eKtab
EN ع
ليلى والثلج ولودميلا
Read free sample

ليلى والثلج ولودميلا

by كفى الزعبي

Page 1
ليلـــى
 
تبدو الأشياء قاتمة وهي مبللة، أما هدير المطر المتواصل فيبدو مثل لحن يدخل في قلوب تلك الأشياء ويخنق جنوحها إلى الحركة، ويجعلها ترقد جميعا في سكون كئيب·
 
- أنا أيضا سئمت هذه المدينة، إنها مستنقع لا يجف· قال سائق التاكسي·
 
لم تفهم ليلى ماذا قصد بكلمة أيضا! هل وجهها يشي بالسأم حتى يعبّر السائق بهذه الثقة عن مشاركتها الفعل، أم أنه أضاف نفسه إلى أشخاص آخرين؟
 
في كل الأحوال بدت لها كلمة أيضا مضحكة؛ إذ حسم بها السائق، ودون الحاجة لسماع من يصرّح بذلك، أن هناك من سئم هذه المدينة غيره·
 
بيد أنها لم تعلق على كلامه، ولزمت الصمت دون أن تكف عن التحديق في نافذة السيارة، ودون أن تدري: هل تدحض اعتقاده في حال كان يقصدها؟ أم تؤكده؟!
 
في صباح يوم الجمعة الماطر ذاك، أحد الأيام الأولى من شهر أيار، بدت مدينة بطرسبورغ المغمورة في هالة رمادية معتمة، وكل شيء فيها مبلل وكئيب، والسيول تغطي شوارعها، كأنها بالفعل غارقة في مستنقع قاتم لا يجف أبدا·
 
فجأة صدح في راديو السيارة صوت امرأة تناشد رجلا أن يأخذها معه إلى البلاد البعيدة، بينما الرجل يصر على الرفض· ابتسمت ليلى· لقد ذكرتها الأغنية(1) على الفور بلودميلا:
 
المرأة - خذني معك يا عزيزي إلى البلاد البعيدة،
 
فهناك سأكون لك زوجة·
 
 
 
الرجل - كنت سآخذك معي يا عزيزتي،
 
لولا أن لدي في البلاد البعيدة، زوجة·
 
 
 
المرأة - خذني معك يا عزيزي إلى البلاد البعيدة،
 
فهناك سأكون لك حبيبة·
 
 
 
الرجل - كنت سآخذك معي يا عزيزتي،
 
لولا أن لدي في البلاد البعيدة، حبيبة·
Page 2
فتقول سأكون لك أختًا، ويجيبها إن لديه أختا، فتعرض أن تكون أما، ويجيبها إن لديه أما· فتعرض عليه أخيرا أن تذهب معه بصفة غريبة، فيجيبها إنه في البلاد البعيدة لا يحتاج إلى غريبة·
 
كانت لودميلا هي أول من غنى هذه الكلمات على مسامع ليلى· يومها كانت ليلى تجلس في غرفتها وتدرس، وإذا بصوت لودميلا الرقيق ينساب في فضاء الشقة مذيبا بمرح، الصمت المتراخي في أرجائها، فلم تقو ليلى على الاستمرار في الدراسة وتركت الكتاب وراحت تصغي للأغنية·
 
وتكتشف ليلى الآن، أي بعد مرور أربع سنين، أن نهاية الأغنية التي لفتت انتباهها يوم ذاك إنما كانت من تأليف لودا(1) ذاتها:
 
فعندما أوصدت كل الطرق المؤدية إلى قلب الرجل في وجه المرأة، ورفض أن يأخذها معه حتى بصفة غريبة، ردت عليه بتعال:
 
إذا فاعلم أيها المغرور أن لدي هنا، في موطني، رجلا غيرك
 
أثارت هذه النهاية استطراف ليلى فقامت متجهة إلى المطبخ، حيث كانت لودا تعد الغداء وتغني، ووقفت في الباب تسأل:
 
- قولي لي من فضلك، لماذا تطلب منه أن يأخذها معه إلى البلاد البعيدة ما دام في حوزتها، وفي موطنها، رجل آخر؟
 
فأجابتها لودا ضاحكة:
 
- ذلك بمثابة احتياط!
 
- ولعل هذا الاحتياط هو زوجها ؟ - تساءلت ليلى بتهكم، فردت لودا وهي تنفجر بالضحك:
 
- بالضبط، إنه ذاته· هتفت وكأنما وجدت التعبير الأدق لمكانة الزوج في منظومة مفاهيمها
 
منذ ذلك الوقت نشأت الصداقة بين ليلى ولودميلا· صداقة عمادها التهكم والضحك، إذ لم تجمعهما أية اهتمامات مشتركة أخرى·
 
حينها لم يكن قد مضى على تعارفهما سوى إسبوعين، منذ أن جاءت ليلى إلى تلك الشقة تستطلع الغرفة المعروضة للإيجار فيها· ففي ذاك العام كانت في بداية سنتها الدراسية الأخيرة في كلية الطب، وكانت تضيق ذرعا بظروف السكن الطلابي الرديئة، فقررت استئجار شقة صغيرة ورخيصة الأجر تنعزل فيها وتحضر نفسها للتخرج بشكل جيد، بعيدا عن ضجة السكن ومنغصاته·
 
بعد فترة من البحث اهتدت إلى ضالتها: غرفة في شقة مشتركة· وجدتها ليلى أفضل الخيارات من حيث الأجرة والمساحة والأثاث، فضلا عن الموقع الجميل للشقة، المطل على نهر النيفا·
Page 3
كانت الشقة مكونة من أربع غرف، في الأولى تعيش لودميلا مع زوجها إيفان، وفي الغرفة الثانية تعيش سيدة في أواسط الأربعينيات من عمرها، قدمت نفسها لليلى قائلة: نتاليا ميخائيلفنا - ثم أردفت: ويمكنك أن تناديني بـ نتاشا(1) وحسب، فأنا لا أحب الرسميات
 
أما الغرفة الثالثة الموصدة الباب فقد قالت نتاليا إنها لرجل اسمه مكسيم نيكولايفيتش، يعيش فيها وحيدا مع كلبه·
 
كان هذا الجار هو المأخذ الوحيد لليلى على الشقة، إذ لم ترق لها فكرة العيش بجوار رجل غريب أعزب، لكنها أفصحت عن سبب آخر مفاده أنها تخاف من الكلاب· فتدخلت نتاليا على الفور قائلة إنه كلب مسالم ومن المستحيل أن يؤذي أحدا، وإنه، رغم حجمه الكبير كبغل، الطيبة ذاتها·
 
وكان الأمر كما قالت، فقد ظل الكلب الأسود ذو الحجم الكبير كبغل - الذي يدعى ماركيز - طوال فترة تجوال ليلى في الشقة ماكثا أمام غرفة صاحبه لا يحرك ساكنا، سوى إنه أحيانا يرفع رأسه ويلقي من عينيه الحمراوين الذليلتين نظرة حزينة، ثم يعود ويحدق في نقطة ما أمامه، مثل عجوز يائس·
 
وحتى تشارك في إقناعها اقتربت لودا من ليلى وهمست بأذنها:
 
أما صاحبه فهو مثقف
 
قالت ذلك بنبرة ساخرة بدت فيها كلمة مثقف أقرب إلى العيب منها إلى الكمال في الرجل· وعلى الفور أدركت ليلى أن لودا أرادت من خلال توصيل هذه المعلومة مثقف طمأنتها، والإشارة إلى أن الرجل - ككلبه - غير مؤذ·
 
حسمت ليلى أمرها في ذلك النهار ووافقت على استئجار الغرفة الأخيرة الفارغة في الشقة، فبالإضافة إلى مواصفات الغرفة، فقد ساهمت لودميلا ونتاليا في إقناعها· كانت بنظرهما تتحلى بالشروط المثلى لجار ثالث لا مناص منه؛ فهي ليست متزوجة أو أمّا لأطفال يمكن أن تزاحمهما ليلا ونهارا في المطبخ، فضلا عن أنها ليست بشاب يمكن أن يكون سكيرا أو زير نساء يحول الشقة إلى وكر لعشيقاته·
 
في نهاية ذلك العام، وبعد أن تخرجت رحلت ليلى من تلك الشقة، ولم تعد إليها خلال السنوات الثلاث الماضية إلا في زيارات قليلة·
Page 4
بوصولها إلى المستشفى طوت ليلى ذكرياتها عن الشقة المشتركة· لكنها ما لبثت أن عادت إليها في الساعة الثانية ظهرا· فعندما انتهى دوامها وشرعت تجهز نفسها للمغادرة، رن جرس الهاتف، ثم نادتها الممرضة:
 
- ليلى! المكالمة لك·
 
ما إن وضعت ليلى السماعة على أذنها حتى هتفت:
 
- لودا! يا لغرائب الصدف!
 
- لا تكذبي وتقولي إنك كنت تفكرين بي!
 
- بلى، منذ الصباح وأنت في بالي· قالت ليلى وشرعت تحدثها عن الأغنية، وذكريات الشقة
 
- أما أنا فاعتقدت أن السبب هو تذكرك لعيد ميلادي الذي يصادف غدا· قالت لودا بنبرة عتب ساخر، ثم أردفت: على كل حال ذلك ليس مهما، المهم أن تأتي في الغد لتهنئيني·
 
- وهل سيكون كما في العادة، احتفالا على مستوى جماهيري؟
 
- لا، في هذا العام سأحتفل في بيتي في الريف، أنا ومجموعة صغيرة من الصديقات· سنمضي اليوم في الطبيعة، نشوي اللحم ونأكل ونشرب ونلهو في الهواء الطلق، ولكن، قالت ذلك مع تنهيدة ساخرة من دون رجال، فقد سئمتهم جميعا!
 
- ألا تخشين أن تكون حفلة مملة؟!
 
- ماذا أسمع! أأنت من تقول ذلك! ولكن حسنا، إذا كنت تريدين القدوم بصحبة أحدهم، فأنا مستعدة أن أقوم باستثناء من أجلك!
 
- كنت أمزح، فلن تضطري بسببي للقيام بأية استثناءات!
 
- وتقولين ذلك بلا أسف!
 
- كما ترين، لا يوجد ثمة أسف في صوتي!
 
- لا أصدق· أنت ببساطة تكابرين !
 
وقبل أن ترد انتبهت ليلى فجأة إلى أن الساعة تقارب الثانية والربع، وقد لا يكفيها الوقت للوصول إلى عملها الثاني في موعده· فأنهت المكالمة معتذرة من لودا، وارتدت معطفها على عجل، وأسرعت إلى باب المستشفى مندفعة، وفي نيتها أن تقطع المسافة حتى محطة الباص راكضة·
Page 5
بيد أنها ما إن اجتازت الباب حتى توقفت مندهشة في استجابة عفوية للحدث: كانت أمطار الصباح قد توقفت، ومن السماء انجلت الغيـوم وهيمنت الشمس عليها، وأغرقت العالم بنور أزرق صاخب شفــاف·
 
أما الغابة المقابلة لمبنى المستشفى، التي كانت قبل أسبوع ما تزال عارية قاتمة، فقد فوجئت بها ليلى في تلك اللحظة تحديدا، تشع اخضرارا وهاجا، وكأن الباب لم يُفتح على الشارع بل أُشرع على الربيع!
 
لم تكف ليلى، وعلى مدى الأعوام العشرة الماضية التي عاشتها في بطرسبورغ، عن الاندهاش من هذه المعجزة، فالربيع هنا يحدث فجأة، إذ يكفيها عدة أيام تنشغل فيها بتفاصيل الحياة، حتى ينتشلها ذات لحظة مؤثر ما خارجي، يطرق حواسها هاتفا: إن الربيع الذي وقف طويلا خلف الأبواب قد دخل؛ فتتلفت حولها بانبهار: متى حدث ذلك ؟ وفي أي ليلة أو نهار؟، وتكتشف أنه قد فاتها في هذه السنة أيضا أن تنتبه·
 
إن لربيع بطرسبورغ سحرا لا يوصف، فالألوان الزاهية التي تتفتح فجأة في كل مكان، والنوافذ التي تشرع على حين غرة، والشمس التي تتخلى عن وقارها، فتهبط إلى الشوارع والأزقة، وتروح تتراكض فيها بصخب ومرح مثل طفلة مشاكسة، كل ذلك كان يذكر بطفولة الحياة· لا، بل إنها ليست طفولة وإنما مراهقة جنونية رائعة·
 
في العادة كانت ليلى تجتاز المسافة حتى محطة الباص مسرعة، فبالإضافة إلى طبيعتها الملتزمة بالمواعيد، كانت لا تحبذ استفزاز فلاديمير بتروفتش، الذي يراقب الدوام بطريقة عسكرية مستقاة من روح ثلاثين عاما قضاها ضابطا في الجيش السوفييتي العظيم، ويتعامل مع تأخر الموظفين عن مواعيد عملهم كما لو أنه إهانة موجهة إليه شخصيا·
 
بيد أن حالة غريبة من اللامبالاة ألمت بها فجأة، وأخذت تسير بتأن، باعثة بمواعيد العمل وبفلاديمير بتروفتش إلى حيث يشاؤون؛ فالربيع لا يحدث كل يوم!·
 
سارت ببطء يغمرها النور الصاخب والصفاء· لم تكن تفكر بشيء بقدر ما غرقت بأحاسيسها· ثم فتحت أزرار معطفها وخلعته وسارت بخفة كأنها خلعت بلحظة وبحركة واحدة وطأة البرد الطويل، ورمته عن كاهلها· لكن، وبدل أن ينساب الصفاء إلى داخلها، شعرت به ينطوي على قوة عاصفة، طفقت تثور في أعماقها مساحة شاسعة ملغومة من الفراغ· كانت تدرك تماما، وربما لسوء حظها، أنه لا يوجد في هذه الدنيا شيء يمكنه ملء ذلك الفراغ سوى الحب·
 
ثمة علاقة خفية تربط الربيع بالحب!
 
كانت ليلى، الفتاة العربية التي تعيش في بطرسبورغ وتحيا، في السنوات الأخيرة، نمط حياة يكاد يكون مبرمجا، تدعي أن لا وقت للحب في حياتها، لاسيما في الفترة الراهنة، فإنهاء الدراسة بنجاح والحصول على شهادة طبيبة متخصصة، كانا هدفا يشغل المرتبة الأولى في قائمة اهتماماتها، ثم إن الفرصة التي سنحت لها بالحصول على عمل إضافي في مركز التجميل، قد حلت مشكلة مالية كبيرة لديها، وحررت أهلها من عبء مصاريفها· وبالتالي، كما كانت تصرح، فإنه لا وقت لديها على الإطلاق للحياة الخاصة· أما التفريط بالدراسة أو العمل في سبيل ذلك، فإنه وبلا شك يعد ضربا من ضروب الحماقة·
Page 6
عندما صاغت المعادلة بهذا الشكل، شعرت بالراحة، فهذه المعادلة لم تقدم للآخرين تبريرا منطقيا ومقنعا لوحدتها، وإنما كانت أيضا بمثابة حجة دامغة حسمت بها أي شطحة، من تلك الشطحات، يمكن أن تدور في رحاب روحها·
 
ولكن! هل حسمت بالفعل؟ - تساءلت في نفسها - وهل، وهذا هو السؤال الأهم، إن هذه المعادلة، أي الدراسة والعمل، هي السبب الفعلي الذي يعيق الحب؟ أم أنني ببساطة وبصراحة أستعملها كدرع أداري خلفه فشلا عاطفيا ذريعا عانيت وما زلت أعاني منه؟!
 
لم تفكر ليلى بهذه الأسئلة بقدر ما شعرت بها تعوم وسط فراغ يتسع ويتسع ويلتهمها من الداخل شيئا فشيئا·
 
صديقتها لودا، ذات الإحساس الفطري بالحقيقة، هي الوحيدة التي لم تعر يوما مبرراتها أدنى اهتمام· فكلما التقتا كانت تعيد الكلام نفسه:
 
- إن عمر الإنسان بشكل عام أقصر بكثير مما نتصور، أما نحن النساء يا عزيزتي، فالوضع بالنسبة لنا سيئ للغاية، ذلك أن لنا مدة صلاحية محدودة سرعان ما تنتهي دون أن نشعر بها! - كانت تقول ذلك مازحة ثم تكف عن التهكم وتستطرد:
 
- إنني حقا لا أفهم كيف يمكنك أن تبددي شبابك هكذا، وببساطة: بلا حب! لماذا تصرين على البقاء وحيدة؟ اسمعي، ما الذي يمنعك من أن تحبي أحدهم وتعيشي معه، ليس بالضرورة أن تتزوجيه وتتحملي مسئولية عائلة، فأنا أوافقك بأن الدراسة أهم، ولكن عيشي معه فقط، فربما يخفف عنك عبء الوحدة!
 
بيد أن الاختلاف الشاسع ما بين ثقافتيهما كان دائما يقف عائقا دون تفهم لودا أسباب رفض ليلى، وإذ شرحت ليلى ذات مرة قوانين مجتمعها الصارمة بهذا الشأن، هزت لودا كتفها وهي تقول بتعجب:
 
- لقد سمعت عن ذلك، لكنني عاجزة عن فهمه ولا أستطيع تصوره على أرض الواقع، مثلما أنا عاجزة عن فهم الكثير من الحقائق الغامضة والمريعة، كالموت مثلا!
 
كالموت مثلا تردد هذا التشبيه في ذاكرة ليلى فيما كانت تسير· والغريب، وربما كان سبب ذلك يعود إلى الربيع، أنها وجدت نفسها تستهجن الأمر كما استهجنته لودا! بل إنها اندهشت من نفسها، مثل إنسان يعيش وسط الجليد ويندهش ذات مرة إذ يكتشف نفسه يرتجف بردا· وتذكرت، مع العلم أنها لم تنس، أنه لم يبق على وجودها في بطرسبورغ سوى عدة أشهر، ستعود بعدها، وستمنح أباها كل مقومات الافتخار بها: شهادة طبيبة متخصصة، وعشر سنوات من الغربة لم تصله خلالها ولو كلمة وحيدة تدنس أو تمس سمعتها·
Page 7
كانت في الثامنة والعشرين من عمرها· تذكرت ذلك وفكرت، بطريقة تبعث على اليأس، مادامت لم تنجح في خوض تجربة حب جادة ودائمة خلال السنوات الماضية، فإنها لن تنجح أبدا· يا لسوداوية هذه الحقيقة· حتى إن بهجة الربيع انطفأت فجأة، وبات العالم قاتما· في تلك اللحظة راحت تسرع الخطى (هاربة)، أجل هاربة ! فقد نظرت إلى الساعة واكتشفت أنه لم يبق سوى القليل من الوقت حتى تصل إلى المركز، ولا مفر الآن من ركوب تكسي توصلها بسرعة· يجب أن تعجل فلم يبق وقت تبدده في تأملات لا تقدم ولا تؤخر· بتلك الطريقة وضعت حدا لأفكارها وانزلقت بسرعة من عالم ضبابي الملامح، غامض ومجهول، إلى عالم الواقع، الواقع الذي لا سبيل للفرار منه إلى أي بعد آخر·
 
وصلت الشارع الرئيسي، وراحت تجتازه راكضة لتقف على الرصيف المقابل تستوقف سيارة، لكنها وفيما هي تركض، وستعتبر مستقبلا هذه اللحظة من تهكمات القدر، خيّل إليها أنها رأت شخصا معروفا لديها فتجمدت خطواتها، وتجمدت خطوات الشخص، لوهلة اتسعت لنظرة ألقاها كل منهما على الآخر· ثم استمرت بركضها وفضولها يوشك أن يوقفها ثانية بين الخطوة والأخرى· ما إن توقفت على الرصيف حتى فوجئت بالشخص يعود أدراجه إليها؛ فتذكرته على الفور·
 
على وجهه ارتسمت ابتسامة عريضة وهو يسرع باتجاهها:
 
- ليلى! يا للمفاجأة ! هتف بمنتهى السرور·
 
- أندري! هذا أنت حقا!
 
 
 
اعتادت ليلى، وكلما تذكرت أندري، أن تتذكر سنتها الدراسية الأولى في روسيا، الاتحاد السوفيتي آنذاك، فبالإضافة إلى أنها تعرفت إليه في ذلك العام، فقد أمست صورته جزءا لا يتجزأ من لوحة متكاملة من المشاهد والوجوه والأحداث، ارتسمت في مخيلتها في إطار من رومانسية فريدة لا يمكن أن تتكرر·
 
وبمرور الوقت، تحولت ذكريات تلك السنة إلى ما يشبه ذكريات طفولة ثانية، إذ إنها عاشت في ذلك العام وجربت بهجة الاكتشاف، اكتشاف العالم، للمرة الثانية· حينها لم تكن الأمكنة واللغة والأسماء والوجوه جديدة عليها، بل وفي معظم الأحيان كانت المسميات والمفاهيم نفسها، جديدة أيضا·
 
في تلك الفترة كانت ليلى لا تزال تؤمن إيمانا لا مجال للشك فيه أن مجموعة المبادئ والقناعات والشعارات الثورية التي تعتنقها هي حقائق مطلقة لا ريب فيها· ومع أن هذه المقدسات سرعان ما ستبدأ بالانحدار إلى هوة رهيبة من الشك، فإن طعم ذلك الإيمان سيبقى راسخا في روحها، ذلك أنه، وبصرف النظر عن جوهره ومدى صحته، كان بمثابة تربة خصبة أزهرت فيها طويلا أحلام زاهية وآمال كبيرة·
 
بوصولها إلى الاتحاد السوفيتي ألفت ليلى ذاتها في عالم جديد حقا، بيد أن أشد ما أثار استغرابها في تلك الأيام هو سماعها للطلاب القدامى، من أبناء بلدها، يتحدثون بصوت عال، وبلا خوف أو حذر، يتحدثون بالمحرمات، المحرمات جميعها· وقتذاك أصغت إليهم والدهشة تعتلي وجهها·
Page 8
لقد فهم رشيد، الذي كان يقود المنظمة الحزبية والعمل الطلابي في المدينة، نظرات التعجب في عينيها، فاقترب منها ذات مرة قائلا بصوت خفيض، لا خوف من أن يسمعه أحد، وإنما حتى يبعث الطمأنينة في نفسها:
 
- أنت أيضا ستعتادين الحرية!
 
وقتها لم تتساءل ليلى عن أي حرية يقصد، كان مفهوما لها أنه يقصد الحرية السياسية، ليس لأنه لا يوجد أية مضامين أخرى للحرية، بل لأن جميع هذه المضامين كانت تتلاشى وتبدو ليست ذات أهمية أمام مفهوم الحرية السياسية·
 
ومع أن نبرة رشيد كانت واثقة، فإن ليلى ظلت تستهجن شعور الطلاب الآخرين بالأمان· لقد كانوا يتحدثون ويتصرفون بحرية غير آبهين للقيود، كما لو أن بعدهم عن الوطن كان كفيلا بتدميرها تماما·
 
لكنها بعد ذلك بسنين فهمت أنهم كانوا يتحدثون بصوت عال، لا بسبب إحساسهم الفعلي بالحرية، وإنما بسبب رغبتهم الجامحة في الظهور بمظهر الأحرار!
 
أما لها، فقد ظلت الحرية ( السياسية ) تبدو كالحلم، إلى أن برق هذا الحلم ذات مرة في الأفق· حدث ذلك عندما وجدت نفسها وهي تتمشى في نزهة مسائية، تتوقف مأخوذة برؤية العلم الحريري الأحمر ذي المنجل والشاكوش، يرفرف ويتوهج عاليا في السماء· كان علما حقيقيا محمولا على سارية عالية في وسط ساحة واسعة محاطة بأضواء أرضية مسلطة عليه· كانت الساحة بأضوائها حقيقية، وكان لون العلم أحمر بالفعل، وكان يتوهج بالفعل كالجمرة في سماء حقيقية لا متناهية مكسوة بشال أسود مخملي تقطر منه النجوم· ظلت ترفع نظرها محدقة به وقد اقشعر جسدها، كما لو أنها لامست الحلم، ورأته بعينيها، واقعا قائما حرا قويا وعظيما، فآمنت أنه ممكن·
 
ومع ذلك، فإنها لم تتجرأ لفترة طويلة على الحديث بصوت عال، ليس في السياسة وحسب، وإنما في كل شيء· فقد كانت بحاجة إلى أن تسمع هي صوتها قبل أن تخاطب به الآخرين، صوتها الذي كانت كلما حاولت الانصات إليه تجده في داخلها مشتتا وضعيفا·
 
أما المعاناة الأولية للغربة فلم تكن بالرهبة ذاتها التي تخيلتها، على الرغم من أن كل شيء من حولها كان جديدا غير مألوف، إذ إنها، حتى في أشدّ لحظات ارتباكها وحيرتها، كانت تجد رشيدا إلى قربها، يعاملها بود أبوي، وإذا ما لاحظ قلقها يظل إلى جانبها صامتا، ولكن على استعداد لأن يفعل كل ما يخطر ببالها كما لو كان يقول: لا تقلقي، فها أنا ذا إلى جانبك، حاضر دوما!
Page 9
لقد كان، انطلاقا من أحاسيسه الوطنية الملتهبة، على استعداد لأن يقدم، ليس لها وحدها وإنما لجميع الطلبة، كل ما يُطلب منه من خدمات وبشكل مجاني، حتى لو كان ذلك على حساب دراسته ووقته، محاولا بذلك أن يجسد وفاءه وإخلاصه الصادقين لشعار كل شيء يهون في سبيل الوطن والشيوعية
 
أما لها، وبمضي الأيام، فقد بات على استعداد لأن يقدم ما هو أكبر من الخدمات المجانية: لقد تبناها· كان ذلك هو الإطار الذي طرحت به العلاقة وظهرت للجميع، بما في ذلك لها نفسها· راح رشيد يهتم بكل شؤونها، الكبيرة والصغيرة، يساعدها في الدراسة، ويقلق إذا لم تأكل جيدا ولا يهدأ له بال إلا إذا قادها إلى المطعم ورآها تأكل أمامه· ولطالما استوقفها في الشارع يثبت لها الزر الأعلى من المعطف حتى لا تصاب بالبرد، تماما مثلما يفعل الآباء· أما عندما انقطع التيار الكهربائي ذات مرة في السكن، فقد فوجئت به بعد وقت قياسي يطرق باب غرفتها وهو يحمل الشموع قائلا:
 
- خشيت أن تبقي في العتمة!
 
أعطاها الشموع ومضى دون أن يقول كلمة أخرى، كما لو أنه أدى واجبا حزبيا· يومها لم تشعل الشموع وظلت تجلس في العتمة، تتملكها الخيبة·
 
كانا يمضيان الكثير من الوقت معا، يتحدثان في كل شيء، حتى عن أهم شيء في حياته وأعظمه سرية: همومه الحزبية وملاحظاته النقدية التي من المفترض أن لا يعلنها إلا لرفاقه الذين يعلونه مرتبة في التنظيم· بات يبوح لها بكل ما يؤرقه على الصعيد الخاص والعام· ما عدا أمرًا واحدًا، ظلت تأمل أن يحدّثها به أو حتى يلمح، وكان يأتي ويروح، دون أن يفعل، إلى أن جاء يوم تأكدت فيه أنه يعاملها كرفيق مسئول فعلا، وربما كأب، وفي أحسن الأحوال كأخ ليس إلا!
 
حدث ذلك عندما احتاجته ذات مرة في يوم سبت وظلت تبحث عنه إلى أن قيل لها، ما جعلها تكف عن البحث عنه إلى الأبد: إنه من العبث البحث عن رشيد في هذه الديار يومي السبت والأحد، فقد وقفهما، منذ زمن، من حياته الحزبية والدراسية ووهبهما دون أن ينقصا ولو دقيقة واحدة لغالينا، صديقته الروسية التي تعيش في أحد أحياء المدينة
Page 10
رشيد
 
جاء رشيد الشاب الثوري المتحمس إلى الاتحاد السوفيتي - كان ذلك قبل مجيء ليلى بستة أعوام - وفي ذهنه تشتعل صورة ماتيلدا، العشيقة والرفيقة والصديقة، تلك الصورة التي رسمها بابلو نيرودا في قصائده بروعة، فحفظ رشيد تلك القصائد عن ظهر قلب، بل وبمضي الأيام صار يملك حبيبة متخيلة باسم ماتيلدا، كتب يخاطبها بالخط العريض على باب خزانته في السكن الطلابي:
 
نظفي هذه البندقية يا رفيقة!
 
قبليني مرة أخرى يا صديقه·
 
كتب رشيد بيت الشعر ذاك مع أن صورة العشيقة، الرفيقة، كانت تحطمت بعد وصوله إلى لينينغراد، إذ فوجئ بالفتيات الشقراوات ذوات الأجساد المكتنزة والعيون الملونة، أولئك اللواتي طالما تمعن في صورهن المنشورة في أعداد مجلة المدار المترجمة إلى اللغة العربية، وهن يقدن التراكتورات أو يقفن خلف الماكينات في المصانع أو يحملن حزما من سنابل القمح ويسرن في الحقل، لقد فوجئ بهن لا يفقهن شيئا في السياسة أو في النضال! لكنهن كن على استعداد للاستماع إلى لغته الروسية المكسرة وهو يحاول جاهدا أن يشرح لهن ظلم الرأسمالية ومساوءها، لاسيما أنه قادم من بلد يعاني من نير التبعية لها· كانت معالم الشفقة المصطنعة ترتسم على وجوههن نتيجة تعاطفهن، فيما هو يحدثهن، عن عمال بلده البائسين، وعن نساء بلده اللواتي يناضلن من أجل مساواتهن في الحقوق مع الرجال، وعن الأسعار المرتفعة للطب والتعليم، وعن السجون والقمع والفساد·
 
كان يحدثهن بحماسة بهدف تثقيفهن سياسيا، فقد كان يؤمن أن الواجب الأممي يحتم عليه أن يفتح عيون هؤلاء الشقراوات الجميلات على الحقيقة!
 
ربما الأجدى بك أن تفكر بفتح ما هو أمتع من فتح العيون! علق أحد أصدقائه ذات مرة ضاحكا، عندما لاحظ أن الوقت يمر ورشيد لم يتخذ لنفسه صديقة بعد· لكن رشيدا ظل يدعي أنه يفضل أن يبقى بلا صديقة على أن يصادق فتاة جاهلة ساذجة، تتوهم أن الحياة في الخارج رائعة، وأن الناس هنا محرومون من كل شيء·
 
وعلى الرغم من أنه قرر أن لا يدخل في نقاشات لا طائل منها مع الجميلات، فإنه كان ما يلبث أن ينجر وبحماسة منقطعة النظير إلى تلك النقاشات، خاصة عندما تجري المقارنة بين الحياة في الخارج وبين الحياة في الاتحاد السوفييتي، فيستميت ليثبت مدى عدالة النظام الاشتراكي الذي يعشن في كنفه· في النهاية كن يصمتن ويأخذن بتحين الفرص كي يسألنه إن كان بوسعه أن يوفر لهن شيئا ما من ذلك الخارج : بنطلون جينز أو إكسسوارات أو مواد تجميل وعطور أو البوم صور له جيوب شفافة توضع الصور بداخلها!