eKtab
EN ع
ليلى خالد - أيقونة التحرر الفلسطيني
Read free sample

ليلى خالد - أيقونة التحرر الفلسطيني

by سارة إرفنج

Page 1
تقديم
 
جلست شابة جميلة ترتدي بدلة بيضاء وقبعة خفيفة بالإضافة لنظارات شمسية داكنة تغطي جزءاً كبيراً من وجهها، في مطار روما في 29 أغسطس عام 9691· كانت الفتاة تنتظر طائرة تي دبليو أي 840 وقد بدا عليها التوتر، ولكن أياً منا قد يتوتر قبل الصعود إلى الطائرة، غير أن تلك الفتاة التي تشبه أودري هيبورن في حلتها الصيفية تلك، استطاعت تهريب مسدس وقنبلة يدوية في أمتعتها دون أن تكشفها الأجهزة الأمنية في المطار، وكانت تجلس في قاعة الانتظار بالمطار، متجاهلة رجلاً يجلس في الطرف الآخر من القاعة، الذي سنعرف فيما بعد أنه سليم العيساوي، وأن الفتاة هي ليلى خالد، وكلاهما رفيقان في وحدة كوماندو تشي غيفارا التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكانا في طريقهما لتنفيذ عملية جريئة لاختطاف طائرة تي دبليو أي 840 وإجبارها على تغيير مسارها·
 
لقد أجبرت ليلى خالد وزميلها سليم العيساوي قائد الطائرة على تغيير مسار الرحلة إلى أثينا ثم التحليق فوق حيفا مسقط رأس ليلى خالد، تلك المدينة التي لا يمكنها زيارتها بعد أن أصبحت لاجئة فلسطينية· وبعد ذلك تم توجيه الطائرة نحو دمشق وسط خوف المسافرين وهلعهم، غير أن أحداً منهم لم يصب بأذى في النهاية، مع أن العملية انتهت بتفجير مقدمة الطائرة في مطار دمشق، الأمر الذي لفت انتباه الصحافة بشدة، وأخذت وسائل الإعلام الغربية تتناقل أخبار الخاطفة وتنشر ما أتيح لها من صور، ولكن بدلاً من أن تستقبل ليلى خالد المصورين والصحافيين من مندوبي وسائل الإعلام لتعرض أمامهم القضية التي تكافح من أجلها، أخذت تبحث عن جراح تجميل في بيروت يستطيع تغيير هيأتها بعد أن أصبحت ملامحها معروفة للعالم أجمع· لقد عرفت ليلى أن هناك المزيد من العمليات في انتظارها، ولم تكن لتتخلى عن تلك الفرصة بالطبع، ولذلك خضعت في ذلك الوقت لست عمليات جراحية في وجهها بدلت ملامحها بالكامل·
 
مرة أخرى، يظهر شاب وفتاة في مطار أمستردام في السادس من سبتمبر عام 1970، يحملان جوازات سفر هندوراسية ويستعدان للصعود على متن طائرة العال من فئة بوينج 707 المتجهة إلى نيويورك· أما الشاب فهو باتريك أرغويلو من نيكاراغوا وعضو في الحركة الساندينية التي حررت نيكاراغوا لاحقاً من حكم الطاغية سوموزا، وبالنسبة لرفيقة باتريك، فلم تكن إلا ليلى خالد·
 
جلس الرفيقان بهدوء في الصف الثاني من القسم المخصص لركاب الدرجة السياحية في الطائرة، وما إن حلقت الطائرة فوق منطقة القنال الإنجليزي، حتى غادرا مقعديهما محاولين الدخول إلى غرفة القيادة والاستيلاء عليها، غير أن قائد الطائرة تصرف بسرعة غير متوقعة بأن حرف مسار الطائرة نحو الأسفل فجأة مما أخلَّ بتوازن الخاطفين وأدى إلى سقوطهما على الأرض، وأطلق حرس الطائرة النار على باتريك فأردوه قتيلاً، أما ليلى خالد فقد ضُربت وكُبلت، لتتحفظ عليها الشرطة البريطانية لمدة شهر في مركز إيلنج للشرطة في لندن بعد أن هبطت طائرة العال اضطرارياً في لندن·
 
كانت ليلى تُنقل إلى لندن في سيارة إسعاف بريطانية، بينما كان رفاقها الآخرون في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يختطفون عدداً آخر من الطائرات فوق أوروبا والشرق الأوسط ويتوجهون بها جميعاً إلى مطار دوسون (*) في الأردن، حيث كان من المقرر أن يتوجه أرغويلو وليلى بعد اختطاف الطائرة الإسرائيلية· لقد سبب خطف الطائرات وتوجيهها إلى الأردن في ذلك الوقت أزمة دولية حقيقية عمّقت الصراع الموجود بالفعل في الشرق الأوسط وكادت تودي به إلى نقطة اللاعودة، كما ساهم في إشعال حرب أهلية في الأردن بين المنظمات الفلسطينية المسلحة وقوات الجيش الأردني·
Page 2
أُطلق سراح ليلى خالد من سجنها في لندن دون توجيه أي تهم محددة لها، مع أن ضلوعها في عملية اختطاف الطائرة الإسرائيلية كان واضحاً للجميع، وذلك بعد أن طالب رفاقها في مهبط دوسون مبادلتها بعدد من ركاب الطائرات المختطفة، وقد حدث ذلك بالفعل·
 
لا تزال ليلى خالد حتى الآن من أشهر نساء فلسطين، يرى فيها البعض أيقونة للثورة والتحرر الوطني، كما تتهمها بعض الحركات النسوية باستغلال صورة المرأة الفلسطينية ومعاناتها للترويج للفكر اليساري وتحقيق مكاسب سياسية، ويرى فيها آخرون الإرهابية القديمة التي يجب منعها من زيارة بلدانهم، غير أن كل ذلك لم يثن ليلى يوماً عن متابعة مسارها السياسي، حتى بعد أن اغتيلت شقيقتها بطريق الخطأ بعد أن أعتقد الجناة أنها ليلى خالد ذاتها· لقد شكّل الوطن السليب حياة ليلى بعد أن أُجبرت على مغادرته طفلةً صغيرةً، كما زرع قيام دولة إسرائيل على أنقاض الوطن، عداءً عميقاً في قلب ليلى تجاه تلك الدولة· لقد حفرت اللحظات التاريخية التي عاشتها ليلى خالد في خطف الطائرات عامي 1969 و1970 صورتها لدى العامة، التي كانت في وقت من الأوقات الصورة الوحيدة المعروفة عن ليلى خالد، غير أن حياتها لم تقف عند تلك اللحظات فقط، بل أصبحت زوجة وأمّاً ومعلمة وعضواً في المجلس الوطني الفلسطيني؛ وقيادية في الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ومثلها مثل عدد كبير ممن كانوا يوصفون بالإرهابيين، انتقلت ليلى من ساحة الكفاح المسلح إلى ساحة العمل السياسي، إذ فتحت صورتها الأيقونية أمامها أبواباً كثيرة للكفاح السياسي وفرضت على الآخرين احترام رأيها، ومع ذلك فتلك الصورة ذاتها منعتها من دخول عدد من البلدان التي ما تزال حكوماتها ترى أنها إرهابية وقد منحت الحكومة البريطانية تأشيرة دخول لليلى خالد عام 2002 للمشاركة في عدد من الفعاليات حول القضية الفلسطينية، إلا أنها عادت ورفضت جميع محاولات ليلى للحصول على تأشيرات أخرى لزيارة بريطانيا بعد ذلك التاريخ· وقد قابلتُ ليلى للمرة الأولى أثناء زيارتها لأحد المراكز النسائية في مانشستر عام 2002، وذلك بعد عودتي مباشرة من زيارة للضفة الغربية، عملت خلالها مع منظمات حقوقية أثناء العدوان الإسرائيلي الأوسع في تلك الفترة، الذي فرض إقامة جبرية على الرئيس عرفات داخل مقر إقامته في رام الله، وفي الوقت ذاته كانت القوات الإسرائيلية تحاصر كنيسة المهد والميدان المحيط بها، بعد أن تحصن داخل الكنيسة عشرات من المقاتلين الفلسطينيين والمدنيين من سكان مدينة بيت لحم، هرباً من الاجتياح الإسرائيلي للمدينة، وقد استمر الحصار ستة أسابيع متواصلة وانتهى إثر مفاوضات مضنية بين منظمات دولية وإنسانية وإسرائيل، التي خلصت إلى إبعاد المسلحين الفلسطينيين عن الضفة الغربية إلى غزة وبعض الدول الغربية· ولم تسلم جنين ونابلس من العدوان الإسرائيلي كذلك، إذ هدمت الجرافات الإسرائيلية عدداً كبيراً من البيوت الفلسطينية على رؤوس أصحابها بحثاً عن المقاتلين الفلسطينيين·
 
وسط هذا الجو الزاخر بالأحداث، التقيت ليلى خالد في مانشستر للمرة الأولى في اجتماع لمنظمة نسائية، وما إن عَرَفت ليلى شخصيتي حتى اقتربت مني واحتضنتني بقوة قائلةً إنها تريد أن تتشبع برائحة بلادها من خلالي بعد أن عَلمت أنني كنت في فلسطين منذ فترة وجيزة·
 
كانت ليلى خالد في أواخر الخمسينيات في ذلك الوقت، امرأة قوية ورائعة، أسرت اهتمام الحاضرين جميعاً في بيت الصداقة في مانشستر، عندما أخذت تتحدث عن حقوق شعبها ومعاناته تحت الاحتلال الإسرائيلي، دون التطرق إلى تاريخها الشخصي كأيقونة فلسطينية معروفة، وبصوت عميق مجروح بتأثير عادة التدخين لسنوات طويلة، أخذت ليلى تروي التفاصيل اليومية للصراع الدائر بين الفلسطينيين وعدوهم الشرس في الأراضي المحتلة وخارجها، أما مساء ذلك اليوم فقد التقيت بليلى مرة أخرى حول مائدة العشاء في أحد المطاعم، حيث وجدتُ ليلى الإنسانة والمرأة البسيطة بعيداً عن أجواء السياسة والقتال، وأخذت تحدثني بأنها تنحدر من عائلة تنتمي للثقافة الإسلامية، التي تغلب على المجتمع الفلسطيني وتؤثر في أفراده، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، ثم توجهت إليّ بالحديث موضحة أنني فتاة شابة ولا بد أن أعرف أن المتع الحقيقية في الحياة ليست أكثر من الطعام اللذيذ والشراب الجيد وقصص الحب الجميلة! ولم أكن أتوقع تصريحات كهذه بالطبع من مناضلة ومقاتلة خطفت طائرتين في السابق لخدمة قضية بلادها·
Page 3
لم يُكتب الشيء الكثير عن ليلى خالد في السابق، وقد ظهرت سيرة ذاتية لها عام 1973 ولم تكن تبلغ الثلاثين من عمرها بعد، كتبها جورج حجار الذي كان ينتمي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ويعمل في الدائرة الإعلامية للجبهة، وقد أرادت الجبهة أن تستغل أحداث خطف الطائرات عام 1970 إعلامياً لتحقيق مكاسب سياسية، وتقول ليلى بأنها قضت أياماً طويلة تملي مذكراتها على حجار، ثم تراجع كلَّ فصلٍ على حدة عندما ينتهي من كتابته· لقد نفدت جميع نسخ الكتاب من الأسواق منذ زمن بعيد· وما تبقى من نسخ سليمة لا تزال حتى الآن تُباع وتشترى بمئات الجنيهات من قبل المهتمين بالموضوع· هناك أيضاً كتاب ليلى وحرب الاختطاف - Leila's Hijack War الذي ألفه الإعلامي بيتر سنو وديفيد فيلبس بعد حوادث خطف الطائرات عام 1970، وقد سلطا الضوء فيه على تجارب ضحايا الاختطاف من البريطانيين، أكثر مما تحدثا عن ليلى التي يحمل عنوان الكتاب اسمها· وظهرت ليلى كذلك في فصل من فصول كتاب إلين ماكدونالد الذي نُشر بعنوان الإرهابيات، اقتل النساء أولاً Women Terrorists, Shoot the Women First وقد اعتمدت إلين في الحديث عن ليلى على مقابلة أُجريت معها عندما كانت تسكن في مخيم اليرموك في دمشق· وإذا ما استثنينا تلك الكتب، فإن القارئ باللغة الإنجليزية لن يجد ما يروي ظمأه من معلومات حول ليلى خالد، إلا بعض المقالات في صحيفة الغارديان - Guardian البريطانية، وبعض الصحف اليسارية الأخرى، وبعض المعلومات في مجلة أمن الطيران الدولية Aviation Security International يحاول هذا الكتاب الذي بين أيديكم أن يملأ هذا الفراغ بكمية من المعلومات حصلنا عليها في أثناء عدة مقابلات مع ليلى خالد في منزلها في عمّان، وقد جرت معظم المقابلات عام 2008، كما استقينا معلوماتنا من مجموعة أخرى من المقابلات والكتب والمقالات، سواء منها المعارضة لأفكار ومبادئ ليلى خالد أو الداعمة لها، وبالإضافة إلى التوثيق للأحداث التي مرت في حياة ليلى خالد، فقد حاولنا استعراض بعض القضايا والمواضيع التي تثيرها في سيرتها، مثل موضوع المناضلين الذين يبدأون حياتهم بالكفاح المسلح وينتهون إلى حلبة المفاوضات السياسية، وكيف ولماذا يقرر أشخاص بعينهم ولا سيما النساء، اللجوء إلى الكفاح المسلح؟ ماذا يكسبون وماذا يخسرون؟ كيف ترتبط ثورة الجناح اليساري التي تنتمي إليها ليلى خالد بالأحزاب الإسلامية التي تسيطر على المقاومة الفلسطينية المسلحة اليوم؟ وأخيراً، كيف ترتبط الصورة الرومانسية للإرهابية التي أسبغها الإعلام الغربي على ليلى خالد بتشبيهها بأودري هيبورن، بالصورة الأوسع للصراع الفلسطيني؟
 
عندما اختطفت ليلى خالد طائرتها الأولى، كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منظمة يسارية، تتمتع بعلاقات واسعة مع منظمات دولية حول العالم، وكان هدفها الواضح والمعلن تحرير فلسطين وإعادة الفلسطينيين إلى بلادهم التي تركوها قبل عشرين عاماً في ذلك الوقت· كان ذلك عصر تشي غيفارا الذي قُتل قبل ذلك التاريخ بعامين في بوليفيا، وعصر حركات التحرر في جنوب شرقي آسيا، وكان حق المنخرطين في المقاومة المسلحة للدفاع عن حرياتهم أمراً مطروحاً على مستوى العالم، كما زينت صور أبطال الحركات التحررية جدران غرف الطلاب وبيوت اليساريين في كل مكان، وفي الوقت ذاته كانت الموجة الثانية من الحركات النسوية تأخذ طريقها إلى الدول الغربية، مضيفة عاملاً آخر إلى البيئة التي استقبلت أخبار تلك الشابة خاطفة الطائرات·
 
بالنسبة للشرق الأوسط، كانت الأمور سيئة للغاية، فقد هزمت إسرائيل جيوش مصر والأردن وسوريا مجتمعة في حرب الأيام الستة عام 1967، واستولت على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية غرب نهر الأردن التي كانت تحت الحكم الأردني، وشمال سيناء التي كانت تحت الإدارة المصرية، بمن في ذلك اللاجئون الذين وفدوا إلى تلك المناطق عام 1948 عند قيام دولة إسرائيل· ومع كل تلك الأحداث ظلت القضية الفلسطينية هامشية بالنسبة لبقية دول العالم، وكان الغرب ينظر إلى الفلسطينيين على أنهم مجموعة صغيرة من اللاجئين كانوا ضحية الصراع العربي - الصهيوني في الشرق الأوسط، وتستخدمهم الدول العربية ذريعة لمهاجمة إسرائيل·
Page 4
أخذت النقمة تتزايد في أوساط اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات التي تكاثرت وانتشرت في الأردن ولبنان وسوريا، وخاصة بعد حرب عام 1967 التي فقدت بعدها الحكومات العربية مصداقيتها أمام شعوبها عامة ولا سيما الفلسطينيين، وبدأت حركات المقاومة التي تكونت أواسط الستينات تتجذر وتصبح أكثر تطرفاً وشعبية لدى الجماهير، وتصف روزماري صايغ التي عايشت فترة السبعينات في لبنان تلك الفترة بقولها:
 
لا يمكننا أن ننظر إلى حركات المقاومة الفلسطينية بمعزل عن السياق التاريخي الذي نشأت فيه، فبعد حرب الأيام الستة والهزيمة المهينة التي مُنيت بها الجيوش العربية، ظهرت المقاومة الفلسطينية وكأنها طائر الفينيق يخرج من بين الرماد ليشعل الأمل من جديد في النفوس المنكسرة، وقد لقيت المقاومة ترحيباً واسعاً لدى الرأي العام العربي، حتى أن بعض القوميين أخذوا يدعون الفدائيين بالملائكة والمخلصين من شدة حماسهم لأولئك المقاتلين الفلسطينيين الذين وُلدوا من رحم الهزيمة والمعاناة· لم يدُم هذا الدعم طويلاً بطبيعة الحال، ولكنه أدى في تلك الفترة على الأقل إلى إجبار الأنظمة العربية على دعم المقاومة الفلسطينية رسمياً، وهكذا أخذت المقاومة مكانها العالمي إلى جانب حركات التحرر الأخرى في العالم الثالث التي كانت تناضل جميعها ضد الهيمنة السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة، وبذلك كانت المقاومة الفلسطينية تغذي بذور الاحتجاج والرفض في العالم العربي وتفضح في الوقت ذاته الطبيعة الرجعية للأنظمة العربية(1)·
 
لقد جعلت حادثة اختطاف الطائرة عام 1969 ليلى خالد رمزاً شهيراً لعدة أشهر، غير أن محاولتها الثانية عام 1970 وما تبعها من تفجير الطائرات في الأردن، وما تبع ذلك من مواجهات بين المقاتلين الفلسطينيين والجيش الأردني، ثم التدخل السوري والإسرائيلي والسوفييتي وكذلك الولايات المتحدة، لدعم هذا الطرف أو ذاك، في ما كان يشبه الحرب الأهلية في الأردن، أدى كل ذلك إلى تخليد صورة ليلى خالد المقاتلة إلى الأبد، لا سيما بعد انتقال الفلسطينيين من الأردن إلى لبنان إثر أحداث أيلول الأسود، ثم من لبنان إلى تونس بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، ومن شتات إلى آخر، احتفظت صورة ليلى خالد الفدائية بألقها وغموضها، جنباً إلى جنب مع صورة تشي غيفارا وغيره من أبطال ذلك العصر، غير أن صورة ليلى كانت تتمتع برمزية خاصة، فقد جسدت المرأة الفلسطينية الثائرة في أبهى صورها· وليس ذلك فحسب، بل جسّدت أيضاً الجناح اليساري في الثورة الفلسطينية، ومما لا شك فيه أن تلك الصورة الرمزية لليلى خالد، وهي تحمل بندقيتها، غيّرت نظرة العالم الغربي للمرأة الفلسطينية بصورة واضحة·
 
تقول الكاتبة النسوية روبن مورغان: بالنسبة للغرب هناك نمطان معروفان للمرأة الفلسطينية، الأول هو نمط ليلى خالد المقاتلة، والثاني نمط اللاجئة الفلسطينية الأميّة، التي ترغب بإنجاب أكبر عدد من الأطفال لخدمة الثورة (2)·
 
قد لا يعبر هذا التعميم عن واقع الفلسطينيين الحقيقي، لكنه يوضح بالتأكيد الصورة التي رسمها الغرب لليلى خالد، بالإضافة لمجموعة أخرى من المقاتلين الفلسطينيين ومن بينهم ياسر عرفات ذاته، فقد ارتبط هؤلاء بفكرة الأعمال الإرهابية، حتى قبل أن تشيع العمليات الاستشهادية التي ظهرت لاحقـاً·
Page 5
يُصر بعض الفلسطينيين، ومن بينهم ليلى خالد، أن الكفاح المسلح حق مشروع للفلسطينيين للدفاع عن أنفسهم، والسبيل لتحرير فلسطين، ويرى آخرون، ومن بينهم المتعاطفين مع القضية الفلسطينية من غير الفلسطينيين، أن العنف المسلح يصب في مصلحة إسرائيل ويحجب المقاومة السلمية التي ينتهجها القابعون تحت الاحتلال الإسرائيلي في حياتهم اليومية في الأراضي المحتلة، أو أولئك الذين يعيشون في مخيمات الشتات ويعانون القهر والتمييز في البلدان التي لجأوا إليها·
 
هل تحيل صورة ليلى خالد الصراع الفلسطيني إلى موضوع غامض، ساحر، قائم على الاجتماعات السرية والمكائد الدولية؟ أم أن تلك الصورة تحجب المقاومة اليومية للفلسطينيين العاديين في مدنهم وقراهم، كما فعل أهالي بلدة بيت ساحور في الضفة الغربية، عندما أعلنوا العصيان المدني إبان الانتفاضة الأولى ورفضوا دفع أي نوع من الضرائب لحكومة إسرائيل؟
 
تحتل صورة ليلى خالد كذلك عدداً كبيراً من المواقع على شبكة الانترنت، حيث يرى فيها كثير من الرجال الصورة المثالية للمرأة الشرسة، التي تحتضن البندقية وتتعامل بما يتوافق مع توجهاتهم المتطرفة(3)· وبالنسبة لبعض الناشطات في الحركات النسوية العالمية تعتبر ليلى ملهمة من الدرجة الأولى، نظراً لارتباطها بالكفاح المسلح، الذي كان في حينها عالماً رجالياً محضاً، وخاصة لبعض الناشطات السود، اللواتي يضعن ليلى في مصاف المناضلات العالميات، من أمثال النمرة السوداء أساتا شاكور (*)، فمثلها مثل أساتا، تعيش ليلى مقاومتها الخاصة بالتوازي مع أخريات يناضلن على المستوى النظري والحقوقي (4)·
 
كما تصف الأستاذة أيلين كُتاب من جامعة بير زيت في الضفة الغربية، الرموز النسائية المناضلة من أمثال ليلى خالد بأنها ربطت صراعها الخاص المتمثل في التحرر النسائي ضمن مجتمع ذكوري، بقضية التحرر الوطني ضد المحتل(5)، وبذلك مهّدت تلك الرموز الطريق لنساء أخريات للمشاركة في النضال، وقد بدا ذلك واضحاً خلال الانتفاضة الأولى التي بدأت أواخر الثمانينات، حيث شاركت النساء كما الرجال في مختلف فعاليات الانتفاضة· ومع ذلك فهناك آخرون يعتقدون أن تاريخ ليلى النضالي العنيف وكفاحها المسلح، من خلال منظمات يهيمن عليها الرجال في الأغلب، يشير إلى أنها قد وضعت مصلحة بنات جنسها في المرتبة الثانية بعد مصالح المؤسسة الذكورية، تماماً كما فعلت مارغريت تاتشر وكوندوليزا رايس· كما تنتقد روبن مورغان ليلى خالد في كتابها عاشقة الشيطان Robin Morgan, The Demon Lover الذي يتناول موضوع العنف والجندرية، لأنها اتخذت من طريق الإرهاب الذكوري منهجاً للكفاح وتجاهلت حاجات المرأة الفلسطينية، وخانت بذلك القضية النسوية، فالمرأة لا يمكنها أن تتمرد وتكافح من خلال النموذج الذكوري حتى النهاية، ولا بد لها في ظل هذا النموذج من أن تقدم فروض الولاء والطاعة للسلطة الذكورية، ولكن يمكن للمرأة أن تثور وتكافح من خلال المؤسســة الذكوريــة إلــى حدٍّ معين حيث تبدأ كفاحها النسوي الخاص (6)·
 
تضيف مورغان: إن ليلى كانت شابة يافعة تشبه الممثلة الشهيرة أودري هيبورن، عندما قامت بأول عملية اختطاف طائرة، فكانت بذلك أول امرأة خاطفة عرفتها وسائل الإعــلام (7)·
 
مع أن مورغان تعترف بدور وسائل الإعلام في تنميط صورة ليلى خالد في ذلك الوقت، إلا أنها لا تُقر بوقوعها شخصياً، ضحية للصورة النمطية للإرهابية الجميلة التي رسمتها الصحافة لليلى خالد في السبعينات، وبالطبع لم تكن مورغان الوحيدة التي تأثرت بتلك الصورة النمطية، فقد امتد التأثير إلى عدد كبير من الأكاديميين والمحللين الغربيين، الذين تعاطوا الشأن الفلسطيني خاصة والشؤون السياسية والنسوية عامة، ممن نظروا إلى عدد من الرموز الثورية في ذلك الوقت مثل ليلى أو تشي غيفارا نظرة سطحية محكومة بالصورة النمطية التي شاعت عنهم في الغرب·
 
لا تزال ليلى خالد حتى اليوم رمزاً ملهماً للكثيرين، برغم ما تحفل به حياتنا المعاصرة من رموز فنية ورياضية وسياسية تسوقها وسائل الإعلام يومياً دون كلل أو ملل، ولكن تبقى مهمتنا الصعبة كباحثين ومؤلفين، تقديم نماذج ليلى وغيرها من الشخصيات الثورية التي صنعت التاريخ في وقت من الأوقات، دون الانزلاق في فخ الأحكام المسبقة، بل تقديمها كشخصيات إنسانية اختارت طريق الكفاح السياسي، سواء المسلح أو السلمي، لخدمة القضايا التي تؤمن بها، ولعلنا في أثناء تعرفنا على حياة تلك الشخصيات نتعلم شيئاً هنا أو هناك من خياراتهم الشخصية والعامة، والظروف التي دفعتهم لخيارات بعينها دون غيرها·
Page 6
شكر وعرفان
 
أقدم خالص شكري لليلى خالد ولخالد مقدسي وليندا كلير ونعيم وسامر، ولكل الفلسطينيين في فلسطين وفي الشتات ممن لم يرغبوا بنشر أسمائهم، ولكنهم أثروا كتابي هذا بأفكارهم وذكرياتهم، وغمروني بكرمهم وحسن ضيافتهم· كما أقدم خالص عرفاني لجميع الفلسطينيين الذين يقبعون تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وأولئك البعيدين عن وطنهم وعن أحبتهم، ممن أشعلوا روح الحماسة والتضامن في قلوب جميع المؤمنين بالعدالة· وأخيراً أتوجه بشكري العميق لديفيد كاسل في دار بلوتو للنشر على جهده الكبير في إخراج هذا الكتاب، وأشكر كذلك حركة التضامن العالمية التي أوصلتني إلى فلسطين بدايةً·
Page 7
حيفا، لبنان والكويت
 
وُلدت ليلى خالد في التاسع من إبريل عام 1944 في مدينة حيفا الساحلية، ونشأت في عائلة من الطبقة المتوسطة، فقد كان والدها السيد علي خالد يمتلك مقهى في المدينة، أما والدتها فقد تفرغت لرعاية أطفالها الإثني عشر، وُلد أصغرهم ناصر في مدينة صور اللبنانية بعد أن لجأت العائلة إلى لبنان بعد نكبة عام 1948، أما ليلى فقد كان ترتيبها السادس بين إخوتها·
 
تُقدم إسرائيل صورة مشرقة عن حيفا الحديثة بأنها مدينة التعايش السلمي بين العرب واليهود من سكان المدينة، وهي الصورة التي تسعى دائماً لتسويقها لدى الإعلام الغربي، وبالطبع كان سكان مدينة حيفا من مسلمين ومسيحيين ويهود يعيشون معاً في انسجام تام منذ زمن بعيد، شأنهم في ذلك شأن جميع سكان فلسطين عبر التاريخ، ولكن الحقيقة البشعة التي تحاول إسرائيل إخفاءها الآن هي أن المواطنين العرب في حيفا يعانون شتى أنواع التمييز والتهميش السياسي والاقتصادي في ظل دولة إسرائيل·
 
كانت تقطن حيفا جالية يهودية بسيطة عام 1854 لا يزيد عددها عن 32 شخصاً من مجموع سكان المدينة البالغ عددهم 2.012، منهم 1.200 نسمة من المسلمينوالباقيمن المسيحيين، جلُهم من الطائفة الأرثوذكسية التي ينتمي إليها معظم المسيحيين في فلسطين، مع وجود عدد ضئيل من الكاثوليك والبروتستانت(8)
 
مع حلول عام 1911، كانت غالبية السكان في حيفا لا تزال من العرب، غير أن المستوطنين اليهود أخذوا يزدادون بعد عام 1920 تدعمهم الوكالة اليهوديةالعالميةوالمنظمات الصهيونية الأمريكية(9)وفي عام 1929 بدأت تظهر صراعات مختلفة في جميع أنحاء فلسطين مع زيادة أعداد المستوطنين اليهود وبروز الأزمةالاقتصادية العالمية، وظهرت مخاوف جديدة لدى سلطة الانتداب البريطاني من تعرض قواتها بالإضافة للمستوطنين اليهود لهجمات عنيفة في مدينة حيفـــا (10)، وقد تحققت تلك المخاوف بالفعل أثناء الثورة العربية في فلسطين التي امتدت منذ عام 1936 حتى عام 1939، وتمت خلالها مهاجمة قوات الانتداب البريطاني والمستوطنين اليهود عدة مرات، وفي عام 1938 قام إرهابيان يهوديان بزرع قنبلة في حيفا قتلت 60 فلسطينياً، كما قتل الفلسطينيون عدداً من اليهود والعرب الذينكانوايعملون في الشركات اليهودية في الفترة ذاتها(11)
 
تحولت حيفا من مدينة صغيرة لا يزيد عدد سكانها على ألفي نسمة عام 1859، إلى إحدى المدن الرئيسية في فلسطين بعد أن طورتها سلطة الانتداب البريطاني لتصبح ميناء حيوياً يضاهي ميناء مدينة عكا التاريخية، وتنتهي فيه أنابيب البترول التي تحمل النفط العراقي لتصديره إلى أوروبا، كما كانت إحدى محطات سكة حديد الحجاز التي ربطت حيفا بمدينة دمشق(12)وقد ساهم تطور المدينة وتوسعها في اجتذاب عدد أكبر من المهاجرين اليهود إليها في ثلاثينات القرن العشرين، بالإضافة إلى عدد كبير من الفلسطينيين الميسورين من أبناء الطبقة المتوسطة، الذين ساهموا لاحقاً، بعد تهجيرهم من فلسطين، في بناء مدن عربية أخرى مثل عمّان، وتحويلها إلى مراكز ثقافية واقتصادية مهمة في الشرق الأوسط(13)
 
أخذ الصراع يتزايد بين سكان حيفا من الفلسطينيين والمجموعات اليهودية الجديدة التي قدمت إلى البلاد، ففي عام 1946 قامت ميليشيات البلماخ اليهودية (*)بمهاجمةخطوط السكك الحديدية في حيفا، فردت عليها قوات الانتداب البريطاني باعتقال 3000 ناشط صهيوني في جميع أنحاء فلسطين(14)كما بدأت قوات الأرغن الصهيونية المسلحة بمهاجمة القرى العربية حول مدينة حيفا، وفي المقابل قام العــرب بالــرد على تلك الاعتداءات بمهاجمة المناطق اليهودية(15)مع تصاعد مخاوف الفلسطينيين من تزايد أعداد المستوطنات اليهودية في حيفا والمناطق المجاورة لها(16)ومع انتشار العنف والاعتداءات اليهودية المتكررة على السكان الفلسطينيين العزّل، بما في ذلك مذبحة دير ياسين في التاسع من إبريل عام 1948، قررت عائلة ليلى خالد مغادرة حيفا في الثالث عشر من إبريل في العام ذاته·
 
غرقت حيفا في الفوضى مع تدهور الأوضاع الأمنية في سائر المدن الفلسطينية في إبريل من عام 1948، وانسحاب القوات البريطانية إلى منطقة المرفأ في الواحد والعشرين من إبريل، تاركة المجال مفتوحاً أمام قوات الهاجانا لاحتلال المدينة والسيطرة عليها خلال يومين، أما ما حدث بعد ذلك فيظل موضوع جدل كبير· لقد غادر قائد القوات الفلسطينية موقعه في حيفا في الليلة الأولى، على أن يعود بالمزيد من التعزيزات لقواته غير أنه لم يعد مطلقاً، وفي الثاني والعشرين من إبريل أمرت قيادة القوات العربية السكان الفلسطينيين بالبقاء في حيفا(17)وكذلك فعلت قيادة القوات اليهودية، غير أن القيادة العربية العليا في دمشق عادت وتراجعت عن أوامرها الأولى بالبقاء، ودعت السكان إلى إخلاء المدينة لأنها ستقصف القوات اليهودية بالقنابل(18)فأطاع سكان المدينة أوامر القيادة العليا وغادر الكثير منهم المدينة، حيث تعرضوا لمعاملة سيئة من قوات الهاجانا وإرغون التي انتشرت في أحياء حيفا تبحث عن المقاتلين في كل مكان، وهكذا لم يتبق في حيفا في الأول من مايو غير ثلاثة إلى أربعة آلاف شخص من مجموع سكانها الأصليين(19)
Page 8
تحمل ليلى خالد ذكريات جميلة عن طفولتها الأولى في حيفا، برغم تصاعد التوتر بين الفلسطينيين واليهود في تلك الفترة، وتشير ليلى في مذكراتها التي نُشرت عام 1973 إلى أنها كانت تعيش وسط عائلة متحررة نوعاً ما، تربطها علاقات جيدة بجيرانها في الحي اليهودي في حيفا، كما تذكر صداقتها مع طفلة يهودية في مثل عمرها آنذاك تدعى تمارا، وتقول إن علاقتها مع تمارا ظلت طيبة حتى التاسع والعشرين من نوفمبر عام 1947، عندما أقرت الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين بين العرب الفلسطينيين واليهود، وتضيف ليلى كان قرار التقسيم نقطة مفصلية في علاقتي بتمارا، إذ منحتها الأمم المتحدة 56% من أرضي، وكان من المفترض بي أن أقبل بذلك وأهنئتماراوشعبها(20)
 
غادرت عائلة ليلى مدينة حيفا عندما كانت في الرابعة من عمرها، ولذلك فإن ذكرياتها عن حيفا تبدو غامضة ومشوشة أحياناً، يزيدها تشويشاً ذكريات ما بعد الهجرة من حيفا، وتقول ليلى: لقد كنت صغيرة جداً، لكنني أذكر بعض الأشياء المتفرقة، كان هناك درج في البيت نختبئ تحته عندما نسمع أصوات الاشتباكات في الشارع، وأذكر أنه كان درجاً خشبياً مزخرف الحواف، وفي إحدى المرات انقطعت الكهرباء عن البيت، وجاء أحد أقرباءنا من الخارج وأخبر أمي أن هناك حظراً للتجول في الخارج، وأخذت أتساءل في نفسي، ترى ما هو حظر التجول؟ ظننت وقتها أن انقطاع الكهرباء هو حظر التجول، وأخذت أردد الكلمة بطريقتي الطفولية وجميع من في المنزل يضحكون عليّ، وتضيف ليلى: ما زلت أذكر أننا كنا خائفين معظم الوقت وخاصة في غياب والدي، إذ كان يغيب عن المنزل كثيراً، وأحياناً أسمعه يأتي متأخراً في الليل ويبقى مدة قصيرة في المنزل ثم يخرج ثانية
 
يعتبر الفلسطينيون يوم التاسع من إبريل، وهو تاريخ ميلاد ليلى خالد، يوماً مخصصاً للحداد على شهداء الشعب الفلسطيني الذين قضوا في مذبحة دير ياسين، فقد ذبحت قوات عصابات أرغن وشتيرن أكثر من مائة شخص من سكان قرية دير ياسين البالغ عددهم 750 شخصاً آنذاك، في مجزرة مخيفة ستظل لطخة عار في تاريخدولةإسرائيل(21)وتذكر ليلى خالد في مذكراتها التي نُشرت عام 1973 أنها لم تحتفل بعيد ميلادها قط بعد عام 1948 عندما كانت في الرابعة من عمرها، وتضيف كذلك أنها رأت جثة لشخص ميت لأول مرة في حياتها في 11 إبريل من ذلك العام، وتقول أتذكر إنني كنت مرعوبة جداً، ولكنني لا أذكر إن كانت الجثة لشخص عربي أو يهودي، كلّ ما أذكره سماع صوت انفجار قوي ثم تفجر الدم من معدة ذلك الشخص، وعندها جريت لأختبئ تحت الدرج في منزلنا وبقيت أنظر لجثة ذلك الشخص في الخارج، وأخذت أفكر إن كان أبي سيلاقي المصير ذاته في ذلك اليوم(22)
 
كانت أم ليلى وأشقاؤها من أوائل السكان الذين غادروا حيفا، فقد استأجرت الأم سيارة في 13 إبريل عام 1948 لتنقل العائلة إلى مدينة صور، حيث يقطن أحد أقاربها، وذلك بعد تواصل القتال في شوارع المدينة لعدة أيام، وقد حضرت السيارة في الوقت المحدد، غير أن رحيل العائلة تأخر ذلك اليوم؛ لأن الأم كانت تحاول إبعاد جثة رجل آخر قُتل أمام منزلها تماماً، وفي النهاية عندما أصبحت الطريق خالية، كان على إحدى أخوات ليلى أن تحملها إلى السيارة رغماً عنها؛ لأنها رفضت الخروج من المنزل وآثرت الاحتماء بالدرج· تقول ليلى: أتذكر مطبخ منزلنا، وأتذكر أنني كنت أحب التمر، وقد أحضر والدي سلة كبيرة مليئة بالتمر يوم رحيلنا، وقالت والدتي إننا ذاهبون إلى لبنان، ولم يكن ذلك بالأمر الغريب، فقد كنا نذهب سنوياً إلى هناك، وعندما انتهى الجميع من ترتيبات الرحيل، بدأت أمي تعد أفراد عائلتها لتكتشف فرداً ناقصاً، كُنت أنا ذلك الفرد، فقد كنت أختبئ تحت درج المنزل إلى جانب سلة التمر التي خفت ألا ترافقنا في رحلتنا إلى بيروت
 
لقد أنقذت ليلى ببقائها إلى جانب سلة التمر حياة عائلتها، لأن سائق السيارة لم يحتمل التأخير الذي سببه البحث عن ليلى وغادر المكان يحمل عائلة أخرى كانت ترغب في الرحيل عن حيفا، غير أن قنبلة سقطت على السيارة في طريقها إلى الشارع الرئيسي في حيفا، وقُتلت طفلتان كانتا ضمن العائلة المغادرة، وتتذكر ليلى أن جارتهم كانت تقول لأمها: لا تغضبي من ليلى، لقد أنقذت حياتكم جميعاً وفي آخر محاولة لمغادرة حيفا، كانت ليلى أول الراكبين في السيارة، بناءً على أوامر مباشرة من أمها، وتتذكر ليلى بأنها كانت تبكي لأنها رأت أمها تبكي ذلك اليوم وتقول: كان الجميع يبكون يومها على غير العادة عندما كنا نذهب إلى بيروت في السابق، فقد كانت رحلة بيروت سبباً لسعادة الجميع، أما ذلك اليوم فقد كانوا جميعاً يبكون
Page 9
تتذكر ليلى أن والدتها أخبرتها لاحقاً، أن جارتهم اليهودية طلبت منها عدم الرحيل، وعرضت على العائلة الإقامة في بيتها حتى يعود الهدوء إلى المدينة، ولكن في ذلك الوقت كانت أخبار مذبحة دير ياسين تثير الرعب في نفوس الناس وتدفعهم إلى الرحيل، وأعتقد أن الصهاينة كانوا يبثون الكثير من الشائعات التي تبالغ في تصوير المجزرة لبث المزيد من الخوف بين الناس وإجبارهم على الرحيل
 
لم تستغرق الرحلة من حيفا إلى صور أكثر من ساعتين، وفق ما تذكره ليلى لكنها تقول: كنا محشورين داخل السيارة طوال مدة الرحلة، لكننا رأينا في طريقنا الكثير من اللاجئين يقطعون المسافة سيراً على أقدامهم باتجاه منفاهم الجديد، ولم يرافق والد ليلى عائلته إلى لبنان في تلك الرحلة، فقد تخلف في حيفا لحراسة منزله ومقهاه لحين عودة الهدوء والأمن ومن ثم يدعو عائلته للعودة من جديد، غير أن ذلك كان أملاً بعيد المنـال، فقد استولى الصهاينة على البيت والمقهى في 22 إبريل(23)ولم يبق للرجل شيء، فالتحق بالمقاومة الفلسطينية وأُرسل إلى غزة ثم إلى مصر وبعد هزيمة عام 1948 عاد ليلتحق بعائلته في لبنان·
 
تستعيد ليلى ذكرى الشهور الأولى لإقامتهم في لبنان قائلة: لا أذكر شيئاً عن تلك الفترة سوى أنني كنت أرافق شقيقاتي نوال وزكية ورحاب إلى مقر وكالة غوث اللاجئين لاستلام نصيبنا من المؤن، وكانت أخواتي يشعرن بالذل في ذلك الموقف، أما أمي فقد كانت دائما غاضبة(24)
 
قضت ليلى خالد وعائلتها عاماً كاملاً في منفاهم الجديد في مدينة صور اللبنانية، وتذكر ليلى تلك الفترة بالكثير من المرارة كما قالت لإيلين ماكدونالد كان بيت عمي في صور حيث أقمنا محاطاً ببستان من أشجار البرتقال، وكلما جعنا، أنا والأطفال الآخرين في المنزل، كنا نقطف بعض ثمار البرتقال لنأكلها، لكن أمي كانت تضربنا على أيدينا وتوبخنا قائلة بأن تلك الثمار ليست لنا ومن غير المسموح لنا قطفها، وأننا لسنا في فلسطين لنفعل ما نشاء، ومنذ ذلك اليوم لم أعد أطيق أكل البرتقال، وكلما رأيت برتقالاً أشعر بالحزن وأتذكر برتقالنا في حيفا الذي استولى عليه الآخرون(25)
 
تعترف ليلى خالد بأن وضع عائلتها حينها كان أفضل بكثير من أوضاع اللاجئين الفلسطينيين الآخرين، فقد كان للعائلة أقارب في صور استضافوها بعد خروجها من حيفا، بينما اضطر أغلب الفلسطينيين إلى اللجوء إلى مخيمات وكالة غوث اللاجئين الأونروا، حيث لاقوا صنوف المذلة والهوان، ومع ذلك، ظلت تجربة اللجوء مريرة بالنسبة لليلى، مقارنة بسنوات حياتها الأولى في حيفا، وقد كانت تلك التجربة الدافع الأول وراء توجهها نحو العمل السياسي في عمر مبكر·
 
تقول ليلى: كانت حياتنا في المنزل تعيسةً، وكلما طلبنا شيئاً من والدتنا كنا نجابه بالرفض مصحوباً بالتفسير ذاته، نحن لسنا في فلسطين، كل الحرمان الذي عشناه كان يرجع إلى سبب واحد، نحن لسنا في فلسطين· عندما كبرنا بدأنا نعي أننا بالفعل لن نحصل على أي شيء ما دمنا خارج فلسطين، وهكذا فقد بدأت فكرة العودة إلى المنزل قبل أي مكان آخر لأنها ببساطة كانت الإجابة على جميع مطالبنا، وأخذنا نفكر فيما حدث للفلسطينيين، كيف، ولماذا، ومن المسؤول؟ أحياناً كان الناس يتهموننا بالتقصير والجبن، وأننا تركنا بلادنا خوفاً، وكانت هناك إشاعات حول فلسطينيين باعوا أرضهم لليهود، وقد كان كل ذلك مهيناً جداً بالنسبة لنا
 
تشير ليلى بأن تهمة بيع الفلسطينيين أراضيهم لليهود ظلت تلاحق اللاجئين سنوات طويلة، وفي عام 1982 خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، كانت ليلى تعمل من خلال الإتحاد العام للمرأة الفلسطينية؛ لإيجاد مساكن ملائمة وبعض الإمدادات العاجلة للنازحين اللبنانيين، الذين هربوا من بيروت خوفاً من القصف الإسرائيلي، وتتذكر أنها دخلت إلى أحد المباني في بيروت، حيث سمعت حوار سيدتين داخل المبنى بينما كنت أحاول إيجاد مأوى لبعض النازحين في إحدى العمارات السكنية في بيروت سمعت سيدة تقول لأخرى: هل فهمت الآن لماذا تركنا بيوتنا في فلسطين؟ وعندما اقتربت، وجدت السيدتين تجلسان على الأرض وحولهما أطفالهما، كانت إحداهما فلسطينية بينما الأخرى لبنانية، وعندما سألت الفلسطينية عما كانت تقول أخبرتني بأن السيدة الأخرى كانت دائماً تُعير الفلسطينيين بأنهم باعوا بلادهم وتركوها، ولذلك فالفلسطينيين يستحقون ما حدث لهم، وكنا نشعر بالذنب من كثرة ما ترددت تلك الأقوال، وكنا أحياناً نؤنب أنفسنا بشدة ونقول ربما كنا مذنبين لأننا هربنا من بلادنا
Page 10
كانت ليلى خالد في سنواتها الأولى طفلة ذكية جداً لكنها عدوانية أحياناً، ولذلك سارعت عائلتها إلى إرسالها إلى روضة الأطفال التي لم تعجب ليلى ولم تشبع فضولها، فقد وصفتها في سيرتها الذاتية الأولى التي صدرت عام 1973 بأنها لم تكن أكثر من حضانة لرعاية الأطفال دون أية أنشطة ممنهجة إلا تحفيظ القرآن الكريم، وعندما وصلت ليلى إلى عمر السادسة أُرسلت إلى مدرسة الكنيسة الإنجيلية الخيرية لتعليم الفلسطينيين، حيث غضبت ليلى لأنها جلست ضمن طلاب الصف الأول، وكانت تظن مهاراتها في اللغة العربية والرياضيات ستؤهلها للوصول إلى صف أعلى مباشرة، غير أن ما أغفلته الطفلة العنيدة ليلى أنها كانت تعاني صعوبات في تعلم اللغة الإنجليزية(26)
 
دخلت ليلى عالم السياسة للمرة الأولى عن طريق إخوتها الأكبر سناً، فقد كان ستة من إخوتها منتمين إلى حركة القوميين العرب، المنظمة التي أسسها جورج حبش ووديع حداد عندما كانا طالبين في الجامعة الأمريكية في بيروت· تقول ليلى: كان أخي الأكبر يدرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث التقى قادة حركة القوميين العرب، وفي عائلتنا كان للأخ الأكبر منزلة خاصة وسلطة تقارب سلطة الأب، وفي داخل الحركة كان هناك اعتقاد بأن على الأعضاء استقطاب أفراد عائلاتهم أولاً قبل التبشير بالحركة بين الآخرين، وهكذا، استطاع أخي التأثير على إخوتي وأخواتي الأكبر مني سناً ثم امتد تأثيره إليّ بالضرورة
 
كانت ليلى في الثامنة من عمرها عندما أخذت تنجذب إلى نقاشات أخيها الأكبر مع والدها، وبالتدريج بدأت تعي الأسباب التي تدفعها وأصدقاءها من الأطفال إلى الذهاب للدراسة في خيمة كبيرة أقامها اتحاد الكنائس الإنجيلية الخيرية لتعليم الفلسطينيين، وقد أطاحت عاصفة عاتية بالخيمة الكبيرة عام 1952، فسقطت على رؤوس الأطفال وجرحت عدداً منهم، بينما فرَّ الباقون مذعورين·
 
تذكر ليلى عن تلك الفترة، درساً آخر من دروس السياسة التي تعلمتها باكراً عندما كانت في مدرسة المخيم، فقد تشاجرت يوماً مع طالبة في مثل سنها تدعى سميرة، وكانت على عكس ليلى تعيش في مخيم اللاجئين في صور، وعندما قامت ليلى بضرب الفتاة تدخلت المدرسة لتلقنها درسها الأول في الانتماء الطبقي، إذ أوضحت لها أن سميرة وعائلتها من الفلاحين الذين لجأوا إلى المخيم هم أصحاب فلسطين الحقيقيون، الذين ارتبطوا بترابها منذ أجيال على عكس أبناء الطبقة المدنية الوسطى التي تنتمي إليها ليلى· وبالنسبة لعائلة ليلى فقد تحسنت أوضاعها المعيشية، واستطاعت العائلة الانتقال إلى شقة منفصلة تتكون من ثلاث حجرات عندما كانت هي في الحادية عشرة من عمرها، ولم يعد شبح الجوع يخيم على العائلة(27)
 
حافظ أبناء عائلة خالد الأكبر سناً على نشاطهم السياسي، فكما تقول ليلى كان المناخ العام السائد في تلك الفترة يميزه صعود الشعور القومي، وخاصة بعد تولي عبدالناصر الحكم في مصر، وقد شكلت فكرة القومية العربية أملاً بالخلاص من تبعات نكبة عام 1948 لدى كثير من اللاجئين الفلسطينيين، ومنهم ليلى خالد وإخوتها، وقد وُلد أصغر هؤلاء الإخوة عام 1956 وسُمي ناصر، تيمناً بالزعيم الذي واجه الغرب بعد تأميم قناة السويس، وتعلق ليلى مازحة على عدد إخوتها الذي بلغ اثني عشر بنتاً وصبياً، بأن عدد أفراد عائلتها كان يصلح لتكوين فريق كرة قدم أو للهجوم على قبائل بني إسرائيل الاثني عشرة!، ثم تضيف بأن العام الذي شهد ولادة أخيها حمل معه الكثير من الأمور المثيرة التي بقيت عالقة في ذاكرة ليلى الطفلة(28)