Page 1
تمهيد
علاقتي بالوطن والمواطن
من الطبيعي أن تكون علاقة الإنسان راسخة ببقعة الأرض التي تنفس هواءها، وتغذى من سخاء تربتها، وارتوى من ينابيع مائها، وأن يرتبط بها ـ كبيرة كانت أم صغيرة ـ ويدافع عنها.
هذه الأرض هي الوطن، وهذا الإنسان، هو المواطن. هذه العلاقة، إضافة إلى كونها طبيعية، هي أيضاً، من أولى الواجبات. وعلى المواطن أن لا تكون علاقته بوطنه في أيام السراء فقط؛ فالأرض التي يعيش عليها بحاجة إليه خصوصاً في أيام الضـراء، لأن الانتماء الحقيقي للوطن لا يتجزأ.
أعتذر من القارئ، أنا لا ألقي خطاباً ولا أعطي دروساً في الوطنية، إني أنقل شعوري فقط وأعبّر عن إحساسي تجاه وطني لأني أعتبر هذه العلاقة كعلاقة الأنسان بشرايينه ونبضات قلبه.
عندما بدأت كتابة هذا المقطع طرحت على نفسي السؤال التالي:
هل قمت خلال السنين الطويلة من حياتي بالواجب الملقى عليّ تجاه الوطن والمواطن؟
الجواب: لا أدعي أبداً بأنني استطعت القيام بهذا الواجب كما كنت أتمنى وأسعى لتحقيقه. لكني بقيت في وطني على الرغم من كل الظروف التي واجهته، وحاولت وضع بحصة بالتعاون مع عدد من المواطنين والمواطنات في مدماكه الذي خطط الأعداء ـ وهم كثر ـ لهدمه.لكن المدرسة التي أسستها السيدات: اميلي فارس ابراهيم، ثريا عدرة، ماري صعب، الفيرا خوري وماري ثابت، أعني بها لجنة حقوق المرأة اللبنانية أصبحت الآن جامعة نضالية تلميذاتها سيكملن المسيرة إلى جانب المناضلين والمناضلات في مؤسسات المجتمع المدني، حتى يصبح الجواب نعم. لقد قمنا بالواجب وحققنا أهدافنا.
علاقتي بالوطن والمواطن
من الطبيعي أن تكون علاقة الإنسان راسخة ببقعة الأرض التي تنفس هواءها، وتغذى من سخاء تربتها، وارتوى من ينابيع مائها، وأن يرتبط بها ـ كبيرة كانت أم صغيرة ـ ويدافع عنها.
هذه الأرض هي الوطن، وهذا الإنسان، هو المواطن. هذه العلاقة، إضافة إلى كونها طبيعية، هي أيضاً، من أولى الواجبات. وعلى المواطن أن لا تكون علاقته بوطنه في أيام السراء فقط؛ فالأرض التي يعيش عليها بحاجة إليه خصوصاً في أيام الضـراء، لأن الانتماء الحقيقي للوطن لا يتجزأ.
أعتذر من القارئ، أنا لا ألقي خطاباً ولا أعطي دروساً في الوطنية، إني أنقل شعوري فقط وأعبّر عن إحساسي تجاه وطني لأني أعتبر هذه العلاقة كعلاقة الأنسان بشرايينه ونبضات قلبه.
عندما بدأت كتابة هذا المقطع طرحت على نفسي السؤال التالي:
هل قمت خلال السنين الطويلة من حياتي بالواجب الملقى عليّ تجاه الوطن والمواطن؟
الجواب: لا أدعي أبداً بأنني استطعت القيام بهذا الواجب كما كنت أتمنى وأسعى لتحقيقه. لكني بقيت في وطني على الرغم من كل الظروف التي واجهته، وحاولت وضع بحصة بالتعاون مع عدد من المواطنين والمواطنات في مدماكه الذي خطط الأعداء ـ وهم كثر ـ لهدمه.لكن المدرسة التي أسستها السيدات: اميلي فارس ابراهيم، ثريا عدرة، ماري صعب، الفيرا خوري وماري ثابت، أعني بها لجنة حقوق المرأة اللبنانية أصبحت الآن جامعة نضالية تلميذاتها سيكملن المسيرة إلى جانب المناضلين والمناضلات في مؤسسات المجتمع المدني، حتى يصبح الجواب نعم. لقد قمنا بالواجب وحققنا أهدافنا.
Page 2
محطات من سيرة حياتي
منذ البداية كانت الكلمة وستبقى إلى ما لا نهاية. الكلام في بعض الأوقات حلو وفي بعضه الآخر مر. والحياة يعيشها الإنسان بحلوها ومرها، والقول: من «خلق علق» قول صحيح، كل إنسان يفسره على هواه.. المهم كيف يمكن التخفيف من المرارة وأخذ الدروس منها، أما الحلاوة فعلينا الاستفادة منها من أجل تطويرها وتعميمها على الآخرين.
هذه «الفذلكة» بدأت بكتابتها في أحد أيام تموز من العام 2004 الذي كما يقول المثل الشعبي «كانت المي تغلي بالكوز».
القلم بين أصابعي وعيناي تحدّقان في الصفحة البيضاء التي أحضرتها بعد أن قررت الاستفادة من بعض خزين ذاكرتي، وذلك نزولاً عند رغبة أولادي وصديقاتي وأصدقائي الذين شحذوا همتي للبدء بكتابة محطات من سيرة حياتي.
لا أنكر بأني كنت مترددة بعض الشيء، لكن القلم تحرك ودونت المحطات التالية:
1 ـ الطفولة
لا بد من كتابة بعض الصفحات عن طفولتي لكي يطلع عليها الذين يرغبون بقراءة هذه «المقاطع» من سيرة حياتي بأنني لم أر النور بإرادة والديّ ورغبتهما. بل تحديت طبيعة الإنسان وخصوصاً طبيعة المرأة البيولوجية التي لا تخولها الحمل والولادة بعد الخمسين من عمرها.
عاشت والدتي رحمها الله سنوات الحرب العالمية الأولى بالتعب والإرهاق المضني من أجل إعالة أولادها الستة الذين خطف منهم المرض أربعة إضافة إلى زوجها. بعد الحرب جاءت هي وولداها إلى بيروت علها تجد لهما عملاً يمكنهما من تأمين حياتهما.
منذ البداية كانت الكلمة وستبقى إلى ما لا نهاية. الكلام في بعض الأوقات حلو وفي بعضه الآخر مر. والحياة يعيشها الإنسان بحلوها ومرها، والقول: من «خلق علق» قول صحيح، كل إنسان يفسره على هواه.. المهم كيف يمكن التخفيف من المرارة وأخذ الدروس منها، أما الحلاوة فعلينا الاستفادة منها من أجل تطويرها وتعميمها على الآخرين.
هذه «الفذلكة» بدأت بكتابتها في أحد أيام تموز من العام 2004 الذي كما يقول المثل الشعبي «كانت المي تغلي بالكوز».
القلم بين أصابعي وعيناي تحدّقان في الصفحة البيضاء التي أحضرتها بعد أن قررت الاستفادة من بعض خزين ذاكرتي، وذلك نزولاً عند رغبة أولادي وصديقاتي وأصدقائي الذين شحذوا همتي للبدء بكتابة محطات من سيرة حياتي.
لا أنكر بأني كنت مترددة بعض الشيء، لكن القلم تحرك ودونت المحطات التالية:
1 ـ الطفولة
لا بد من كتابة بعض الصفحات عن طفولتي لكي يطلع عليها الذين يرغبون بقراءة هذه «المقاطع» من سيرة حياتي بأنني لم أر النور بإرادة والديّ ورغبتهما. بل تحديت طبيعة الإنسان وخصوصاً طبيعة المرأة البيولوجية التي لا تخولها الحمل والولادة بعد الخمسين من عمرها.
عاشت والدتي رحمها الله سنوات الحرب العالمية الأولى بالتعب والإرهاق المضني من أجل إعالة أولادها الستة الذين خطف منهم المرض أربعة إضافة إلى زوجها. بعد الحرب جاءت هي وولداها إلى بيروت علها تجد لهما عملاً يمكنهما من تأمين حياتهما.
Page 3
أما والدي الذي فقد زوجته هو أيضاً وله ابن واحد فقد كان أحسن حالاً مادياً من والدتي.
وفي ظروف مدبرة التقيا في منزل أحد الأصدقاء، واتفقا على أن يشكلا أسرة واحدة مكوّنة من ولدين لأمي وولد لأبي.
بعد سنتين من زواجهما، شَعرت والدتي أنها مريضة، ذهبت إلى الطبيب، فقال لها إنها حامل، أرادت أن تتخلص من هذا الجنين الذي لم يأت في الوقت المناسب. ردعتها الجارة وقالت لها: ربما هذا الطفل نعمة من الله ليكون عونك في آخر أيامك. وهكذا أبصرت النور وتحديت السنوات الخمسين وأصبحت «غنوجة» أبوي وإخوتي الثلاثة، إضافة إلى اهتمام الجيران الذين لم يكن لديهم أولاد.
في تلك الفترة كان سكننا في خندق الغميق أحد أحياء بيروت الذي كان حياً شعبياً بامتياز وهو على مسافة أميال قليلة من قلب المدينة، وبالتحديد من مدرسة راهبات العازارية. (بناية العازارية حالياً). كانت والدتي قد اتفقت مع الراهبات على التحاقي بالمدرسة رغم صغر سني؛ فتوصلني وتدخلني عبر ذلك الباب الخشبي السميك وتذهب لتؤدي زيارتها اليومية إلى كنيسة مار جريس المقابلة للمدرسة (أمي كانت متدينة جداً) وكنت أرافقها أحياناً. ثم تعود لاصطحابي بعد انتهاء الدوام.
في أحد الأيام أوصلتني والدتي كعادتها وذهبت. فقابلتني إحدى المعلمات لتقول لي: لماذا جئت؟ اليوم عيد الرئيسة ولا يوجد مدرسة. قلت لها: أمي في الكنيسة، سأذهب لعندها. أخذتني بيدي وأوصلتني إلى باب الكنيسة.. لم أجد أمي في داخلها وخرجت إلى حيث لا أدري وأنا أبكي وأنادي ماما. أحد رجال الشرطة حملني وأخذني إلى مكان لا أعرفه، فارتعبت وبدأت بالصراخ. عرفت لاحقاً بأنه أخذني إلى مخفر درك الجميزة حيث أسكتوني ببعض الحلويات وسألوني عن اسم أبي فقلت لهم: ديب البالون(*). لم يسمعوا بهذه العائلة، ثم جاء أحدهم ممن يعرفون والدي، فقال: هذا ديب مطر وأنا أعرف أين يسكن. حملني وأوصلني إلى البيت، فدهشت أمي عندما رأتني وانفجرت بالبكاء. تلقت من العسكري بعض الكلمات النابية، (بتخلفوا وبتتركوا على الطريق)(**). منذ ذلك الحين اضطرت أمي أن تطلب من إحدى التلميذات في المدرسة أن تأخذني وتعيدني إلى البيت مقابل بعض القروش التي كانت في حينه تكفي لشراء بعض المطيبات والمكسرات.
سارت الأمور على ما يرام مع التلميذة التي كانت تسكن في حيّنا. لكنني، كما كانت تخبرني أمي، اختلفت معها لأنها تريد أن تمسك بيدي وأنا لا أريد. رفضت أن أعود معها إلى البيت. وأنا في طريقي، وكنت أعرف جيداً طريق البيت، أوقفتني فتاة وبدأت تكيل لي المديح، كم أنت جميلة وثيابك جميلة. فرحت بهذا الكلام فاستغلت غروري لتقول لي: «حلقك جميل هل تسمحين أن أضعه في أذني، طبعاً وافقت بكل سرور. بعد أن انتقل الحلق من أذني إلى أذنيها قالت: أريد أن تراه أمي لتشتري لي مثله، غداً أعيده إليك. وذهبت إلى البيت ولاأزال حتى الآن أنتظر أن يرد لي الحلق».
الوضع المادي الذي كان مقبولاً في العائلة تدهور جداً. لم يكن يسمح لأهلي بشراء الكثير ما عدا الغذاء الذي كان يحرص أبي على تأمينه. في أيام الأعياد مثل عيد الميلاد كانت والدتي تكسر «القجة» لتشتري لي حذاء وفستاناً جديدين. أذكر أن أخي من أمي الذي كنت بالنسبة إليه الطفلة المدللة كان يأتيني بالحلوى من وقت لآخر، ثم أخذ على عاتقه أن يشتري لي في عيد الشعنينة فستاناً جديداً وكذلك حذاءً وقبعة بلون الفستان.
بعد عامين انتقلنا من بيروت إلى الشياح. وكان لي من العمر ست سنوات. ليلة الشعنينة لم يأت الفستان ولا الحذاء ولا القبعة. لم أصرخ ولم أحتج لكن الدموع انهمرت من عيني بغزارة وذهبت إلى الفراش حزينة باكية. وأنا نائمة شعرت بيد تلامس وجهي لتوقظني، فتحت عيني لم أرَ صاحب اليد بل رأيت فستاناً من الحرير بلون الرمان تنورته مكسرة تكسيراً رفيعاً تعتليه قبعة مصنوعة من القماش نفسه وحذاءً أبيض. قفزت من الفراش وأنا أصرخ من الفرح.
وفي ظروف مدبرة التقيا في منزل أحد الأصدقاء، واتفقا على أن يشكلا أسرة واحدة مكوّنة من ولدين لأمي وولد لأبي.
بعد سنتين من زواجهما، شَعرت والدتي أنها مريضة، ذهبت إلى الطبيب، فقال لها إنها حامل، أرادت أن تتخلص من هذا الجنين الذي لم يأت في الوقت المناسب. ردعتها الجارة وقالت لها: ربما هذا الطفل نعمة من الله ليكون عونك في آخر أيامك. وهكذا أبصرت النور وتحديت السنوات الخمسين وأصبحت «غنوجة» أبوي وإخوتي الثلاثة، إضافة إلى اهتمام الجيران الذين لم يكن لديهم أولاد.
في تلك الفترة كان سكننا في خندق الغميق أحد أحياء بيروت الذي كان حياً شعبياً بامتياز وهو على مسافة أميال قليلة من قلب المدينة، وبالتحديد من مدرسة راهبات العازارية. (بناية العازارية حالياً). كانت والدتي قد اتفقت مع الراهبات على التحاقي بالمدرسة رغم صغر سني؛ فتوصلني وتدخلني عبر ذلك الباب الخشبي السميك وتذهب لتؤدي زيارتها اليومية إلى كنيسة مار جريس المقابلة للمدرسة (أمي كانت متدينة جداً) وكنت أرافقها أحياناً. ثم تعود لاصطحابي بعد انتهاء الدوام.
في أحد الأيام أوصلتني والدتي كعادتها وذهبت. فقابلتني إحدى المعلمات لتقول لي: لماذا جئت؟ اليوم عيد الرئيسة ولا يوجد مدرسة. قلت لها: أمي في الكنيسة، سأذهب لعندها. أخذتني بيدي وأوصلتني إلى باب الكنيسة.. لم أجد أمي في داخلها وخرجت إلى حيث لا أدري وأنا أبكي وأنادي ماما. أحد رجال الشرطة حملني وأخذني إلى مكان لا أعرفه، فارتعبت وبدأت بالصراخ. عرفت لاحقاً بأنه أخذني إلى مخفر درك الجميزة حيث أسكتوني ببعض الحلويات وسألوني عن اسم أبي فقلت لهم: ديب البالون(*). لم يسمعوا بهذه العائلة، ثم جاء أحدهم ممن يعرفون والدي، فقال: هذا ديب مطر وأنا أعرف أين يسكن. حملني وأوصلني إلى البيت، فدهشت أمي عندما رأتني وانفجرت بالبكاء. تلقت من العسكري بعض الكلمات النابية، (بتخلفوا وبتتركوا على الطريق)(**). منذ ذلك الحين اضطرت أمي أن تطلب من إحدى التلميذات في المدرسة أن تأخذني وتعيدني إلى البيت مقابل بعض القروش التي كانت في حينه تكفي لشراء بعض المطيبات والمكسرات.
سارت الأمور على ما يرام مع التلميذة التي كانت تسكن في حيّنا. لكنني، كما كانت تخبرني أمي، اختلفت معها لأنها تريد أن تمسك بيدي وأنا لا أريد. رفضت أن أعود معها إلى البيت. وأنا في طريقي، وكنت أعرف جيداً طريق البيت، أوقفتني فتاة وبدأت تكيل لي المديح، كم أنت جميلة وثيابك جميلة. فرحت بهذا الكلام فاستغلت غروري لتقول لي: «حلقك جميل هل تسمحين أن أضعه في أذني، طبعاً وافقت بكل سرور. بعد أن انتقل الحلق من أذني إلى أذنيها قالت: أريد أن تراه أمي لتشتري لي مثله، غداً أعيده إليك. وذهبت إلى البيت ولاأزال حتى الآن أنتظر أن يرد لي الحلق».
الوضع المادي الذي كان مقبولاً في العائلة تدهور جداً. لم يكن يسمح لأهلي بشراء الكثير ما عدا الغذاء الذي كان يحرص أبي على تأمينه. في أيام الأعياد مثل عيد الميلاد كانت والدتي تكسر «القجة» لتشتري لي حذاء وفستاناً جديدين. أذكر أن أخي من أمي الذي كنت بالنسبة إليه الطفلة المدللة كان يأتيني بالحلوى من وقت لآخر، ثم أخذ على عاتقه أن يشتري لي في عيد الشعنينة فستاناً جديداً وكذلك حذاءً وقبعة بلون الفستان.
بعد عامين انتقلنا من بيروت إلى الشياح. وكان لي من العمر ست سنوات. ليلة الشعنينة لم يأت الفستان ولا الحذاء ولا القبعة. لم أصرخ ولم أحتج لكن الدموع انهمرت من عيني بغزارة وذهبت إلى الفراش حزينة باكية. وأنا نائمة شعرت بيد تلامس وجهي لتوقظني، فتحت عيني لم أرَ صاحب اليد بل رأيت فستاناً من الحرير بلون الرمان تنورته مكسرة تكسيراً رفيعاً تعتليه قبعة مصنوعة من القماش نفسه وحذاءً أبيض. قفزت من الفراش وأنا أصرخ من الفرح.
Page 4
2 ـ المدرسة
انتقلت العائلة من بيروت إلى الشياح ثم إلى عين الرمانة بعد أن أمَّن لنا أهلي بيتاً متواضعاً خاصاً. ولأنه لم يكن بالإمكان الذهاب إلى مدرسة العازارية سجلتني والدتي أولاً في مدرسة خاصة، وبعدها أدخلتني في مدرسة الناصرة (القسم الخارجي المجاني).
كنت أذهب مشياً على الأقدام برفقة إحدى بنات الجيران التي كانت تكبرني بست سنوات. تابعت الدراسة في المدرسة المذكورة لمدة خمس سنوات، كانت كلها سنوات مثمرةً حيث كنت أتبادل مع صديقتي ناديا (هي اليوم راهبة في دير الناصرة) المرتبتين الأولى والثانية.
أحداث كثيرة سجلتها ذاكرتي في تلك السنوات، وتساؤلات لم يكن بالإمكان الإجابة عنها.
سنوات الدراسة كانت مفرحة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي كانت تعانيها عائلتي. الراهبات والمعلمات، وبالتحديد mère Chehab المسؤولة الأولى عن هذا «الجناح الناصري المجاني»، ربطتني بهن صداقة لا مصلحة خاصة فيها. جميعنا كنا نحب كثيراً mère Chehab فكانت تنقل إلينا معلوماتها العلمية بشكل سريع حيث كان يتوجب على التلميذة، إذا كانت تريد النجاح، أن تواكبها أيضاً بشكل سريع.
آخر مرة جلست على مقعد الدراسة أستمع إلى mère Chehab كان لي من العمر 12 سنة، وكنت بمستوى أعلى من المرحلة المتوسطة.. جيد جداً في كل المواد ما عدا اللغة العربية التي لم تكن أساسية خصوصاً في المدارس التابعة للفرنسيين في تلك الأيام.
بعض زميلاتي انتقلن إلى مدارس أخرى، وأنا انتقلت بدوري إلى معمل للكلسات ومن ثمّ إلى معمل للحرير. لكني قررت أن أتابع تعليمي في إحدى المدارس الليلية التي كانت منتشرة في حينه، فقد التحق بها الكثير من الشبان والشابات الذين كان عليهم العمل أثناء النهار.
إن أية تلميذة تعلّمت في مدرسة الناصرة كانت تتابع بشكل طوعي لقاءات الأحد التي كانت مخصصة للصلاة. وفي كل مرة كنت أذهب إلى هذه اللقاءات كانت تبدو على وجه mère Chehab عندما تراني مسحة من الألم، فتقول لي: إني أريد أن تكوني هنا في مدرستك، ولكن لاتزالين صغيرة، أنتظر أن يصبح عمرك 14 سنة لأسلمك أحد الصفوف الابتدائية.(***)
انتقلت العائلة من بيروت إلى الشياح ثم إلى عين الرمانة بعد أن أمَّن لنا أهلي بيتاً متواضعاً خاصاً. ولأنه لم يكن بالإمكان الذهاب إلى مدرسة العازارية سجلتني والدتي أولاً في مدرسة خاصة، وبعدها أدخلتني في مدرسة الناصرة (القسم الخارجي المجاني).
كنت أذهب مشياً على الأقدام برفقة إحدى بنات الجيران التي كانت تكبرني بست سنوات. تابعت الدراسة في المدرسة المذكورة لمدة خمس سنوات، كانت كلها سنوات مثمرةً حيث كنت أتبادل مع صديقتي ناديا (هي اليوم راهبة في دير الناصرة) المرتبتين الأولى والثانية.
أحداث كثيرة سجلتها ذاكرتي في تلك السنوات، وتساؤلات لم يكن بالإمكان الإجابة عنها.
سنوات الدراسة كانت مفرحة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي كانت تعانيها عائلتي. الراهبات والمعلمات، وبالتحديد mère Chehab المسؤولة الأولى عن هذا «الجناح الناصري المجاني»، ربطتني بهن صداقة لا مصلحة خاصة فيها. جميعنا كنا نحب كثيراً mère Chehab فكانت تنقل إلينا معلوماتها العلمية بشكل سريع حيث كان يتوجب على التلميذة، إذا كانت تريد النجاح، أن تواكبها أيضاً بشكل سريع.
آخر مرة جلست على مقعد الدراسة أستمع إلى mère Chehab كان لي من العمر 12 سنة، وكنت بمستوى أعلى من المرحلة المتوسطة.. جيد جداً في كل المواد ما عدا اللغة العربية التي لم تكن أساسية خصوصاً في المدارس التابعة للفرنسيين في تلك الأيام.
بعض زميلاتي انتقلن إلى مدارس أخرى، وأنا انتقلت بدوري إلى معمل للكلسات ومن ثمّ إلى معمل للحرير. لكني قررت أن أتابع تعليمي في إحدى المدارس الليلية التي كانت منتشرة في حينه، فقد التحق بها الكثير من الشبان والشابات الذين كان عليهم العمل أثناء النهار.
إن أية تلميذة تعلّمت في مدرسة الناصرة كانت تتابع بشكل طوعي لقاءات الأحد التي كانت مخصصة للصلاة. وفي كل مرة كنت أذهب إلى هذه اللقاءات كانت تبدو على وجه mère Chehab عندما تراني مسحة من الألم، فتقول لي: إني أريد أن تكوني هنا في مدرستك، ولكن لاتزالين صغيرة، أنتظر أن يصبح عمرك 14 سنة لأسلمك أحد الصفوف الابتدائية.(***)
Page 5
3 ـ العمل
سنتين كاملتين قضيتهما بين معمل الكلسات ومعمل الحرير. آلمني ما كنت آراه من ضغط وتسلط على العاملات: لا استراحة أثناء العمل، نصف ساعة فترة الغداء. يبدأ نهار العمل الساعة السابعة صباحاً وينتهي عند السادسة مساء. سقف الأجور ليرتان لبنانيتان في ستة أيام. سيف التسريح يهدد كل من يخالف قوانين أصحاب العمل. أحداث تلك الفترة انطبعت في ذاكرتي لا بل انحفرت وشكلت لدي سؤالاً كبيراً: لماذا؟
عدت بعد هذه التجربة إلى مدرستي لأستلم فيها صفاً من الصفوف الابتدائية. كنت قد أصبحت شابة ناضجة جسدياً وعقلياً رغم سني الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة. فكنت مع تلميذاتي كالأخوات لا فرق بيني وبينهن أكثر من سنتين أو ثلاث سنوات.
على الرغم من المحبة والعطف اللذين شملتني بهما mère Chehab فقد سجلت ذاكرتي كلمات لا تتجاوز السبع أضافت إلى أسئلتي سؤالاً كبيراً.
في أحد أيام فصل الصيف وفي فترة الغداء، اتفقت مع زميلاتي أن نرسل إحدى التلميذات لتشتري لنا «بوظة» وكان ذلك ممنوعاً علينا.
عندما جاءت mère Chehab من الغداء أخبرتها الراهبة المشرفة على النظام أثناء فترات الاستراحة بما قمنا به.
جمعتنا الرئيسة وسألت: من هي المسؤولة عما جرى.
- أنا.
- لماذا؟
- كان الطقس حاراً جداً.
- بنات الـ Pensionaire (بنات الأغنياء في الجناح الآخر) لا يأكلن البوظة أثناء فترة الدراسة.
قالت ذلك وتركتنا مندهشات دون أي عقاب أو أي تصرف آخر.
أما بالنسبة إليّ فكان العقاب كبيراً جداً.. إنه عقاب معنوي وكأننا نحن الفقراء من طينة أخرى.
إن ما قالته الرئيسة التي أحبها كثيراً جرحني في العمق، وقلت بيني وبين نفسي: لماذا؟
من أجل الوصول إلى صفي كان لا بد من المرور أمام صف الرئيسة. كنت أتحين الفرص وأمر من دون أن ألتقيها أو أكلِّمها. وكما سبق وقلت إن يوم الأحد هو يوم اللقاء الأسبوعي لتلامذة الناصرة القسم المجاني القديمات والجديدات. تقرأ الرئيسة الأسماء وكل من تسمع اسمها تجيب «حاضر». اتفقت مع صديقتي ناديا أن تجيب عني وهكذا كان. لكن الرئيسة شهاب تتمتع بالذكاء، وهي صاحبة قلب عطوف رغم مواقفها الغاضبة أحياناً. قالت لي ليندا ديب(****) بعد الانتهاء من الصلاة انتظريني في الخارج، أريد أن أتكلم معك.
شعرت زميلاتي بالذنب لأنهن طلبن مني إرسال التلميذة لشراء الـ «البوظة». وقفن إلى جانبي وانتظرن معي وكن مصممات أن يتحملن وزر ما حصل ظناً منهن بأن «الرئيسة» ستعاقبني بعد أسبوع من الصمت المتبادل. جاءت «الرئيسة» بعد أن ودعت الحضور وبادرتني بالقول:
- عندما تأبى المعلمة أو التلميذة أن تتكلم مع الرئيسة عليها واجب إلقاء التحية. كان سؤالها باللغة الفرنسية أجبتها بالعربية:
- هل التقيت بحضرتك دون أن ألقي التحية؟
- كلا، لكنك كنت تتحيَّنين الفرص للمرور إلى صفك من دون أن أراك. هل لك أن تخبريني لماذا.
- لأن حضرتك اهنتني.
- أنا! وكيف؟
- عندما طلبت من التلميذة الذهاب لشراء البوظة كنت أنتظر من حضرتك أن تعاقبيني، أن توجهين صفعة على وجهي وكان يحق لحضرتك ذلك. أما أن تقولي لي بأن الـ « «Pensionaireلا يشترون البوظة أثناء الدراسة، فهذا يعني بأن الفقراء غير الأغنياء لا يحق لهم حتى أكل البوظة.
أحاطتني الرئيسة بذراعيها كالأم الحنون وقالت لي:
- أنا لم أقصد ذلك قطّ. ولم أقصد إهانتك. وقبلتني.
وهكذا عادت المياه إلى مجاريها.
لن أتوسع في سرد كل سنوات طفولتي ولا إلى ما تبعها من ظروف صعبة؛ فقد كان ينقصني الكثير من متطلبات الحياة استعضت عنها بمحبة والديّ وحنانهما.
لقد أمضيت عامين في مهنة التعليم في مدرسة الناصرة الخارجية المجانية، وكانت من أجمل من أيام عمري. فعوضت بعض ما لاقيته أثناء عملي في معملي الكلسات والنسيج. صديقات وتلميذات وراهبات الجميع كان يحبني.
سنتين كاملتين قضيتهما بين معمل الكلسات ومعمل الحرير. آلمني ما كنت آراه من ضغط وتسلط على العاملات: لا استراحة أثناء العمل، نصف ساعة فترة الغداء. يبدأ نهار العمل الساعة السابعة صباحاً وينتهي عند السادسة مساء. سقف الأجور ليرتان لبنانيتان في ستة أيام. سيف التسريح يهدد كل من يخالف قوانين أصحاب العمل. أحداث تلك الفترة انطبعت في ذاكرتي لا بل انحفرت وشكلت لدي سؤالاً كبيراً: لماذا؟
عدت بعد هذه التجربة إلى مدرستي لأستلم فيها صفاً من الصفوف الابتدائية. كنت قد أصبحت شابة ناضجة جسدياً وعقلياً رغم سني الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة. فكنت مع تلميذاتي كالأخوات لا فرق بيني وبينهن أكثر من سنتين أو ثلاث سنوات.
على الرغم من المحبة والعطف اللذين شملتني بهما mère Chehab فقد سجلت ذاكرتي كلمات لا تتجاوز السبع أضافت إلى أسئلتي سؤالاً كبيراً.
في أحد أيام فصل الصيف وفي فترة الغداء، اتفقت مع زميلاتي أن نرسل إحدى التلميذات لتشتري لنا «بوظة» وكان ذلك ممنوعاً علينا.
عندما جاءت mère Chehab من الغداء أخبرتها الراهبة المشرفة على النظام أثناء فترات الاستراحة بما قمنا به.
جمعتنا الرئيسة وسألت: من هي المسؤولة عما جرى.
- أنا.
- لماذا؟
- كان الطقس حاراً جداً.
- بنات الـ Pensionaire (بنات الأغنياء في الجناح الآخر) لا يأكلن البوظة أثناء فترة الدراسة.
قالت ذلك وتركتنا مندهشات دون أي عقاب أو أي تصرف آخر.
أما بالنسبة إليّ فكان العقاب كبيراً جداً.. إنه عقاب معنوي وكأننا نحن الفقراء من طينة أخرى.
إن ما قالته الرئيسة التي أحبها كثيراً جرحني في العمق، وقلت بيني وبين نفسي: لماذا؟
من أجل الوصول إلى صفي كان لا بد من المرور أمام صف الرئيسة. كنت أتحين الفرص وأمر من دون أن ألتقيها أو أكلِّمها. وكما سبق وقلت إن يوم الأحد هو يوم اللقاء الأسبوعي لتلامذة الناصرة القسم المجاني القديمات والجديدات. تقرأ الرئيسة الأسماء وكل من تسمع اسمها تجيب «حاضر». اتفقت مع صديقتي ناديا أن تجيب عني وهكذا كان. لكن الرئيسة شهاب تتمتع بالذكاء، وهي صاحبة قلب عطوف رغم مواقفها الغاضبة أحياناً. قالت لي ليندا ديب(****) بعد الانتهاء من الصلاة انتظريني في الخارج، أريد أن أتكلم معك.
شعرت زميلاتي بالذنب لأنهن طلبن مني إرسال التلميذة لشراء الـ «البوظة». وقفن إلى جانبي وانتظرن معي وكن مصممات أن يتحملن وزر ما حصل ظناً منهن بأن «الرئيسة» ستعاقبني بعد أسبوع من الصمت المتبادل. جاءت «الرئيسة» بعد أن ودعت الحضور وبادرتني بالقول:
- عندما تأبى المعلمة أو التلميذة أن تتكلم مع الرئيسة عليها واجب إلقاء التحية. كان سؤالها باللغة الفرنسية أجبتها بالعربية:
- هل التقيت بحضرتك دون أن ألقي التحية؟
- كلا، لكنك كنت تتحيَّنين الفرص للمرور إلى صفك من دون أن أراك. هل لك أن تخبريني لماذا.
- لأن حضرتك اهنتني.
- أنا! وكيف؟
- عندما طلبت من التلميذة الذهاب لشراء البوظة كنت أنتظر من حضرتك أن تعاقبيني، أن توجهين صفعة على وجهي وكان يحق لحضرتك ذلك. أما أن تقولي لي بأن الـ « «Pensionaireلا يشترون البوظة أثناء الدراسة، فهذا يعني بأن الفقراء غير الأغنياء لا يحق لهم حتى أكل البوظة.
أحاطتني الرئيسة بذراعيها كالأم الحنون وقالت لي:
- أنا لم أقصد ذلك قطّ. ولم أقصد إهانتك. وقبلتني.
وهكذا عادت المياه إلى مجاريها.
لن أتوسع في سرد كل سنوات طفولتي ولا إلى ما تبعها من ظروف صعبة؛ فقد كان ينقصني الكثير من متطلبات الحياة استعضت عنها بمحبة والديّ وحنانهما.
لقد أمضيت عامين في مهنة التعليم في مدرسة الناصرة الخارجية المجانية، وكانت من أجمل من أيام عمري. فعوضت بعض ما لاقيته أثناء عملي في معملي الكلسات والنسيج. صديقات وتلميذات وراهبات الجميع كان يحبني.
Page 6
4 ـ الزواج والعائلة
كان الحديث يدور في البيت عن الشباب الذين يتقدمون لخطبتي، وفعلاً في الخامسة عشرة من عمري كنت قد أصبحت صبية بكل معنى الكلمة. رفضت جميع الخطاب، منهم الغني ومنهم المتعلم ومنهم متوسط الحال متبعة بذلك رأي والدي الذي نصحني ألا أتزوج قبل بلوغي العشرين من عمري أما والدتي فكان رأيها «زواج البنت سترتها». لكن حساب الحقل لم يتطابق مع حساب البيدر.
في أحد الأيام طرق بابنا شاب طويل القامة أشقر اللون ذو عينين زرقاوين أنيق.
- عذراً، قالها بالعربية لكنها بلكنة متعثرة، جئت أسأل عن شباب أرمن يسكنون في الطابق العلوي لم أجد أحداً في البيت.
- قال له والدي: تفضل تفضل يمكن أن تنتظرهم هنا سيأتون بعد قليل.
قلت سابقاً إن وضعنا المادي كان قد تدهور وكان ذلك بسبب الدَيْن الذي تراكم على عائلتي فاضطروا إلى تأجير الطابق العلوي (لهذا الطابق قصة عائلية)، إلى أربعة شبان أرمن جاؤوا من حلب إلى بيروت للعمل. وصادف كما أخبرنا الزائر أنه التقاهم في الطريق، وأنه يسكن قريباً من بيتنا وهكذا جاء لزيارتهم.
لقد فعلت هذه الزيارة التي لم تدم أكثر من نصف ساعة فعلها. أعجبني الشاب لكني لم أتصور في حينه أنه سيكون من نصيبي. إنه أرمني.
لم يكن رأي الزائر بي يختلف عن رأيي به، لقد تكلم مع أحد زملائه قائلاً: هل يمكن أن تسأل أصحاب المنزل إن كانوا يقبلون أن أنضم إليكم في السكن.
لم يمانع والدي، وبعد فترة من الزمن تطورت علاقة الجيرة فكان الشباب يأتون لزيارتنا من وقت لآخر. وفي أحد الأيام طلب أحدهم وهو أكبرهم سناً مقابلة والدي ليطلب منه باسم Puzant (*****) يدي. فوجئ والدي، وبرر ذلك بأني لم أبلغ بعد السادسة عشرة من عمري. ثم أضاف: عليّ أن أسأل ابنتي. وعندما سألني لم أجب كما كنت أفعل بعد كل سؤال عن خطيب، كلا! بل قلت له: كما تريد يا أبي. عرف والدي الجواب. بعد أشهر قليلة تلقينا خلالها رفض إخوتي لأنه أرمني ورفض أهله لأني عربية. رغم ذلك أعلنا خطبتنا. زميلاتي وتلميذاتي جئن جميعهن للتعرف على العريس وقد أعجبن به. كذلك «الرئيسة»؛ اصطحبته معي إلى المدرسة أعجبت به كثيراً وباركتني. في فترة عام تعلمت القراءة والكتابة باللغة الأرمنية وتمكنت من التعبير إلى حد ما عن رأيي وفهم ما يقوله الأهل والأصدقاء الأرمن.
كنت في السابعة عشرة من عمري لما دخلت القفص الذهبي وخطيبي في السابعة والعشرين.
طلب والداي من العريس أن يكون صهر بيت لأني وحيدتهما، إخوتي مع عائلاتهم، وهما تقدّما في العمر، فكان البيت الذي أخلاه الشباب الأرمن من نصيبنا.
وهكذا بقيت إلى جانبهما. بعد فترة شهر من زواجنا تراجع إخوتي عن موقفهم الرافض كذلك أهل زوجي.
في العشرين من عمري، أي بعد ثلاث سنوات من زواجي رزقت بابنتي الأولى وبعدها بسنتين رزقت بالثانية؛ أرمين ولوسين كانتا عالمنا. بالمناسبة لم نكن لا أنا ولا زوجي نفرق بين أنثى أو ذكر.. كنا عائلة منسجمة، وكان زوجي خير سند لي ولوالدي.
في بداية الأربعينيات كنت لاأزال متمسكة بالأفكار التي تعلمتها في البيت والمدرسة بعكس زوجي الذي كان يتابع بأهمية بالغة الأخبار السياسية والاجتماعية وخصوصاً في السنوات الأولى من زواجنا حيث كانت رحى الحرب العالمية الثانية دائرة، فكان من مؤيدي الحلفاء ضد النازية وبالتحديد الاتحاد السوفياتي حيث كانت أرمينيا تشكل جزءاً منه. وهنا لا بد من أن أشير إلى ما تعلمته في مدرسة الناصرة عن عواصم الدول في خريطة القارة الأوروبية من أن بتروغراد هي عاصمة روسيا، في الوقت الذي كانت قد أصبحت روسيا منذ العام 1917 الاتحاد السوفياتي وعاصمته موسكو.
لم يكن زوجي يرغب بأن يكون عضواً في حزب ولا أن يكون مقيداً بقرار «الأكثرية» و«الأقلية» لكنه كان من المتحمسين للفكر الشيوعي، وكان له أصدقاء شيوعيون أحدهم كان يؤمن لنا جريدة «صوت الشعب» التي كانت تصدر أسبوعياً. كنت أقرأها لأن زوجي لا يقرأ العربية. وكان يزورنا شيوعيون أحدهم ساهم في جعلي أستمع إلى الأخبار في الإذاعة. وهكذا بدأت أتلقى إجابات على بعض التساؤلات التي كانت تراودني، وكنت قد طرحتها على نفسي في طفولتي.
في السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية كان العالم بأكثريته يتمنى انتصار الحلفاء على النازية، وكانت انتصارات الاتحاد السوفياتي والقضاء على جيوش هتلر على أبواب موسكو إضافة إلى معارك ستالينغراد ولينيغراد وغيرهما من المدن، قد أنعشت الأمل لدى المثقفين والعمال والفلاحين الذين اعتبروا انتصار الاتحاد السوفياتي الذي كان يشكل أحد أطراف «الحلفاء» ضد «المحور»، انتصاراً للشعوب المناضلة من أجل تحررها السياسي والاقتصادي.
كان بعض الشباب في «عين الرمانة»، أي في الحي الذي كبرت فيه وتزوجت، يتجمعون في بيت واحد للاستماع إلى آخر تطورات الحرب. فيفرحون أو يحزنون وكنت أنا أيضاً بدأت أتعاطف معهم.
فليسمح لي القارئ أن أروي قصة لاتزال حتى الآن تؤلمني، وهي التي أضافت إلى أسئلتي سؤالاً كبيراً: لماذا؟
كان في حينا شابٌ لم يبلغ الخامسة والثلاثين من عمره بعد؛ فهو متزوج وله ثلاثة أولاد بنتان وصبي، كان يعمل بأجر زهيد في أحد مرائب الجيش الفرنسي. وبعد الانتهاء من عمله كان يبيع الخبز (في الحرب العالمية الثانية لم يكن الخبز متوافراً دائماً) رغم ذلك كان عاجزاً عن إدخال أولاده الثلاثة إلى المدرسة. لقد قيل له مرة عندما حاول إقناع أحد المسؤولين عن مؤسسة الأيتام: لو كان أولادك أيتاماً لكنا استقبلناهم. لذلك كان يردد دائماً: أتمنى الموت حتى يتعلم أولادي. كان هذا الشاب، كغيره من شباب حيِّنا متحمساً جداً للاتحاد السوفياتي. رغم ذلك، فعندما كان يُعقد في الحي اجتماعٌ سياسيٌّ، لا يحضره خوفاً من أن يصل الخبر إلى مكان عمله فيطرد. لكنه كان يتقوقع وراء شباك الدار الذي يعقد فيه الاجتماع للإصغاء إلى الأحاديث التي كانت تحلل ما يجري في العالم. تعرض هذا الأب الشاب إلى حادث أثناء العمل مما اضطره للبقاء في الفراش، لم يتركه أصدقاؤه ولا عائلته، لكن الدواء الذي يمكن أن يساعده على الشفاء كان مفقوداً في لبنان. فجرت محاولات لشرائه من إحدى الدول الأوروبية. كان الجواب: هذا الدواء هو للزعماء، أعني به «البينسيلين»، وهكذا تحققت أمنية جورج ومات قبل أن يفرح بانتصار الاتحاد السوفياتي، وبعد وفاته قبلوا الأولاد في المؤسسة السابقة الذكر وتعلموا!
كان الحديث يدور في البيت عن الشباب الذين يتقدمون لخطبتي، وفعلاً في الخامسة عشرة من عمري كنت قد أصبحت صبية بكل معنى الكلمة. رفضت جميع الخطاب، منهم الغني ومنهم المتعلم ومنهم متوسط الحال متبعة بذلك رأي والدي الذي نصحني ألا أتزوج قبل بلوغي العشرين من عمري أما والدتي فكان رأيها «زواج البنت سترتها». لكن حساب الحقل لم يتطابق مع حساب البيدر.
في أحد الأيام طرق بابنا شاب طويل القامة أشقر اللون ذو عينين زرقاوين أنيق.
- عذراً، قالها بالعربية لكنها بلكنة متعثرة، جئت أسأل عن شباب أرمن يسكنون في الطابق العلوي لم أجد أحداً في البيت.
- قال له والدي: تفضل تفضل يمكن أن تنتظرهم هنا سيأتون بعد قليل.
قلت سابقاً إن وضعنا المادي كان قد تدهور وكان ذلك بسبب الدَيْن الذي تراكم على عائلتي فاضطروا إلى تأجير الطابق العلوي (لهذا الطابق قصة عائلية)، إلى أربعة شبان أرمن جاؤوا من حلب إلى بيروت للعمل. وصادف كما أخبرنا الزائر أنه التقاهم في الطريق، وأنه يسكن قريباً من بيتنا وهكذا جاء لزيارتهم.
لقد فعلت هذه الزيارة التي لم تدم أكثر من نصف ساعة فعلها. أعجبني الشاب لكني لم أتصور في حينه أنه سيكون من نصيبي. إنه أرمني.
لم يكن رأي الزائر بي يختلف عن رأيي به، لقد تكلم مع أحد زملائه قائلاً: هل يمكن أن تسأل أصحاب المنزل إن كانوا يقبلون أن أنضم إليكم في السكن.
لم يمانع والدي، وبعد فترة من الزمن تطورت علاقة الجيرة فكان الشباب يأتون لزيارتنا من وقت لآخر. وفي أحد الأيام طلب أحدهم وهو أكبرهم سناً مقابلة والدي ليطلب منه باسم Puzant (*****) يدي. فوجئ والدي، وبرر ذلك بأني لم أبلغ بعد السادسة عشرة من عمري. ثم أضاف: عليّ أن أسأل ابنتي. وعندما سألني لم أجب كما كنت أفعل بعد كل سؤال عن خطيب، كلا! بل قلت له: كما تريد يا أبي. عرف والدي الجواب. بعد أشهر قليلة تلقينا خلالها رفض إخوتي لأنه أرمني ورفض أهله لأني عربية. رغم ذلك أعلنا خطبتنا. زميلاتي وتلميذاتي جئن جميعهن للتعرف على العريس وقد أعجبن به. كذلك «الرئيسة»؛ اصطحبته معي إلى المدرسة أعجبت به كثيراً وباركتني. في فترة عام تعلمت القراءة والكتابة باللغة الأرمنية وتمكنت من التعبير إلى حد ما عن رأيي وفهم ما يقوله الأهل والأصدقاء الأرمن.
كنت في السابعة عشرة من عمري لما دخلت القفص الذهبي وخطيبي في السابعة والعشرين.
طلب والداي من العريس أن يكون صهر بيت لأني وحيدتهما، إخوتي مع عائلاتهم، وهما تقدّما في العمر، فكان البيت الذي أخلاه الشباب الأرمن من نصيبنا.
وهكذا بقيت إلى جانبهما. بعد فترة شهر من زواجنا تراجع إخوتي عن موقفهم الرافض كذلك أهل زوجي.
في العشرين من عمري، أي بعد ثلاث سنوات من زواجي رزقت بابنتي الأولى وبعدها بسنتين رزقت بالثانية؛ أرمين ولوسين كانتا عالمنا. بالمناسبة لم نكن لا أنا ولا زوجي نفرق بين أنثى أو ذكر.. كنا عائلة منسجمة، وكان زوجي خير سند لي ولوالدي.
في بداية الأربعينيات كنت لاأزال متمسكة بالأفكار التي تعلمتها في البيت والمدرسة بعكس زوجي الذي كان يتابع بأهمية بالغة الأخبار السياسية والاجتماعية وخصوصاً في السنوات الأولى من زواجنا حيث كانت رحى الحرب العالمية الثانية دائرة، فكان من مؤيدي الحلفاء ضد النازية وبالتحديد الاتحاد السوفياتي حيث كانت أرمينيا تشكل جزءاً منه. وهنا لا بد من أن أشير إلى ما تعلمته في مدرسة الناصرة عن عواصم الدول في خريطة القارة الأوروبية من أن بتروغراد هي عاصمة روسيا، في الوقت الذي كانت قد أصبحت روسيا منذ العام 1917 الاتحاد السوفياتي وعاصمته موسكو.
لم يكن زوجي يرغب بأن يكون عضواً في حزب ولا أن يكون مقيداً بقرار «الأكثرية» و«الأقلية» لكنه كان من المتحمسين للفكر الشيوعي، وكان له أصدقاء شيوعيون أحدهم كان يؤمن لنا جريدة «صوت الشعب» التي كانت تصدر أسبوعياً. كنت أقرأها لأن زوجي لا يقرأ العربية. وكان يزورنا شيوعيون أحدهم ساهم في جعلي أستمع إلى الأخبار في الإذاعة. وهكذا بدأت أتلقى إجابات على بعض التساؤلات التي كانت تراودني، وكنت قد طرحتها على نفسي في طفولتي.
في السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية كان العالم بأكثريته يتمنى انتصار الحلفاء على النازية، وكانت انتصارات الاتحاد السوفياتي والقضاء على جيوش هتلر على أبواب موسكو إضافة إلى معارك ستالينغراد ولينيغراد وغيرهما من المدن، قد أنعشت الأمل لدى المثقفين والعمال والفلاحين الذين اعتبروا انتصار الاتحاد السوفياتي الذي كان يشكل أحد أطراف «الحلفاء» ضد «المحور»، انتصاراً للشعوب المناضلة من أجل تحررها السياسي والاقتصادي.
كان بعض الشباب في «عين الرمانة»، أي في الحي الذي كبرت فيه وتزوجت، يتجمعون في بيت واحد للاستماع إلى آخر تطورات الحرب. فيفرحون أو يحزنون وكنت أنا أيضاً بدأت أتعاطف معهم.
فليسمح لي القارئ أن أروي قصة لاتزال حتى الآن تؤلمني، وهي التي أضافت إلى أسئلتي سؤالاً كبيراً: لماذا؟
كان في حينا شابٌ لم يبلغ الخامسة والثلاثين من عمره بعد؛ فهو متزوج وله ثلاثة أولاد بنتان وصبي، كان يعمل بأجر زهيد في أحد مرائب الجيش الفرنسي. وبعد الانتهاء من عمله كان يبيع الخبز (في الحرب العالمية الثانية لم يكن الخبز متوافراً دائماً) رغم ذلك كان عاجزاً عن إدخال أولاده الثلاثة إلى المدرسة. لقد قيل له مرة عندما حاول إقناع أحد المسؤولين عن مؤسسة الأيتام: لو كان أولادك أيتاماً لكنا استقبلناهم. لذلك كان يردد دائماً: أتمنى الموت حتى يتعلم أولادي. كان هذا الشاب، كغيره من شباب حيِّنا متحمساً جداً للاتحاد السوفياتي. رغم ذلك، فعندما كان يُعقد في الحي اجتماعٌ سياسيٌّ، لا يحضره خوفاً من أن يصل الخبر إلى مكان عمله فيطرد. لكنه كان يتقوقع وراء شباك الدار الذي يعقد فيه الاجتماع للإصغاء إلى الأحاديث التي كانت تحلل ما يجري في العالم. تعرض هذا الأب الشاب إلى حادث أثناء العمل مما اضطره للبقاء في الفراش، لم يتركه أصدقاؤه ولا عائلته، لكن الدواء الذي يمكن أن يساعده على الشفاء كان مفقوداً في لبنان. فجرت محاولات لشرائه من إحدى الدول الأوروبية. كان الجواب: هذا الدواء هو للزعماء، أعني به «البينسيلين»، وهكذا تحققت أمنية جورج ومات قبل أن يفرح بانتصار الاتحاد السوفياتي، وبعد وفاته قبلوا الأولاد في المؤسسة السابقة الذكر وتعلموا!
Page 7
5 ـ الشباب وجائزة السلام
إن تعاطفي مع الأفكار الجديدة التي بدأت أتقبلها ازداد يوماً بعد يوم. تركت جانباً الكتب والقصص التي كنت أنسجم بقراءتها وبدأت أهتم بجريدة «صوت الشعب» وبالمنشوارت التي كانت توزع على المنازل والتي كانت تحمل توقيع الحزب الشيوعي اللبناني.
في العام 1950 زارتني صبية اسمها فيكتوريا لتسألني إن كنت أقبل السفر إلى مهرجان الشباب الذي سيقام في برلين. أخبرت زوجي الذي رحب بالاقتراح، ووافقت والدتي على الاهتمام بابنتي الصغيرتين، وكنت أعلم بأن زوجي سيكون الأب المتيقظ دائماً لراحة الأولاد كعادته. وبحيث أنها كانت المرة الأولى التي أسافر فيها إلى خارج لبنان وحدي (ذهبت مع زوجي مرة واحدة إلى حلب لزيارة جدته لأمه) فقد دونت يومياتي في برلين. كانت سفرة من العمر، إذ كنت معتبرة في هذه السفرة «ضيفة» لم أكن باتحاد أو بجمعية أو بحزب. عند عودتنا فوجئنا في مرفأ بيروت(******) بالتفتيش الذي أخذ منا كل ما لدينا من هدايا وصور ولم يتركوا لي دفتر يومياتي.
قرر الشباب الذين حضروا مهرجان برلين أن يدعوا إلى سهرة في الهواء الطلق في عين الرمانة عند الجيران في منزل جورج عرموني حيث توجد ساحة فسيحة تتسع لأكثر من مائة شخص. تعاونا على نقل الكراسي من المنازل المجاورة. حضر العديد من الشباب والشابات الذين جاءوا من الشياح والغبيري وبرج البراجنة والتحويطة ليستمعوا إلى ما جرى في هذا المهرجان. وبينما اصحاب الدار يقدمون القهوة وجدنا أنفسنا محاصرين من أربع جهات بعدد من الدرك بحجة أننا نعقد اجتماعاً سرياً! يا للغرابة.. اجتماع سري في الهواء الطلق! توجه رئيس الفرقة المحاصرة من الحضور قائلاً: من منكم كان في مهرجان برلين. كنا حوالى 20 شاباً وشابة. قالوا: ينبغي أن تأتوا معنا إلى المركز في فرن الشباك للإجابة عن بعض الأسئلة. رفض زوجي أن أذهب لوحدي قالوا له: تفضل معها.
كانت المرة الأولى التي أدخل فيها إلى مركز الدرك مع أني كنت أمر يومياً من أمامه وأنا ذاهبة أو عائدة من مدرسة الناصرة. بدأوا باستجوابنا، ولأنني كنت «غشيمة» أخذت أشرح لأفراد الدرك طموح شباب العالم بالسلام وبالحياة الزاهرة. كنت أحكي والدركي يكتب، أظن أنه دون أكثر من خمس صفحات. عدنا إلى بيوتنا سالمين، وعلمنا أن أحد الجيران الذي ينتمي إلى حزب ذي عقيدة معادية للحزب الشيوعي كان وراء ما جرى لنا. أحد المحامين الذي اطلع على الاستجواب حذرني قائلاً: إذا صدف وأن وجهت إليك أسئلة من هذا النوع فلتكن إجاباتك بنعم أو لا فقط. وقال: الموضوع لم يقف عند هذا الحد ستجري محاكمة، وقد أحيلت القضية إلى المحكمة الجنائية.
بعد شهرين استلم كل الذين كانوا في مهرجان برلين وصاحب الدار الذي استضافنا إشعاراً بتحديد موعد المحاكمة. ولأن القضية أصبحت في المحكمة الجنائية كان على المدعى عليهم أن يكونوا قبل ثلاثة أيام من موعد المحاكمة في السجن.. وفعلاً قبل التاريخ المحدد كنت في طريقي إلى البيت وإذ بالحي الذي أسكن فيه ساحة حرب. سألت: ماذا يجري هنا؟ البعض أجاب بأنه لا يعلم شيئاً لكن أحدهم اقترب مني وقال لي: إنهم بانتظارك. أسرعت الخطى نحو المنزل، وجدته مطوقاً بمجموعة من الدركيين.. تقدمت نحوهم وبعضهم لا يعرفني فقلت لهم: أنا من تنتظرون؟ قالوا: نعم. هنا أيضاً رفض زوجي أن أذهب وحدي فرحبوا به شخصاً آخر يضاف إلى «المجرمين» الذين سافروا بجوازات سفر لبنانية في باخرة انطلقت من مرفأ بيروت على مرأى وسمع القوى الأمنية. وجريمتهم أنهم كانوا ينشدون السلام في العالم.
كنا أربع صبابا، وضعنا في غرفة منفردة بعيدة عن غرف السجينات، أما الشباب فكان نصيبهم الاختلاط مع المساجين الآخرين. خلال الأيام الثلاثة زارنا العديد من الأصدقاء والصديقات، واللافت أن حارس السجن كان حريصاً على راحتنا فيقدم لنا القهوة والشاي. قلنا له هل تعاملون جميع السجناء كما تتعاطى معنا باحترام، ضحك وأجاب: أنتن سجينات بسبب دفاعكن عن السلام إنكن مختلفات. لم يكبلوا أيدينا لا قبل ولا أثناء المحاكمة كما فعلوا مع الشباب. لم يسمح لأي من الذين جاؤوا إلى بعبدا بالدخول إلى قاعة المحكمة، سمح فقط للمحامين والسجناء طبعاً والقضاة. وأعلنت براءتنا من التهمة الموجهة إلينا. كانت المرة الوحيدة التي دخلت فيها السجن.
إن الأيام الثلاثة التي قضيتها في سجن بعبدا أضافت إلى أسئلتي ماذا جديدة؟
فأجبت عن سؤالي: لقد حصلت على جائزة السلام!
كنت بعد كل سؤال أطرحه على نفسي أفتش عن الجواب عن طريق القراءة. أصبحت من القراء الدائمين لجريدة «صوت الشعب»، كذلك أهداني أحد الأصدقاء كتاب «أصل العائلة» لانغلز و«البيان الشيوعي» لماركس. بعد ذلك دعيت إلى اجتماع «حلقة الأصدقاء» فاستهوتني النقاشات التي كانت تجري. كنت مستمعة ولكن مستمعة جيدة.
إن تعاطفي مع الأفكار الجديدة التي بدأت أتقبلها ازداد يوماً بعد يوم. تركت جانباً الكتب والقصص التي كنت أنسجم بقراءتها وبدأت أهتم بجريدة «صوت الشعب» وبالمنشوارت التي كانت توزع على المنازل والتي كانت تحمل توقيع الحزب الشيوعي اللبناني.
في العام 1950 زارتني صبية اسمها فيكتوريا لتسألني إن كنت أقبل السفر إلى مهرجان الشباب الذي سيقام في برلين. أخبرت زوجي الذي رحب بالاقتراح، ووافقت والدتي على الاهتمام بابنتي الصغيرتين، وكنت أعلم بأن زوجي سيكون الأب المتيقظ دائماً لراحة الأولاد كعادته. وبحيث أنها كانت المرة الأولى التي أسافر فيها إلى خارج لبنان وحدي (ذهبت مع زوجي مرة واحدة إلى حلب لزيارة جدته لأمه) فقد دونت يومياتي في برلين. كانت سفرة من العمر، إذ كنت معتبرة في هذه السفرة «ضيفة» لم أكن باتحاد أو بجمعية أو بحزب. عند عودتنا فوجئنا في مرفأ بيروت(******) بالتفتيش الذي أخذ منا كل ما لدينا من هدايا وصور ولم يتركوا لي دفتر يومياتي.
قرر الشباب الذين حضروا مهرجان برلين أن يدعوا إلى سهرة في الهواء الطلق في عين الرمانة عند الجيران في منزل جورج عرموني حيث توجد ساحة فسيحة تتسع لأكثر من مائة شخص. تعاونا على نقل الكراسي من المنازل المجاورة. حضر العديد من الشباب والشابات الذين جاءوا من الشياح والغبيري وبرج البراجنة والتحويطة ليستمعوا إلى ما جرى في هذا المهرجان. وبينما اصحاب الدار يقدمون القهوة وجدنا أنفسنا محاصرين من أربع جهات بعدد من الدرك بحجة أننا نعقد اجتماعاً سرياً! يا للغرابة.. اجتماع سري في الهواء الطلق! توجه رئيس الفرقة المحاصرة من الحضور قائلاً: من منكم كان في مهرجان برلين. كنا حوالى 20 شاباً وشابة. قالوا: ينبغي أن تأتوا معنا إلى المركز في فرن الشباك للإجابة عن بعض الأسئلة. رفض زوجي أن أذهب لوحدي قالوا له: تفضل معها.
كانت المرة الأولى التي أدخل فيها إلى مركز الدرك مع أني كنت أمر يومياً من أمامه وأنا ذاهبة أو عائدة من مدرسة الناصرة. بدأوا باستجوابنا، ولأنني كنت «غشيمة» أخذت أشرح لأفراد الدرك طموح شباب العالم بالسلام وبالحياة الزاهرة. كنت أحكي والدركي يكتب، أظن أنه دون أكثر من خمس صفحات. عدنا إلى بيوتنا سالمين، وعلمنا أن أحد الجيران الذي ينتمي إلى حزب ذي عقيدة معادية للحزب الشيوعي كان وراء ما جرى لنا. أحد المحامين الذي اطلع على الاستجواب حذرني قائلاً: إذا صدف وأن وجهت إليك أسئلة من هذا النوع فلتكن إجاباتك بنعم أو لا فقط. وقال: الموضوع لم يقف عند هذا الحد ستجري محاكمة، وقد أحيلت القضية إلى المحكمة الجنائية.
بعد شهرين استلم كل الذين كانوا في مهرجان برلين وصاحب الدار الذي استضافنا إشعاراً بتحديد موعد المحاكمة. ولأن القضية أصبحت في المحكمة الجنائية كان على المدعى عليهم أن يكونوا قبل ثلاثة أيام من موعد المحاكمة في السجن.. وفعلاً قبل التاريخ المحدد كنت في طريقي إلى البيت وإذ بالحي الذي أسكن فيه ساحة حرب. سألت: ماذا يجري هنا؟ البعض أجاب بأنه لا يعلم شيئاً لكن أحدهم اقترب مني وقال لي: إنهم بانتظارك. أسرعت الخطى نحو المنزل، وجدته مطوقاً بمجموعة من الدركيين.. تقدمت نحوهم وبعضهم لا يعرفني فقلت لهم: أنا من تنتظرون؟ قالوا: نعم. هنا أيضاً رفض زوجي أن أذهب وحدي فرحبوا به شخصاً آخر يضاف إلى «المجرمين» الذين سافروا بجوازات سفر لبنانية في باخرة انطلقت من مرفأ بيروت على مرأى وسمع القوى الأمنية. وجريمتهم أنهم كانوا ينشدون السلام في العالم.
كنا أربع صبابا، وضعنا في غرفة منفردة بعيدة عن غرف السجينات، أما الشباب فكان نصيبهم الاختلاط مع المساجين الآخرين. خلال الأيام الثلاثة زارنا العديد من الأصدقاء والصديقات، واللافت أن حارس السجن كان حريصاً على راحتنا فيقدم لنا القهوة والشاي. قلنا له هل تعاملون جميع السجناء كما تتعاطى معنا باحترام، ضحك وأجاب: أنتن سجينات بسبب دفاعكن عن السلام إنكن مختلفات. لم يكبلوا أيدينا لا قبل ولا أثناء المحاكمة كما فعلوا مع الشباب. لم يسمح لأي من الذين جاؤوا إلى بعبدا بالدخول إلى قاعة المحكمة، سمح فقط للمحامين والسجناء طبعاً والقضاة. وأعلنت براءتنا من التهمة الموجهة إلينا. كانت المرة الوحيدة التي دخلت فيها السجن.
إن الأيام الثلاثة التي قضيتها في سجن بعبدا أضافت إلى أسئلتي ماذا جديدة؟
فأجبت عن سؤالي: لقد حصلت على جائزة السلام!
كنت بعد كل سؤال أطرحه على نفسي أفتش عن الجواب عن طريق القراءة. أصبحت من القراء الدائمين لجريدة «صوت الشعب»، كذلك أهداني أحد الأصدقاء كتاب «أصل العائلة» لانغلز و«البيان الشيوعي» لماركس. بعد ذلك دعيت إلى اجتماع «حلقة الأصدقاء» فاستهوتني النقاشات التي كانت تجري. كنت مستمعة ولكن مستمعة جيدة.
Page 8
6 ـ درس لن أنساه
في العام 1952، وبمناسبة انعقاد مؤتمر للطفولة في فيينا بدعوة من الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، اختارتني اللجنة التحضيرية اللبنانية للمؤتمر مع ثلاثة أشخاص آخرين للمشاركة في أعماله، أذكر منهم الدكتور عدنان سلطان وعقيلته هدى سلطان. لم أكن في حينه عضواً منظماً في اللجنة. لقد واجهتني أثناء رحلتي صعوبات قانونية ومالية. في تلك الأيام كان يسجل على جواز السفر أسماء الدول التي يحق لحامله الدخول إليها. لم أنتبه وأنا في بيروت أن جواز سفري خال من اسم «النمسا». ولما وصلت إلى زوريخ، وكنت قد سافرت بمفردي لأنه كان عليّ أن أحصل على فيزا من قنصلية النمسا في سويسرا، صدمت لما علمت أنه يستحيل أن أحصل على إجازة دخول إلى النمسا.
سألت الموظفين ماذا أفعل؟ فأشاروا عليّ الاتصال بالقنصلية اللبنانية الموجودة في «بيرن» وأطلب من القنصل إضافة كلمة «النمسا» إلى جانب أسماء الدول المكتوبة على جواز السفر. وساعدوني أن أحجز مكاناً في القطار ذهاباً وإياباً. كان موعد القطار الساعة الواحدة ليلا ً فأصل إلى بيرن صباحاً، أستطيع أن أنجز عملي خلال ساعتين على الأكثر وأعود في قطار الساعة الحادية عشرة نهاراً لأصل إلى زوريخ الساعة الخامسة بعد الظهر، فيبقى لديّ ساعتان لموعد طائرتي.
كان في حوزتي بعض الدولارات التي أعطتني إياها اللجنة التحضيرية كمصروف شخصي لأن بطاقة السفر مؤمنة والإقامة في فيينا أيضاً. عملت حساب الفندق ليلتين، فتبيّن لي أني أستطيع أن أدفع ثمن بطاقة سفر بالقطار إلى بيرن فقط لا أكثر. أما الطعام فلا! لم يكن أمامي حلّ آخر. في القطار شعرت مع الذين لا يستطيعون تأمين لقمة العيش في الوقت الذي يرون العيش يرمى في القمامة. كان من الطبيعي أن يحضر المسافرون ما يأكلونه في القطار. فكنت أنظر إليهم وأتمنى أن يسألني أحدهم إن كنت أريد أن أشرب ماء. نسيت أني لست في لبنان. وصلت إلى بيرن صباحاً باكراً. لحسن الحظ أنه كان بالإمكان الحصول على معلومات من مكاتب الاستعلامات. فأخذت عنوان القنصلية اللبنانية التي لم تكن بعيدة عن محطة القطار مما سهل عليّ الوصول مشياً على الأقدام.
وصلت إلى مبنى القنصلية فوجدت البوابة مقفلة ولم أر أحداً في الحديقة التي تحيط بها. ناديت بأعلى صوتي: إني أريد أن أقابل القنصل. بعد عشر دقائق جاء أحدهم ليقول لي: القنصلية مقفلة لمدة أسبوع بسبب عطلة عيد الفصح. كدت أن أنهار، بعد هذا التعب وهذا الجوع أعود صفر اليدين. قلت له: أنا لبنانية وهناك مشكلة لها علاقة بسعادة القنصل، أرجوك أن تفتح لي الباب لأكلمه على الهاتف وإلا ستكون أنت المسؤول. من أين اتتني هذه الفكرة لا أعرف، ربما كما يقول المثل «الحاجة أم الاختراع» فتح البوابة وأعطاني رقم هاتف القنصل، اتصلت به في بيته وأخبرته قصتي. فقال لي: انتظريني سآتي حالاً.
بعد نصف ساعة وصل القنصل. كان شاباً وسيماً مهذباً متفهماً. (لم أتذكر إلا اسم عائلته «ناصيف») كتب على جواز سفري (باللغة الفرنسية) «النمسا كلمة مضافة». لكنها تختلف عن «القيمة المضافة». فشكرته وسألته إن كان يقبل الليرة اللبنانية ـ وكان معي 20 ليرة لبنانية ـ فأجابني أتمنى لك سفراً سعيداً، لا أريد شيئاً منك. ثم أرسل سائقه ليوصلني إلى محطة القطار. وهكذا عدت إلى زوريخ في الوقت المحدد وفي الطائرة الآتية من باريس التقيت بقية الوفد اللبناني وعدداً من الوفود الأجنبية. لن أتحدث عما جرى لي في الطائرة بعد 30 ساعة دون طعام. لكني كنت شابة والشباب بإمكانه أن يتحمل هكذا صعوبات.
هبطت الطائرة في مطار فيينا وكان في استقبال الوفود مجموعة من منظمي المؤتمر بينهم مندوبة سوريا في الاتحاد، عرفتني عن نفسها وفي الفندق أعطتني برنامج أعمال المؤتمر الذي كان مخصصاً للبحث بأوضاع الأطفال، وأخبرتني عن وصول عدد كبير من الوفود من مختلف بلدان العالم.
كانت المرة الأولى التي أشارك فيها في مؤتمر عالمي، معلوماتي عن هكذا نشاط كانت بدائية، خصوصاً وأنني لم أكن بعد عضواً منظماً في لجنة حقوق المرأة اللبنانية. حاولت في جلسات المؤتمر متابعة كل كلمة وكل اقتراح لكني تحاشيت الدخول في النقاش الدائر الذي كان يطال مواضيع الغذاء والسكن والتعلم والصحة والتربية وكل ما له علاقة بحياة الأطفال.
اختار المشاركون في المؤتمر الموضوع الذي يريدون إبداء الرأي فيه وتوزعوا إلى مجموعات عمل. اخترت التربية والتعليم. كان النقاش حامياً ومسؤولاً. البعض يريد حرق كل المراحل والبعض الآخر يطرح القضية التربوية بترو وهدوء.
في إحدى جلسات هذه المجموعة تعلمت درساً لن أنساه أبداً. اقترح أحد الاختصاصيين في التربية والتعليم، أن يصدر توصية عن المؤتمر تطالب بالمدرسة المدنية، وشرح وجهة نظره بالقول: إن المدرسة المدنية من شأنها أن تنشئ جيلاً ينتمي بالدرجة الأولى إلى الوطن وليس إلى الطائفة.
كنت دائماً متحمسة لموضوع إنشاء المدارس ونظام تربوي واحد. واليوم عندما أفكر بذلك المؤتمر وتلك الجلسة التي شاركت فيها يتأكد لدي بأن الهدف الذي حاولت مع زميلات لي، وحتى زملاء في مؤسسات المجتمع المدني، الوصول إليه لم يتغير، وعلينا رغم كل المعوقات التي تعترضه متابعة المسيرة النضالية لتحقيق الدولة المدنية ومؤسساتها كافة.
طلبت الكلام برفع اليد دون أن أفكر أن الاقتراح الذي قررت تأييده كان صعب المنال خصوصاً في دول العالم الثالث. قلت وبحماس إني أؤيد الدكتور الذي اقترح توحيد المدارس وأن تكون مدنية. شكرني صاحب الاقتراح. وإذ بيد ارتفعت وطلب صاحبها الكلام فأثنى على الاقتراح وأضاف: إن هذا الاقتراح على أهميته أرى أنه سابق لأوانه. علينا أولاً أن نطالب بتعميم المدارس وإلزامية التعليم لأن من واجبنا أولاً القضاء على الأمية. وأضاف: إن هذا المؤتمر عالمي وليس أوروبياً ومهمته تسليط الضوء على أوضاع التربية والتعليم في الدول التي لاتزال تفتقر لوجود المدرسة، واقترح أن تصدر توصية في هذا الشأن.
عندما استمعت إلى هذا الحديث خجلت من نفسي لأني أمثل لبنان ولم أفكر لحظة أن المدارس في بدايات الخمسينيات لم تكن متوافرة لكل المناطق وأن الأمية كانت صاعقة خصوصاً بين النساء.
منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا أتذكر دائماً هذا الموقف وأحاول ألا أتسرع بطرح أي رأي قبل أن أفكر وقبل أن أستمع إلى رأي الحضور.
***
أثناء كتابة هذه الصفحات عدت أستعرض المراحل الأولى من حياتي والتي لاتزال حتى هذا التاريخ تذكرني بأحداث لا مجال لتسجيلها في هذه الصفحات. أحداث في قسم منها يخصني وحدي، لكن القسم الأكبر كان معمماً على السواد الأعظم من الذين عرفتهم. صورها تتراقص أمام عيني: الطفولة، الدراسة، العمل، الحب، الزواج، الأمومة، الدين، الطائفية، العلمانية، الحرب، السلام. مفردات لم أستطع لوحدي إيجاد تفسير لها. هذه المفردات التي تبدو منفصلة واحدة عن الأخرى هي رزمة من واقع الحياة تتأثر ببعضها وتؤثر على مصيرنا.
في العام 1952، وبمناسبة انعقاد مؤتمر للطفولة في فيينا بدعوة من الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، اختارتني اللجنة التحضيرية اللبنانية للمؤتمر مع ثلاثة أشخاص آخرين للمشاركة في أعماله، أذكر منهم الدكتور عدنان سلطان وعقيلته هدى سلطان. لم أكن في حينه عضواً منظماً في اللجنة. لقد واجهتني أثناء رحلتي صعوبات قانونية ومالية. في تلك الأيام كان يسجل على جواز السفر أسماء الدول التي يحق لحامله الدخول إليها. لم أنتبه وأنا في بيروت أن جواز سفري خال من اسم «النمسا». ولما وصلت إلى زوريخ، وكنت قد سافرت بمفردي لأنه كان عليّ أن أحصل على فيزا من قنصلية النمسا في سويسرا، صدمت لما علمت أنه يستحيل أن أحصل على إجازة دخول إلى النمسا.
سألت الموظفين ماذا أفعل؟ فأشاروا عليّ الاتصال بالقنصلية اللبنانية الموجودة في «بيرن» وأطلب من القنصل إضافة كلمة «النمسا» إلى جانب أسماء الدول المكتوبة على جواز السفر. وساعدوني أن أحجز مكاناً في القطار ذهاباً وإياباً. كان موعد القطار الساعة الواحدة ليلا ً فأصل إلى بيرن صباحاً، أستطيع أن أنجز عملي خلال ساعتين على الأكثر وأعود في قطار الساعة الحادية عشرة نهاراً لأصل إلى زوريخ الساعة الخامسة بعد الظهر، فيبقى لديّ ساعتان لموعد طائرتي.
كان في حوزتي بعض الدولارات التي أعطتني إياها اللجنة التحضيرية كمصروف شخصي لأن بطاقة السفر مؤمنة والإقامة في فيينا أيضاً. عملت حساب الفندق ليلتين، فتبيّن لي أني أستطيع أن أدفع ثمن بطاقة سفر بالقطار إلى بيرن فقط لا أكثر. أما الطعام فلا! لم يكن أمامي حلّ آخر. في القطار شعرت مع الذين لا يستطيعون تأمين لقمة العيش في الوقت الذي يرون العيش يرمى في القمامة. كان من الطبيعي أن يحضر المسافرون ما يأكلونه في القطار. فكنت أنظر إليهم وأتمنى أن يسألني أحدهم إن كنت أريد أن أشرب ماء. نسيت أني لست في لبنان. وصلت إلى بيرن صباحاً باكراً. لحسن الحظ أنه كان بالإمكان الحصول على معلومات من مكاتب الاستعلامات. فأخذت عنوان القنصلية اللبنانية التي لم تكن بعيدة عن محطة القطار مما سهل عليّ الوصول مشياً على الأقدام.
وصلت إلى مبنى القنصلية فوجدت البوابة مقفلة ولم أر أحداً في الحديقة التي تحيط بها. ناديت بأعلى صوتي: إني أريد أن أقابل القنصل. بعد عشر دقائق جاء أحدهم ليقول لي: القنصلية مقفلة لمدة أسبوع بسبب عطلة عيد الفصح. كدت أن أنهار، بعد هذا التعب وهذا الجوع أعود صفر اليدين. قلت له: أنا لبنانية وهناك مشكلة لها علاقة بسعادة القنصل، أرجوك أن تفتح لي الباب لأكلمه على الهاتف وإلا ستكون أنت المسؤول. من أين اتتني هذه الفكرة لا أعرف، ربما كما يقول المثل «الحاجة أم الاختراع» فتح البوابة وأعطاني رقم هاتف القنصل، اتصلت به في بيته وأخبرته قصتي. فقال لي: انتظريني سآتي حالاً.
بعد نصف ساعة وصل القنصل. كان شاباً وسيماً مهذباً متفهماً. (لم أتذكر إلا اسم عائلته «ناصيف») كتب على جواز سفري (باللغة الفرنسية) «النمسا كلمة مضافة». لكنها تختلف عن «القيمة المضافة». فشكرته وسألته إن كان يقبل الليرة اللبنانية ـ وكان معي 20 ليرة لبنانية ـ فأجابني أتمنى لك سفراً سعيداً، لا أريد شيئاً منك. ثم أرسل سائقه ليوصلني إلى محطة القطار. وهكذا عدت إلى زوريخ في الوقت المحدد وفي الطائرة الآتية من باريس التقيت بقية الوفد اللبناني وعدداً من الوفود الأجنبية. لن أتحدث عما جرى لي في الطائرة بعد 30 ساعة دون طعام. لكني كنت شابة والشباب بإمكانه أن يتحمل هكذا صعوبات.
هبطت الطائرة في مطار فيينا وكان في استقبال الوفود مجموعة من منظمي المؤتمر بينهم مندوبة سوريا في الاتحاد، عرفتني عن نفسها وفي الفندق أعطتني برنامج أعمال المؤتمر الذي كان مخصصاً للبحث بأوضاع الأطفال، وأخبرتني عن وصول عدد كبير من الوفود من مختلف بلدان العالم.
كانت المرة الأولى التي أشارك فيها في مؤتمر عالمي، معلوماتي عن هكذا نشاط كانت بدائية، خصوصاً وأنني لم أكن بعد عضواً منظماً في لجنة حقوق المرأة اللبنانية. حاولت في جلسات المؤتمر متابعة كل كلمة وكل اقتراح لكني تحاشيت الدخول في النقاش الدائر الذي كان يطال مواضيع الغذاء والسكن والتعلم والصحة والتربية وكل ما له علاقة بحياة الأطفال.
اختار المشاركون في المؤتمر الموضوع الذي يريدون إبداء الرأي فيه وتوزعوا إلى مجموعات عمل. اخترت التربية والتعليم. كان النقاش حامياً ومسؤولاً. البعض يريد حرق كل المراحل والبعض الآخر يطرح القضية التربوية بترو وهدوء.
في إحدى جلسات هذه المجموعة تعلمت درساً لن أنساه أبداً. اقترح أحد الاختصاصيين في التربية والتعليم، أن يصدر توصية عن المؤتمر تطالب بالمدرسة المدنية، وشرح وجهة نظره بالقول: إن المدرسة المدنية من شأنها أن تنشئ جيلاً ينتمي بالدرجة الأولى إلى الوطن وليس إلى الطائفة.
كنت دائماً متحمسة لموضوع إنشاء المدارس ونظام تربوي واحد. واليوم عندما أفكر بذلك المؤتمر وتلك الجلسة التي شاركت فيها يتأكد لدي بأن الهدف الذي حاولت مع زميلات لي، وحتى زملاء في مؤسسات المجتمع المدني، الوصول إليه لم يتغير، وعلينا رغم كل المعوقات التي تعترضه متابعة المسيرة النضالية لتحقيق الدولة المدنية ومؤسساتها كافة.
طلبت الكلام برفع اليد دون أن أفكر أن الاقتراح الذي قررت تأييده كان صعب المنال خصوصاً في دول العالم الثالث. قلت وبحماس إني أؤيد الدكتور الذي اقترح توحيد المدارس وأن تكون مدنية. شكرني صاحب الاقتراح. وإذ بيد ارتفعت وطلب صاحبها الكلام فأثنى على الاقتراح وأضاف: إن هذا الاقتراح على أهميته أرى أنه سابق لأوانه. علينا أولاً أن نطالب بتعميم المدارس وإلزامية التعليم لأن من واجبنا أولاً القضاء على الأمية. وأضاف: إن هذا المؤتمر عالمي وليس أوروبياً ومهمته تسليط الضوء على أوضاع التربية والتعليم في الدول التي لاتزال تفتقر لوجود المدرسة، واقترح أن تصدر توصية في هذا الشأن.
عندما استمعت إلى هذا الحديث خجلت من نفسي لأني أمثل لبنان ولم أفكر لحظة أن المدارس في بدايات الخمسينيات لم تكن متوافرة لكل المناطق وأن الأمية كانت صاعقة خصوصاً بين النساء.
منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا أتذكر دائماً هذا الموقف وأحاول ألا أتسرع بطرح أي رأي قبل أن أفكر وقبل أن أستمع إلى رأي الحضور.
***
أثناء كتابة هذه الصفحات عدت أستعرض المراحل الأولى من حياتي والتي لاتزال حتى هذا التاريخ تذكرني بأحداث لا مجال لتسجيلها في هذه الصفحات. أحداث في قسم منها يخصني وحدي، لكن القسم الأكبر كان معمماً على السواد الأعظم من الذين عرفتهم. صورها تتراقص أمام عيني: الطفولة، الدراسة، العمل، الحب، الزواج، الأمومة، الدين، الطائفية، العلمانية، الحرب، السلام. مفردات لم أستطع لوحدي إيجاد تفسير لها. هذه المفردات التي تبدو منفصلة واحدة عن الأخرى هي رزمة من واقع الحياة تتأثر ببعضها وتؤثر على مصيرنا.
Page 9
7 ـ لماذا بالخط العريض
في بداية الخمسينيات كان موعد الانتخابات النيابية والكل منهمك فيها. لم أكن أعلم بأن مشاركتي في مهرجان الشباب في برلين واعتقالي ومحاكمتي وتبرئتي ستكون حديث الحي، وإني أصبحت في نظر البعض جديرة بأن يكون لي رأي. زارني يوماً صحافي في جريدة le soir وهو من سكان عين الرمانة وقال لي: بأنه سينظم سهرة انتخابية في منزله دعماً للمرشح ديكران توسباط صاحب جريدة لو سوار، وسألني إذا كنت أقبل بإلقاء كلمة باسم المرأة اللبنانية. فكرت قليلاً في الموضوع واعتبرته مناسبة للتعبير عن رأيي. استشرت أحد الأصدقاء المقربين واستعنت به لتحضير الكلمة التي لم تتجاوز الصفحتين، لم تكن المرة الأولى التي أقف فيها أمام الجمهور، لقد سبق وقمت بأدوار رئيسة في عدد من المسرحيات التي كانت تقيمها مدرسة الناصرة في آخر كل سنة. الكلمة التي ألقيتها لم تتضمن التأييد المطلق للمرشح ـ الذي كان حاضراً ـ بل توجهت إليه بمجموعة من المطالب من ضمنها حق المرأة في الانتخاب.
وعد النائب المنتظر بالعمل على تحقيقها. بدأت أسهمي ترتفع بين اليساريين فطلبوا مني أن ألقي كلمة أيضاً في المهرجان الذي سيقام، كما قالوا لي في حينه، تأييداً للمرشح الشيوعي فرج الله الحلو.. فرحت بالخبر لكنني كنت مترددة لأني لم أكن أعرف أي شيء عن فرج الله الحلو. لم يدم ترددي كثيراً فجاءني أحد الشيوعيين ـ نقولا اللحام ـ ليقول لي بأنه سيساعدني على كتابة الكلمة، لكن عليّ فقط أن أطلعه على أفكاري وما هي المطالب التي أطلب من المرشح طرحها في المجلس النيابي والسعي إلى تحقيقها. كان مهرجاناً كبيراً في طابق علوي غير مسقوف آخر خط ترامواي في فرن الشباك بالقرب من مخفر الدرك الذي استضافني قبل فترة من الزمن، والمفارقة أنهم، أي الدرك، كانوا موجودين للحفاظ على الأمن.
في صباح يوم الأحد المقرر لاجراء الانتخابات النيابية واختيار «الأولياء» على مصيرنا، رأيت مشهداً جعلني أضيف إلى «لماذاتي» «لماذا كبيرة». في زاروب حينا مجموعة من المنازل المتواضعة بناها أصحابها بعرق جبينهم. نتعايش مع بعضنا كعائلة واحدة. أفراحنا مشتركة وكذلك أحزاننا. دخلت إلى هذا «الزاروب» سيارة أميركية الصنع ضخمة، وقفت على الشرفة مستوضحة الأمر، رأيت ابن الجيران جورج الشاب ـ الطفل الذي حرم من الصحة الجسدية والعقلية، يتأبط ذراعيه اثنان من قبضايات الانتخابات يضعونه في السيارة وعلى وجهيهما علامات النصر!! صعقت للمنظر وهرعت إلى والدته أسألها ما يجري، أجابتني: أعطوه ورقة ليضعها في الصندوق. عدت سنة إلى الوراء لأرى نفسي في ذلك المكان حيث يوجد صندوق الاقتراع الذي اعترفت فيه «بجريمتي» التي اقترفتها عندما سافرت إلى مهرجان الشباب في برلين والذي لم يبعد عن منزلي أكثر من خمس دقائق مشياً على الأقدام، لكنها تفصل بيني وبين هذا المكان مسافة كبيرة لا يسمح لي تجاوزها لأعطي رأيي بشخص أو أكثر، من الأرجح أنهم لن يصلوا إلى المجلس النيابي، ولكن أقلّه أشعر بأني قمت بما هو حقي وواجبي.
في بداية الخمسينيات كان موعد الانتخابات النيابية والكل منهمك فيها. لم أكن أعلم بأن مشاركتي في مهرجان الشباب في برلين واعتقالي ومحاكمتي وتبرئتي ستكون حديث الحي، وإني أصبحت في نظر البعض جديرة بأن يكون لي رأي. زارني يوماً صحافي في جريدة le soir وهو من سكان عين الرمانة وقال لي: بأنه سينظم سهرة انتخابية في منزله دعماً للمرشح ديكران توسباط صاحب جريدة لو سوار، وسألني إذا كنت أقبل بإلقاء كلمة باسم المرأة اللبنانية. فكرت قليلاً في الموضوع واعتبرته مناسبة للتعبير عن رأيي. استشرت أحد الأصدقاء المقربين واستعنت به لتحضير الكلمة التي لم تتجاوز الصفحتين، لم تكن المرة الأولى التي أقف فيها أمام الجمهور، لقد سبق وقمت بأدوار رئيسة في عدد من المسرحيات التي كانت تقيمها مدرسة الناصرة في آخر كل سنة. الكلمة التي ألقيتها لم تتضمن التأييد المطلق للمرشح ـ الذي كان حاضراً ـ بل توجهت إليه بمجموعة من المطالب من ضمنها حق المرأة في الانتخاب.
وعد النائب المنتظر بالعمل على تحقيقها. بدأت أسهمي ترتفع بين اليساريين فطلبوا مني أن ألقي كلمة أيضاً في المهرجان الذي سيقام، كما قالوا لي في حينه، تأييداً للمرشح الشيوعي فرج الله الحلو.. فرحت بالخبر لكنني كنت مترددة لأني لم أكن أعرف أي شيء عن فرج الله الحلو. لم يدم ترددي كثيراً فجاءني أحد الشيوعيين ـ نقولا اللحام ـ ليقول لي بأنه سيساعدني على كتابة الكلمة، لكن عليّ فقط أن أطلعه على أفكاري وما هي المطالب التي أطلب من المرشح طرحها في المجلس النيابي والسعي إلى تحقيقها. كان مهرجاناً كبيراً في طابق علوي غير مسقوف آخر خط ترامواي في فرن الشباك بالقرب من مخفر الدرك الذي استضافني قبل فترة من الزمن، والمفارقة أنهم، أي الدرك، كانوا موجودين للحفاظ على الأمن.
في صباح يوم الأحد المقرر لاجراء الانتخابات النيابية واختيار «الأولياء» على مصيرنا، رأيت مشهداً جعلني أضيف إلى «لماذاتي» «لماذا كبيرة». في زاروب حينا مجموعة من المنازل المتواضعة بناها أصحابها بعرق جبينهم. نتعايش مع بعضنا كعائلة واحدة. أفراحنا مشتركة وكذلك أحزاننا. دخلت إلى هذا «الزاروب» سيارة أميركية الصنع ضخمة، وقفت على الشرفة مستوضحة الأمر، رأيت ابن الجيران جورج الشاب ـ الطفل الذي حرم من الصحة الجسدية والعقلية، يتأبط ذراعيه اثنان من قبضايات الانتخابات يضعونه في السيارة وعلى وجهيهما علامات النصر!! صعقت للمنظر وهرعت إلى والدته أسألها ما يجري، أجابتني: أعطوه ورقة ليضعها في الصندوق. عدت سنة إلى الوراء لأرى نفسي في ذلك المكان حيث يوجد صندوق الاقتراع الذي اعترفت فيه «بجريمتي» التي اقترفتها عندما سافرت إلى مهرجان الشباب في برلين والذي لم يبعد عن منزلي أكثر من خمس دقائق مشياً على الأقدام، لكنها تفصل بيني وبين هذا المكان مسافة كبيرة لا يسمح لي تجاوزها لأعطي رأيي بشخص أو أكثر، من الأرجح أنهم لن يصلوا إلى المجلس النيابي، ولكن أقلّه أشعر بأني قمت بما هو حقي وواجبي.
Page 10
8 ـ لجنة حقوق المرأة اللبنانية
قبل انتسابي إلى لجنة حقوق المرأة اللبنانية، كنت متعاطفة جداً مع طروحاتها وأساهم ببعض نشاطاتها. اتصلت بي شابة كنت قد تعرفت إليها سابقاً وسألتني: هل تودين المشاركة في التظاهرة التي ستجري يوم الأحد؟ أجبت طبعاً، لكني كنت أجهل فعلياً كيف تكون التظاهرة. كنت سمعت من شباب الحي أن تظاهرة ستجري رفضاً لحلف بغداد لأنه يمس استقلال لبنان وسيادته، لذلك كانت إجابتي سريعة ـ طبعاً ـ سألت زوجي: هل أنت ذاهب إلى هذه التظاهرة أجابني بالنفي. قلت له: إذا كان يسمح للمرأة أن تشارك فيها فأنا أرغب بذلك. نصحني بألا أفعل. ولأني لم أشارك سابقاً بأية تظاهرة بل كنت أقرأ عنها، أصررت على ذهابي فوافق زوجي مرغماً. اصطحبت معي من الحي صبية اسمها وديعة وكأن التظاهرة نزهة، وانضممنا إلى الجمهور الكبير الذي كان أمام كنيسة مار جريس المارونية. وجدت عدداً من النساء لم أكن قد التقيت بهن سابقاً، وسرت مع صديقتي في وسط الحشود التي كانت تهتف بشعارات لم أكن قد سمعت بها، وإذ بدوي الرصاص يخفت صوت الجماهير المحتشدة. كنت أجهل ما يجري وظننت أنه رصاص ابتهاج، لو لم يسقط أمامي شاب في مقتبل العمر كان يحمل بيده علماً لبنانياً، فصرخت صديقتي من الخوف وهرع عدد من الشباب الذين حملوا الجريح أو الشهيد لم أكن أعي في حينه شيئاً. أمسكت بيد صديقتي ودخلت إلى كنيسة مار جريس ولم ألحظ أن ثيابي ملطخة بالدم، دم الشاب الذي سقط أمامي. بقينا حوالى الساعة في الكنيسة التي كانت أيضاً مكتظة بالمصلين لأن التظاهرة كانت يوم أحد. ولما شعرنا بأن الحالة هادئة عدنا إلى البيت في عين الرمانة. كان زوجي والجيران ينتظرون على الطريق لأنهم سمعوا الخبر، وعرفوا أنه سقط في هذه التظاهرة برصاص قوى الأمن ثلاثة شهداء أحدهم الذي كان دمه على ثيابي. سألت نفسي: لماذا؟.
قررت الدخول إلى عمق الأحداث والقضايا للاطلاع أكثر أو بالأحرى للتقرّب أكثر من الناس، والتعرّف على مشاكلهم، وفهم الأسباب والظروف التي تتحكم بحياتهم وبحياة النساء على وجه التحديد، هل هي من التقاليد والأعراف أم أنها القوانين، هل هي التربية والتنشئة أم أن ذلك يعود إلى ما يسمى اليوم «ذكورية» على مستوى البنى الذهنية السائدة والنظرة إلى المرأة التي تصنفها غير مؤهلة كالرجل لتخطيط مسار حياتها، فهي كما يرددون بحاجة إلى من يرسم لها خطواتها.
في أحد الأيام طرقت بابي شابتان عرفتا عن نفسيهما: أدما غلام وأفلين عقيص، (غابتا عنا، لكنهما حاضرتان كسواهن ممن فقدنا). كان معهما عريضة مدون عليها بعض الأسماء طلبتا مني أن أوقع عليها. بعد قراءتها قلت لهما: هل تسمحان لي بمرافقتكما. وبصفتي من أهل الحي كانت الأبواب تفتح أمامي بسهولة، وعلى الرغم من التجاوب الذي لقيناه في تجوالنا صدمت بإحدى السيدات التي لم تكن من أهل الحي، لكنها كانت زائرة. عندما أطلعتها على ما ورد في العريضة التي تطالب بحق المرأة في أن تترشح وتقترع مثلها مثل الرجل، أجابت بعنجهية: أنا لا ينقصني أي حق، أنظري، ومدت يديها «المكبلتين» بأساور ذهبية وأضافت، هذه مفاتيح سيارتي وفي بيتي خادمة. ثم تركتنا وغادرت المنزل. لقد زادتني هذه الصدمة تصميماً على الانخراط في الهيئة التي تنتمي إليها أدما غلام وأفلين عقيص، أي«لجنة حقوق المرأة اللبنانية»، فقالتا: على الرحب والسعة ستأتي لزيارتك إحدى أعضاء «اللجنة» لتطلعك على أهدافها وبرنامجها.
في خلال أسبوع زارتني شابة عرفت عن نفسها: أنا عايدة مقدسي طالبة في الجامعة الأميركية وعضو في لجنة حقوق المرأة اللبنانية جئت للتعرف عليك أولاً، ولنبحث في إمكانية إنشاء فرع للجنة في عين الرمانة. أنشئ الفرع واختاروني مسؤولة عنه. دعيت مع زميلة لي من عين الرمانة للمشاركة في مؤتمر اللجنة الأول المنعقد في العام 1953 . تعرفت في هذا المؤتمر إلى السيدات: ثريا عدرة، ماري تابت، ماري صعب، روز عكاوي، جورجيت عكاوي وسواهن اللواتي لم ألتق بهن سابقاً. ألقيت كلمة صغيرة للتعريف عن الفرع الجديد. كيف ألقيتها لا أعرف، كل ما أعرفه أن الورقة كانت ترتجف بين يدي وشعرت بالحرارة تصعد إلى رأسي ووجهي.
هكذا بدأت مسيرتي في لجنة حقوق المرأة اللبنانية التي علمت لاحقاً أن اللجنة تأسست في العام 1947، ولم تحصل حتى تاريخه على «علم وخبر» من الحكومة، لكنها أيضاً لم تمنع من النشاط، وعلمت أيضاً أن أول نشاط قامت به اللجنة كان الاحتفال بالثامن من آذار، يوم المرأة العالمي، الذي كان مقرراً إقامته في «التياترو الكبير» لكن القيمين على «الأمن» صادروا المكان فتحول الاحتفال إلى الشارع. كذلك تعرفت على ماري سرسق التي قادت النضال مع فرع الأشرفية من أجل فتح مدرسة رسمية للبنات في المنطقة.
لقد زادتني أعمال المؤتمر وتوصياته حماسة واستعداداً للانخراط بالشأن العام.
من التوصيات التي صدرت عن هذا المؤتمر: التوجه نحو العاملات. وبما أني كنت عاملة واطلعت عن كثب على المعاناة التي كانت تعيشها العاملة وجهت نشاطي أولاً نحوهن خصوصاً في منطقتيّ الشياح والحدث حيث توجد معامل للجوخ والحرير والحلويات...
في أوائل العام 1953 أصبحت عضواً ملتزماً في لجنة حقوق المرأة اللبنانية، ومنذ تلك الفترة، لم أشعر يوماً بأني ضللت الطريق. لقد أجابت «اللجنة» على معظم أسئلتي: مساواة، ديمقراطية، علمانية، لا شيء يفرق بين أعضائها، لا طائفة ولا موقع اجتماعي ولا علمي. أهدافها رفع مستوى المرأة في المدينة والريف، تأمين مستقبل سعيد للأطفال، الدفاع عن استقلال لبنان وأمنه وسيادته.
على الرغم من أن هذه الصفحات ما هي إلا محطات من مسيرة حياتي العائلية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لكنني عاجزة في بعض المراحل عن الفصل كلياً بين نضالي في اللجنة التي عملت بشكل مباشر على تثقيفي لفهم الأمور التي مررت بها، وكيف يمكن الاستفادة من إيجابياتها وتذليل سلبياتها.
قبل انتسابي إلى لجنة حقوق المرأة اللبنانية، كنت متعاطفة جداً مع طروحاتها وأساهم ببعض نشاطاتها. اتصلت بي شابة كنت قد تعرفت إليها سابقاً وسألتني: هل تودين المشاركة في التظاهرة التي ستجري يوم الأحد؟ أجبت طبعاً، لكني كنت أجهل فعلياً كيف تكون التظاهرة. كنت سمعت من شباب الحي أن تظاهرة ستجري رفضاً لحلف بغداد لأنه يمس استقلال لبنان وسيادته، لذلك كانت إجابتي سريعة ـ طبعاً ـ سألت زوجي: هل أنت ذاهب إلى هذه التظاهرة أجابني بالنفي. قلت له: إذا كان يسمح للمرأة أن تشارك فيها فأنا أرغب بذلك. نصحني بألا أفعل. ولأني لم أشارك سابقاً بأية تظاهرة بل كنت أقرأ عنها، أصررت على ذهابي فوافق زوجي مرغماً. اصطحبت معي من الحي صبية اسمها وديعة وكأن التظاهرة نزهة، وانضممنا إلى الجمهور الكبير الذي كان أمام كنيسة مار جريس المارونية. وجدت عدداً من النساء لم أكن قد التقيت بهن سابقاً، وسرت مع صديقتي في وسط الحشود التي كانت تهتف بشعارات لم أكن قد سمعت بها، وإذ بدوي الرصاص يخفت صوت الجماهير المحتشدة. كنت أجهل ما يجري وظننت أنه رصاص ابتهاج، لو لم يسقط أمامي شاب في مقتبل العمر كان يحمل بيده علماً لبنانياً، فصرخت صديقتي من الخوف وهرع عدد من الشباب الذين حملوا الجريح أو الشهيد لم أكن أعي في حينه شيئاً. أمسكت بيد صديقتي ودخلت إلى كنيسة مار جريس ولم ألحظ أن ثيابي ملطخة بالدم، دم الشاب الذي سقط أمامي. بقينا حوالى الساعة في الكنيسة التي كانت أيضاً مكتظة بالمصلين لأن التظاهرة كانت يوم أحد. ولما شعرنا بأن الحالة هادئة عدنا إلى البيت في عين الرمانة. كان زوجي والجيران ينتظرون على الطريق لأنهم سمعوا الخبر، وعرفوا أنه سقط في هذه التظاهرة برصاص قوى الأمن ثلاثة شهداء أحدهم الذي كان دمه على ثيابي. سألت نفسي: لماذا؟.
قررت الدخول إلى عمق الأحداث والقضايا للاطلاع أكثر أو بالأحرى للتقرّب أكثر من الناس، والتعرّف على مشاكلهم، وفهم الأسباب والظروف التي تتحكم بحياتهم وبحياة النساء على وجه التحديد، هل هي من التقاليد والأعراف أم أنها القوانين، هل هي التربية والتنشئة أم أن ذلك يعود إلى ما يسمى اليوم «ذكورية» على مستوى البنى الذهنية السائدة والنظرة إلى المرأة التي تصنفها غير مؤهلة كالرجل لتخطيط مسار حياتها، فهي كما يرددون بحاجة إلى من يرسم لها خطواتها.
في أحد الأيام طرقت بابي شابتان عرفتا عن نفسيهما: أدما غلام وأفلين عقيص، (غابتا عنا، لكنهما حاضرتان كسواهن ممن فقدنا). كان معهما عريضة مدون عليها بعض الأسماء طلبتا مني أن أوقع عليها. بعد قراءتها قلت لهما: هل تسمحان لي بمرافقتكما. وبصفتي من أهل الحي كانت الأبواب تفتح أمامي بسهولة، وعلى الرغم من التجاوب الذي لقيناه في تجوالنا صدمت بإحدى السيدات التي لم تكن من أهل الحي، لكنها كانت زائرة. عندما أطلعتها على ما ورد في العريضة التي تطالب بحق المرأة في أن تترشح وتقترع مثلها مثل الرجل، أجابت بعنجهية: أنا لا ينقصني أي حق، أنظري، ومدت يديها «المكبلتين» بأساور ذهبية وأضافت، هذه مفاتيح سيارتي وفي بيتي خادمة. ثم تركتنا وغادرت المنزل. لقد زادتني هذه الصدمة تصميماً على الانخراط في الهيئة التي تنتمي إليها أدما غلام وأفلين عقيص، أي«لجنة حقوق المرأة اللبنانية»، فقالتا: على الرحب والسعة ستأتي لزيارتك إحدى أعضاء «اللجنة» لتطلعك على أهدافها وبرنامجها.
في خلال أسبوع زارتني شابة عرفت عن نفسها: أنا عايدة مقدسي طالبة في الجامعة الأميركية وعضو في لجنة حقوق المرأة اللبنانية جئت للتعرف عليك أولاً، ولنبحث في إمكانية إنشاء فرع للجنة في عين الرمانة. أنشئ الفرع واختاروني مسؤولة عنه. دعيت مع زميلة لي من عين الرمانة للمشاركة في مؤتمر اللجنة الأول المنعقد في العام 1953 . تعرفت في هذا المؤتمر إلى السيدات: ثريا عدرة، ماري تابت، ماري صعب، روز عكاوي، جورجيت عكاوي وسواهن اللواتي لم ألتق بهن سابقاً. ألقيت كلمة صغيرة للتعريف عن الفرع الجديد. كيف ألقيتها لا أعرف، كل ما أعرفه أن الورقة كانت ترتجف بين يدي وشعرت بالحرارة تصعد إلى رأسي ووجهي.
هكذا بدأت مسيرتي في لجنة حقوق المرأة اللبنانية التي علمت لاحقاً أن اللجنة تأسست في العام 1947، ولم تحصل حتى تاريخه على «علم وخبر» من الحكومة، لكنها أيضاً لم تمنع من النشاط، وعلمت أيضاً أن أول نشاط قامت به اللجنة كان الاحتفال بالثامن من آذار، يوم المرأة العالمي، الذي كان مقرراً إقامته في «التياترو الكبير» لكن القيمين على «الأمن» صادروا المكان فتحول الاحتفال إلى الشارع. كذلك تعرفت على ماري سرسق التي قادت النضال مع فرع الأشرفية من أجل فتح مدرسة رسمية للبنات في المنطقة.
لقد زادتني أعمال المؤتمر وتوصياته حماسة واستعداداً للانخراط بالشأن العام.
من التوصيات التي صدرت عن هذا المؤتمر: التوجه نحو العاملات. وبما أني كنت عاملة واطلعت عن كثب على المعاناة التي كانت تعيشها العاملة وجهت نشاطي أولاً نحوهن خصوصاً في منطقتيّ الشياح والحدث حيث توجد معامل للجوخ والحرير والحلويات...
في أوائل العام 1953 أصبحت عضواً ملتزماً في لجنة حقوق المرأة اللبنانية، ومنذ تلك الفترة، لم أشعر يوماً بأني ضللت الطريق. لقد أجابت «اللجنة» على معظم أسئلتي: مساواة، ديمقراطية، علمانية، لا شيء يفرق بين أعضائها، لا طائفة ولا موقع اجتماعي ولا علمي. أهدافها رفع مستوى المرأة في المدينة والريف، تأمين مستقبل سعيد للأطفال، الدفاع عن استقلال لبنان وأمنه وسيادته.
على الرغم من أن هذه الصفحات ما هي إلا محطات من مسيرة حياتي العائلية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لكنني عاجزة في بعض المراحل عن الفصل كلياً بين نضالي في اللجنة التي عملت بشكل مباشر على تثقيفي لفهم الأمور التي مررت بها، وكيف يمكن الاستفادة من إيجابياتها وتذليل سلبياتها.