eKtab
EN ع
ليلا على سفر
Read free sample

ليلا على سفر

by توماس ترانسترومر

Page 1
شِعر توماس ترانسترومر···الإقـامة فـي الاخـر
 
منذ أصدرَ مجموعته الأولى (71 قصيدة) عام 4 5 9 1 خرجَ الشاعر السويدي توماس ترانسترومر (1 3 9 1-) على الناس شاعراً متميّزاً حيث عُدَّ ديوانه البكر هذا كأفضل مجموعة شعرية صدرتْ في السويد خلال عقد الخمسينيات· وعاماً بعد آخر، في ديوانٍ إثر آخر، ترسّختْ تجربته الشعرية حتى أصبح أشهر شاعر سويدي نالَ من التوصيفات الأدبية ما لم ينله سواه من معاصريه· فقد وصِفَ في مقدمة الطبعة الانجليزية لأعماله الشعرية الصادرة في نيوجرسي عام 7 8 9 1 بأنه واحد من أفضل شعراء العالم·
وفي خطاب نيله جائزة نيستردات العالمية في الأدب عام 0 9 9 1 أُشيدَ بكونه واحداً من الشعراء الأكثر تفرّداً في هذا العصر·
صديقه الشاعر شيل إسبمارك عضو الأكاديمية السويدية - الذي أصدرَ في نهاية السبعينيات دراسة شاملة حول شعر مجايلهِ (موضوع الدراسة) - كتبَ في مقدمة الطبعة الفرنسية لشعر ترانسترومر عام 6 9 9 1 بأنه ثالث كاتب سويدي يؤثّر في الأدب العالمي بعد سترندبيرغ وسويدنبيرغ·
وفي مجلّد (تاريخ الأدب في السويد) لمؤلّفيه بيرنت أولسون وانجمار آلغولين يُشار الى إنه أستاذ الصورة الشعرية في الشعر السويدي·
جوزيف برودسكي (الحاصل على نوبل للأدب عام 7 8 9 1) وصفَهُ بأنه شاعر من الطراز الأول·
وقال ديريك والكوت (نوبل للأدب عام 2 9 9 1) إنّ على الأكاديمية السويدية أن لا تتردد في منح ترانسترومر جائزة نوبل·
***
منذ مجموعته الأولى وفي عشر أخرى تلتْها، حاول ترانسترومر أن يتحرر من الزمن المحدود والمكان المحدود حيث ولِدَ وعاش ذاتاً وعايش موضوعاً في وطنه السويد· وسعى بأناة شاعر رؤيوي الى أن يخلق زمكانه الخاص في لحظة كونية حيث الزمن إنساني والمكان متجاوز للجغرافيا التعسفية·
البيئات البعيدة الأخرى ترسّختْ في روحه، واستحال الوعي الى تكوين شفاف في أقاليم اللاوعي· وصار الشاعر لا يجد نفسه متوازناً إلاّ في النقطة التي يرى فيها الحقيقتين: الجانبين: فالعالم عالمان وهو لا يراه إلاّ واحداً·
في مقابلة صحفية معه في نيويورك عام 9 7 9 1 يتحدث ترانسترومر في السياق ذاته: أكتبُ دائماً على خط الحدود - الحد الفاصل بين العالم الداخلي والعالم الخارجي، أسّمي ذلك حاجز الحقيقة لأنها النقطة الفاصلة ذاتها التي تمكّننا من امتلاك الحقيقة
وقد جسّدَ هذه الفكرة في أحد مقاطعه الشهيرة:
حقيقتان تقتربان من بعضهما بعضاً
واحدة قادمة من الداخل
وأخرى قادمة من الخارج
وحيث تجتمعان
يتسنّى للمرء أن يرى نفسَهُ من قصيدة مقدِّمات موسيقية
Page 2
في بحث جامعي شملتُ به شعر ترانسترومر كلّهُ لاحظتُ إن تجربته الشعريه مطبوعة بالميل نحو الآخر (غير السويدي) سواء كان إنساناً أو مكاناً أو أشياءً مما أضفى على شعرهِ ميسماً كونياً· الميل نحو الآخر في شعر ترانسترومر يمثّل في أعمق دلالاته بديلاً وجودياً تستطيع الذاتُ معه الدفاع عن هويتها الوجودية وتتحرّر بأسلوب إبداعي - شعري من قفص الاغتراب· فالشعر وسيلة يدافع بها الشاعر عن نفسه ضد كلّ ما يقود الى الاغتراب· في مقابلة معه أجرتها الناقدة تورستين رينرستراند عام 4 7 9 1 يتطرّق ترانسترومر الى هذا الشعور:
في سويد اليوم ثمة نوع من المواجهة ثمة ضغط من التكنولوجيا، من المتسلطين، من اللاشخصي والمنظّم والباهت، من أجهزة الكمبيوتر· هذا الضغط يجبر الناس على الدفاع عن شئ خاص، ثمين· الشعر يساعد على جعل هذا الثمين حيّاً
أطلقَ ترانسترومر لشعرهِ عنانَ التحليق في فضاءات أخرى، وحالما اقترب منها وجدَ نفسه جزءاً منها، وهي جزءٌ من كلّ يضمُّهما معاً في عالم واحد بلا حدود· ترانسترومر واحد من الشعراء القلائل الذين أشاروا شعرياً بأصابع غليظة إلى هذه الحدود - الحواجز ووقفوا عليها ليحرضوا ضد وجودها·
الزمن ليس خطاً مستيقماً
إنه أقرب إلى المتاهة·
ولو اتكأ المرء على مكان
مناسب من الجدار
يستطيع أن يسمع الخطوات
المسرعة والأصوات، يستطيع أن
يسمع نفسه تمرّ من هناك على
الجانب الآخر من قصيدة جواب على رسالة
في إحدى عشرة مجموعة شعرية ضمّتْ 6 6 1 قصيدة حفلتْ 2 0 1 منها بميلٍ كلّي أو جزئي نحو الآخر· وبشكلّ عام يمكن القول إن شعر ترانسترومر يتماهى في أربعة فضاءات:
Page 3
أولا: البورتريه الانعكاسي (إسقاط صورة الآخر على الذات الشعرية)·
 
حملتْ العديد من قصائده المهمة بورتريهات لكتّابٍ وفنانين كانوا جميعاً غير سويديين· وإنّهُ لجدير بالتساؤل البحثي إن شاعراًً سويدياً وطوال ستة وأربعين عاماً من عمره الشعري لم يجد بورتريهاً سويدياً واحدا يرى فيه شيئاً من ذاته· فهو يعرّفُ نفسَهُ بالجغرافيا اللانهائية عند ثوريو· وبالقدرة على أسر الكونكريتي في عالم التفاصيل عند غوغول· وبموقف الفنان عند بالاكيريف· وبمصاعب الإنتاج عند غراي· وبلغة الموسيقى عند شوبرت، وبالألوان عند تورنر· وبوحدة العالم عند فيرمير·· وحتى في قصيدته المعروفة الغاليري-حيث ثمة غاليري للغرباء- يخلق ترانسترومر بورتيريهاً ذاتياً في فضاء من الخلفيات التاريخية غير السويدية·
Page 4
ثانياً: أفريقيـا:
 
لم يكن توماس ترانسترومر وحده من انتقل بشعره بعيداً عن بيئته السويدية، حيث ولِدَ ونشأَ طفلاً·· ونضجَ شاباً·· وبرزَ شاعراً اغترفَ من تراث وثقافة تلك البلاد المقيمة في جليد مديد يتلهّـف إلى عناقِ صيفٍ يمرُّ متمنّعاً على عجالة·
كذا هو الصيف حلمٌ يشاغبُ أفئدة المقيمين في الثلج· ولكن الحلم الشعري يخفي بين ثناياه تطلّعاً إلى ما هو أبعد من مناخيّة الصيف: لما تحمله الأصياف بين ثناياها· فالأصياف لها ثقافاتها كما للشتاءات·
كتّاب كثيرون حاولوا أن يخلعوا معاطف الثلج بحثاً عن عري الأصياف في لقاء مباشر مع الشمس وكانت لإقامتهم في الشرق مظاهر واقعية وشعرية مثل اكيليف وهايدنستام وفرودنغ، بَيْدَ أنّ التجربة الشعرية لتوماس ترانسترومر تختلف عن مثيلاتها في ميلها نحو الخارجي: في أنها تقيم كلّيّاً - تقريباً - خارج حدود الجغرافيا الواقعية للشاعر·
من مجموعته الثانية (أسرار على الطريق) إلى مجموعته الأخيرة (الجندول الحزين) ومن قصيدته رجل من بنين إلى الوقواق حضرت أفريقيا في طفولته حلماً وفي شعره أفقاً رؤيوياً·
لقد كانت أفريقيا حلماً طفولياً مبكراً تحدّثَ عنه الشاعر في كتاب صغيرعن طفولته: (الذكريات تراني) وتنمذجتْ أفريقيا في ضمير الشاعر كصورة حادة للآخر· وقد امتدّتْ الجغرافيا الأفريقية في شعره من مصر والسودان إلى الجزائر ومن الكونغو إلى جنوب أفريقيا ومن بنين إلى زائير·
جئت لألتقى ذلك الذي يرفعُ
فانوسَهُ
ليرى نفسَهُ فيَّ من قصيدة رجل من بنين
Page 5
ثالثاً: وحدة العـالم·
 
في إنتمائه إلى العالم، العالم كلّه، يحيل ترانسترومر الذات إلى وحدة مع الآخر الذي تحوّلَ من آخر منفصل إلى كامن في الأنا الشعرية· وجلَّ ما يؤرق الرؤية الترانسترومرية هي تلك الحدود أو الجدران التي تحيل العالم إلى عالمين· يبدو شعر ترانسترومر كما لو أنه - وهو كذلك- خارطة شعرية للعالم كلّه من فيتنام إلى إيران ومن الكونغو إلى دول البلطيق· من نيويورك إلى شنغهاي ومن اليابان إلى اليونان- ومن آشور إلى دلتا النيل ومن براغ إلى الخرطوم·
في قصيدة فيرمير يكتب ترانسترومر:
إنه لموجع عبور الجدران، وقد يمرِض
بَيدَ إنه ضروري·
العالم· واحد لكنها الجدران··
جزء منك هو الجدار،
تعلم أو لا تعلم،
هو كذلك بالنسبة للجميع
ما عدا الأطفال الصغار،
لا جدار بالنسبة لهم من قصيدة فيرمير
بكلّمات، يمكن القول إن ترانسترومر شاعر كوني حقاً: الإنسانية قومه، والعالم وطنه، والأرض كلّها جغرافيته الشعرية، ولم تكن سويديّته إلا محض تصادف· إنه يتبادل مع الآخر حالة المرآة·
Page 6
رابعاً: الإلتزام الجمالي··
 
يكاد يكون توماس ترانسترومر الوحيد أو واحداً من شعراء قلائل في العالم عاشوا ستينيات القرن العشرين الملتهبة دون أن تلتهب قصائدهم· فقد نأى ترانسترومر بشعره عن انفعالات المدِّ السياسي الستيني الذي اجتاح العالم وثقافته آنذاك· فلم يكتب شعراً خطابياً، وابتعدَ شخصياً عن أي نشاط سياسي، منهمكاً في الاشتغال الجمالي على قصيدته، وهو انهماك لم يتجاهل ما يدور في العالم بل كان في الصميم منه ولكن من خلال كينونته الشعرية· وقد أُتهِّمَ ترانسترومر وقتها بالانعزالية إلاّ أنه كان يدرك بأن أجندة الشاعر هي غير أجندة السياسي، فلكلّ منهما استراتيجية مختلفة، وأسلوب تعبيري مختلف حتى لو تلاقت الخطوط·
لقد حرصَ ترانسترومر أن يكون التزامه التزاماً جمالياً: حيث يستطيع الشاعر ترويض الفكرة في فضاء القصيدة وليس العكس حين يتم تغليب الفكرة (الأيديولوجية أو السياسية) على البُعد الجمالي للقصيدة· ففي قصيدة ترانسترومر تكتسب الأفكارُ حياةً أخرى مستقاةً من العالم الشعري، ومنقّاةً من حدّةٍ وظائفيةٍ تحيل النص إلى مناطق خطابية أخرى، وتودي به إلى فخ اللاشعرية·
***
ولابدّ في هذا السياق من التطرّق إلى إعلان الشاعر في قصائده عن لغة جديدة تمثّل خصوصيته في وعي اللغة، فقد سئمَ من الكلّمات التي لا تأتي باللغة:
سائماً جميع الذين يعبِّرون بكلّمات، كلّماتٍ وليستْ لغةً
أرحلُ إلى الجزيرةِ المغطّاة بالجليد·
البرّي لا كلّماتَ لديه·
الصفحاتُ غير المكتوبة تتمدّدُ في جميع الجهات!
أصطدمُ بأثرِ ظلفِ يحمورٍ على الثلج·
لغةٌ وليستْ كلّمات·(1)
والشاعر بذلك يبحث عن الصورة في اللغة: في أن نرى اللغة دون الحاجة لقولها في كلّمات· فالكلّمات لديه مفردات مرئية بل وتكاد تُلمس· فالصور والكلّمات تفيض على النص:
موجةٌ جائشةٌ تتدحرجُ في النص كلّهِ، تتبعُهُا
موجةٌ جائشةٌ، ثمّ أخرى···(2)
وغالباً ما يدعو ترانسترومر إلى لغة جديدة متغيّرة لأن:
كلّ مشكلّةٍ تصرخُ بلغتها·(3)
ولأن:
اللغة تسير في تناغمٍ مع الجلاّدين
يجب أن نأتي بلغةٍ أخرى·(4)
والقارئ لشعر توماس ترانسترومر لا يجد عناءً كبيراً في تلمّس أن شعره اشتغالٌ جمالي ودأب حقيقي للإتيان بلغةٍ أخرى·
Page 7
خامساً: قلّة الانتاج أو الكتابة النوعية···
 
لا يعتبر توماس ترانسترومر (5)شاعراً غزير الانتاج إذا ما قورنَ بسواه من الشعراء، وعلى وجه الخصوص العرب منهم· فلم يتجاوز مجموع صفحات أعماله الشعرية (التي تضم إحدى عشرة مجموعة، صدرتْ خلال الفترة من 4 5 9 1 إلى 6 9 9 1) 0 0 3 صفحة من القطع المتوسط· وربما كانت مجموعاته من الأصغر حجماً (من حيث عدد الصفحات)، فقد ضمّتْ أكبرها 43 صفحة بينما لم تتجاوز أي من المجموعات الأخرى 52 صفحة:
1- 17 قصيدة (4 5 9 1): 52 صفحة·
2- أسرار على الطريق (8 5 9 1): 20 صفحة·
3- السماء غير المكتملة (2 6 9 1): 52 صفحة·
4- رنين وآثار (6 6 9 1): 43 صفحة·
5- الإبصار في العتمة (0 7 9 1): 51 صفحة·
6- من الجادّات (3 7 9 1): 41 صفحة·
7- الجزر الشرقية - قصيدة (4 7 9 1): 20 صفحة·
8- حاجز الحقيقة (8 7 9 1): 32 صفحة·
9- الساحة الوحشِّية (3 8 9 1): 81 صفحة·
10- من أجل الأحياء والموتى (9 8 9 1): 52 صفحة·
11- الجندول الحزين (6 9 9 1): 32 صفحة·
وبذلك يمكن القول إن ترانسترومر شاعرٌ آمنَ بعدم جدوى البذخ الكمّي الذي لا يمنحُ صاحبَهُ مجداً في المعايير الشعرية، فاختارَ ما يمكن تسميته: الكتابة النوعية التي تعني - رقمياً - على سبيل المثال أن يصدر ديواناً من 81 صفحة (3 8 9 1) بعد مرور خمسة أعوام على صدور ديوانه السابق (8 7 9 1) من 32 صفحة· أو أن يصدر ديواناً يضم 32 صفحة (6 9 9 1) بعد مرور سبع سنوات على صدور ديوانه السابق (9 8 9 1) من 52 صفحة· وربّما يعني ذلك إن ترانسترومر لا ينشر إلاّ القليل القليل ممّا يكتبه، إيماناً منه بأن لا يعلن على الناس إلاّ ما يراه نوعياً في شعره·
***
علي ناصر كنانة
Page 8
أبريل والصمت
 
الربيع يهجعُ قاحلاً·
الخندق ذو العتمةِ المخملية
يزحفُ إلى جانبي
دون انعكاسات·
ما يضيء فقط
هي الأزهار الصفراء·
وحدها تضيءْ·
أُحـمَلُ في ظلّي
مثل كمانٍ
في صندوقهِ الأسود·
الشيءُ الوحيدُ الذي أريدُ قولَهُ
يلمعُ خارج متناول اليد
كما الفضةُ
في محل الرهونات·
Page 9
البلاد غير الامنة
 
مندفعةً إلى الأمام ترسمُ مديرةُ المكتب علامةَ أكس
بينما تتأرجحُ أقراطها مثل سيف داموقليس(6)·
كفراشة مرقّطة تصبح غير مرئية على الأرض
يندمج الشيطان مع الجريدة المفتوحة·
خوذة لا يحملها أحد تستولي على السلطة·
السلحفاة تهربُ طائرةً تحت الماء·
Page 10
أوراق كتاب الليل
 
ذاتَ ليلةِ مايس نزلتُ
في نورٍ قمريٍ بارد
حيث كان العشبُ رمادياً والأزهارْ
بَيْدَ أنّ العطرَ أخضر·
انزلقتُ إلى أعلى المنحدر
في تلك الليلة المصابة بعمى الألوان
فيما أحجارٌ بيض
تعطي إنذاراً للقمر·
مرحلةٌ
طولُها عدّةُ دقائق
وعرضُها ثمانية وخمسون عاماً·
ومن ورائي
خلف المياهِ المشِّعةِ كالفُسفور
كان يوجد الساحلُ الآخر
ومَنْ يحكمونه·
بشرٌ لهم مستقبل
عوضاً عن وجوه·