والأكديين والبابليين، نقلوا إلى قمتها كرسي الإلهة عشتار، ورفعوا مناصب سفرائهم إلى محفل آلهة السماء، وتلقوا رواتبهم وعطاياهم من السماء مباشرة: مزيداً من المطر والمراعي الخضراء وضروع الماشية المترعة بالحليب الدسم المعطر بزهور السفوح! ومن هذه الزبدة الكبيرة تنهض نساء ممشوقات القوام، ناهدات الصدور، لدنات البطون والأفخاذ، ترف شعورهن الذهبية مع آخر خيوط الشمس على الشواطئ البعيدة! في كل مرة يسأل يونس نفسه من هم هؤلاء الآلهة الأربعة الذين ساسوا بأرواحهم العظيمة هذه المدينة؟ فهي لم ترتح في مكانها بل راحت تجوب آفاق الدنيا والتاريخ، سفينة فتوحات و استطلاع وهيمنة! في كل مرة يجيب: لا أريد أن أستقي معلومتي من الكتب! العتمة والغموض أشد إمتاعاً! لذا كان يمارس في كل مرة معها لعبة التوقعات· كان يقول: من المؤكد، لم يكن بينهم إله الحب، بل إله الحرب، لو كان إله الحب بينهم لما طغى إله الحرب، ولكن هل يستطيع إله الحب الرقيق لي ذراع اله الحرب قوية العضلات؟ السجلات القديمة لهذه القلعة مكتظة بأخبار حروبها وفتوحاتها أزماناً طويلة· فهي ألقت بظلها على أهرامات الفراعنة في مصر، وحقول التوابل في الهند· طوع ملوكها الحديد لعضلاتهم؛ فصارت قلوبهم أقسى من الحديد· وركبهم جشع السلطة والثروة والشهوات؛ فراحوا يتصارعون على العروش· الابن يقتل أباه، والأخ يقتل أخاه، والزوجة تخون بعلها ومليكها؛ لتضع أبنها أو عشيقها مكانه! يجوبون أقاليم الدنيا، يقهرون حكامها وأبناءها ليأتوا برؤوسهم وجلودهم، يعلقونها عند مداخل قصورهم للزينة· كان بينهم إله الحكمة، هذا مؤكد، فبعضهم أحب المعرفة والاكتشاف والعلم، بنى إمبراطورهم آشور بانيبال مكتبته في مدينتهم نينوى فكانت أول وأكبر مكتبة في العالم القديم· لكن ماذا يفعل إله الحكمة مع إله الحرب، وقد أغلق أذنيه، وفتح عينيه على طرق الغزوات والثروات؟ إنه طرد إله الحب, وحين رأى الشبان يقصدونه غير مكترثين للحرب، قتله· قطع جسده وجعل القطط السوداء تأكله لتصير رمزاً للكراهية! تحالف الكلدانيون مع الميديين وقضوا على إمبراطورية آشور وأحرقوا ملوكهم أحياء، واحتلوا قلعتهم هذه! في الأزمان الأخيرة فني كثير من الآشوريين في صراعهم الطويل مع الأتراك والكرد والعرب· رحل كثير ممن تبقى منهم إلى أمريكا وكندا وبريطانيا وأصقاع الدنيا الأخرى· ثمة مجموعات نزحوا إلى بغداد والموصل، أو واصلوا عيشهم متناثرين في قرى اشتهرت بالأعناب والخمور والأديرة المأهولة بالرهبان المعمرين، والراهبات اللواتي طمرن جمالهن الفتان تحت مسوح سماوية ثقيلة! اليوم آلت معظم أرضهم الشاسعة للكرد القادمين من عزلتهم الطويلة في أعالي الجبال· جعلوا أربيل عاصمتهم، وراحوا يبسطون سيطرتهم على ما حولها· تضاءل ذكر اسمها في الكتب وسجلات الأمجاد الكبيرة· عاشت نصف القرن الأخير في طاحونة دم مع السلطة في بغداد· صارت تعيد إليها جنودها القادمين من وسط البلاد وجنوبه جنازات، أو مجرد أسماء ميتة، وتلتقط من الأرض المحيطة جثث رجالها ونسائها وأطفالها، في غارات وقنابل حارقة وسامة· بينما يتردد اسمها في بغداد في أوقات السلم القليلة مقروناً بلبنها اللذيذ مفعماً بنكهة النار، وزهور الجبال! ظل هذا التيار الدموي يطويه النسيان والتجاهل وراء الجبال، يطيح بزعماء وحكام العراق، ويطوي عهود حكمهم مع أكفان الموتى وينشر الشقاء بين العراقيين، ما جعل البعض يعتقد أن قلعة الآشوريين هذه لا تزال تعج بالأشباح ذوي الخوذ الحديدية! وفي دوامة كل ذلك دفع بيونس رحيم إلى رأس القلعة، ليسكن هذا البيت الصغير في محلة السراي بين العوائل الفقيرة، ويطل منه على الأفق المتوهج في شروقه وغروبه· يرى في التماعاته المبهمة أو الواضحة ما يشاء تفسيره من تاريخ وأحزان خاصة· صار كلما امسك ذرة منها زاغت من بين أصابعه المرتجفة، ورموش عينيه اللتين تغيمان بالدموع أحياناً· حين ينهض من جنب النافذة يحس جسده مفتتاً، تراباً لم يعد يستطيع الحنين، لأهل أو مرابع أصدقاء· صار يتوق لتراب القبر، وراحته التي لا تقطعها ساعة تنبيه، أو طرق على الباب!
Page 5
ارتشف شاياً، واستمتع بنسمات الصيف قبل أن تسخن مع الضحى، مضى يفكر: إذا كان إله الحب قد عاد إلى برج القلعة، فلا شك إنه الآن عاطل عن العمل، أحيل على التقاعد، أو جرت رشوته بعاهرة أو غلام! أو إنه الآن في حجرته القريبة من السماء يستمني مستعيداً في خياله عبثاً، أجساد حبيباته الآلهات الشبقات القديمات! فلا حب هنا منذ زمن طويل! لا شيء غير الكراهية والتناحر، ضوارٍ تفترس بعضها، صراع على السلطة، تربص واغتصاب واستحواذ على الأرض والناس! يتذكر يونس دوما أن القادة المهزومين أو المتقاعدين في العراق لا يقضون بقية حياتهم في بيوتهم· هم محظوظون إذا طردوا إلى المنافي، أو اكتفوا بإرسالهم إلى المقابر، ولم يذبحوا ويسحلوا في الشوارع، وتحرق بقاياهم مع الأزبال! هو إذا عد نفسه قائداً، ولو صغيراً، فإن بقاءه حياً حتى الآن، دون أن يفقد حياته، أو عضواً من جسده، أعجوبة أو استثناء عليه أن يعيشه باستمتاع ويتأمله؛ ليعرف أن كان ذلك أفضل من موته! ليس الناس فقط يسألونني، أنا أيضاً أسأل نفسي ما الذي أتى بي إلى هذه القلعة؟ لماذا ارتضيت عزلتي واستسلمت للأحزان والصمت؟ سأتحدث فيها الآن باختصار: لقد أفلح سكرتير الحزب حمه سور وصاحبه كمتار بيس في السيطرة على قيادة الحزب الشيوعي، وقاما بإبعادي عن مكتب قيادته وفرضا طوقاً من العزلة، والنبذ والحصار عليّ· أسكنت قسراً في هذا المكان، فأنا لا زلت عضواً في الحزب، ويجب أن أخضع لقراراته مهما كانت جائرة· شيئاً فشيئاً ارتضيت وارتحت لعزلتي· ثم أين أولي وجهي؟ والمنطقة كلها مشتعلة صراعات وحروباً· لو عدت إلى بغداد لقتلت بقسوة أو مسخت· لا أريد أن ألجأ إلى بلد بعيد· لا أستطيع العيش في أي بلد في العالم مهما كان جميلاً ومرفهاً، فأنا مغروس في وطني، ربما أنا مشطور من النخلة، التي هي شجرتي المفضلة منذ صغري· رحت أعذب نفسي أيضاً، تارة بالذكريات وتارة بالأحلام· مرة بقذيفة من الماضي، ومرة بركلة من المستقبل· ولكي يكون الأمر واضحاً لا بد من حديث طويل يجرني إلى التاريخ، أحاول أن أجد فيه سر ما جرى· تاريخنا هو كعكتنا الكبيرة التي صنعناها جميعاً، ومهما رأينا عليها من عفن وتفسخ يجب ان نتقدم، لنأخذ قطعة منها، ولو على سبيل التذوق·
Page 6
(3)
لا تزال الحياة تزورني بين فترة وأخرى!
ظل يونس يتمتع بذاكرة مشتعلة متأججة، قبل أكثر من ثلاثين عاماً، قال له صديق قديم له من المولعين بحدائق بغداد، وكتبها النباتية:
- ذاكرتك شجرة جهنمي متوهجة بزهورها دائماً، تزيد ألقاً كلما كبرت!
ويفهم يونس أن ذلك يعني أنها شجرة زينة وبهجة عابرة لا تثمر، لكن صديقه يحبه ولا يغمزه، وقد أدرك ثغرة كلماته فبادر للقول:
- رغم الهجير الطويل ظلت ذاكرتك يا صديقي شجرة ورد وهاجة فواحة بالأحلام والذكريات وهذه هي الثمرة الأرقى·
ويرد يونس بتواضعه:
- لا يا صديقي! نخلة واحدة أعطت أكثر مما أعطيت في نضالي، أو حملت في ذاكرتي ومخيلتي!
ويبدو أن ذلك الحكم لا يزال ساري المفعول حتى الآن· أمراض شيخوخته تتفاقم، يحس بدبيبها بين مفاصله، وتحت لسانه، ويعجب لبشرته النضرة فوقها بقيت أتحامل على نفسي، من أجل ذكرياتي أدافع عن جسدي، حتى اليوم لم يتخل يونس عن ابتسامته، وبريق عينيه الصافيتين رغم وهنهما· مسح نظارته الطبية عدة مرات وحاول القراءة فلم يستطع· ألقى الكتاب السياسي القديم، وتناول كتاب مختارات شعرية كان يحمله معه أينما حل وارتحل، صار يحفظ معظم قصائده، لكنه درب نفسه على أن يستنشق رائحة كل شاعر من الورقة المكتوبة عليها قصيدته: ورقة شاعر الحب: عطر زهرة مقطوعة لتوها، شجرة احترقت بصاعقة· ورقة شاعر الحكمة: رائحة ضوء جمر يشع من تحت رماد ليل طويل· ورقة شاعر حنين وبكاء على الأطلال: رائحة احتراق عشب ودموع وروث· ورقة شاعر السياسة: رائحة عصافير تحترق في ليل بهيم، حديد ملتهب يغطس في دم بشري· كان يسمع خلالها نبض قرائحهم أيضاً، هدير شلالات تنحدر من جبال، مياه أمطار تسيل بوديان مليئة بالصخور، مستنقعات راكدة تتحرك بقوة ما تحتها من كائنات غامضة، ويقترب منها مهما اختلف معها في السياسة والفكر، ظل يحب كل هذه الروائح والخفقات متكاملة متراصة منسجمة، قوارير عطر في حجرة امرأة مهجورة تذكرها بعشاقها القدامى، دائما لها وحيها وبوحها وحزنها، أحياناً يستنشق روائحهم معاً، ثم يعود يفردها كباقة ورد، فيحس بروحه تمتلئ، ويعود لحسابه الطويل مع نفسه تهمة كبرى قاسية أن يكون الإنسان معمراً في بلد يهرس الناس فيه بالحروب والاعدامات والكوارث! ترى أية ظنون وتساؤلات ستلقى علي منهم؟ ومن ضميري أيضاً؟ وماذا يختلف أن تعذبني ذاكرتي بشوكها، أو زهورها أو دخانها؟ كنت أقول أن ذاكرتي شعلة شمعة أريدها أن لا تنطفئ في هذه الريح، حتى تحرق آخر قطرة زيت ترسبت فيها من رحيق هذه الأرض، ثم تقول كلمتها وتمضي وبعد أن وجدت الكلمات لا تجدي نفعاً في عالم يحكمه الضجيج والصخب الفارغ العنيد؛ لم أعد مكترثاً أن تنطفئ شمعتي، لكنني أعود أبحث عن أي شيء يبقي جذوة همومي مشتعلة: كتب لا أقرأها، رفاق وأصدقاء لا يفهمونني، ولا أفهمهم، أحلام لم تتحقق، أحزان اخترقتني كالرصاص، وأحزان أخرى لم تأت بعد، رغبات لا تتحقق، ولا أريدها أن تتحقق، شموع من خلايا نحل عطرة لا أشعلها! وغيوم كثيرة في القلب، كنت دائما أقول لمن يلومونني على حزني وصمتي: لو أعطوني كل أفراح الدنيا المبهرجة؛ لما بادلتها بلحظة حزن حقيقية تمنحني فرح الحكمة والصدق والأمل! هجرني رفاقي بعد رفقة زادت على الستين عاماً، من أخذهم الموت هم الذين ينبغي أن يعتبوا عليَ، حيث لم ألحق بهم، أو كنت بشكل أو بآخر قد تسببت في موتهم أو عجلت به، ومن بقوا على قيد الحياة، ولا يزالون أصحاء أو يستطيعون السير على أقدامهم، يحق لي أن أعتب عليهم، فأنا رغم بقايا قوتي منهك عليل أتلهف لروائحهم وكلماتهم التي أحسها تدب في روحي كالماء في تراب قديم! هجران الرفاق والأصدقاء يبعث شجناً لذيذاً حين يذكر بهجران الحبيب الأول في مطلع الشباب، لكنه يبعث قشعريرة باردة في الروح حين يذكر أيضاً بموت الروح قبل الجسد! كيف أنسى القانون الساري بين البشر مذ صارت لهم مصالح وسلطات على بعضهم: حين تكون ذا سلطة أو جاه أو مال يبتدع الناس كل وسيلة، ويشقون كل طريق ليصلوا إليك، وحين تخلو يداك من سلطة أو مال أو جاه يبتدعون كل وسيلة، وكل طريق ليبتعدوا عنك! بعض الناس لا يكتفون بقطيعتي، راحوا يلوثون اسمي وسمعتي ويدعون الآخرين لمقاطعتي، لم أكن أتصور أن كل هذه القسوة تربض كإبر القنافذ الحادة تحت بشرتهم الهادئة الناعمة! جاءت أيام صارت أفضل أمنيتي فيها الرحيل بالموت، بذلك تكون مغادرتي آمنة ومريحة لمن حولي، لا يستغرق تجهيز الميت طويلاً، ولا يكلف أحداً كثيراً، خاصة وإنني ادخرت لذلك قليلاً من النقود، وضعتها في مظروف بارز في حجرتي، حدث هذا معي مرتين، وكلاهما عشتها وشهدتها من تلفزيون في مقهى صغير لا يبعد كثيراً عن بيتي: عندما سحق الأمريكيون وحلفاؤهم الجيش العراقي في الكويت، وتناثرت جثثت عشرات آلاف الجنود العراقيين على الطريق، بينما كانوا هم يتقهقرون باتجاه بلادهم· اندلعت انتفاضة في الجنوب، هب فيها الناس بشكل عفوي فسيطروا على المرافق الحكومية، وأزاحوا، وقتلوا معظم أتباع الدولة والحزب الحاكم· ولكن الإيرانيين ورجالهم من العراقيين؛ تسللوا إليهم وسيطروا على مواقع قياداتهم، ورفعوا صور حكام إيران وشعاراتهم· أثار ذلك فزع حكام الدول المجاورة؛ فاتصلوا ببوش الذي أمر شوارزكوف قائد قوات التحالف الدولي لوقف زحفه إلى بغداد، بعد أن صار على مشارفها، وأعطى الضوء الأخضر لصدام لسحق المنتفضين· شاهدت ما حل بأبناء الجنوب من مذابح، وانتهاك وتشريد! وليلتها بقيت أتقلب أرقاً؛ أحاول ان أستنفر خبرتي في السياسة؛ لأعرف كم جهة شاركت في صنع هذه المأساة، حتى عييت!
Page 7
هنا انتفض الكرد؛ فتصدى لهم ما تبقى من جيش النظام، رأيت ما حل بهم· هاموا مشتتين على سفوح الجبال على غير هدى· صاروا يتلقون الخبز والحليب لأطفالهم من أبواب طائرات الهيلوكوبتر الدولية المحلقة فوقهم· لم أبرح بيتي مع قلة من سكان القلعة, بقيت مع هذه المجموعة الصغيرة من الفقراء التي ظلت في بيوتها الصغيرة القديمة ينتظرون القتلة، أو أية مصائب أخرى! هرع مسعود البرزاني، وجلال الطالباني إلى صدام· رأيتهما في التلفزيون وهما يدخلان إليه، الواحد تلو الآخر، لا أدري بماذا تحدثا معه، وإذا كانا قد اعتذرا عما بدر من الكرد في انتفاضتهم، لكني رأيتهما يقبلانه من كتفه· صدام لا يسمح لأحد أن يقبله من وجهه، منحاه ما يشبه قبلة الحياة، كان بأمس الحاجة إليها بعد أن كاد يتورى!
اقتربت من الموت وتمنيته! مرة أخرى قبل فترة قصيرة، جرى بين البرزاني والطالباني صراع على أموال الكمارك وغيرها من الأتاوات في المنطقة التي يتقاسمان النفوذ عليها، تطور إلى حرب دموية طاحنة قتل فيها المئات من الجانبين، فاستعان الطالباني بقوات إيرانية، واستولى على أربيل معقل مسعود البرزاني، وأجبره على الفرار منها مع فلول قواته، استعان مسعود بصدام، فأرسل له لواءً مدرعا وكتيبة من القوات الخاصة بقيادة ابنه قصي؛ هزمت بيشمركة الطالباني ومن معه من القوات الإيرانية، ولاحقتهم إلى ما وراء الحدود مع إيران· عاد البرزاني مع بيشمركته إلى أربيل، سمعنا صوته من أذاعته، وهو يكيل المدائح لصدام، ويصفه بالأب الحقيقي للأكراد، والذي يجب طاعته مهما قسا على أبنائه، والقائد الحكيم الذي لا يدرك حكمته إلا أصحاب البصيرة، وإنه مستعد لأن يلبي كل ما يأمر به! دارت مفارز الأمن والمخابرات على الفور يرافقها البرزانيون أدلاء على بيوت ومقرات ضيوفهم المعارضين العرب العراقيين· الذين لم يفيقوا من هول صدمتهم بوجود قوات السلطة حولهم حتى عاجلهم الرصاص والقصف بالقنابل· قتل المئات منهم، واعتقل كثيرون وأخذوا أسرى مقيدين إلى بغداد· سبوا عوائلهم ونهبوا بيوتهم ومقراتهم، حصلوا على وثائق تحوي أسماء أعضاء في أحزابهم وتجمعاتهم ومناصرين من مدن العراق المختلفة· كانت مذبحة كبرى، جاءني أحد الشبان الكرد المتعاطفين معي، عرض أن يأخذني إلى مكان آمن· شكرته ورفضت مغادرة بيتي، وجدتها مناسبة طيبة أو معقولة للخلاص، صرت أنتظر القتلة، أن يأتوا ويخلصونني من حياة أضحت فائضة عن حاجتي وحاجة الآخرين· وجدت الاستسلام للموت القادم من بغداد مريح جداً، تمنيت فقط أن يجهزوا علىّ بسرعة ودون تعذيب، صرت أتخيل الطريقة التي سيقتلونني بها، رضيت بكل طريقة لقتلي، فقط كرهت اقتيادي إلى أجهزتهم السرية في بغداد، أو عرضي في التلفزيون لإذلالي! قال الشاب الكردي: أمر مخز لنا، القادة الكرد هنا يقتلون ضيوفهم ومناصري شعبهم· الغدر صار لديهم تقليداً، وعرفاً وشيئاً يفاخرون به! بقيت طيلة الأسابيع التي مكثت فيها قوات صدام في أربيل أطل من نافذة القلعة؛ أرى مصفحاتهم وسياراتهم تجول وتصول، لم أخرج لأسلم نفسي لهم خشية أن يأخذ ذلك معنى تعاوني معهم، لم يفكروا أن في هذه القلعة المتآكلة هدفاً يستحق الملاحقة، انزل حزب البرزاني في شوارع أربيل فرق رقص ودبكات ومزامير وغناء، رافعة صور صدام وعلم العراق تهتف، وتحي الضباط والجنود القادمين محررين من بغداد! انسحب الجيش من أربيل، والمنطقة تاركاً إياها للحماية الأمريكية· سرعان ما عادت العلاقة بين الحزب الشيوعي وجماعة البرزاني إلى سابق عهدها، وكأن شيئاً لم يحدث، ولم يقتل العشرات من الرفاق هنا وفي بغداد، وغيرها بعد أن كشفت أسماؤهم وعناوينهم· هذه هي القاعدة، مادام رأس الحزب سالماً معافى؛ فالحزب بخير، ولا شيء يدعو للمساءلة! أصبت بخيبة أمل أنني بقيت على قيد الحياة، حتى صرت أعجب من استعصاء عمري على الانتهاء!
Page 8
أحس يونس بقشعريرة، عاد يحدق من الشباك بجلسة جامدة· أخذه خلالها نعاس متقطع· قارب الظهيرة· آوى لفراشه عله يستعيض بالقيلولة عن سهاد الليل· الكهرباء منقطعة كعادتها، والمروحة المنضدية علاها الغبار· أنفاسه تتردد في صدره لهاثاً مرهقاً· توسل أن يغفو· صارت ساعة النوم أمنية كبرى· رأى نفسه ينزل جبلاً شاهقاً كان قد صعده في شبابه، وعلى ظهره زوادته وكتبه· الآن يصعده لاهثاً منهكاً متداعياً! واجهه البحر الذي لم يكن يراه من قبل في هذه البقاع الآسيوية المحصورة بين جبال وسهوب· بدا له الموج المتلاطم في اللجة ينوح ويتوعده· صار على الشاطئ، أخذ الموج يلاعب أقدامه: ثياباً هفهافة على أجساد فتيات جميلات راقصات يدعونه بما لم يدع له العمر كله· قال في نفسه؛ وماذا أستطيع أن أفعل وقد بلغت أرذل العمر؟ وقع في أحضانهن العارية البضة، لكن طرقاً شديداً ولجوجاً على باب بيته جذبه من بين أجساد الفتيات الحسناوات الراقصات فوق الماء، وألقى به على الشاطئ تحت شمس حادة الأشعة· أفاق على الباب يهتز ويكاد ينخلع، والجو صار حاراً· قال في نفسه "الأمر كذلك دائماً طيلة العمر، حلم جميل يقطعه طرق لجوج"· ظل لابثاً في سريره الحديدي وفراشه المتهرئ، لا يريد أن ينزل منه· من هذا الذي يأتيه في هذه الظهيرة المشتعلة؟ من يأتيه أصلاً؟ أخرجه من حلم لم ينل فيه لذته العميقة الساخنة، لكنه أوحي له من جديد بحياة القلب والجسد، على هذه الأرض، أو في مكان آخر! وعمر آخر! كان يريد أن يتمثل ما جرى له أو يستعيد قواه المنهارة· أخذته فورة النزوات الغابرة· ظل الطرق يتعالى بإلحاح· لا يتوقع أحداً بالتحديد· أصدقاؤه ومعارفه هنا هم من رفاقه الذين تحدوا العزل والحصار المفروضين عليه بزيارات ولقاءات اقتصرت على مناسبات متباعدة جداً· أصدقاؤه الشبان بعد أن حذروهم منه؛ قلت زياراتهم أيضاً، ولا يأتون بمثل هذا الوقت عادة· خطر له أن يبقى لابداً في قيلولته ولا يهبط من فراشه، لو كان الطارق من أهل الدنيا لمل ومضي· ربما هو الحلم الرهيب نفسه، ليست واحدة من فتيات البحر الجميلات طبعاً، بل من أولئك الذين يظهرون في مناماته وكوابيسه يوجهون أسئلتهم الرهيبة، ويتوعدونه في عالم الموت· والريح تقرع الباب بدلاً عنهم· لكن الدق تواصل بإلحاح· تذكر إنه لم يفتح الراديو العتيق منذ ليلة أمس، وربما الآن جاء إليه النبأ العظيم: سقوط الطاغية، وانفتاح الطريق إلى بغداد· ولكن من تبقى من الأهل والأصدقاء؟ حتى قبورهم قد لا يجدها· أهو محمد البيرماني قد جاء ثانية؟ راودته مشاعر متناقضة بين فرح لعودته شرط أن لا يتحدث عن السلطة ووعودها ودولاراتها، وبين أن لا يكون هو فلا يراه ثانية· تحامل على نفسه، يجر قدمين متعبتين بالتهاب المفاصل، تغدوان في حر الصيف أقل وجعاً·
Page 9
(4)
هل جاءني الكردي بالنبأ السعيد المنتظر؟
قضى وقتاً هشمه الطرق والترقب، وصل الباب، كان شاباً كردياً على عتبته، قال يونس بصوت واهن:
- أهلاً وسهلاً !····خير؟
كان الشاب يعمل في مقر الحزب الشيوعي في أربيل، يأتي أحياناً مرافقاً لمسئوله الحزبي في زيارته المتباعدة· يتكلم العربية بصعوبة؛ مكسرة، متلعثمة، سلم عليه بتهذيب:
- رفيق انت اليوم عصر يحضر حفل افتتاح!
حرن الشاب في كلامه· راح العجوز يونس رغم تلاشي نبأ الأمل العظيم، يفرك عينيه ويمسد جبينه محاولاً أن يفهم ما يقوله الشاب، ظل ينظر إليه، أعاد الشاب كلماته، ومع المسافة التي طالت بينه وبين رفاقه قادة الحزب، راح يخمن ماذا سيفتتحون عصر اليوم، فهو لا ينسى إنه العضو المنحى من المكتب السياسي· المعزول والمنبوذ والمنفي داخل وطنه، وإن رفاقه الذين أصبحوا سجانيه لا يذكرونه عادة بما يسر، لكن أساريره تهللت بعض الشيء، فالحزب القديم يبدو إنه أدرك أخيراً ضرورة العمل العادي البسيط، والإنتاج المادي، بعد طول انهماك بالتهويمات الخيالية، والشعارات، واللافتات، والاجتماعات والمنشورات، وجمع التبرعات، والمظاهرات القديمة، التي لم تحقق شيئاً، ولم تحسم أمراً منذ ستين عاماً· خامره شيء من حلمه القديم أن نضالاتهم القديمة لم تذهب هدراً رغم النكسات والضربات والمصائب فهاهم يفتتحون شيئاً نافعاً، ورغم ثورته على سلوك بعضهم، وتغير قناعته بفكرتهم، قال في نفسه ها هم يدعونه لشيء جيد، حتى ولو تباهياً قال بلهفة:
- شراح يفتتحون؟
حاول الشاب أن يقول شيئاً لكنه لصعوبة نطقه العربية، وربما لعدم فهمه ما جاء من أجله يتلعثم ويتردد ويصمت· دعاه للدخول، تردد الشاب، فهو يعرف أن الرفاق القادة هنا لا يحبونه، لكنهم اليوم أرسلوه إليه، ربما غيروا موقفهم منه، دخل بهدوء، جلس متردداً، ظل يونس متحيراً يتساءل في نفسه ماذا سيفتتحون؟ وبينما كان يضع أمامه علبة كرتون صغيرة فيها قطع حلوى، والشاب يعتذر عن الأكل، أعاد عليه السؤال، عله استجمع تفكيره وقاموسه من المفردات فيعلمه بهذا الشيء الهام الذي سيفتتحونه ويدعونه لحضور حفل افتتاحه!
لم يستطع الشاب أن يعبر عما يعرفه عن هذا الشيء الذي سيفتتحونه·
فراح يونس يخمن ويساعده للنطق:
- سد مثل سد دوكان، جسر، مصنع نسيج؟
- لا رفيق·
- سايلو حنطة؟ معمل أحذية؟
- لا كاكا، هاي شنو!
- مدرسة؟ روضة أطفال؟ مكتبة عامة؟
- لا·
انكفأ مزاجه المنهك بعد أن أشعله حلم افتتاح شيء جديد مهم في هذه الأرض الغنية المقفرة المستنزفة بالصراعات المجنونة، لكنه لم يشأ أن يفقد الأمل الذي اشتعل فجأة، رغم أن نزعة يأس ساخرة تناوشته فجأة فسأل مبتسماً:
- مزرعة بطيخ؟ مطعم كباب؟ دكان دوندرمة؟ مكتب للتنجيم، والضرب تحت الرمل؟ شراح يفتتحون، انت حيرتني؟ فوجئ به يقول له :
- هسه عرف يقول رفيق: مقبرة شهداء حزب، راح يقصون شريطها!
لم يصدق ما سمعه؛ فعاد يسأله معتقداً أنه لكونه لا يجيد العربية؛ أخطأ في القول، لكن الشاب أكد:
- صحيح كاكا، مقبرة شهداء خالدين، نعم رفيق!
قال يونس بلهجة سؤال حازم:
- يفتتحون مقبرة للشهداء، ويقصون الشريط بالمقص؟ رد الشاب على الفور، وهو يحرك أصابعه بحركة قص كختان أو حلاقة:
- صحيح كاكا، مضبوط، يقصون شريط أحمر، تمام!
وجد إنه ليس في سياق بكاء مرير، إنما ضحك أمر:
- يقصون شريط أحمر؟ ها ؟
- نعم يقصون شريط احمر، رفيق!
Page 10
اعتصرت قلبه غصة، كيف صدق أن رفاقه هؤلاء سيقدمون على بناء شيء جديد؟ لام نفسه إنه اندفع مع حلم بالخير، أي خير يرجى من هؤلاء؟ اخرجه من لجة همه صوت الشاب وهو يتحدث بطريقته المقطعة· عرف منه بعد كلام متعثر أنهم سيمرون عليه اليوم الرابعة عصراً، ليأخذوه إلى ضاحية قريبة من أربيل، حيث سيجري الاحتفال بافتتاح مقبرة لشهداء الحزب الشيوعي، برعاية سكرتيره العام·
ودع الشاب، وأغلق بابه، وعاد يجر قدميه بالشحاطتين العتيقتين، ثمة خلجات كانت تدفعه أن لا يصدق ما سمع، لكن صحوة عقله جعلته يردد: وهل يرجى منهم شيء غير هذا؟ شعر بعظامه تصل عليه بوجع مفاجئ· رغم ضحكه من كتب تفسير الأحلام، تساءل: ترى ألهذا كان يرى كوابيس الليل التي فر منها؟ كان يرى المئذنة العتيقة فوق القلعة أو يتوهمها، وقد استردت جزأها العلوي الذي يتصور إنه مقطوع لتميل به وتسقطه على رأسه، وحيثما فر منه نالته حجارته وسحقته· ثم يظهر ذلك المشهد ليجلده في الليالي: قرع ودوي شديدان، ويجد أمام بيته جمهرة هائلة من شهداء الحزب يقرعون جدران بيته ويلوحون بقبضاتهم العارية من اللحم والكفن ويسألونه: قل لنا لماذا قتلنا؟ ماذا حققتم مما وعدتمونا به؟ هل كان لموتنا جدوى؟ الكوابيس تقطع عظامه وأعصابه بمنشار وتغوص إلى روحه أكثر من آلام الروماتيزم، تفكك جسده فيتحملها صاغراً معتقداً أنها ضريبة النضال التي تأتي متأخرة باهظة عادة، خاصة إذا لم يفض سوى إلى مقبرة!
منذ سنوات طويلة وأنا أسمع أصوات الشهداء، في البداية كانت مع السكون الثقيل، ثم صارت كلمات كالفطر السام تنبت في غابة الصمت، تتفتح عن رسائل مشفرة ملغزة أحياناً أخرى، ثم همساً يجرح القلب، تحولت في الآونة الأخيرة إلى صرخات عالية، وقرع شديد على باب بيتي المخلع مختلطة بضجيج الأشياء حولي، يحيطون بي، يسألونني لماذا متنا؟ ماذا فعلتم بموتنا؟ هل استعملتموه بشيء مفيد؟ أم ركنتموه مع الثياب والأحذية القديمة والنفايات الأخرى؟ يبدو أن موتنا لم يفد الناس، لم يفد أحداً حتى أعدائنا الذين قتلونا، أقول لهم: لا ! كيف تقولون ذلك؟ مستعيراً عبارات من خطب المناسبات: أنتم عبدتم طريق الحرية، صنعتم السعادة للمحرومين، فتحتم آفاق المجد! ويعلو صوتي بنبرة فلسفية: الحياة العظيمة؛ من الموت العظيم! قبوركم ليست مظلمة فهي رحم المستقبل، ومصدر أنواره البهيجة! نعم يا رفاقي اطمئنوا، عودوا لنومتكم الهانئة في أحضان الخلود، وقروا عيناً، كل شيء بعد رحيلكم جيد، ويسير وفق ما أردتم وحلمتم! بينما أعرف أن من استفاد من موتهم هم رجال صاروا يتبجحون: قائلين أنهم يقودون حزب الشهداء، السائق يحس بالفزع والرهبة إذا وجد نفسه يقود سيارة فيها جنازة، كيف يقود هؤلاء قطاراً، حزباً فيه كل هذا العدد الهائل من الموتى؟ واسمعهم يعيدون القول: إذا كان موتنا غير مفيد، لماذا دفعتمونا للموت؟ ربما موتنا مريح لنا، لكن عذاب أمهاتنا، آبائنا، أحبتنا، هو الأكثر إيلاماً لنا! منذ سنوات طويلة وأنا أتعذب من حديثي المتواصل معهم، اشعر إنني مسؤول عن قتلهم! وعن فشلهم، وضياع آمالهم، أقول: يجب أن ألجأ إلى طبيب نفسي، طبعاً هو لن يفهمني، سيصف المهدئات والمسكنات، أتوقف قائلاً هذا مخجل، كيف أستنجد بالطبيب ليحميني من شهداء؛ لهم كل الحق في محاسبتنا، وقول ما يشاءون؟ وأظل أسأل نفسي؛ لماذا أرسلناهم إلى القبور؟ وبقينا هنا نتصارع على المواقع الحزبية، والمكاسب الشخصية، وربما أيضاً غداً على الثروات والمناصب والجاه والسلطة؟ نعم كل نضال يتضمن الخيانة، ولكن لماذا كان حجم الخيانة عندنا بهذا القدر؟ أي مجد يقوم على موت الشباب وحطام أهلهم وأحبتهم؟ يبدو إن إحدى خصال المجد قدرته على إخفاء العار!