Page 1
تقديم
ظهور كاتب متميز من كتّاب أمريكا اللاتينية بعد جيل الواقعية السحرية كان حدثًا تم انتظاره لسنوات عديدة، في الدوائر الثقافية والأكاديمية في العالم الناطق بالأسبانية. فتحوّل روبرتو بولانيو لكتابة القصة والرواية، بعد سنوات طويلة من كتابة الشعر، كشف عن وجود الوريث الشرعي لذلك الجيل الذي ترك بصمة مؤثرة في تاريخ الرواية. ومن هنا كان الاهتمام الأكاديمي والاعلامي بروبرتو بولانيو، فضلا عن معدلات توزيع كتبه التي تضاهي الكتاب الكبار مثل ماريو بارجاس يوسا وجابرييل جارثيا ماركيز.
موت الكاتب المبكر( في الخمسين من عمره) بعد سنوات قليلة من بدء انتشاره وشهرته، وترجمته إلى كل اللغات الأوربية تقريبا، صنع منه أسطورة أدبية وإنسانية. في أحيان كثيرة، كان الاحتفاء والإطراء، يخفي القيمة الفنية والأدبية لأعمال روبرتو بولانيو. هذا الاهتمام الإعلامي بكاتب تم اعتباره الخليفة الشرعي لبورخيس، كان يقابله لحسن الحظ اهتمام أكاديمي ونقدي حقيقي لدرجة أن السنوات القليلة التي شهدت كتابة بولانيو للنثريات، والسنوات التالية لرحيله، شهدت الكثير من الأبحاث ورسائل الدكتوراه في جامعات غربية مختلفة وليس فقط في البلاد الناطقة بالأسبانية.
روبرتو بولانيو يكتب الرواية بلغة شعرية، لغة مكثّفة، محمَّلة بمعان عديدة مختلفة، مستويات قراءاتها متباينة. إلى جانب هذه اللغة الشعرية وقدرته على استخدام موهبته في السرد والحكي لخلق حالة من المتعة والانجذاب في كتاباته، كانت الكثير من موضوعاته وشخصياته لصيقة بالواقع وأحداثه التاريخية والسياسية الحقيقية.
نقطة التفرّد والتميّز في تيار الواقعية السحرية كانت تلك القدرة على التماس مع ما هو يومي، ومزجه، وتضفيره مع أفكار ورؤى ناقدة وتقدمية (حتى لو كانت متضمَّنة، غير صريحة، وبالتلميح فقط). وهو ما يفعله بولانيو في الكثير من أعماله المستندة إلى وقائع، بل التي تعتبر انعكاسًا وتأريخًا لأحداث ووقائع تاريخية حدثت في البلاد التي عاش فيها مثل تشيلي والمكسيك. على الرغم من أن نجوم الواقعية السحرية لا زالوا على قيد الحياة، بينما رحل بولانيو عن عمر خمسين عاما، فإنه أضاف جوانب أخرى فنّية وسردية في أعماله تضعه في المكانة التي يستحقها. أهم هذه الجوانب هو العنف. حضور العنف في كثير من أعمال بولانيو مثل (التعويذة) و(المحققون المتوحشون) و(ليل تشيلي) ليس مجانيًا، بل انعكاسًا روائيًا وفنيًا لعنف حقيقي واقعي موثّق تاريخيًا. إنه ببساطة توثيق ووصف لهذا العنف الذي كان شبه يومي في بلدان القارة الأمريكية اللاتينية أثناء الحكم العسكري والدكتاتوريات.
في هذه الرواية لم تقم أي شخصية بإدانة العنف. فقط، قامت الشخصية الرئيسية بتبرير صمتها بأنها لم ترَ ولم تعرف به. لكن الإدانة جاءت بسخرية وتهكّم غير مباشَرَين على الإطلاق. الإدانة في (ليل تشيلي) لم تكن إدانة للعنف فقط، بل كانت إدانة لكل شيء، المجتمع المحافظ، نفاق الأفراد.. بالإضافة إلى السخرية غير المباشرة، على الأقل تلك التي تطرح في ذهن القارئ تساؤلات عن مدى وعي الشخصية الرئيسية بما يحكي من دون أي اهتمام بالتناقضات. الصفحات الأولى من الرواية تشهد تقديم الشخصية الرئيسية للقارئ: قِسّ، هو ناقد أدبي وشاعر، هذا القس عندما يقع فريسة للحمّى لا يقوم بالاعتراف كما يفترض أن يفعل أي شخص كاثوليكي متدين. بل على العكس، يحاول تقديم التبريرات، يظن أن لديه القدرة والقوة على تذكر الوقائع والحقائق التي تنصفه، في مقابل الافتراءات والاتهامات التي توجَّه له. إنه قسّ ينشغل بتبرير أفعاله ومواقفه أكثر من الاعتراف بخطاياه. لم تكن الحمى فقط. لأنه عندما كان بكامل وعيه أدرك أن أشعاره مليئة بالهرطقات والهذيان، ومع هذا لم (يرغب) في الاعتراف بهذا للقس الذي يعترف له. الشخص نفسه لا يتخلى عن رداء الكاهن عند لقائه الأول (ولا اللقاءات التالية) بالمجلس العسكري الذي تولى الحكم في تشيلي بعد الانقلاب الذي قاده بينوشيه على سلفادور ألليندي. وهو أيضًا نفس الشخص الذي يقرر بشجاعة وحسم، بعد حيرة وتردد، ألا يغيّر زيّ الكاهن قبل لقاء الضيوف المهمين على العشاء في ضيعة الناقد الأكبر في تشيلي.
هذا التناقض أو ازدواج المعايير يقود بالضرورة إلى حالة الازدواج أو التناقض العامة التي تشهدها شخصيات الرواية بدءًا بالشخصية الرئيسية القس أوروتيا لاكروا. الشخصية الوحيدة التي تبدي تناسقا وتماسكا داخليا وخارجيا هي شخصية شاعر تشيلي الكبير، بابلو نيرودا. الظهور الصغير لنيرودا في الصفحات الأولى للرواية يبدو متسقا تماما مع ما يُعرف عنه: شاعر كبير، يناجي القمر. نجم تصل كلماته لسقف التكعيبة أو ما هو أبعد، للسحاب (لكنها لا تصل للسماء، هذا لم يقله القس، لكنه حدد ارتفاعها بالسحب التي وصفها بودلير).
ورغم هذا يشك القس أوروتيا في كون بابلو نيرودا ملحدًا حقًا. ربما يكون ذلك رغبة منه كقس في إنقاذ روح الشاعر الكبير، أو نفياً للآخر. مجرد نفي أو رفض لوجود أشخاص ملحدين، خاصة إذا كانوا محل تقدير واحترام.
ظهور كاتب متميز من كتّاب أمريكا اللاتينية بعد جيل الواقعية السحرية كان حدثًا تم انتظاره لسنوات عديدة، في الدوائر الثقافية والأكاديمية في العالم الناطق بالأسبانية. فتحوّل روبرتو بولانيو لكتابة القصة والرواية، بعد سنوات طويلة من كتابة الشعر، كشف عن وجود الوريث الشرعي لذلك الجيل الذي ترك بصمة مؤثرة في تاريخ الرواية. ومن هنا كان الاهتمام الأكاديمي والاعلامي بروبرتو بولانيو، فضلا عن معدلات توزيع كتبه التي تضاهي الكتاب الكبار مثل ماريو بارجاس يوسا وجابرييل جارثيا ماركيز.
موت الكاتب المبكر( في الخمسين من عمره) بعد سنوات قليلة من بدء انتشاره وشهرته، وترجمته إلى كل اللغات الأوربية تقريبا، صنع منه أسطورة أدبية وإنسانية. في أحيان كثيرة، كان الاحتفاء والإطراء، يخفي القيمة الفنية والأدبية لأعمال روبرتو بولانيو. هذا الاهتمام الإعلامي بكاتب تم اعتباره الخليفة الشرعي لبورخيس، كان يقابله لحسن الحظ اهتمام أكاديمي ونقدي حقيقي لدرجة أن السنوات القليلة التي شهدت كتابة بولانيو للنثريات، والسنوات التالية لرحيله، شهدت الكثير من الأبحاث ورسائل الدكتوراه في جامعات غربية مختلفة وليس فقط في البلاد الناطقة بالأسبانية.
روبرتو بولانيو يكتب الرواية بلغة شعرية، لغة مكثّفة، محمَّلة بمعان عديدة مختلفة، مستويات قراءاتها متباينة. إلى جانب هذه اللغة الشعرية وقدرته على استخدام موهبته في السرد والحكي لخلق حالة من المتعة والانجذاب في كتاباته، كانت الكثير من موضوعاته وشخصياته لصيقة بالواقع وأحداثه التاريخية والسياسية الحقيقية.
نقطة التفرّد والتميّز في تيار الواقعية السحرية كانت تلك القدرة على التماس مع ما هو يومي، ومزجه، وتضفيره مع أفكار ورؤى ناقدة وتقدمية (حتى لو كانت متضمَّنة، غير صريحة، وبالتلميح فقط). وهو ما يفعله بولانيو في الكثير من أعماله المستندة إلى وقائع، بل التي تعتبر انعكاسًا وتأريخًا لأحداث ووقائع تاريخية حدثت في البلاد التي عاش فيها مثل تشيلي والمكسيك. على الرغم من أن نجوم الواقعية السحرية لا زالوا على قيد الحياة، بينما رحل بولانيو عن عمر خمسين عاما، فإنه أضاف جوانب أخرى فنّية وسردية في أعماله تضعه في المكانة التي يستحقها. أهم هذه الجوانب هو العنف. حضور العنف في كثير من أعمال بولانيو مثل (التعويذة) و(المحققون المتوحشون) و(ليل تشيلي) ليس مجانيًا، بل انعكاسًا روائيًا وفنيًا لعنف حقيقي واقعي موثّق تاريخيًا. إنه ببساطة توثيق ووصف لهذا العنف الذي كان شبه يومي في بلدان القارة الأمريكية اللاتينية أثناء الحكم العسكري والدكتاتوريات.
في هذه الرواية لم تقم أي شخصية بإدانة العنف. فقط، قامت الشخصية الرئيسية بتبرير صمتها بأنها لم ترَ ولم تعرف به. لكن الإدانة جاءت بسخرية وتهكّم غير مباشَرَين على الإطلاق. الإدانة في (ليل تشيلي) لم تكن إدانة للعنف فقط، بل كانت إدانة لكل شيء، المجتمع المحافظ، نفاق الأفراد.. بالإضافة إلى السخرية غير المباشرة، على الأقل تلك التي تطرح في ذهن القارئ تساؤلات عن مدى وعي الشخصية الرئيسية بما يحكي من دون أي اهتمام بالتناقضات. الصفحات الأولى من الرواية تشهد تقديم الشخصية الرئيسية للقارئ: قِسّ، هو ناقد أدبي وشاعر، هذا القس عندما يقع فريسة للحمّى لا يقوم بالاعتراف كما يفترض أن يفعل أي شخص كاثوليكي متدين. بل على العكس، يحاول تقديم التبريرات، يظن أن لديه القدرة والقوة على تذكر الوقائع والحقائق التي تنصفه، في مقابل الافتراءات والاتهامات التي توجَّه له. إنه قسّ ينشغل بتبرير أفعاله ومواقفه أكثر من الاعتراف بخطاياه. لم تكن الحمى فقط. لأنه عندما كان بكامل وعيه أدرك أن أشعاره مليئة بالهرطقات والهذيان، ومع هذا لم (يرغب) في الاعتراف بهذا للقس الذي يعترف له. الشخص نفسه لا يتخلى عن رداء الكاهن عند لقائه الأول (ولا اللقاءات التالية) بالمجلس العسكري الذي تولى الحكم في تشيلي بعد الانقلاب الذي قاده بينوشيه على سلفادور ألليندي. وهو أيضًا نفس الشخص الذي يقرر بشجاعة وحسم، بعد حيرة وتردد، ألا يغيّر زيّ الكاهن قبل لقاء الضيوف المهمين على العشاء في ضيعة الناقد الأكبر في تشيلي.
هذا التناقض أو ازدواج المعايير يقود بالضرورة إلى حالة الازدواج أو التناقض العامة التي تشهدها شخصيات الرواية بدءًا بالشخصية الرئيسية القس أوروتيا لاكروا. الشخصية الوحيدة التي تبدي تناسقا وتماسكا داخليا وخارجيا هي شخصية شاعر تشيلي الكبير، بابلو نيرودا. الظهور الصغير لنيرودا في الصفحات الأولى للرواية يبدو متسقا تماما مع ما يُعرف عنه: شاعر كبير، يناجي القمر. نجم تصل كلماته لسقف التكعيبة أو ما هو أبعد، للسحاب (لكنها لا تصل للسماء، هذا لم يقله القس، لكنه حدد ارتفاعها بالسحب التي وصفها بودلير).
ورغم هذا يشك القس أوروتيا في كون بابلو نيرودا ملحدًا حقًا. ربما يكون ذلك رغبة منه كقس في إنقاذ روح الشاعر الكبير، أو نفياً للآخر. مجرد نفي أو رفض لوجود أشخاص ملحدين، خاصة إذا كانوا محل تقدير واحترام.
Page 2
التناقض والازدواج بشكل ما يمثلان أساس الرواية، حيث يوجد الشيء ونقيضه دائما. بمعنى أدق يتعايش الشيء ونقيضه، لكن أحدهما على حساب الآخر دائما. أحدهما أكثر من الآخر. القس هو نفسه الشاعر والناقد الأدبي. القس «طاهر طهراً لا شائبة فيه»، لكن الشاعر والناقد الأدبي «طهره بين بين». القس لا بد أن يحمل الرحمة في قلبه، لكنه كشاعر وناقد يتحدّث عن شخصيات مهمة تنتظره على العشاء، ولا يكبح تقزّزه ورؤيته للفلاحين (الذين يتماهون مع العبودية) كـشخصيات قبيحة لا معنى لكلماتها أو تعبيرات وجوهها. هذه الأمثلة يوجد العديد منها داخل الرواية. لكننا سنركز على بعض الأمثلة فقط عبر شخصيات أخرى وعلاقاتها بالقس أوروتيا.
أهم هذه الشخصيات هما السيدين «بعر وهرك». بعكس ترتيب الحروف يمكن قراءة الاسمين «رعب» و «كره». إنها حيلة لغوية من المؤلف للتعبير عن شخصيتين تمثلان نقطة تحول في حياة الشخصية الرئيسية كلما واجه أزمة أو مشكلة روحية أو وجودية. كأنه يجب أن يتعايش مع هذين الشعورين: الخوف والكره. هما شريكان، يعملان لحساب شخص غير معروف. يتميزان بالكفاءة لكنهما يفتقدان للّباقة. أحدهما مهادن (بعر) والآخر قاس مهاجم دائما (هرك). هذان الشخصان المنفّران يمثلان العصا والجزرة، يظهران في حياة القس أوروتيا في اللحظات الحرجة، كأن ظهورهما معا يمثل الحل النهائي، الحل الذي يجمع بين النقائض، لكي يستطيع البطل/البطل الضد، وبالتبعية البلد، الاستمرار في الحياة. يقدمان له حلّا في صورة عمل مجز (وهو ما تفعله الأنظمة الشمولية والديكتاتورية): الاستقرار والازدهار الاقتصادي مقابل الحرية الشخصية. لكنه لا يرفض هذه الحلول. بالعكس يرحّب بها ويرى أنها طوق النجاة في لحظات الضعف والانهيار.
حتى صورة الديكتاتور بينوشيه في الرواية لا تخلو من هذا الازدواج: رجل عسكري مهيب قوي، لكنه يهتم بقراءة الكتب، بل وكتابتها. رغم أن مؤلفاته (المذكورة في الرواية) تنحصر في العلوم العسكرية، إلا أنه بالمقارنة بالرؤساء المنتَخَبين ديمقراطيا قبل قيامه بالانقلاب العسكري، يعتبر شخصا مثقفا، محبا للقراءة والكتابة، حسب وجهة نظر القس بالطبع ( وهو أمر قد يخفي نوعا من السخرية والتناقض).
وهو نفس القس/الناقد الأدبي، الذي يهرب من الواقع المرير (الذي يمثله بالنسبة له فوز ألليندي بالرئاسة) إلى قراءة كتّاب الإغريق القدماء. هروب القس وانعزاله عن مجتمع يبشِّر بقيم جديدة كالعدل والمساواة والحرية. وكذلك هروب المثقف إلى كتابات الإغريق القديمة التي تعتبر قيمة فكرية وثقافية عابرة للعصور والأيدلوجيات. ومن جانب آخر القراءات التي يذكرها تتطور بشكل متواز مع تطورات الواقع المأزوم. إنها كتب قديمة تناقش أفكار التوحيد والأخلاق والفضيلة والحرب والقوة والعنف، لكنها تنتهي قبل ميلاد المسيح، كما يتوقف هو عن قراءة الإغريق مع وقوع الانقلاب العسكري. نهاية ألليندي تجعل القس يشعر بالهدوء والأمان. إنها عودة للمجتمع القديم نفسه، وإلى القيم القديمة. تلك القيم القديمة التي يعرفها القس ويعرفها الناقد الأدبي الذي يكتب الشعر. وباحترام هذه القيم التراتبية الأوليجاركية أمكنه أن يجد مكانا في عالم الثقافة والأدب. باللجوء إلى ناقد أدبي كبير، إقطاعي، في بلد غارق في الجهل. بلد (همجي لا يعرف أبناءه القراءة والكتابة). ثقافة الإقطاع وتقاليده تنسحب على الأدب والثقافة أيضا، حيث يتوقع (أو يتمنّى) القس أوروتيا أن يقوم الناقد الكبير فارويل بدعوة شاعر ذا خلفية دينية ومؤرخ شهير وكاتب نثريات رقيق الأسلوب. يحدث هذا في بلد يشهد في تلك الحقبة، حقبة الخمسينات ميلاد جيل أدبي وفني جديد ثائر على التقاليد والقيم الفنية والاجتماعية السابقة. لكن القسّ، الشاعر والناقد الأدبي، يختار أو يلجأ إلى الطريق الذي يتفق مع شخصيته: تيار تقليدي حماته أو علاماته أصحاب إنتاج محافظ وتقليدي.
تلك الاختيارات نفسها التي تعتبر إشارات لمعايير العالم الذي يرغب القس أوروتيا في دخوله تحمل قدرا كبيرا من السخرية والتهكم من الشخصيات واختياراتها. رغم أنه يفعل هذا بشكل غير مباشر. فلنقل إنه مستوى آخر من القراءة (يفترض أو يتطلب معرفة من القارئ بالخلفية الاجتماعية والسياسية لتشيلي). ولأن هذه الإشارات والتلميحات مغلّفة دائما بخطاب جاد وتوصيفات توحي بالاحترام والتوقير من المؤلف على لسان القس أوروتيا، يصبح من الصعوبة اقتناص هذه السخرية التي تصل إلى حد الاستهزاء. رغم أن بعض الأمثلة تثير تساؤلات بديهية حول الاتساق مثل الرحلة الطويلة التي يقوم بها القس أوروتيا إلى أوربا بغرض معرفة ودراسة التقنيات المتقدمة لحماية الآثار والكنائس في القارة العجوز ، حيث يقال إنه تم الوصول لحلول نهائية للقضاء على تدهور بيوت العبادة في مقابل الجهل المطلق في تشيلي، وفي أمريكا الجنوبية. لكن هذه الرحلة تسفر عن مشاهدة عدة صقور في بلدان أوربية مختلفة تقوم بقنص الحمام وبهذا يختفي الحمام وفضلاته ذات الأثر المدمر على الكنائس الأثرية. إنه لا يتهكم على هذا. بل يقوم بصياغة تقرير مركّزاً على هذه التقنية. وعندما يأتي ذكر إسبانيا نجد أنهم لا يهتمون حتى باستخدام الوسيلة المتبعة في بلدان أوربية أخرى. الشيء الوحيد الذي يذكره القس بالتقدير في إسبانيا هو (الأوبوس داي ونشاطهم).
يقول بورخيس «ماذا قدم أبناء إقليم الباسك للعالم أكثر من حلب البقر وقتل الجنود». هذه الكلمات تبدو النقيض، أو المعادل الساخر المعبر عن الاحتقار لخيارات الأب أوروتيا لاكروا. من المعروف أن تشيلي تعتبر من أكثر البلدان التي شهدت هجرات من أبناء إقليم الباسك الأسباني، لكن لم يُعرف عنهم على الإطلاق أي اهتمامات أو انجازات ثقافية أو فكرية. في مقابل هذه الحقيقة نجد أن اشارات القس أوروتيا (لقب عائلة باسكي أيضا) إلى أكثر من شخصية فكرية متخيلة ذات ألقاب باسكية أيضا:
[(كان لديه دائمًا ضيوفٌ من الكتاب في مزرعته). ربّما الشاعر «اوريبارينا»، وهو مؤلِّف قصائد دينية رائعة. ربّما سأجد «مونتويا ايثاجيري»، كاتب صاحب أسلوب رقيق في النثريات القصيرة. وربّما «بالدوميرو ليثاميندي ايراثوريث» مؤرّخ شهير من الثقات]
الاسماء الثلاثة المذكورة مخترَعة، يضمّنها المؤلف إشارات الى شخصيات حقيقية مثل نيرودا أو شخصيات حقيقية مشار لها باسم آخر مثل «فارويل». وهذه الأسماء الثلاثة من أصل باسكي. كأن المؤلف يتهكم على شخصيته الرئيسية وأصلها الباسكي أيضا.
رغم أن السرد في هذه الرواية على لسان البطل يبدو مقنعا، بكلماته الجادة المحملة أحيانا بالحيرة والتردد، إلا أنها تستحق قراءة ثانية تقف على التفاصيل. وقد حاولنا في الهوامش (التي تم اختصارها لكون العمل رواية، وليس مقالات أو كتاب في التاريخ) إلقاء الضوء على الحوادث والقراءات ذات الصلة بالحالة النفسية والعقلية للشخصية الرئيسية.
تبقى الاشارة إلى أن معظم الشخصيات الفاعلة في الرواية هي من اختراع المؤلف، باستثناء نيرودا وبيونشيه وألليندي بالطبع. وبعض الشخصيات الأخرى هي ظل لشخصيات حقيقية مثل الناقد الأدبي، والكاتبة الناشئة وزوجها الأمريكي اللذان كانا يعملان مع المخابرات التشيلية والأمريكية. بالإضافة إلى الشخصية الرئيسية، سباستيان أوروتيا لاكروا، المستوحاة من شخصية حقيقية، هي القس «خوسيه ميجل ايبانيث لانجوليس»، الذي كان عضوًا في الأوبوس داي. وكان يكتب تحت اسم «إجناثيو بالينتي». وقد قام بالكتابة الأسبوعية خلفا لـ Alone في جريدة (ميركوريو) بين عامَي 1966 و1994. وكان «بالينتي» يعتبر أهم ناقد أدبي خلال ديكتاتورية بينوشيه. وقد قام بالفعل بتدريس الماركسية لأعضاء المجلس العسكري بعد الإنقلاب على سلفادور ألليندي.
إن تقديم هذه الرواية للقارىء العربي فرصة للتعرّف إلى كاتب كبير تُرجمت وتُترجم أعماله إلى معظم لغات العالم ويحتل مكانة بارزة في عالم الرواية.
أهم هذه الشخصيات هما السيدين «بعر وهرك». بعكس ترتيب الحروف يمكن قراءة الاسمين «رعب» و «كره». إنها حيلة لغوية من المؤلف للتعبير عن شخصيتين تمثلان نقطة تحول في حياة الشخصية الرئيسية كلما واجه أزمة أو مشكلة روحية أو وجودية. كأنه يجب أن يتعايش مع هذين الشعورين: الخوف والكره. هما شريكان، يعملان لحساب شخص غير معروف. يتميزان بالكفاءة لكنهما يفتقدان للّباقة. أحدهما مهادن (بعر) والآخر قاس مهاجم دائما (هرك). هذان الشخصان المنفّران يمثلان العصا والجزرة، يظهران في حياة القس أوروتيا في اللحظات الحرجة، كأن ظهورهما معا يمثل الحل النهائي، الحل الذي يجمع بين النقائض، لكي يستطيع البطل/البطل الضد، وبالتبعية البلد، الاستمرار في الحياة. يقدمان له حلّا في صورة عمل مجز (وهو ما تفعله الأنظمة الشمولية والديكتاتورية): الاستقرار والازدهار الاقتصادي مقابل الحرية الشخصية. لكنه لا يرفض هذه الحلول. بالعكس يرحّب بها ويرى أنها طوق النجاة في لحظات الضعف والانهيار.
حتى صورة الديكتاتور بينوشيه في الرواية لا تخلو من هذا الازدواج: رجل عسكري مهيب قوي، لكنه يهتم بقراءة الكتب، بل وكتابتها. رغم أن مؤلفاته (المذكورة في الرواية) تنحصر في العلوم العسكرية، إلا أنه بالمقارنة بالرؤساء المنتَخَبين ديمقراطيا قبل قيامه بالانقلاب العسكري، يعتبر شخصا مثقفا، محبا للقراءة والكتابة، حسب وجهة نظر القس بالطبع ( وهو أمر قد يخفي نوعا من السخرية والتناقض).
وهو نفس القس/الناقد الأدبي، الذي يهرب من الواقع المرير (الذي يمثله بالنسبة له فوز ألليندي بالرئاسة) إلى قراءة كتّاب الإغريق القدماء. هروب القس وانعزاله عن مجتمع يبشِّر بقيم جديدة كالعدل والمساواة والحرية. وكذلك هروب المثقف إلى كتابات الإغريق القديمة التي تعتبر قيمة فكرية وثقافية عابرة للعصور والأيدلوجيات. ومن جانب آخر القراءات التي يذكرها تتطور بشكل متواز مع تطورات الواقع المأزوم. إنها كتب قديمة تناقش أفكار التوحيد والأخلاق والفضيلة والحرب والقوة والعنف، لكنها تنتهي قبل ميلاد المسيح، كما يتوقف هو عن قراءة الإغريق مع وقوع الانقلاب العسكري. نهاية ألليندي تجعل القس يشعر بالهدوء والأمان. إنها عودة للمجتمع القديم نفسه، وإلى القيم القديمة. تلك القيم القديمة التي يعرفها القس ويعرفها الناقد الأدبي الذي يكتب الشعر. وباحترام هذه القيم التراتبية الأوليجاركية أمكنه أن يجد مكانا في عالم الثقافة والأدب. باللجوء إلى ناقد أدبي كبير، إقطاعي، في بلد غارق في الجهل. بلد (همجي لا يعرف أبناءه القراءة والكتابة). ثقافة الإقطاع وتقاليده تنسحب على الأدب والثقافة أيضا، حيث يتوقع (أو يتمنّى) القس أوروتيا أن يقوم الناقد الكبير فارويل بدعوة شاعر ذا خلفية دينية ومؤرخ شهير وكاتب نثريات رقيق الأسلوب. يحدث هذا في بلد يشهد في تلك الحقبة، حقبة الخمسينات ميلاد جيل أدبي وفني جديد ثائر على التقاليد والقيم الفنية والاجتماعية السابقة. لكن القسّ، الشاعر والناقد الأدبي، يختار أو يلجأ إلى الطريق الذي يتفق مع شخصيته: تيار تقليدي حماته أو علاماته أصحاب إنتاج محافظ وتقليدي.
تلك الاختيارات نفسها التي تعتبر إشارات لمعايير العالم الذي يرغب القس أوروتيا في دخوله تحمل قدرا كبيرا من السخرية والتهكم من الشخصيات واختياراتها. رغم أنه يفعل هذا بشكل غير مباشر. فلنقل إنه مستوى آخر من القراءة (يفترض أو يتطلب معرفة من القارئ بالخلفية الاجتماعية والسياسية لتشيلي). ولأن هذه الإشارات والتلميحات مغلّفة دائما بخطاب جاد وتوصيفات توحي بالاحترام والتوقير من المؤلف على لسان القس أوروتيا، يصبح من الصعوبة اقتناص هذه السخرية التي تصل إلى حد الاستهزاء. رغم أن بعض الأمثلة تثير تساؤلات بديهية حول الاتساق مثل الرحلة الطويلة التي يقوم بها القس أوروتيا إلى أوربا بغرض معرفة ودراسة التقنيات المتقدمة لحماية الآثار والكنائس في القارة العجوز ، حيث يقال إنه تم الوصول لحلول نهائية للقضاء على تدهور بيوت العبادة في مقابل الجهل المطلق في تشيلي، وفي أمريكا الجنوبية. لكن هذه الرحلة تسفر عن مشاهدة عدة صقور في بلدان أوربية مختلفة تقوم بقنص الحمام وبهذا يختفي الحمام وفضلاته ذات الأثر المدمر على الكنائس الأثرية. إنه لا يتهكم على هذا. بل يقوم بصياغة تقرير مركّزاً على هذه التقنية. وعندما يأتي ذكر إسبانيا نجد أنهم لا يهتمون حتى باستخدام الوسيلة المتبعة في بلدان أوربية أخرى. الشيء الوحيد الذي يذكره القس بالتقدير في إسبانيا هو (الأوبوس داي ونشاطهم).
يقول بورخيس «ماذا قدم أبناء إقليم الباسك للعالم أكثر من حلب البقر وقتل الجنود». هذه الكلمات تبدو النقيض، أو المعادل الساخر المعبر عن الاحتقار لخيارات الأب أوروتيا لاكروا. من المعروف أن تشيلي تعتبر من أكثر البلدان التي شهدت هجرات من أبناء إقليم الباسك الأسباني، لكن لم يُعرف عنهم على الإطلاق أي اهتمامات أو انجازات ثقافية أو فكرية. في مقابل هذه الحقيقة نجد أن اشارات القس أوروتيا (لقب عائلة باسكي أيضا) إلى أكثر من شخصية فكرية متخيلة ذات ألقاب باسكية أيضا:
[(كان لديه دائمًا ضيوفٌ من الكتاب في مزرعته). ربّما الشاعر «اوريبارينا»، وهو مؤلِّف قصائد دينية رائعة. ربّما سأجد «مونتويا ايثاجيري»، كاتب صاحب أسلوب رقيق في النثريات القصيرة. وربّما «بالدوميرو ليثاميندي ايراثوريث» مؤرّخ شهير من الثقات]
الاسماء الثلاثة المذكورة مخترَعة، يضمّنها المؤلف إشارات الى شخصيات حقيقية مثل نيرودا أو شخصيات حقيقية مشار لها باسم آخر مثل «فارويل». وهذه الأسماء الثلاثة من أصل باسكي. كأن المؤلف يتهكم على شخصيته الرئيسية وأصلها الباسكي أيضا.
رغم أن السرد في هذه الرواية على لسان البطل يبدو مقنعا، بكلماته الجادة المحملة أحيانا بالحيرة والتردد، إلا أنها تستحق قراءة ثانية تقف على التفاصيل. وقد حاولنا في الهوامش (التي تم اختصارها لكون العمل رواية، وليس مقالات أو كتاب في التاريخ) إلقاء الضوء على الحوادث والقراءات ذات الصلة بالحالة النفسية والعقلية للشخصية الرئيسية.
تبقى الاشارة إلى أن معظم الشخصيات الفاعلة في الرواية هي من اختراع المؤلف، باستثناء نيرودا وبيونشيه وألليندي بالطبع. وبعض الشخصيات الأخرى هي ظل لشخصيات حقيقية مثل الناقد الأدبي، والكاتبة الناشئة وزوجها الأمريكي اللذان كانا يعملان مع المخابرات التشيلية والأمريكية. بالإضافة إلى الشخصية الرئيسية، سباستيان أوروتيا لاكروا، المستوحاة من شخصية حقيقية، هي القس «خوسيه ميجل ايبانيث لانجوليس»، الذي كان عضوًا في الأوبوس داي. وكان يكتب تحت اسم «إجناثيو بالينتي». وقد قام بالكتابة الأسبوعية خلفا لـ Alone في جريدة (ميركوريو) بين عامَي 1966 و1994. وكان «بالينتي» يعتبر أهم ناقد أدبي خلال ديكتاتورية بينوشيه. وقد قام بالفعل بتدريس الماركسية لأعضاء المجلس العسكري بعد الإنقلاب على سلفادور ألليندي.
إن تقديم هذه الرواية للقارىء العربي فرصة للتعرّف إلى كاتب كبير تُرجمت وتُترجم أعماله إلى معظم لغات العالم ويحتل مكانة بارزة في عالم الرواية.
Page 3
ليل تشيلي
أنا الآن أموت، لكن لديَّ أشياء كثيرة لم أقلها بعد. كنت في سلام مع نفسي. صامت وفي سلام. لكن فجأة حدث كلُّ شيء. ذلك الشابُّ الهَرِم هو السبب. كنتُ في سلام، والآن فقدته. يجب إيضاح بعض النقاط. لهذا سأستند على مِرفقي وأرفع رأسي النبيل المرتعش، وسأبحث في ركن الذكريات عن تلك الوقائع التي تنصفني وبالتالي تفضح الأكاذيب التي نثرها الشابُّ الهَرِم لكي يُفقدَني مصداقيّتي، في ليلةٍ واحدةٍ عاصفةٍ لم يتوقّف فيها البرق. مقصِدُه فقدانُ مصداقيتي. يجب أن يكون المرء مسئولًا. قلتُ هذا طوال حياتي. الفرد عليه التزامٌ أخلاقي بالمسئولية عن أفعاله، وأيضًا عن كلماته، وحتَّى عن صمته، نعم، عن صمته؛ لأنَّ الصمت يصعد إلى السماء أيضا، ويسمعه الربُّ، وهو، فقط، يفهمه ويحكم عليه. وهكذا، حذارِ من الصمت. أنا مسئولٌ عن كلّ شيء. صمتي طاهر. فليكن هذا واضحًا. وعلى الأخصِّ فليكن واضحًا للربّ. ما عداه لا أهمّيةَ له، أمَّا الربُّ فهو ما يهمّني. لا أدري عمّا أتكلّم. أحيانًا أُفاجَأ بنفسي متَّكأً على مِرفقي. أشرد، وأحلم، وأحاول أن أكون في سلام مع نفسي. لكنّني أحيانًا أنسى اسمي نفسَه. اسمي سباستيان أوروتيا لاكروا. أنا من تشيلي. أسلافي من ناحية الأب يتحدّرون في الأصل من محافظات الباسك أو إقليم الباسك أو «اويسكادي» كما يُطلق عليها اليوم. من ناحية الأمِّ أنتمي إلى أراضي فرنسا الجميلة، من قرية صغيرة يعني اسمها بالإسبانية (رجل واقف على الأرض) أو (رجل واقف على قدميه)، ولغتي الفرنسية مع اقتراب النهاية، ليست جيّدة كما كانت من قبل. لكن ما زالت لديّ قدرةٌ على التذكّر والردِّ على افتراءات هذا الشابّ الهرِم الذي وصل فجأة حتَّى باب بيتي وسبَّني من دون أسباب أو مقدّمات. فليكن هذا واضحًا. أنا لا أسعى للمواجهة، لم أسعَ لها قطّ. أنا أسعى للسلام، مسئولٌ عن الأفعال والكلمات وعن الصمت. أنا رجل عقلاني. كنت دائمًا رجلًا عقلانيًّا. في الثالثة عشرة شعرت بنداء الربِّ ورغبت في الالتحاق بمدرسة اللاهوت. اعترض أبي. لم يكن حازمًا في رفضه، لكنَّه اعترض. ما زلتُ أتذكَّر ظلَّه مُتسحّبًا في غرف بيتنا، كأنّه ظلٌّ لابن عرسٍ أو ثعبان البحر. وأتذكَّر، لا أعرف كيف، لكنّ المؤكَّد أنّني أتذكّر ابتسامتي وسط العتمة، ابتسامةَ الطفل الذي كنتَه. وأتذكَّر البساط المعلَّق على الحائط ويمثّل مشهدَ صيد. وطَبَقًا معدنيًّا مُزيَّنًا بمشهد عشاء وفيه كلُّ الزخارف المناسبة. ابتسامتي وارتعاشي. بعد عامٍ، في الرابعة عشرة دخلتُ مدرسة اللاهوت، وعندما خرجتُ بعد وقت طويل، أُمِّي قبّلت يدي وقالت لي: «أبي»، أو أعتقدُ أنَّها نادتني «أبي» وإزاء دهشتي واعتراضي قلت: (يا أمّي،لا تناديني أبي، أنا ابنُك)، قلتُ لها هذا وربّما لم أقل لها أنا ابنك، لكن أنا الابن. فـأخذَتْ في البكاء أو النواح. وفي تلك اللحظة فكّرتُ، وربّما الآن فقط أفكّر، أنَّ الحياة ليست سوى سلسلةٍ من الأخطاء تقودُنا إلى الحقيقة النهائية، الحقيقةِ الوحيدة. قبل أو بعد وقت قصير، أي قبل أيّامٍ من رسامتي قَسًّا أو بعد أيّام من أخذ القَسَم المقدَّس تعرّفت على فارويل(1)، فارويل الشهير، لا أتذكَّر بدقَّة أين، ربَّما في بيته فقد زرتُ بيتَه وربَّما ذهبتُ إلى مكتبه في الصحيفة. وربَّما رأيتُه لأوّل مرّة في النادي الذي كان عضوًا فيه، في مساءٍ كئيبٍ مثل الكثير من أُمسِيَات أبريل في سانتياجو. لكن في داخلي كانت الطيور تغنّي والبراعم يانعة كما يقول الشاعر. كان فارويل هناك، طويلًا، مئة وثمانون سنتيمترًا، لكن كان يبدو لي أنّه يبلغ المترين. كان يرتدي حُلّةً كاملةً رماديةً من الصوف الإنجليزي الجيّد. حذاءً يدويَّ الصنع. رابطةَ عنقٍ من الحرير، وقميصًا أبيضَ بلا شائبةٍ كأحلامي، أزرار أكمامٍه ذهبية. ودبوسًا في رابطة العنق ميزت فيه بعض النقوش التي لم أرغب في قراءتها لكنَّ مغزاها لم يغب عنِّي على الإطلاق. أجلسني فارويل إلى جانبه، بالقرب منه. وربَّما قبل ذلك صحبني إلى مكتبته أو مكتبة النادي وبينما كنَّا ننظر إلى كعوب الكتب، أخذ يسعل وربَّما كان ينظر لي بطرف عينه أثناء سعاله، لكن لا يمكنني أن أؤكِّدَ هذا. فلم أكن أرفع نظري عن الكتب، ثم قال لي شيئًا لم أفهمه أو لم تحتفظ به ذاكرتي، ثم عدنا للجلوس. هو على مقعد ذي مسندين وأنا على كرسي، وتحدّثنا عن الكتب التي كنَّا ننظر إليها منذ قليل ونداعب كعوبَها، أنا بأصابعي النَّضِرة كشابٍّ حديث التخرُّج من مدرسة اللاهوت، وفارويل بأصابعه الغليظة المشوّهة قليلًا كما يُنتَظر من عجوز طويل للغاية. وتحدّثنا عن الكتب، وعن مؤلِّفِي تلك الكتب. كان صوت فارويل كعُواءِ طائر قنصٍ ضخمٍ يحلِّق فوق أنهارٍ وجبالٍ ووديانٍ ومضايقَ. يتكلّم دائمًا بالتعبير المناسب، الجملة المتَّسقة مع فكرته كإحاطة القفَّاز باليد. وعندما قلتُ له بسذاجة عصفور إنّني أريد أن أصبح ناقدًا أدبيًّا، وأن أواصل الطريق الذي فتحه. وأنّه لا يوجد شيء على الأرض يفوق حبِّي القراءة والتعبير بصوتٍ عالٍ وبنثر جميل عن نتائج قراءاتي. آه. عندما قلت له هذا، ابتسم فارويل ووضع يده فوق كتفي (يد ثقيلة كأنّه يحمل قفازًا من الحديد أو أثقل)، تفرَّس في عينيّ وقال إنّ الطريق ليس سهلًا. في هذا البلد الهمجي، قال، هذا ليس طريقًا مفروشاً بالورود. في بلد أصحابه من مُلّاك الضياع، الأدب يعتبر شيئًا شاذًّا ومعرفة القراءة لا قيمة لها... ولأنّني لم أرد عليه خجلًا، سألني مقرِّبًا وجهَه من وجهي إن كنت أشعر بالضيق أو الإهانة من أيِّ شيء. هل أنت أو أبوك من ملَّاك الضياع؟ لا، قلتُ له. أمَّا أنا فنعم، قال فارويل. أمتلك ضيعةً بالقرب من (شيان)، فيها حقلُ عنبٍ صغير، إنتاجُها من النبيذ ليس سيِّئًا. وبعد ذلك مباشرة، دعاني في عطلة نهاية الأسبوع التالية إلى ضيعته التي كان اسمُها على اسم أحد كتب (هيوسمانز)، لكن لا أتذكّر أيّ كتاب. ربّما «Á rebours» أو «Lá-bas» بل قد يكون اسمُها «L’Oblat». ذاكرتي لم تعد كما كانت من قبل. أعتقد أنَّ اسمها «لا ـ باس»، والنبيذ كان يحمل نفس الاسم. وبعد أن دعاني فارويل ظلَّ صامتًا على الرغم من أنَّ عينيه الزرقاوين كانتا ثابتتين على عينيّ. وأنا أيضًا ظللتُ صامتًا ولم أستطع احتمال نظرة فارويل النافذة، فخفضت بصري بتواضعٍ كعُصفورٍ جريح وتخيّلت تلك المزرعة حيث كان الأدبُ طريقًا من الورود وحيث معرفة القراءة لها قيمة. حيث كان تذوُّق الثقافة أكثر أهمِّيةً من الاحتياجات اليومية ومن الإلتزامات. وبعد ذلك رفعتُ بصري والتقت عينيّ طالب مدرسة اللاهوت بعينَيّ الصقر فارويل فأحنيتُ رأسي موافقًا عدّة مرّات، وقلتُ إنّني سأذهب، وإنّه لشرفٌ لي أن أقضيَ نهاية الأسبوع في ضيعة الناقد الأدبي الأكبر في تشيلي. وعندما حلَّ اليوم الموعود كانت روحي مليئةً بالارتباك والشكّ، لم أكن أعرف أيَّ الملابس أرتدي، الرداء الكهنوتي أم الملابسَ الدنيوية. وإن قرّرت اختيار الملابس الدنيوية، لم أعرف أيّها أختار. وإن استقررت على الرّداء كانت الشكوك تساورني حول الاستقبال الذي سوف ألقاه. كما لم أعرف أيَّ كتبٍ أحمل للقراءة في القطار في طريق الذهاب والعودة. ربّما «تاريخ إيطاليا» لرحلة الذهاب، وربّما «مختارات من الشعر التشيلي» لفارويل في طريق العودة. أو العكس. كما أنني لم أكن أعرف أيَّ الكُتَاب سأجد في «لا ـ باس» (كان لديه دائمًا ضيوفٌ من الكُتَّاب في مزرعته). ربّما الشاعر «اوريبارينا»،
أنا الآن أموت، لكن لديَّ أشياء كثيرة لم أقلها بعد. كنت في سلام مع نفسي. صامت وفي سلام. لكن فجأة حدث كلُّ شيء. ذلك الشابُّ الهَرِم هو السبب. كنتُ في سلام، والآن فقدته. يجب إيضاح بعض النقاط. لهذا سأستند على مِرفقي وأرفع رأسي النبيل المرتعش، وسأبحث في ركن الذكريات عن تلك الوقائع التي تنصفني وبالتالي تفضح الأكاذيب التي نثرها الشابُّ الهَرِم لكي يُفقدَني مصداقيّتي، في ليلةٍ واحدةٍ عاصفةٍ لم يتوقّف فيها البرق. مقصِدُه فقدانُ مصداقيتي. يجب أن يكون المرء مسئولًا. قلتُ هذا طوال حياتي. الفرد عليه التزامٌ أخلاقي بالمسئولية عن أفعاله، وأيضًا عن كلماته، وحتَّى عن صمته، نعم، عن صمته؛ لأنَّ الصمت يصعد إلى السماء أيضا، ويسمعه الربُّ، وهو، فقط، يفهمه ويحكم عليه. وهكذا، حذارِ من الصمت. أنا مسئولٌ عن كلّ شيء. صمتي طاهر. فليكن هذا واضحًا. وعلى الأخصِّ فليكن واضحًا للربّ. ما عداه لا أهمّيةَ له، أمَّا الربُّ فهو ما يهمّني. لا أدري عمّا أتكلّم. أحيانًا أُفاجَأ بنفسي متَّكأً على مِرفقي. أشرد، وأحلم، وأحاول أن أكون في سلام مع نفسي. لكنّني أحيانًا أنسى اسمي نفسَه. اسمي سباستيان أوروتيا لاكروا. أنا من تشيلي. أسلافي من ناحية الأب يتحدّرون في الأصل من محافظات الباسك أو إقليم الباسك أو «اويسكادي» كما يُطلق عليها اليوم. من ناحية الأمِّ أنتمي إلى أراضي فرنسا الجميلة، من قرية صغيرة يعني اسمها بالإسبانية (رجل واقف على الأرض) أو (رجل واقف على قدميه)، ولغتي الفرنسية مع اقتراب النهاية، ليست جيّدة كما كانت من قبل. لكن ما زالت لديّ قدرةٌ على التذكّر والردِّ على افتراءات هذا الشابّ الهرِم الذي وصل فجأة حتَّى باب بيتي وسبَّني من دون أسباب أو مقدّمات. فليكن هذا واضحًا. أنا لا أسعى للمواجهة، لم أسعَ لها قطّ. أنا أسعى للسلام، مسئولٌ عن الأفعال والكلمات وعن الصمت. أنا رجل عقلاني. كنت دائمًا رجلًا عقلانيًّا. في الثالثة عشرة شعرت بنداء الربِّ ورغبت في الالتحاق بمدرسة اللاهوت. اعترض أبي. لم يكن حازمًا في رفضه، لكنَّه اعترض. ما زلتُ أتذكَّر ظلَّه مُتسحّبًا في غرف بيتنا، كأنّه ظلٌّ لابن عرسٍ أو ثعبان البحر. وأتذكَّر، لا أعرف كيف، لكنّ المؤكَّد أنّني أتذكّر ابتسامتي وسط العتمة، ابتسامةَ الطفل الذي كنتَه. وأتذكَّر البساط المعلَّق على الحائط ويمثّل مشهدَ صيد. وطَبَقًا معدنيًّا مُزيَّنًا بمشهد عشاء وفيه كلُّ الزخارف المناسبة. ابتسامتي وارتعاشي. بعد عامٍ، في الرابعة عشرة دخلتُ مدرسة اللاهوت، وعندما خرجتُ بعد وقت طويل، أُمِّي قبّلت يدي وقالت لي: «أبي»، أو أعتقدُ أنَّها نادتني «أبي» وإزاء دهشتي واعتراضي قلت: (يا أمّي،لا تناديني أبي، أنا ابنُك)، قلتُ لها هذا وربّما لم أقل لها أنا ابنك، لكن أنا الابن. فـأخذَتْ في البكاء أو النواح. وفي تلك اللحظة فكّرتُ، وربّما الآن فقط أفكّر، أنَّ الحياة ليست سوى سلسلةٍ من الأخطاء تقودُنا إلى الحقيقة النهائية، الحقيقةِ الوحيدة. قبل أو بعد وقت قصير، أي قبل أيّامٍ من رسامتي قَسًّا أو بعد أيّام من أخذ القَسَم المقدَّس تعرّفت على فارويل(1)، فارويل الشهير، لا أتذكَّر بدقَّة أين، ربَّما في بيته فقد زرتُ بيتَه وربَّما ذهبتُ إلى مكتبه في الصحيفة. وربَّما رأيتُه لأوّل مرّة في النادي الذي كان عضوًا فيه، في مساءٍ كئيبٍ مثل الكثير من أُمسِيَات أبريل في سانتياجو. لكن في داخلي كانت الطيور تغنّي والبراعم يانعة كما يقول الشاعر. كان فارويل هناك، طويلًا، مئة وثمانون سنتيمترًا، لكن كان يبدو لي أنّه يبلغ المترين. كان يرتدي حُلّةً كاملةً رماديةً من الصوف الإنجليزي الجيّد. حذاءً يدويَّ الصنع. رابطةَ عنقٍ من الحرير، وقميصًا أبيضَ بلا شائبةٍ كأحلامي، أزرار أكمامٍه ذهبية. ودبوسًا في رابطة العنق ميزت فيه بعض النقوش التي لم أرغب في قراءتها لكنَّ مغزاها لم يغب عنِّي على الإطلاق. أجلسني فارويل إلى جانبه، بالقرب منه. وربَّما قبل ذلك صحبني إلى مكتبته أو مكتبة النادي وبينما كنَّا ننظر إلى كعوب الكتب، أخذ يسعل وربَّما كان ينظر لي بطرف عينه أثناء سعاله، لكن لا يمكنني أن أؤكِّدَ هذا. فلم أكن أرفع نظري عن الكتب، ثم قال لي شيئًا لم أفهمه أو لم تحتفظ به ذاكرتي، ثم عدنا للجلوس. هو على مقعد ذي مسندين وأنا على كرسي، وتحدّثنا عن الكتب التي كنَّا ننظر إليها منذ قليل ونداعب كعوبَها، أنا بأصابعي النَّضِرة كشابٍّ حديث التخرُّج من مدرسة اللاهوت، وفارويل بأصابعه الغليظة المشوّهة قليلًا كما يُنتَظر من عجوز طويل للغاية. وتحدّثنا عن الكتب، وعن مؤلِّفِي تلك الكتب. كان صوت فارويل كعُواءِ طائر قنصٍ ضخمٍ يحلِّق فوق أنهارٍ وجبالٍ ووديانٍ ومضايقَ. يتكلّم دائمًا بالتعبير المناسب، الجملة المتَّسقة مع فكرته كإحاطة القفَّاز باليد. وعندما قلتُ له بسذاجة عصفور إنّني أريد أن أصبح ناقدًا أدبيًّا، وأن أواصل الطريق الذي فتحه. وأنّه لا يوجد شيء على الأرض يفوق حبِّي القراءة والتعبير بصوتٍ عالٍ وبنثر جميل عن نتائج قراءاتي. آه. عندما قلت له هذا، ابتسم فارويل ووضع يده فوق كتفي (يد ثقيلة كأنّه يحمل قفازًا من الحديد أو أثقل)، تفرَّس في عينيّ وقال إنّ الطريق ليس سهلًا. في هذا البلد الهمجي، قال، هذا ليس طريقًا مفروشاً بالورود. في بلد أصحابه من مُلّاك الضياع، الأدب يعتبر شيئًا شاذًّا ومعرفة القراءة لا قيمة لها... ولأنّني لم أرد عليه خجلًا، سألني مقرِّبًا وجهَه من وجهي إن كنت أشعر بالضيق أو الإهانة من أيِّ شيء. هل أنت أو أبوك من ملَّاك الضياع؟ لا، قلتُ له. أمَّا أنا فنعم، قال فارويل. أمتلك ضيعةً بالقرب من (شيان)، فيها حقلُ عنبٍ صغير، إنتاجُها من النبيذ ليس سيِّئًا. وبعد ذلك مباشرة، دعاني في عطلة نهاية الأسبوع التالية إلى ضيعته التي كان اسمُها على اسم أحد كتب (هيوسمانز)، لكن لا أتذكّر أيّ كتاب. ربّما «Á rebours» أو «Lá-bas» بل قد يكون اسمُها «L’Oblat». ذاكرتي لم تعد كما كانت من قبل. أعتقد أنَّ اسمها «لا ـ باس»، والنبيذ كان يحمل نفس الاسم. وبعد أن دعاني فارويل ظلَّ صامتًا على الرغم من أنَّ عينيه الزرقاوين كانتا ثابتتين على عينيّ. وأنا أيضًا ظللتُ صامتًا ولم أستطع احتمال نظرة فارويل النافذة، فخفضت بصري بتواضعٍ كعُصفورٍ جريح وتخيّلت تلك المزرعة حيث كان الأدبُ طريقًا من الورود وحيث معرفة القراءة لها قيمة. حيث كان تذوُّق الثقافة أكثر أهمِّيةً من الاحتياجات اليومية ومن الإلتزامات. وبعد ذلك رفعتُ بصري والتقت عينيّ طالب مدرسة اللاهوت بعينَيّ الصقر فارويل فأحنيتُ رأسي موافقًا عدّة مرّات، وقلتُ إنّني سأذهب، وإنّه لشرفٌ لي أن أقضيَ نهاية الأسبوع في ضيعة الناقد الأدبي الأكبر في تشيلي. وعندما حلَّ اليوم الموعود كانت روحي مليئةً بالارتباك والشكّ، لم أكن أعرف أيَّ الملابس أرتدي، الرداء الكهنوتي أم الملابسَ الدنيوية. وإن قرّرت اختيار الملابس الدنيوية، لم أعرف أيّها أختار. وإن استقررت على الرّداء كانت الشكوك تساورني حول الاستقبال الذي سوف ألقاه. كما لم أعرف أيَّ كتبٍ أحمل للقراءة في القطار في طريق الذهاب والعودة. ربّما «تاريخ إيطاليا» لرحلة الذهاب، وربّما «مختارات من الشعر التشيلي» لفارويل في طريق العودة. أو العكس. كما أنني لم أكن أعرف أيَّ الكُتَاب سأجد في «لا ـ باس» (كان لديه دائمًا ضيوفٌ من الكُتَّاب في مزرعته). ربّما الشاعر «اوريبارينا»،
Page 4
وهو مؤلِّف قصائد دينية رائعة. ربّما سأجد «مونتويا ايثاجيري»، كاتب صاحب أسلوب رقيق في النثريات القصيرة. وربّما «بالدوميرو ليثاميندي ايراثوريث» مؤرّخ شهير من الثُّقات. كان الثلاثة من أصدقاء فارويل. لكن في الواقع كان فارويل يمتلك الكثير من الأصدقاء، ومن الأعداء، بحيث يصبح من العبث محاولة التخمين في هذا الصدد. عندما وصل اليوم الموعود انطلقت من المحطّة بروح منقبضة وفي نفس الوقت مستعدًّا لأيِّ حادثٍ عاثرٍ يرغب الربُّ بحكمته في امتحاني به. وكأنَّه اليوم، (بل الأفضل ليتَه اليوم) أتذكَّر الريف التشيلي والبقراتِ التشيليةَ ببقعِها السوداء (أو البيضاء، على حسب) ترعى بجوار خطِّ السكّة الحديد. أحيانًا كانت هزَّات القطار تحملني على النعاس. أغمضت عينيَّ. أغمضتُهما كما أغمضهما الآن. لكنّني كنتُ أفتحهما فجأة فأجد طبيعة مختلفة. أحيانًا مبهجة وأحيانًا كئيبة. عندما وصل القطار إلى (شيان) أخذت تاكسيًا أنزلني في قرية اسمُها «قيراكين». في مكان يبدو الميدان الرئيسي، (لا أجرؤ على مقارنته بميدان السلاح في العاصمة) ولا يوجد فيه أثر للبشر. دفعت لسائق التاكسي، نزلت بحقيبتي ورأيتُ المشهد الذي يحيط بي. عندما التفتُّ مرَّة أخرى أنوي سؤالَ السائق عن شيء أو الصعود للتاكسي مرّة أخرى وبدء رحلة عودة مبكِّرة إلى «شيان» ثم إلى سانتياجو، ابتعدت السيارة فجأة. كأنَّ تلك الوحشة المنذرة بالخطر قد أيقظت في السائق مخاوف قديمة. لبرهةٍ شعرتُ أيضًا بالخوف. لا بدَّ أنَّني كنتُ أبدو مخلوقًا تعِسًا أثناء وقوفي في هذا الخلاء بحقيبتي من أيّام معهد اللاهوت ويدي ممسكة بـ«مختارات» فارويل. من خلف أكمَةٍ، طارت بعض الطيور. يبدو أنَّها كانت تصرخ باسم تلك القرية المعزولة، (قيراكين)، وكأنَّها تقول أيضًا: «كيين، كيين، كيين»(2). تلوت صلاةً على عَجَلٍ واتَّجهت إلى مقعدٍ خشبي لأتخذَ هيئةً تتّسق مع وضعي أو مع ما كنتُ أعتقد أنّه وضعي. يا مريمُ العذراء لا تتخلَّي عن عبدك، غمغمت أثناء صياح الطيور السوداء التي يبلغ طولها خمسةً وعشرين سنتيمترًا «كيين، كيين، كيين». يا عذراءَ لوردس لا تتخلّي عن كاهنك المسكين، غمغمت أثناء صراخ الطيور الأخرى «كيين، كيين، كيين» بصوتٍ أضعفَ. كانت بُنِّيةً أو بمعنى أدقَّ يميلُ لونُها إلى البنِّي، بصدرٍ أبيض، ويبلغ طولُها عشرة سنتيمترات. يا عذراءَ الآلام، يا عذراءَ النور، يا عذراءَ الشِعر، لا تتركي خادمَك في العراء، غمغمت أثناء عواء بضعة طيورٍ دقيقةِ الحجم ألوانُها أرجوانية وسوداء وفوشيا وصفراء وزرقاء «كيين، كيين، كيين». في نفس الوقت هبَّت فجأةً رياحٌ باردة نخرت في عظامي. حينئذٍ، رأيتُ في نهاية الشارع المُترب ما يشبه الحنطور أو عربةً مكشوفةً أو عربةً بصندوقٍ يجرُّها حصانان، أحدُهما أشهبُ والآخر عربيٌّ داكنُ اللون، متجهةً إلى مكاني. كانت تبدو في الأفق بمظهرٍ لا يمكنني إلَّا أن أصفَه بالمُدمِّر، كأنَّ تلك العربة جاءت لتحمل شخصًا إلى الجحيم. عندما أصبح يفصلُها عنِّي بضعةُ أمتار سألني السائق، وكان فلَّاحاً يرتدي قميصًا وسترةً من دون أكمام برغم البرد، سألني إن كنتُ أنا السيِّد «أوروتيا لاكروا». لم ينطق لقبي الثاني فقط بشكل خاطئ، وإنَّما الأوّل أيضًا. قلتُ: نعم، أنا مَن تبحث عنه. فنزل الفلّاح من دون أن يقول كلمة واحدة، وضع حقيبتي في الجزء الخلفي من العربة ودعاني إلى الصعود بجانبه. مرتابًا ومتصلّبًا بسبب الرياح الجليدية التي تهبط من سفح الجبل. سألته إن كان قادمًا من ضيعة السيِّد فارويل. لم آتِ من هناك، قال الفلَّاح. ألم تأتِ من «لا ـ باس»؟، سألت بينما تصطكّ أسناني. نعم من هناك أتيتُ، لكنّني لا أعرف ذلك السيِّد، قال الرجل الطيّب. وأدركت حينها ما يجب أن يكون بديهيًّا. فارويل هو اسم الشهرة لناقدنا. حاولت أن أتذكَّر اسمه. كنتُ أعرف أنَّ لقبَه الأوّل «جونثالث» لكنَّني لم أتذكَّر اللقب الثاني وخلال بضعة لحظات تحيّرتُ بين أن أقول إنَّني ضيفُ السيِّد «جونثالث» فقط أو السكوت. اخترت السكوت. اتَّكأت على سلّم العربة وأغمضت عيني. سألني الفلَّاح إن كنتُ متوعِّكًا. سمعت صوته الذي لم يكن سوى همسٍ ذهب مع الريح بسرعة، وفي تلك اللحظة تذكَّرت اللقب الثاني لفارويل: «لاماركا». أنا ضيف السيِّد «جونثالث لاماركا»، قلتُ متنهِّدًا بارتياح. السيِّد في انتظارك، قال الفلّاح. عندما خلفنا وراءنا «قيراكين» وطيورها شعرت بالانتصار. في «لا ـ باس» كان فارويل ينتظرني برفقة شاعرٍ شابٍّ لا أعرف اسمه. كانا، كلاهما، في الليفينج (صالة المعيشة) برغم أنَّ وصف تلك القاعة بصالة المعيشة يعتبر خطيئة، الأدقُّ أنَّها تشبه مكتبة وقاعة للصيد، فيها أرففٌ كثيرةٌ مليئةٌ بالموسوعات والقواميس والمقتنيات التي اشتراها فارويل خلال رحلاته إلى أوربَّا وشمال أفريقيا، فضلًا عن دستة من الرءوس المحنّطة على الأقل وبينها زوج من الأسود الأمريكية التي اصطادها والد فارويل بنفسه. كانا يتحدّثان، عن الشعر كما كان متوقّعا، وبرغم أنَّهما قطعا حوارهما عندما وصلت، إلَّا أنَّهما استأنفاه فور أن ذهبت لوضع أشيائي في غرفة بالطابق الثاني. أتذكّر أنّني آثرت الصمت على الرغم من رغبتي في المشاركة في الحوار، وكلّما دعيت بلباقة إلى الكلام. برغم اهتمامي بالنقد، كنت أكتب الشعر أيضًا، وحدست أنَّ مشاركتي في ذلك النقاش المرح الصاخب بين فارويل والشاعر الشابِّ سيصبح مثل السباحة في مياه عاصفة. أتذكّر أنّنا شربنا كونياك وأتذكَّر أنّني في لحظةٍ ما، بينما كنت أقلّب في مجلّدات مكتبة فارويل، شعرتُ أنّني تعِسٌ للغاية. من وقت لآخر كان فارويل يضحك بصخب مبالغٍ فيه. كلّما انطلق في إحدى قهقهاته، كنت أنظر بطرف عيني. كان يبدو الإله بان(3) أو باكو(4) في كهفه، أو أحد الغزاة الإسبان المتهوّرين محبوسًا في حصنه الصغير في الجنوب. على النقيض، كانت ضحكة الشاعر الشابّ رفيعة كالسلك، ومتوتّرة كالسلك. كانت ضحكتُه تتبع دائمًا ضحكة فارويل الكبيرة، كحشرةِ يعسوبٍ تطارد ثعبانًا. في لحظةٍ ما أعلن فارويل أنّنا ننتظر ضيوفًا على العشاء هذه الليلة. أحنيتُ عنقي وأرهفت سمعي، لكن مضيفَنا أراد أن يحتفظ بالمفاجأة. بعد ذلك خرجتُ للتمشية في حدائق الضيعة. أعتقد أنّني تهت. كنتُ أشعر بالبرد. بعد الحديقة تمتدُّ الحقول، الطبيعة البكر، ظلال أشجار كان يبدو أنَّها تناديني. كانت الرطوبة لا تُطاق. اكتشفتُ كوخًا، وربّما كان إسطبلًا، ولمحت ضوءًا في إحدى نوافذه. اقتربت. سمعت ضحكات رجال واعتراض امرأة. باب الكوخ كان نصف مفتوح. سمعت نباح كلبٍ. طرقتُ، وبدون انتظار إجابة، دخلت الكوخ. رأيت ثلاثة رجال متحلِّقين حول مائدة، ثلاثة من عمّال فارويل، وبجانب فرن على الحطب كانت هناك امرأتان، إحداهما عجوزٌ والأخرى شابّة. عندما رأتاني اقتربتا وأخذتا يدي بين أيديهما الخشِنَة. يا لَسعادتنا بمجيئك يا أبتِ، قالت الأكبر سنًّا بينما تركع أمامي وتحمل يدي إلى شفتَيها. شعرت بالخوف والتقزّز، لكنّني تركتها. كان الرجال قد نهضوا. قال أحدهم: اجلِس أيُّها الأب الشابّ. حينئذٍ فقط انتبهت، مرتعشًا، إلى أنّني ما زلتُ أرتدي الرداء الكهنوتي الذي بدأت به سفري. وسط ارتباكي كنتُ متأكِّدًا أنّني خلعتُه عندما صعدت إلى الغرفة التي خصّصها فارويل لي. لكنَّ الحقيقة أنَّني فكرتُ فقط في تغيير ملابسي ولم أقم بهذا ثم نزلت إلى الاجتماع من جديد مع فارويل في صالة الصيد. وفكّرت أيضًا، هناك، في إسطبل الفلاحين، أنّني لن أجد وقتًا لتغيير ملابسي قبل الطعام. وفكّرت أنَّ فارويل سيُكَوّن انطباعًا خاطئًا عنِّي. وفكّرت أنّ الشاعر الشابّ برفقته سوف يرسم صورة خاطئة عنّي. وفي النهاية فكّرت في الضيوف الذين ما زالوا مفاجأة، وكانوا من دون شكٍّ شخصيّات مهمّة، ورأيت نفسي بالرداء المغطّى بغبار الطريق، وسخام القطار، وتراب الطرق المؤدية إلى «لا ـ باس»، آكُل منزويًا في ركن بعيد على المائدة من دون أن أجرؤ على أن أرفع عيني. وآنذاك سمعت صوتَ أحد الفلّاحين يدعوني إلى الجلوس مجددا. وكالنائم جلست. وسمعت صوت إحدى المرأتين يقول لي أبتِ خذ هذا، أو أبتِ خذ ذاك. وشخص ما حدّثني عن طفل مريض، لكن بلكنة غريبة لدرجة أنّني لم أفهم إن كان الطفل مريضًا أم أنّه ميت بالفعل. ولِمَ تحتاجونني؟ هل الطفل يحتضر؟ إذن اطلبوا طبيبًا. هل مات الطفل منذ زمن بعيد؟ إذن فلتصلّوا للعذراء صلاة الموتى لتسعة أيّام من أجله. فلتنظِّفوا قبره. ولتزيلوا الأعشاب التي تنبت في كلّ مكان. فليكن حاضرًا في صلواتكم. يا إلهي، لا يمكنني أن أكون موجودًا في كلّ مكان. لا يمكنني. هل تمّ تعميده؟ سمعت نفسي أقول. نعم، يا أبت الشابّ. آه، إذن كلّ شيء على ما يرام. هل تريد خبزًا يا أبت الشابّ؟ سأتذوّقه، قلت. وضعوا أمامي شريحةً رفيعةً من الخبز. ناشفًا، كما هو خبز الفلّاحين عادة، محمّصًا في فرن من الطين. وضعت قطعة بين شفتَيَّ. وفي تلك اللحظة بدا لي أنّني أرى الشابَّ الهَرمَ في فتحة الباب. لكنّه كان التوترُ فقط. كنَّا في نهاية عقد الخمسينيات، ويجب أنَ يكون عمرَه في ذلك الوقت خمس سنوات فقط، ربّما ستًّا، ولم تكن له علاقة بالترويع أو التشهير أو المطاردة. هل يعجبك الخبز يا أبت؟، قال أحد الفلّاحين. بلّلتُه باللعاب. جيِّد، قلتُ، لذيذٌ للغاية، شهيٌّ للغاية، متعةٌ للفم، طعامٌ فاخر، منتَجٌ وطني رائع، طعام جيّد لفلّاحينا المجتهدين، لذيذ، لذيذ. والحقيقة أنّ الخبز لم يكن سيّئًا وأنا كنتُ بحاجة إلى الطعام، كنت بحاجة إلى ملء معدتي، وهكذا شكرت الفلّاحين على هديّتهم ثم نهضت، رسمت صليبًا في الهواء، قلت فليباركِ الربُّ هذا البيت، وذهبتُ بخطًى سريعة. عندما خرجت سمعت من جديد نباح الكلب وحفيف أغصانٍ، كأنَّ وحشًا يختفي بين اﻷشجار، ومن هناك كانت عيناه تتابعان خطواتي المتعثّرة بحثًا عن بيت فارويل الذي رأيته في الحال، مضيئًا كأنَّه سفينةٌ عابرةٌ للمحيطاتِ في ليل جنوب العالم. عندما وصلت لم يكن العشاء قد بدأ. وبقرارٍ شجاعٍ حاسمٍ قرَّرت ألَّا أخلعَ ردائي. تجوّلت لفترة في مُتحفِ الصيد، متصفِّحًا بعضَ الكتب المطبوعة في نهايات القرن السادسَ عشرَ وبدايات القرن السابعَ عشرَ. أحد الجدران كان يجمع أفضل الأشعار والسرديات التشيلية وأشهرها، كلُّ كتابٍ مُهدًى من مؤلِّفه إلى فارويل بعبارات لطيفة، مهذَّبة، حميمة ومتواطئة.