eKtab
EN ع
ليلة في القطار
Read free sample

ليلة في القطار

by د. عيسى الناعوري

Page 1
مقدّمة المؤلّف
 
على الرّغم من كلّ ما قد يقوله المتزمّتون، وما قد يتندّر به السّاخرون من أنّني تخلّيت عن الوقار في كهولتي، وقد كنتُ وقورًا رصينًا في كلّ ما كتبت في شبابي، وعلى الرّغم كذلك ممّا قد يتبادر إلى أذهان بعض البسطاء من أنّني قد أردت بهذه الرّواية أن أدغدغ عواطف المراهقين فحسب، على الرّغم من كلّ هذا وذاك، هذه الرّواية أعتزّ بها كلّ الاعتزاز، واعتبرها عمل ذروة بين أعمالي الأدبيّة حتّى اليوم: سواءً من النّاحية الرّوائيّة الفنيّة، أم من حيث الهدف الإنسانيّ، أم من حيث قوّة الحوار والتّحليل.
 
ولم يكن من الممكن أن تجيء هذه الرّواية قويّة دون أن تكون بكلّ هذه الصّراحة الّتي أدرتها في إطارها، وليس مهمًا أن تكون أحداثها وحوارها أشياء واقعيّة أم هي من ابتداع الخيال فحسب، فقد اعتدت في أغلب رواياتي وأعمالي القصصيّة أن أدير القصّة على لسان المتكلّم، حتّى لقد ظنّ الكثيرون أنّ المؤلّف هو دائمًا بطل رواياته وأقاصيصه. وهذه نظرةٌ بدائيّة جدًّا ولا اعتبار لها، وأعتقد أنّ إدارة القصّة على لسان المتكلّم تجعلها دائمًا أوقع في نفس القارئ، بغضّ النّظر عمّن يكون البطل الحقيقيّ فيها، إلّا أنّ هذا لا يمنع في كثيرٍ من الأحيان أن يدخل المؤلّف أشياء من تجاربه الشّخصيّة في عمله الأدبيّ: فالمؤلّف لا يستطيع أن يعتبر نفسه منفصلًا عن المجتمع ولا عن الإنسانيّة، وإدخاله أشياء من تجاربه الشّخصيّة في أعماله الأدبيّة يعطيها مزيدًا من القوّة، ومن حقيقة كونها عملًا منتزعًا من صميم المجتمع الإنسانيّ.
 
ولست هنا أقدّم للقارئ رواية تعتمد على الوقائع والأحداث المثيرة: فالرّواية كلّها تدور ضمن جدران حجرةٍ صغيرةٍ في القطار اللّيليّ، وفي مدىً أقلّ من عشر ساعاتٍ فقط، وفي مثل هذا الحيّز المحدود جدًّا لا ينتظر أن تكون هناك أحداث ووقائع متنوّعة، بل يكون الاعتماد على الحوار في الدّرجة الأولى، وعلى براعة الرّوائيّ في تغيير المشاهد بالقدر الممكن ضمن الإطار الصّغير المحدود، وهذا ما حاولت أن أفعله، والّذي يعوّض القارئ هنا عن وفرة الأحداث وتنوّعها، وعن كثرة عدد الأشخاص، هو قوّة الحوار، وقوّة التّحليل، ولولا ذلك لكان الملل هو الشّيء الأوّل الّذي تقدّمه رواية لا يزيد عدد أبطالها عن شخصين، ولا يزيد زمنها عن تسع ساعاتٍ ونصف السّاعة، ولا يتجاوز مكانها – مكان وقائعها وأحداثها – حجرة صغيرة في قطارٍ ليليٍّ.
Page 2
في هذا الإطار المحدود جدًّا للزّمان والمكان، والشّخصيّات، أردت أن أقدّم عملًا روائيًّا يتميّز بالصّراحة، وبالجرأة – ربما غير المألوفة عندنا – في معالجة المفاهيم والتّقاليد والأخلاق، وفي المقارنة بين البيئتين: الشّرقيّة والغربيّة، بين الجمود والتّزمّت، والحريّة والتّحلّل، بين التّمرد والتّشدّد، وبين الرّيّاء والصّراحة.
 
وأنا أعلم أنّ الإطار الأخلاقيّ الّذي وضعت فيه شخصيّ الرّواية الوحيدين لن ينطبق على الواقع تمامًاً: موقف البطل الشّرقيّ، بشكلٍ خاصٍّ، لن يكون صحيحًا أبدًا، فما يمكن أن يتعرّض رجلٌ لمثل الموقف الّذي تعرّض له هذا البطل الشّرقيّ، ثمّ يخرج من المعركة العنيفة منتصرًا على التّجربة كما انتصر بطل الرّواية، ولكنّني تعمّدت هذا الموقف، تعمّدت أن أضع البطل الشّرقيّ فيه لغرضٍ أرجو أن يدركه القارئ نفسه دون أن أدلّه عليه، حتّى أقرب النّاس الّذين لم يجاملوني، بل قالوا إنّ هذه الرّواية – كذّابة!!! .. موقف البطل الشّرقيّ هو "الكذّاب" .. هذا صحيح، أعترف به.. وقد تعمّدت أن يكون كذلك.
 
ثمّ بطلة الرّواية الغربيّة، لا يمكن أن يكون موقفها صحيحًا تمامًا: هو صحيحٌ الى حدٍّ ما، ولكنّه لا يمكن أن يصل من التّمادي إلى الحدّ الّذي أردت وتعمّدت أن أصوّره، ولكنّني مع ذلك تعمّدت أن أصوّره بهذا الشّكل لتكمل به الصّورة والنّهاية اللّتان أردتهما.
 
المهمّ أنّني أستطيع أن أقول إنّني قدّمت بهذه الرّواية للقارئ عملًا قويًّا، وأنا واثقٌ من أنّه لن يلقي الكتاب من يده قبل أن يأتي عليه بكامله، مدفوعاً بقوة الحوار والتّحليل، وعنف المواقف، وجاذبيّة الموضوع، وأنا واثقٌ كذلك من أنّ القارئ المنصف سيرى أنّني عالجت هنا موضوعًا جديرًا بالمعالجة القويّة، لأنه أخطر من أن نظلّ ندور حوله من بعيدٍ، دون أن نمسّه عن كثب، خوفًا من أحكام المتزمّتين والمتنطّعين الّذين يقولون باللّسان ما لا يستطيعون الصّمود عليه عند الجدّ.
 
وحين تجد روايتي هذا الإنصاف الصّحيح، سيقول تاريخ النّقد الأدبيّ يومًا إنّها جاءت (علامة فارقة في اتجاه الرّواية العربيّة الحديثة).
 
إلى هذا رميت، وهو ما آمل أن يقوله النّقد النّزيه المنصف
 
.
 
عمّان – 25 ديسمبر 1973
 
عيسى النّاعوريّ
Page 3
كان موعد مغادرة القطار اللّيليّ محطّة (مسينا) إلى ميلانو في الشّمال الايطاليّ، مارًّا بمدينة نابولي، السّاعة الثّامنة والدّقيقة العشرين مساءً، وقد قيل لي إنّ باخرةً خاصّةً – معدية – ستنقله إلى البرّ الإيطاليّ، وتلك تجربةٌ جديدةٌ طريفةٌ لم أعرفها من قبل: أن أكون في القطار، ويكون القطار داخل سفينة تتهادى به وبراكبيه فوق اليمّ من الشّاطئ الصّقليّ إلى الشّاطئ الإيطاليّ.. تجربة لا شكّ ممتعة..
 
وليت الوقت كان نهارًا لأرى كيف تشقّ السّفينة الماء بحملها الثّقيل الهائل، وكيف تعبر به الخليج، ثمّ تلده هناك بعد حبلٍ قصيرٍ لا يستغرق أكثر من نصف ساعة..
 
وقبل الموعد المحدّد كانت المحطّة الكبيرة تموج بالمسافرين الّذين جاءوا يحملون أمتعتهم وحقائبهم لرحلة اللّيل الطّويل، وقد انتشروا على الأرصفة، وفي المطعم والبار، وراح بعضهم يقطعون الأروقة الواسعة الطّويلة جيئةً وذهابًا، ريثما يدعون إلى الصّعود إلى العربات.
 
كان هناك نساء يحملن أطفالاً على أيديهنّ، وأزواجٌ وزوجاتٌ يقودون أبناءهم وبناتهم بملابس الكرنفال الجميلة المزوّقة، والأطفال يتيهون سرورًا وخيلًا بهذه الملابس الّتي لا يرتدونها إلّا في هذه المناسبة: مناسبة أعياد الكرنفال، الّتي تحتفل بها المدن الإيطاليّة كلّها احتفالاتٌ بهيجةٌ.
 
وعلى أرض المحطّة الواسعة تتمدد عشرات من الخطوط الحديديّة كالأفاعي الرّقط، تتفرطح حينًا، وتتمدّد مستقيمةً متوازيةً حينًا آخر، وتتشابك هنا متداخلًا بعضها في بعض، وتتفرّق هناك، حمراء، صدئةً في مكان، وسوداء في مكانٍ آخر، يخالط أعلاها بياض الحديد المحكوك كثيرًا بزحلقة العجلات المستمرّة.
 
وعلى الأرصفة الطّويلة البعيدة حركةٌ دائبةٌ، عمّال السّكّة يروحون ويجيئون بملابسهم الدّاكنة، تعلو رؤوسهم الطّواقي ذوات الرّفوف الأماميّة، والحمّالون منتشرون هنا وهناك، والباعة يدفعون عرباتهم أمامهم منادين على ما تحمله العربات من مآكل ومشروبات: بسكويت، كعك (موتّا) سلال ورقيّة تحتوي على زادٍ للسّفر، بيرة، ماء معدنيّة، موز، برتقال، تفّاح..
Page 4
وهنا رجلٌ يقود بيده طفلًا، يقف به أمام عربة، ويبتاع له شيئًا يأكله، وآخر يقف عند عربةٍ أخرى وبيده زجاجة يجرع ما فيها من شراب، وطفلة تستحثّ أمّها على أن تشتري لها علبة بسكويت، أو قطعة كعك، أو زجاجة شراب.
 
وعلى شبّاك التّذاكر رجالٌ ونساءٌ يقفون في الصّف لشراء التّذاكر، وفي صالات الانتظار ازدحام، أناس يجلسون على مقاعد، وإلى جانبهم أكوامٌ من الحقائب والأمتعة، وآخرون يقطعون الصّالات جيئةً وذهابًا وهم يدخّنون، أو يتجاذبون الحديث دون جلبةٍ أو ضوضاء، وفي الممرّات وأمام البار وعلى موائد المطعم، وأمام كشك بائع الكتب وصحف كثيرون في غدوٍّ ورواحٍ.. حركة لا تهدأ، وحياة تجري على أقدامها غير متمهّلة، ولا متلكّئة.
 
وأنا منذ نحو ساعة أتجوّل هنا وهناك، حقيبتي في مستودع العفش الكبير في بناء المحطّة، وآلة التّصوير تتدلّى من كتفي إلى جانبي، وتارةً أقف أمام كشف الصّحف والكتب أتفرّس فيها وأقرأ العناوين، ومرّة أمضي إلى الميناء القريب أنظر إلى البحر والسّفن والقوارب الواقفة أو الذّاهبة الآيبة، بعضها بلون الحمام الأبيض، وبعضها بلون الصّدأ، أو بألوانٍ أخرى متنوّعة، وحينًا أعود إلى التّجول على رصيف المحطّة، وأنظر إلى ساعتي لأرى كم بقي على موعد دعوة الرّكاب للصّعود إلى عربات القطار، وطوروا أدخل إلى المطعم أستريح على أحد مقاعده، وأطلب من النّادل فنجان قهوةٍ مع الحليب (Cappuccino) ثمّ أمضي احتسيه على مهلٍ، وأدّخن سيجارةً، وأنظر إلى النّاس من حولي هناك:
 
هناك امرأةٌ تجلس على مقعدٍ بجانب الجدار، وعلى حضنها طفلٌ ترضعه، وإلى جانبها طفلٌ آخر لا يهدأ ولا يستقرّ، بل يظلّ يطوف في أرجاء المطعم كلّه، وهي تدعوه وتؤنّبه، فيصغي إليها حينًا ويعود إلى جانبها، وحينًا لا يجيب بل يظلّ يتنقل من مائدةٍ إلى أخرى، ومن حولها أمتعةٌ وحقائب ذوات أشكال شتّى، وهي تنظر إلى الباب كثيرًا؛ لعلّها تترقّب دخول زوجها ؛ ليعتني بطفلها الآخر الّذي يطوف في أرجاء المطعم، أو ليحمل إليها شيئًا ما من المدينة تضيفه إلى حملها في السّفر.
 
ويجلس غير بعيدٍ عنها شيخٌ تدلّى رأسه على صدره في نومةٍ مستريحةٍ في انتظار موعد سفر القطار.
Page 5
وأغادر المطعم لأتجوّل على الرّصيف الطّويل، هنا أسرةٌ تجلس متجمّعةً على المقاعد الحجريّة وتتحادث في هدوء، وهنا شابُّ وفتاة يسيران متخاصرين ويتهامسان في مسيرهما، ورأس كلّ منهما شديد الالتصاق برأس الآخر، وهناك امرأة تحمل سلّة، وأخرى تضع أمامها حقيبةً، وكلاهما تنتظر.
 
وجاء الموعد، وغصّت عربات القطار بالرّكاب، وتعالى صفير القطار مؤذنًا ببدء الرّحلة، ثمّ راح ينساب على الخطوط الحديديّة نحو الميناء، حيث كانت العبّارة البيضاء تنتظر لتنقله عبر خليج مشينا إلى البرّ الإيطاليّ المقابل، أو إلى (القاهرة) كما يدعوها أهل صقلّية، وأهل سردينيا.
 
وشعرت بالسّرور لأنّني سأرى كيف يدخل القطار، بعد أن ينقسم إلى مجموعتين من العربات، إلى قلب سردابين عاليين طويلين في قلب الباخرة، ثمّ أرى الباخرة تحمله بركّابه الّذين يعدّون بالمئات، وتنقل معه ومعهم الكثير من المسافرين الآخرين، ومن السّيّارات، والأمتعة، والبضائع إلى (فيلاسان جوفاني) على الجهة الأخرى من الخليج – كما قيل لي -.
 
إنّ مثل هذا المشهد لشيء نادر، وللأشياء النّادرة جمالها وبهجتها، ولم أكن قد رأيت مثل هذا ولا سمعت به من قبل.
 
وشعرت حقًّا بطرافة المشهد حينما رأيت القطار يدخل في قلب الباخرة، ويسير بنا في وسطها على قضبان حديديّة كالّتي كان يسير عليها على الأرض، ورؤوس الرّكاب تطلّ من نوافذ العربات لكي تشهد هذا المنظر الطّريف، وينهمك عمّال القطار والباخرة في تعيين اتجاه سير قسم من القطّار في السّرداب الأيمن، والقسم الآخر في السّرداب الأيسر.
 
ورحت أتصوّل بعين الخيال، سابقًا مرحلة السّفر، كيف ستحمل مياه الخليج هذه الباخرة الضّخمة، وعلى ظهرها القطار وركّابه، إلى الشّاطئ الآخر، وأكاد أرى شقًّا عميقًّا رهيبًا ينفتح تحت ثقل الباخرة، والباخرة نفسها تسير ثقيلة بطيئة، وأكاد أسمعها تئنّ من ثقل حملها، وهي تتهادى على ظهور الأمواج كما تتهادى الهوادج على ظهور الجمال.
 
وراح القطار يتقدّم تارةً ويتراجع أخرى في قلب المركب، لا يستقرّ في وقفته، والوقت يمرّ سريعًا، واللّيل يزداد كثافةً وسوادًا، والموج يضرب جوانب السّفينة وجدران الميناء دون انقطاع.
Page 6
كانت المشكلة الّتي واجهتني حينما صعدت إلى القطار، قبل دخوله إلى قلب الباخرة، هي: كيف سأقضي اللّيلة كلّها في القطار؟ إنّ التّذكرة الّتي أحملها هي لمقعدٍ في الدّرجة الأولى، والرّحلة طويلة في قلب اللّيل، فكيف أستطيع أن أستريح أو أنام مستندًا إلى مقعدٍ واحدٍ طوال اللّيل؟
 
وعوّلت على أن أستبدل بتذكرتي تذكرةً أخرى لعربة نومٍ، وأدفع فرق الثّمن، فتقدّمت من عامل التّذاكر وطلبت منه تذكرة لغرفة نومٍ، فقادني إلى حجرة كان فيها رجلان وامرأة، وأشار إلى سريرٍ مرتفعٍ تحته سريرٌ آخر، وقال: "هذا هو سريرك، وتنام السّيّدة على السّرير الّذي تحته، والسّيّدان الآخران على السّريرين المقابلين".
 
أنا أنام هكذا على سريرٍ معلّق في الهواء، وتحتي سيّدة، ويقابلنا رجلان آخران في حجرةٍ واحدةٍ، وكيف يمكن أن يكون النّوم بهذه الحالة؟
 
وتملّكتني حيرةٌ وخجلٌ معًا، وخشيت أن أفضح نفسي أمام هؤلاء الغرباء.. فوضعت حقيبتي – وكانت ضخمة ثقيلة – وجلست مرتبكًا، بين نظرات رفاقي الثّلاثة ولم أدر ماذا أقول أو كيف أتصرّف؟ أمّا عامل التّذاكر فقد تركنا وانصرف إلى عمله في العربات الأخرى دون أن يستبدل تذكرتي، فقد أرجأ استبدالها إلى أن يعود من جولته في بقية العربات.
 
لم أضع حقيبتي على الرّفوف القريبة من سقف الحجرة، كما كان يجب أن أفعل، بل جلست إلى جانبها، ورحت أجيل عيني في الغرفة تارةً، وفي وجوه رفاقي الثّلاثة تارةً أخرى.
 
كان في الحجرة مقعدين طويلين على جانبيها، تتخلّلهما أكواع متحرّكة تفصل كلّ منهما إلى ثلاثة مقاعدـ، فإذا أزيلت الأكواع تحوّل المقعد المستطيل إلى سريرٍ للنّوم، وقد جلس أحد الرّجلين الآخرين على طرف أحدهما عند الباب يقرأ جريدةً في يده، وجلست أنا على الطرف الآخر في صدر الحجرة، وجلس الرّجل الآخر والسّيّدة على المقعد المقابل، وفوق رؤوسنا رفوف شبكيّة مثبتة إلى قوائم وأكواع حديديّةٍ متينةٍ، لتوضع عليها الحقائب.
Page 7
الّذي كان يقرأ الجريدة شابٌّ طويل القامة، مليء الجسم، جميل الشّكل، وهو منصرفٌ إلى جريدته لايرفع عنها بصره، والرّجل الآخر كهلٌ أصلع قليلًا، ويتناثر الشّعر الأبيض على جوانب رأسه الصّغير، وهو ينظر إليّ حينًا وحينًا إلى السّيّدة بجانبه، وبيده سيجارة ينفث دخانها أمامه تارةً، وإلى الأرض تارةً أخرى.
 
أمّا المرأة فكانت شابّة جميلة في نحو الثّلاثين من عمرها، يتدلّى الشّعر الأشقر الذّهبيّ على كتفيها كشلالٍ من ذهبٍ، وخصلة منه محبوكة بشكلٍ حلزونيّ على طرف جبينها، وعيناها زرقاوان واسعتان تشعّان ببريق السّحر، تزيده ابتسامتها المشرقة، ووجهها الأبيض المستدير، والذّقن الدّقيق الصّغير في أسفله، وكانت ترتدي جونيللة صوفية ضيّقة رماديّة اللّون، وبلوزة زرقاء من (المهير) مجدولة جدلًا غليظًا، عريضة الياقة تترامى على الكتفين، وكانت جونيللتها الضّيّقة ترتفع قليلًا فوق ركبتيها المتلاصقتين في جلستها، وكانت المرأة بوجودها معنا في الحجرة وتفكيري في أنّها ستقضي اللّيلة كلّها في سريرٍ تحت سريري، سببًا في إحراجي وجلستي المضطربة المرتبكة.
 
ومن خلال ارتباكي واضطرابي كنت أرفع عينيّ أحيانًا عن الأرض، فأرى السّيّدة تنظر إليّ وعلى ثغرها ابتسامة إشفاق، فأعيد نظري إلى الأرض، ويتخضّب وجهي بالحياء بحيث يكاد يقطر منه الدّم.
 
ولاحظ الرّفاق الثّلاثة ارتباكي، وأكثر من لاحظ ذلك منهم السّيّدة، ولذلك كانت تطيل النّظر إليّ، وهي تبتسم ابتسامتها الّتي تحمل معاني الإشفاق والمجاملة والتّشجيع معًا، لقد لاحظت وفهمت، بحسّ المرأة أنّني غريبٌ، وأنّ الأمر جديدٌ وصعب عليّ، ولا شكّ أنّ الزّميلين الآخرين أدركا ذلك أيضًا، ولكنّ النّساء دائمًا أسرع إلى إبداء شعور المجاملة والتّشجيع من الرّجال.
 
ولم أستطع أن أكتم حيرتي وارتباكي طويلًا، كان كلّ حياء الشّرق وتحفّظه يتجمّع في وجهي.. فقلت للسّيّدة:
Page 8
- وهل تظنّين أنّ من الممكن أن ننام بهذا الشّكل؟
 
فضحكت ضحكةً لطيفةً وقالت:
 
- وهل في هذا وجه للغرابة؟ هذا قطار للجميع، وليس لركّاب دون سواهم!
 
فقلت متعجّبًا:
 
- وجه الغرابة؟! بل فيه كلّ الغرابة، إنّه لأمر جدًّا مستهجنٌ بالنّسبة إليّ.. وهل من المعقول أن تنامي أنت تحتي، وأنام أنا في سرير فوقك؟ وكيف يمكن أن أنام عندئذٍ؟ وفي تلك اللّحظة دخل عامل التّذاكر من جديد، فنهضتُ من مجلسي وقلت له:
 
- أرجوك! هذا وضع لا أطيقه، أريد أن أعود إلى مكاني في عربات الدّرجة الأولى، فقد يكون النّوم هناك على مقعدٍ واحدٍ أهون من هذا الوضع.
 
ونظرت فإذا رفاقي الثّلاثة يضحكون معًا لطرافة موقفي الحرج، أمّا عامل التّذاكر فقال:
 
- لا بأس! يمكنك أن تذهب..
 
وتناولت حقيبتي الضّخمة الثّقيلة ورحت أجاهد في إخراجها من باب الحجرة الضّيّق، ثمّ من الممرّ أمام الباب ومن باب العربة ذي الدّرجات الثّلاث الضّيّقة كذلك، ولم أجد حمّالًا هناك يساعدني في حملها، ولذلك أرهقني حملها وأجهدني الوصول بها إلى أرض السّفينة، وهكذا غادرت العربة، ورحت بحملي الثّقيل، الّذي يزيد من ثقله وصعوبة السّير به المعطف السّميك الّذي أرتديه، أبحث عن عربات الدّرجة الأولى بين أجزاء القطار الموزعة في قلب العبّارة.
 
ويجهدٍ كثيرٍ توصّلت إلى العربة الّتي أريدها، فحملت حقيبتي وصعدت الدّرجات الثّقيلة المرتفعة إليها، وفي طرف الممرّ الضّيّق وجدت الحجرة الأولى في العربة خالية تمامًا، فدخلتها، ووضعت الحقيبة على رفّها العالي، وخلعت معطفي اللّعين الثّقيل، ثمّ جفّفت العرق المتصبّب على جبيني ووجهي وعنقي من أثر المشقّة الّتي عانيتها في حمل الحقيبة وإنزالها من عربة، والصّعود بها إلى عربةٍ أخرى، ورفعها بعد ذلك على الرّفّ.
Page 9
ثمّ استرحتُ هناك على المقعد الطّويل الوثير في الحجرة الدّافئة، وأشعلت سيجارة ورحت أنفث دخانها بهدوءٍ، وأنا أضحك من نفسي لمحاولتي السّخيفة أن أجرّب عربات النّوم لأوّل مرّةٍ في حياتي داخل القطار اللّيليّ.
 
لقد أصبحت منفردًا في حجرةٍ كاملةٍ، ولم تعد تربكني أنظار المرأة الجميلة، وابتساماتها المشفقة، ولا التّفكير في أنّني سأقضي اللّيل في سريرٍ معلّقٍ في الفضاء يضطجع جسدها الطّريّ الشّهيّ على سرير ٍآخر تحته.
 
ولكن، أحقًّا، أنّني لن أفكّر في ذلك الجسد وأنا بعيد عنه، كأنّه ممددٌ بكلّ طراوته ونعومته أمامي؟! أصحيحٌ أنّ خيالي لن يعود ليتمثّله عاريًا شهيًّا في استلقاءاته على سريرٍ تحت سريري؟؟
 
لا .. لا .. هذا الخيال الشّيطانيّ يجب أن أطرده بكلّ قوّتي.. يجب ألّا أسمح له بمضايقتي، فلو شئت أن أترك له مجالًا لما غادرت عربة النّوم وجئت إلى هنا بعيدًا عن جمال المرأة وفتنتها.
 
وعلى لهاث السّيجارة الّذي يرتفع متعرّجًا ثمّ يتبدّد في فضاء الحجرة رحت أشغل تفكيري بأشياء أخرى، وأصرف خيالي إلى أشياء جميلةٍ مريحةٍ..
 
وعاد بي الخيال إلى مهرجان الكرنفال الرّائع الّذي شهدته في مسينا عصر ذلك اليوم نفسه، وكنت من قبل أتمنّى أن أشهد مثل هذا المهرجان الّذي كانت تستهويني رؤيته في الأفلام السّينمائيّة، وقد كان هو أوّل ما لقيني بعد ظهر ذلك اليوم حينما وصلت إلى مسينا قادمًا من أغريجنتو، ومارًّا بكالتانسيتا ثمّ كاتانيا ثمّ تارومينا، ومتغلغلًا في قلب بيّارات البرتقال واللّيمون المتوهّجة بالثّمار الذّهبيّة، والمستحمّة بالعطر على طول السّاحل الصّقليّ المتعرّج من الجنوب إلى الشّمال.
 
كانت مسينا كلّها متجمّعةً في الشّوارع العريضة الطّويلة والسّاحات الرّحيبة: الرّجال والنّساء والأطفال، والشّبان يطوّقون خصور الفتيات بأيديهم، ويقفون لمشاهدة المهرجان السّاخر البهيج، والأولاد يحملون نثارة الورق الملوّن ويرشّونها على كلّ فتاةٍ أو سيّدةٍ يمرّون بها، فتنتشر على رؤوسهنّ وثيابهنّ، فيضحكن ويغتبطن بها، ولا يحاولن أن يطردنها عن شعر رؤوسهنّ أو عن ملابسهنّ.
Page 10
وموكب الكرنفال الطّويل يتقدّم في الشّوارع والسّاحات، بين الجموع الغفيرة المتراصّة على الجانبين، يتقدّمه فوج من الشّبّان بملابس الجنود الرّومانيّين وخوذهم البيضاء اللّامعة، تليه الفرقة الموسيقيّة بآلاتها العجيبة الغريبة الأشكال: فقد كانت مؤلّفةً من آلات على أشكال المكانس، والمقالي، وحلل المطابخ والصّحون والجرادل والبراميل الخشبيّة، والسّطول والمقصّات الكبيرة، والملاعق الضّخمة وصبابات مياه المراحيض ومجارير الكناسة وأشكالٍ وألوانٍ وأوانٍ أخرى، وكلّها تعزف ألحانًا مرحةً مرقصةُ، ويلي ذلك شبّان وشابّات بملابس هزليّة تمثّل القرود، وكلاب البحر، والفيلة، والدّببة والحمير والكلاب والأرانب وأشكالًا أخرى كاريكاتوريّة ضخمة من الشّخوص الآدميّة، ومن خلفهم عربات تحمل شباّنًا وشابّاتٍ بملابس وطنيّة تقليديّة جميلة، أو بملابس كرنفاليّة مضحكة، يرشّون نثارة الورق الملوّن على الجماهير من أكياس كبيرةٍ مكدّسةٍ عند أقدامهم على ظهور العربات، أو صغيرةٍ يحملونها بأيديهم.
 
ثمّ يلي كل ذلك ثماني عرباتٍ كبيرةٍ تشبه الجنائن اليانعة الباسمة، محمّلة ومغطّاة كلّها بأنواع جميلةٍ من الأزهار المختلفة الّتي تعطّر الفضاء بشذاها المنعش، وفي كلّ عربةٍ فتاةٌ جميلةٌ في وضعٍ يختلف عن وضع الأخرى: فهذه تتأرجح على أرجوحةٍ جميلةٍ في وسط حديقتها، وتلك تحمل تيجان الأزهار وترشّها على الجماهير، وهاتيك تحمل بيدها شمسية ملونة مزركشة، وتقف بملابس يابانيّة على شرفةٍ تطلّ على حديقتها الرّائعة، وأخرى تسير بين الأزهار مع خطيبها متخاصرين، وبين الفينة والفينة يغيبان في عناقٍ حلوٍ طويلٍ، أو تجلس وإيّاه على مقعدٍ في وسط الحديقة، مسندةً رأسها إلى صدره.
 
مشهد لم أرَ من قبل أجمل منه وأبهى، ممّا دفعني إلى ابتياع عددٍ من الأشرطة الفوتوغرافية أضعها في جيبي، وأدخل إلى قلبي الطّويل التقط الصّور العديدة المختلفة، وكلّما انتهى شريطٌ نزعته من الكاميرا وملأتها بشريطٍ غيره، حتّى فرغ جيبي من الأشرطة، لتظلّ صور المهرجان بين ذكرياتي الجميلة فيما بعد.
 
كان المهرجان في حقيقته الّتي شاهدتها بعيني أروع مما كنت أشاهده في الأفلام السّينمائيّة، ولذلك شعرت بأنّ حظي كان سعيدًا جدًّا لوصولي في الوقت المناسب إلى مسينا لمشاهدته، بعد أن فاتني كرنفال أغريجنتو الّذي انتهى في اليوم الّذي سبق وصولي إلى هناك.