eKtab
EN ع
ليتوال 2010
Read free sample

ليتوال 2010

by وليد الرجيب

Page 1
الصفحة بيضاء

بعد مرور ساعة، ظلت صفحة اللاب توب بيضاء ..الصفحة بيضاء بعد ساعتين ..بعد أربع ساعات ما زالت الصفحة بيضاء، لم تستطع استدعاء كلمة واحدة، أو فكرة واحدة لبدء روايتها.

هل هذا بسبب ما يمكن أن يسميه علم النفس، رعب الصفحة البيضاء أو white page anxiety؟ مثل رهاب الميكروفون، وهلع مواجهة الكاميرا؟ وهل لحظة خلق عمل أدبي تؤدي إلى كل ذلك القلق؟

أيام الدراسة الجامعية في باريس، لم تجد مشكلة في البدء في دراسة أو بحث، فالأمر روتيني تقريباً، يشبه وصفة تحضير طبخة، فأولاً تختار الطبخة، ثم مكوناتها، واتباع التعليمات في الوصفة، وفي النهاية إذا نفذت التعليمات بدقة، وبالترتيب اللازم، ستخرج الطبخة بالضبط كما هي في الوصفة.

لكن أن تبدأ عملاً إبداعياً، وللمرة الأولى في حياتها، أن تخلق حياة وشخوصاً وأحداث، فتلك مسؤولية تبعث على القلق والرعب، وتحتاج إلى جرأة قد تصل حد التهور، فمن لديه الثقة الكافية واللامبالاة بمصير إنسان، حتى وإن كان ذلك على الورق فقط؟ من يملك الحق برسم حياة إنسان، بمشاعره وأفكاره، برغباته وقناعاته؟ بحريته وقيوده؟

من هي حتى تحدد لشخص حقيقي أو وهمي، ماذا يفكر ويشعر ويفعل؟ وهل الحياة الخيالية في العقل تشبه حياة الواقع؟ فيها من القيود والآلام الموجودة في الواقع؟ وهل تفرض على الشخص في عقلها، ما فرض عليها في الحياة، وما سلب منها؟ أم تعوض نفسها، وتعيش حياة أخرى، حياتها الداخلية، على الورق فقط على أقل تقدير؟

ماذا تكتب؟ أليس تساؤلاً لا يملك أحداً غيرها الإجابة عنه؟ ولكنها لا تعرف ماذا تكتب، تشعر أن أفكارها مراقبة، وهذا يحصل مع السجين بعد فترة من سجنه، فكلما نظر إليها زوجها، ترتبك وتشعر أنه يعلم أنها استمعت لموسيقى أو أغنية، أو شاهدت فيلماً أجنبياً، لأن السارق دائماً يتصرف بطريقة:

-«اللي على راسه بطحة يحسس عليها».

وهي تسرق وتختلس سماع أغنية تحبها، رغم أن استماعها غالباً ما يكون عبر سماعات الأذن، فصحيح أن زوجها وافق مؤخراً على أن يشتري لها ipod، لكنه اشترط عليها أن تستمع إلى أناشيد دينية فقط، بيد أنها سجلت عليه كل الأغاني والموسيقى التي تحبها ودرستها بالسربون.

كان الـ ipod واللاب توب هما رشوة سكوتها ورضاها عن زواجه من ضرتها الشابة الجديدة، صحيح أنها في البداية شعرت بالجرح الأنثوي، عندما صارحها برغبته بالزواج من أخرى حتى تنجب له أبناء، لكنها بعد ذلك شعرت بشيء من الانعتاق، الحرية الداخلية، فزواجه الثاني خفف من قبضته على حياتها، كما أنه أتاح لها مساحة من الحرية، في الأيام التي يكون فيها في البيت الثاني، فتتصرف مثل الطفل الذي لا يراقبه أحد، فيشعر بلذة الخلسة.

كانت في الأيام والليالي التي لا يكون موجوداً فيها، تلبس بنطال الجينز أو الشورت، والتي شيرت الذي تحبه، والذي يظهر أجزاء من كتفيها، وتقلب محطات التلفزيون بجهاز التحكم كما تشاء، وتضع الـ ipod على سماعات خارجية، وتستمع لإديث ﭙياف، وأزنافور وهما يصدحان باللغة الفرنسية، وتروح تغني معهما بهذه اللغة التي تعرفها جيداً، وحرمتها الظروف من ممارستها، كانت تدور في البيت وترقص حاضنة نفسها أو مخدتها، بجذل العاشقة.

* * *

بعد أشهر من زواجها، قالت لها أمها:

-«راح تتعودين».

ولكن متى تعتاد السجن ولائحة الممنوعات، فبعد أن كانت البنت المدللة في بيت أبيها، وكانت تحصل على أي شيء تريده، أصبحت محرومة من أبسط الأشياء في بيت زوجها، كانت آخر العنقود والبنت الوحيدة بين ثلاثة صبيان، وجميع من في البيت يريد إرضاءها وسعادتها، أصبحت فجأة في أجواء وروائح ومناظر غير مألوفة، انتزعت من أجواء الفرح، إلى أجواء الكآبة، انتقلت من بيت ستائره مفتوحة على الشمس، إلى آخر مسدل الستائر، انتقلت من صخب الحياة، إلى سكون وصمت يشبه صمت القبور، انتقلت من فيض المشاعر وبذخها، إلى جليد المشاعر الموحش، وعندما قالت لأمها:

-«أبي أتطلق».
Page 2
ضربت الأم بكفها على صدرها مع شهقة استنكار:

-«ما عندنا بنات تتطلق».

وفي محاولة لتغيير قناعة أمها:

-«لو كان أبوي عايش..».

ردت الأم بحدة:

-«كان قص لسانك، وقال لك محد جبرك، أنت وافقت على الرجال».

تعرف أن ذلك ما يضعف موقفها، لا أحد أجبرها:

-«الزواج والطلاق مو لعبة».

أكملت والدتها، أما هي فبدأت توقن أن العنوسة والطلاق مرفوضتان في المجتمع، قد تكون الأولى نصيب مؤسف، لكن الثاني اختيار يشبه اختيار الخطيئة، خاصة إذا كان برغبة الزوجة، وهو بغيض رغم انه حلال.

صحيح أنها قبلت بالرجل الذي خطبها، ولم تجبر عليه بالذات، لكن الإجبار أتى من ضغط أسرتها عليها للزواج، وخاصة والدها الذي كان على فراش المرض المستعصي:

-«يبا أبي أشوفك في بيت زوجك على حياتي، لكن حلفي لي إذا ما صار هالشي إنك تتزوجين بعد مماتي».

كان وعدها لوالدها هو القرار الذي كان هو قبل زواجها بالزوج، وهذا يعني أياً كان شرط رضاء والدتها وأخوتها عليه، عانت من ضغط أسرتها والمجتمع، وجرحتها همساتهم:

-«عانس».

وقرأت الحزن في عيني والدتها، وسمعت دعواتها بعد الصلاة:

-«الله يكتب لك كتبة صالحة، ويرزقك بولد الحلال اللي يسترك».

سنوات وهي تناقش والدتها:

-«كل اللي تقدمو لي ما يصلحون لي، هل تبون تتخلصون مني وبس»؟

فترد الأم بصدق:

-«الدنيا حياة ومماة يابنتي، ومحنا باقين لك».

وبعد موت والدها:

-«هذا أبوك راح الله يغمد روحه الجنة، وأنا ماني باقية لك، وشراح تسوين بهالدنيا وأنت لا ريال ولا عيال»؟

وهي التي اعتادت على الخيارات، ولم تعتد على الضغط، اضطرت أن تعيد النظر بقناعاتها، كل شيء كان سهلاً وجميلاً عندما كانت صغيرة، كان حضن والدها الواسع حقول السعادة، وكان كتفاه أعلى ما يمكن أن يصل إليهما ناظريها، كانت كأسوار الأمان، وهي كانت تشيع السعادة على الجميع بضحكاتها الآسرة، ووجهها الملائكي البريء، الذي لم يكن يعرف معنى الحزن.

كانت دلوعة البيت، وزهرته المتفتحة، كان لها شذى وعبق الياسمين، وعندما كان يعود والدها من العمل، كانت تركض إليه فاتحة ذراعيها، وشعرها الناعم يرقص مع ركضها، تحضنه وكأنها لم تره منذ زمن لا نهائي، لم تعرف في طفولتها كلمة لا، فكل طلباتها مجابة، وأمام كلمة لا، كانت تضرب قدمها الصغيرة على الأرض احتجاجاً، بجرابها الأبيض وحذائها الزهري، فتتحول كلمة لا فوراً إلى نعم.

لم تعلم أنها عندما تظل بلا زوج، يعني كل مفردات الكارثة الاجتماعية، الخطيئة غير المقصودة، المتعلقة بالجمال والطباع والتربية، أو الخطيئة المقصودة، عندما تنفتح بوابات التأويل على مصراعيها:

-«يقولون لما كانت تدرس بفرنسا.. أستغفر الله».
Page 3
أو تنطلق الأفواه بحكمة متخلفة:

-«الدراسة بره تغير الطبع».

أو حكمة شعبية أكثر سخافة:

-«اللي ترفض خطاب، يرفضها النصيب».

كل تلك الأحكام المجتمعية، والضغط الأسري، أضعفتها وكسرتها، ونزلت كالصواعق على دماغها الجميل، الذي لم يكن يحمل غير الجمال، غير الفتنة بحقول معشوشبة بالغبطة.

بعد وفاة أبيها، فقد الأمان وتركت وحدها لتصارع أمواجاً تفوق قدرتها، كان الجميع في عالم، وكانت في عالم آخر، حتى صديقتها المقربة، قالت لها:

-«ظل راجل ولا ظل حيطة، مثل ما يقولون المصريين».

هنا الحيرة، المقارنة بين الرجل والحائط، كانت تظن أن المفاضلة يجب أن تتم بين رجل وآخر، ففي حالة الرجل والحائط، الكل سيختار الرجل، أليس ذلك هو المنطق؟

من يضع هذه المقاييس؟ لكن إن كانت مزحة، فقد أصبحت مبدأً اجتماعياً راسخاً، لا عدالة فيه، كمن يخيرك بين الموت والمرض، أو كما يحدث في الحروب إما أن تستسلم وتقبل بالذل، إما الموت، كلاهما مر كما يقال:

-«شاللي حادك على المر، قال اللي أمر منه».

بهذه المطارق الاجتماعية، تهشمت كل قناعاتها ونظرتها البهية للحياة، وتكسرت أحلامها الوردية على الصخور السوداء والحادة، على شواطئ مقفرة كأرض محروقة، كل ذلك فقط لأنها بلغت السابعة والثلاثين من عمرها، فاختارت الرجل على الحائط، ولو كانت تعلم ما ينتظرها في العشر سنوات التي تلت موافقتها، لاختارت الحائط.

كل ما كانت تنتظره أي فتاة من الزواج، وكل ما قيل عن الزواج، لم يكن فيه ولا في أفقه، فالرومانسية لا توجد إلا في الروايات والعقول ناقصة العقل والدين، والاستقلال في بيت، يعني الانتقال من الطفولة إلى الكهولة، والحب الذي تعرفه هو من بدع التغريبيين، أما الحب الحقيقي فهو يعني الجنس، وتلبية رغبات الزوج في أي وقت وحالة، وإلا عقاب المروق.

أدركت منذ اليوم الأول للزواج، أن الجميع خدعها وكذب عليها، عندما صوروا لها الحياة الجديدة كجنة أرضية، وعندما صوروا لها الأمان والاستقرار في ظل الرجل، كلهم كانو كذابين، فالحائط أفضل بكثير من الرجل.

* * *

بعد مرور أيام ظلت الصفحة بيضاء، وظلت شذى تحدق في نقطة البدء على سطح اللاب توب cursar وهي تومض في الفراغ الأبيض، كنبض شريان بلا دم.
Page 4
اسبرسو ولوموند

- Bonjour madam(1) .

رفعت رأسي فالتقت عيناي بابتسامة مهذبة من النادل، رددت عليها بابتسامة مماثلة:

- Bonjour.

سأل ورأس قلمه مستعد على نوتة الكافيه:

- ماذا تطلبين؟

أجبت فوراً:

- اسبرسو لو سمحت.

ثم عادت عيناي إلى سطور جريدة لوموند، تبحثان عن برامج ثقافية فرنسية، فهذا الموسم حافل بأنشطة مسرحية وموسيقية ومعارض تشكيلية، وروايات حديثة، فباريس ما زالت عاصمة النور، وفيها أجد كل ما هو حديث ومبتكر، كل صرعة مجنونة، وكل مدرسة فنية أو فلسفية جريئة، تتمرد على المألوف، بينما تنتظر عواصم العالم كأب في ردهة مستشفى ولادة، في مرواح ومجيْ مصيخاً السمع لصرخة الولادة الباريسية.

انتبهت لفنجان القهوة يوضع على الطاولة التاريخية، وصوت النادل يقول:

- Voila(2)

نحيت الجريدة جانباً، وقلت:

- Merci(3)

رائحة القهوة الطازجة، تمتزج مع رائحة الخشب القديم لكافيه«ليتوال 1903»، أنا أحب أجواء هذا الكافيه التاريخي، الذي تأسس عام 1903م، والمنزوي خلف صخب شارع الشانزليزيه، فعندما أنعطف في الشارع الذي يقع فيه الكافيه، اشعر وكأنني خرجت من ضجة حفل صاخب، إلى شرفة هادئة، أو كأنني خرجت من القرن الحادي والعشرين بلهاث إيقاعه السريع، إلى أوائل القرن العشرين بهدوئه ورومانسيته، وبطء إيقاعه.

أحب معظم كافيهات باريس، المشوبة بنكهة الفن والثقافة ورائحة تبغ السجائر الفرنسية«غولواز» و»جيتان»، مثل كافيه دي باريس، وكافيه جورج سانك، ولكني أفضل هذا الكافيه المليْ بالصور والملصقات القديمة، وأثاثه التاريخي، وحتى آلة صنع الاسبرسو القديمة، تشعرني أنني في متحف.

وضعت دائرة على إعلان عرض مسرحي تجريبي، وضغطت على أزرار هاتفي النقال، وحجزت مقعداً لي، وأحسست أني أنجزت شيئاً مشبعاً، وأشعلت سيجارة غولواز بلا فلتر، فأنا أحب السجائر على الطريقة الفرنسية القديمة، ونفثت الدخان، وبصري يجول في أرجاء الكافيه.

* * *

-«لحظة، ماذا سيقول الناس عني، وماذا سيقول زوجي»؟

فكرت مع نفسها، وشعرت بالذعر من الفكرة، كيف يمكن لامرأة كويتية أن تدخن؟ وشعرت بأن آلاف العيون مصوبة إليها، وآلاف السبابات موجهة إليها، وارتجفت في داخلها، ففكرة أن تدخن وهي المنقبة، وزوجة الرجل المتدين، فكرة مرعبة، وخطيئة ودنس.

ماذا سيقول وسيفعل زوجها عندما يقرأ ذلك؟ وماذا سيقول الناس؟ فرغم أن ما تكتبه مجرد خيال، لكنها لن تضمن أن الآخرين لن يفرقوا بين الواقع والخيال، حتى هي عندما كانت شابة، كانت تظن دائماً أن بطل الرواية هو نفسه الكاتب، وتستغرب أن الكتَّاب يصفون أنفسهم بالإجرام أحياناً، أو يسلكون سلوكاً غير مقبول اجتماعياً، وعندما يعرض مسلسل كويتي يصف التفكك الأسري مثلاً، تكون الانتقادات حادة وهجومية:
Page 5
- كيف يصف هذا المسلسل مجتمعنا وأسرنا بالتفكك، كيف يصور بناتنا بأنهن منحرفات؟

أو:

- من يشاهد هذا المسلسل، يظن أن مجتمعنا منحل، ينتشر فيه الفساد، فكيف يصور شبابنا بأنهم مدمنون؟ ونحن مجتمع متدين والحمد لله.

أو:

- هل خلت الدنيا من الموضوعات التي تصف أخلاق التدين، وتظهر بر الأبناء بوالديهم؟ الفن مفسدة، فكل همه إظهار الأمور الشاذة والمنحرفة في مجتمعنا، وهذا هو سلوك الليبراليين والعلمانيين التغريبيين، الذين يأتمرون بأوامر الغرب المعادي للإسلام؟

-«هذه المسرحية التي تظهر قناني الخمر، حتى وإن كانت خالية، فيها تحريض لشبابنا وتشجيع على المنكر».

وتتذكر رأي زوجها بالفنانين والأدباء:

-«كلهم ملاحدة فاسدين مدمنين شاذين جنسياً، إلا من رحم ربي، ليش حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل؟ لأنه كتب أولاد حارتنا، هذه الرواية المنحطة اللي تنشر الإلحاد، أخذ جائزة لأنه تآمر مع الغرب على الإسلام».

كانت في السنة الأولى من دراستها، الأدب الفرنسي عندما حضرت المسرحية الغنائية«البؤساء» les miserable، عن رواية فكتور هوغو، وخافت من شخصية البطل جان فالجان، وعندما التقت في دراستها للماجستير في التذوق الفني، بالبروفيسور شارل دومينيك، الذي كان يدرسهم مادة الأداء المسرحي، اكتشفت أنه نفسه من مثل دور جان فالجان، كان البروفيسور شارل بمنتهى التهذيب والوداعة، عكس الشخصية التي مثلها، وعانت من التشرد والسجن، ومن ظروف الحياة، وهنا فهمت أكثر الفرق بين الخيال والواقع.

في باريس التي عاشت فيها أكثر من سبع سنوات، يحترم الناس الفنانين والأدباء، ويستقبلون استقبالاً فخماً، حتى عند رئيس الجمهورية، وتوضع أسماؤهم في لوائح الشرف، أو عظماء فرنسا إلى جانب العلماء والأبطال التاريخيين.

قبل أن تذهب الى الدراسة في السربون، لم يكن لديها موقف سلبي من الأدب والفن، رغم أن أسرتها محافظة بالمعنى الكويتي، ملتزمة بالصلاة والصوم وتعاليم الإسلام، إلا أن والدها كان يقرأ لنجيب محفوظ ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس، وكان يستمع باحترام لأم كلثوم وعبد الوهاب، ويحفظ شعر أحمد شوقي وإيليا أبو ماضي، وكان يضحك كثيراً لمسرحيات عبد الحسين عبد الرضا وسعد الفرج، ولعل معظم أسر صديقاتها كانت تشبه أسرتها.

وعندما بدأ ينتشر الحجاب، لم يرغمها والدها أن تتحجب، وتحجبت والدتها برغبتها في سن كبيرة، وتتذكر أن والدتها كانت تصافح الرجال، ولم يكن ذلك خارج سياق المألوف في المجتمع، بل حكت لها والدتها عن التجمعات المختلطة أيام دراستها في القاهرة، وكيف كانوا يذهبون في باصات برحلات إلى الاسكندرية، والقناطر الخيرية، يغنون ويصفقون طوال الطريق، وتعرفت بوالدها أثناء الدراسة، وخطبها في السنة النهائية، وتزوجا بعد التخرج.

لا تعلم ماذا حدث، وكيف حدث ذلك بسرعة البرق، كيف حدث هذا الانقلاب الفجائي في المجتمع، أو لعله انقلاب في حياتها، وكأنها سافرت من بلد إلى بلد آخر لا يشبه الكويت التي عرفتها في طفولتها.

فجأة تحولت ألوان النساء الزاهية، إلى اللون الأسود، وتغير الضحك والفرح والابتسام، إلى التجهم والكآبة، وتغيرت المعلومات التي درستها في مناهج التربية الإسلامية، وتعلمتها من أهلها، واستجدت عليها معلومات لم تسمعها من جدها، الذي كان إمام مسجد وخطيباً، فحتى جدها كان يحب سماع فن السامري والفن البحري، هكذا نشأت.

كل شيء كان عادياً ومألوفاً، أصبح حراماً ومكروهاً، وعندما كانت تسأل أبيها، قبل أن تتزوج، كان يجيب:

-«الحلال بين، والحرام بين».

ولما كررت هذا الكلام لزوجها لاحقاً، قال بتجهم:

-«كان آباؤنا والمجتمع في ظلال، ثم جاءت الصحوة المباركة».

هي تتذكر الغزو عام 1990 على بلادها، وكيف تغيرت المفاهيم والقيم، واختل الأمان والاستقرار، كيف استجدت على مفاهيمها وعلى وعيها فظائع مثل الاعتقال والاغتصاب والتعذيب والقتل، فقد كانت في العشرينيات من عمرها، واضطرت إلى لبس الحجاب والعباءة، وعدم وضع مكياج وعدم نتف حاجبيها، حتى لا يطمع فيها الجنود الغزاة، أو رجال الاستخبارات، بل قضت معظم أشهر الاحتلال في المنزل.

كان رعباً غير حياتها، وأخل بأمانها، كانت تنتابها كوابيس بشكل ليلي، ولكنه لا يشبه الاعتقال والاغتصاب وكبت الحرية، التي اختارتها بنفسها، وكأن هذا الانقلاب بالمفاهيم والقيم، هو امتداد للاحتلال، ولكن باختيارها ورغبتها.
Page 6
ففي ذلك الوقت، تغير لون السماء إلى دخان اسود، وماتت الأزهار، وانتشرت القمامة، وفي حياتها الزوجية، لا سماء زرقاء، ولا زهور ملونة، والمشاعر استحالت خرائباً وركاما، وكأن ما يعنيه زوجها بالصحوة المباركة، تشبه ما عناه المحتل من الثورة المباركة، وكأنه انقلاب بلا دماء وشهداء، انقلاب على مجتمع طفولتها، مجتمع آبائها وأجدادها.

تتذكر التفتيش والتحقيق عند نقاط السيطرة:

-«من وين جايين»؟

-«من بيتنا».

-«وين رايحين»؟

-«نشتري أكل».

-«أكل من حقه»؟

-«أكل حقنا».

-«معاكم اسلحة أو مناشير»؟

-«لأ».

-«تعرفون أحد من المقاومة»؟

-«لأ».

وهكذا يستمر التحقيق، اثناء تفتيش دقيق للسيارة ولملابسنا، كان ذلك يشبه تحقيق زوجها معها:

-«وين رايحة»؟

-«بيت أمي».

-«ليش بتروحين بيت أمك»؟

-«ما شفتها من زمان».

-«وليش أمك ما تزورك»؟

-«لأنها تعبانه».

حتى كرهت الخروج، وأصبح البقاء في المنزل، أهدأ لدماغها، ودرءاً لمهانتها، وحفظاً لمشاعرها من الأذى، وعندما تستأذنه بالذهاب إلى مجمع تجاري مع صديقتها، يبدأ في التحقيق عن صديقتها، وعن المجمع، وعن مدة بقائها، وعن ساعة عودتها، وقبل أن يوافق على مضض، لا بد من محاضرة طويلة:

-«شتبين بهالأماكن؟ كلها شباب طايش متشبهين بالنساء، وبنات فاصخات متشبهات بالرجال، فيها والعياذ بالله بنات يدخنون الأرجيلة، هذه الأماكن كلها رذيلة وفسق وفجور.

ثم تبدأ الأوامر:

-«لا تتأخرين».

-«حاضر».

-«لا تدخلين محلات فيها بياعين رجاجيل».

-«إن شاء الله».

-«ابتعدي عن الأماكن اللي فيها شباب».

-« إن شاء الله».

-«لا تدخلين سينما».
Page 7
-«إن شاء الله».

-«قولي حق صديقتك لا تلبس كعب عالي».

-«إن شاء الله».

-«إتصلي فيني كل شوية».

-«إن شاء الله».

لكن ما أن تطأ رجلها المجمع، حتى يلح هاتفها بالرنين:

-«وينك»؟

-«تونا واصلين المجمع».

وهكذا كل عشر دقائق، لدرجة أنه أحياناً يتصل، ولا يجد ما يقوله:

-«نسيت شبي أقول لك».

* * *

هي في غنى عن السجائر في روايتها، في غنى عن التجريح والاذلال والشك، فلم تجعل بطلتها مدخنة؟ وهي لا تعرف حتى اسمها، ولكنها تعرف وتشعر بأنها تشبهها، أو فيها شيء منها، فهي كأنها تشعر بشعورها، وترى بعينيها، وتسمع بأذنيها، والعمر نفسه، والملامح نفسها، فيما عدا التدخين.

فلم التدخين، الذي قد يجلب عليها عدم تفهم وإدانة؟

* * *

حدقت بكلمة ليتوال، المكتوبة بخط قديم على قائمة الطلبات، والتي تعني نجمة باللغة الفرنسية، وإشعاعها يشكل مثل الطرق المشعة، فالنجمة هي ملتقى الطرق، وسان لازار أو قوس النصر، الذي ينتصب في منتصف باريس، يشكل مركز النجمة، والطرق التي تتفرع منه، هي إشعاع النجمة، مثل شارع الشانزليزيه، والشارع الذي يقع فيه الكافيه واسمه، أفنيو دي واغرام، وغيرها من الطرق المشهورة التي تتميز بها باريس.

فهل اخترت اسم روايتي ليتوال 2010 تيمناً بكافيه ليتوال 1903؟ أم أن الأمر جاء بلا وعي مني، أنني في عام 2010 وجدت نفسي في مفترق طرق رئيسية في الحياة؟

وبينما كنت أنقر بأظافري الزهرية على الطاولة، دخل هو إلى الكافيه.
Page 8
قميص كحلي وشال بيج

وقف عند مدخل الكافيه، وجال بنظره بحثاً عن طاولة مناسبة، ولما اقترب منه النادل، بادره الرجل:

Salut(4)

فرد النادل بابتسامة، وقاده إلى طاولة بعيدة نسبياً عني، خلع عنه الجاكيت البيج، وجلس في مقابلي، وطلب شيئاً لم أسمعه، وتناول جريدة فرشها على الطاولة، وخفض رأسه ليقرأ.

لم أستطع أن أبعد عيني عنه، فيه شيء جذاب، يشبه جاذبية الممثلين، مثل آلان ديلون، وجون بول بولموندو، فيه سحر الأفلام الفرنسية القديمة، أو ما يسمى Glamour days(5) عندما كان للسينما بهاؤها وبريقها ورونقها، رغم أن معظم الرجال الفرنسيين في سنه، أي من سن الأربعينيات فما فوق، يحملون كاريزما في تقاطيع وجوههم، وحضورهم الطاغي، كان فيه بهاء وهدوء دافئين.

وضع النادل أمامه كوب اسبرسو وكأس كونياك، كما يفعل كثير من الفرنسيين، ابتسم للنادل شاكراً، ورشف من القهوة وأتبعها برشفة من الكونياك، ثم أشعل سيجاراً فرنسياً صغيراً، أو ما يسمى سوجاريللو، وصل عبقه الرجولي مشوباً برائحة القهوة في المكان إلى أنفي، ثم أخرج الدخان من منخريه، وخفض عينيه مرة أخرى إلى الجريدة.

سحرت به، ولم أستطع أن أزيح ناظري عنه، كان يلبس قميصاً من الكتّان (لينن)، لونه كحلي بياقة قصيرة، تركه خارج البنطلون البيج، ويضع حول رقبته شالاً قطنياً بلون البيج، وشعره رمادي كثيف، ويضع على عينيه نظارة قراءة مستديرة بإطار أصفر، معلقة بخيط أصفر على رقبته، وترك شعر لحيته وشاربه الأبيض، ينمو بشكل خفيف، ورغم أن الجو كان بارداً، إلا أنه كان ينتعل حذاءً بني مصفراً منخفض الكعب، بلا جوربين.

أنا عادة عندما يعجبني منظر، أطيل الجلوس في المكان، فسنوات عمرنا غير صبورة، ولا يجب أن ننساق مع قلة صبرها، ونغفل عن نقاط الجمال، التي تحتويها الحياة، فما إن يبدأ يناير حتى نصل سريعاً إلى ديسمبر، وكأن في السنة شهران فقط، نشاهد الدنيا كما نشاهد المناظر من نافذة قطار سريع، أو مترو أنفاق، نرى محطة الركوب ومحطة النزول، ولا نرى الرحلة بينهما.

تعلمت أن أتأنى، وأخفف من إيقاع خطواتي، كي ألتقط ما يستحق التأمل والتدقيق، والاستمتاع به، كمصور فوتوغرافي، يبحث عن لقطة جميلة أو لحظة سحرية ليسجلها ويحفظها.

أحياناً أقف عند منظر طبيعي خلاب، وأحياناً تلتقط عدستي وجه إنسان، وأحياناً مجموعة من الناس، وأحياناً مبنى كلاسيكياً، وأحياناً لوحة تشكيلية أو تمثالاً رومانياً، وقد تكون اللقطة واسعة شاملة، وأحياناً تكون زووم مقربة، تظهر تفصيلاً مذهلاً، وأحياناً لا أنتبه إلى تأملي لشرخ في جدار، أو أغوص في عقدة خشبية بخشب الطاولة، أو في تشكيلات عروق الرخام تحت قدمي.

هذا المخلوق جميل، أجمل من لوحة انطباعية، رجل يجذب ويستحوذ على الانتباه دون عناء، إنسان ليس من العابرين، ووجه لا يصلح أن يضيع في الزحام، ولا ينتمي لهذا الزمن، ولا لأي زمن.

شخصية من شخصيات الروايات الفاتنة، التي لا تستطيع أن تتركها من يدك، ولا تود أن تنتهي أبداً، تلك الروايات التي تود لعن الكاتب لإنهائها، وتتمنى لو كان بقربك لتضمه وتصفعه بنفس الوقت، شخصية تعيش معك بقية سنوات عمرك، موجودة وغير موجودة، وكلما تذكرتها تتساءل:

- يا ترى ماذا يفعل الآن؟

أو:

- ماذا سيقول وكيف سيتصرف في مثل هذه اللحظة؟
Page 9
شخصية مكتفية بذاتها، تحتوي على نسغ الحياة، كالشجرة القديمة الشاهدة على الزمن، كالمبنى التاريخي الذي يحكي بصمت، كالحكيم الصامت الذي مل من التفسير والتوضيح، وترك الآخرين ليكتشفوا الحياة بأنفسهم، شخص يكفي وجوده، ولا يحتاج إلى التعريف بنفسه.

رفع رأسه، وانتبه لتحديقي به، فابتسم وهز رأسه هزة خفيفة، محيياً بتهذيب، فارتبكت وخجلت، كربكة الطالب الذي يكشف لحظة غشه من ورقة امتحان زميله، ابتسمت بدوري، دون إعطاء أي انطباع، وكأن عيني التقتا صدفة بعينيه، وعدت أنظر إلى الجريدة، دون أن أقرأ حرفاً، لكنني أحسست بوهج حرارة في وجنتي، وأدركت أنهما محمران في هذه اللحظة.

وبعد فترة، نهض وأخرج محفظة نقوده من جيب بنطلونه الخلفي، وسمعت رنين القطع المعدنية على الطاولة، نظرت إليه ولا أعلم هل بان الأسى في عيني، وفجأة التفت إلي وابتسم محيياً مرة أخرى، لبس الجاكيت وغادر.

وتبعته بعيني من خلف زجاج الكافيه، ومن خلف الكتابة بالأحمر على الزجاج، وكان شاله وخصلات شعره يرفرفان مع الهواء، قلص رقبته اتقاء للهواء البارد واختفى.

* * *

لعنت اللحظة لانتهاء المشهد دون أن أشبع منه، نهضت سريعاً وكأني أود اللحاق به، ووضعت شالي على رقبتي، ووضعت ورقة نقدية تحت فنجان القهوة، كما هي عادتي، ولم أرد على النادل الذي قال:

- Au revoir(6)

رن الجرس الصغير المعلق على الباب الزجاجي، عندما أقفلته خلفي، وأحكمت لف شالي حول رقبتي، وثبت البريه الأحمر على رأسي، وأنا أبحث في ظهور الرجال عن جاكيت بيج، دسست كفي في جيبي البالطو الذي يصل إلى ركبتي، وأسرعت الخطى.

رغم أن الجو كان مشمساً، إلا أن عابري الطريق، كانوا يرفعون ياقاتهم، ويمسكون بمظلات تحسباً لمطر محتمل، أعلنت عنه نشرة أخبار الطقس، التي نادراً ما تخطئ في توقعاتها، لكن السماء والأجواء تتصرف أحياناً بعناد وبغير توقع، مخيبةً تنبؤات المتنبئين الجويين.

كنت أشرئب بعنقي بحثاً عنه، فلا أنتبه إلى أكتاف الناس التي كنت أصطدم بها، فأعتذر:

- Pardon(7)

لم أكن أعلم لم أبحث عنه، أو ماذا أريد منه، لكنني شعرت بأن لهذا الإنسان علاقة بحياتي، وكأنه شيء كنت أبحث عنه منذ أزمان، كان كالنبوءة التي كادت تتحقق، كالفراشة الملونة التي طارت من كفي المفتوحة، كالماء العذب الذي تسرب من بين أصابعي، ولم يروِ عطشي، كنبض القلب الذي بدأ يخفت ويتلاشي، كحلم الطفولة الذي تبدد كالغيم مع الريح، اختفى.

كان لهاثي يزداد، وأنا أسرع الخطو كمن يخشى أن يفوته القطار، كانت أنفاسي الحارة التي تخرج من فمي المفتوح، تتكثف بخاراً أبيض يسير عكس اتجاهي، كدخان سفينة بخارية تصارع أمواج المحيط الساخط.

ندمت لارتدائي حذاء بكعب عال هذا اليوم، لم يكن خياراً موفقاً، اخترته فقط لأن لونه يناسب البريه الأحمر البرغندي على رأسي، ولون الشال الصوف على رقبتي، لكنني في العادة، كنت أنتعل حذاءً رياضياً لمشاوير النهار، وأترك الكعب العالي لمناسبات المساء، لم يكن اختياري لهذا اليوم موفقاً.

لكن ما أدراني أنني سأخوض ماراثوناً، لم أعرف ماذا ينتظرني هذا اليوم، كنت أخطط لإيجاد كافيه منزوي، أو بقعة شمس في الحديقة الخلفية لكاتدرائية نوتر دام، لأقرأ فيها رواية ممتعة، وأقضي نهاراً هادئاً، انتظاراً لسهرة المساء في أحد المسارح، كنت أخطط لهدوء واسترخاء، ولم أخطط لتوتر ولهاث، كنت أريد إيقاعاً بطيئاً كسولاً لهذا النهار، ولم أرغب في دقات قلب سريعة، وحموضة في المعدة، وحبات عرق غير مرئية عند منابت شعري، مثلما يحدث معي في المطارات، حيث كل شيء على عجل، أعلق حقيبة يدي على كتفي، وأجر أخرى على عجلات صغيرة، وأمسك بجواز سفري، وأنا ابحث عن بوابة المغادرة، ورغم التوتر وحموضة المعدة، كنت أستعين بعلكة، أمضغها بقوة وسرعة، وأحول توتري إلى فكي، وما إن أجلس متهالكة على كرسي الطيارة، حتى أشعر بحجم الجهد والتوتر اللذين بذلتهما، في هذا العمر، وتجنباً لكل هذا التوتر، أذهب إلى المطارات مبكراً، وقبل موعد الطائرة بساعات، مما يتيح لي المجال لأهدأ بدنياً وذهنياً.

كان ناظري يتسلقان فوق الأكتاف، كنت أريد أن أرى ما وراء الجموع الذاهبة والقادمة، كان ناظري يبحثان عن جاكيت بيج، واختفى صوت كعبي السريعين على الرصيف المكتظ بالناس، والأزهار واللافتات ومظلات الكافيهات المخططة بالأبيض والأخضر، أو بالأبيض والبرتقالي أو الأحمر.

اقتربت في شبه عدو، من صوت أوكورديون، يعزف عليه رجل غجري بكرش، يضع على رأسه كاسكيت صوف، ولا أعرف كيف تبينت موسيقى أغنية بياف padam padam، وكيف انتبهت لحمالات البنطلون المعلقة على كتفيه، اقتربت منه فارتفع صوت الأوكورديون، وابتعدت عنه فخفت الصوت، ثم مررت بصوت عجوز ظهرها منحني، تجادل بائع خضار، حتى اختفى الصوت، ثم مررت على رجلين بشعريهما الأشيبين، يجلسان على طاولة صغيرة مستديرة، يتناقشان في السياسة بصوت عال، وأمامهما كأسا بيرة كبيرتان، اقتربت منهما فارتفعت الأصوات، وابتعدت عنهما فخفتت وتلاشت الأصوات.

لا أعرف إن كنت قد تعمدت الاستماع، أم جاءت كل تلك المشاهد والأصوات، كخلفية ذهنية ونفسية تصويرية لشعوري، شعرت بسخونة في جسدي، وأحسست ببلل خفيف تحت ابطي، وبتعب وشد في ربلتي ساقي.

أين ذهب؟ هل سرت في الاتجاه المعاكس؟ ولكنني رأيته يخرج من الكافيه، ويسير في هذا الاتجاه، فهل دخل إلى أحد المحلات التي مررت بها؟ لكني لم أكن أريد التوقف وتضييع الفرصة، ولكن فرصة لماذا؟ هل فقط لأراه؟ ثم ماذا؟

نحيت التساؤلات التي بدأت تبطئ خطواتي، وتبعت حدسي، رغبتي الغامضة التي لا تفسير لها، لا أريد لأي منطق أن يحبطني، لا أريد لأي تفسير أن يضعف طاقتي التي تشبه طاقة الرقص، متعب لكنه يملأ الإنسان بقوة شعورية وروحية هائلة، مثل رقص الإنسان البدائي، الذي يستلقي بعده سابحاً بالعرق، يركض قلبه كحصان بري، يرتفع وينخفض صدره، كبركان يتهيأ للانفجار، ويشعر بعدها أنه تطهر من شياطين الحياة التي لا يفهمها، إلا ببساطة البداءة.

لكن لبدني الأربعيني قدرة محدودة، وازداد شد وألم ربلتي ساقي، وأصبحت أنفاسي قصيرة وضحلة، وتباطأت خطواتي رغماً عني، وزادني الإحباط ضعفاً، ففي بداية الماراثون، عندما كان لدي أمل أسعى خلفه، كانت طاقتي طاقة شابة في العشرين، وعندما غادر الأمل، كبرت ثلاثين عاماً.

أصبحت خطواتي أبطأ وأبطأ، وبدأت أسمع صوت كعبي على الرصيف، يصبح صوت جر وسحب، وليس صوت خطوات واثقة، وبدأت أشعر بألم أصابع قدمي المضغوطة في مقدمتي الحذاء، وشيء يشبه الذبذبات والأزيز الكهربائي في ساقي، وشعرت بسخونة وجهي ورأسي.

توقفت، وانحنيت مستندة بكفي الى ركبتي، وأنا ألهث دخاناً أبيض، ولاحظت دخاناً أبيض آخر يخرج من فتحة غطاء مجاري، كدخان قطار بخاري توقف في المحطة النهائية، وفجأة سمعت نداءً:

- تاكسي.

رفعت رأسي بينما ظلت كفاي على ركبتي، فإذا بجاكيت بيج، يدلف في سيارة أجرة.
Page 10
فلاش ميموري

-«شنو شاغل بالك»؟

سألها بلهجته المتشككة، وهو يدفع بدخان البخور ناحية«شماغه»(8) بكفه، بينما كان يمسك باليد الأخرى طرف الشماغ، أجابت:

- "سلامتك، ولا شي".

كانت لديه نظرات حادة، صريحة في تشككها، كنظرات محقق الاستخبارات والمباحث، اهتز "المبخر" في يدها ارتباكاً، فتعرج دخان البخور المتصاعد، ركز نظراته على وجهها، دون أن يرمش، محاولاً استكشاف وقراءة ما تخفيه عنه، ثم كرر:

- "شفيك"؟

ردت بصوت أعلى، قد يبدو هجوماً، لكنه في الواقع كان دفاعاً، يخفي خوفاً وضعفاً داخليين:

- "ما فيني شي".

وكمحقق ماهر، تناول الموضوع من زاوية أخرى:

- "شلون اللاب توب وياك"؟

كان سؤاله يعني:

- هل هذا ما يشغلك؟

أو:

- أنا لا تفوتني شاردة أو واردة.

كانت تعرف أساليبه، وتتوقع القادم منه، فأجابت بصوت حيادي:

- "عادي".

اعتادت على هذه الأجواء الإرهابية، اعتادت على التقصي والتفتيش والتجسس، فإن أمسكت بمجلة أو كتاب، يقول لها ماداً يده:

- "أشوف شتقرين".

وكانت تستمتع بأن تشعره بالعجز، فتقرأ كتاباً باللغة الفرنسية، وكان يأخذه ويقلبه، فلا يفهم فيه كلمة واحدة، فيدقق في غلافه ثم يسأل:

- "شعنه هذا الكتاب"؟

فتجيب ساخرة في داخلها:

- "رواية".

لكنه قد يكون أي موضوع آخر، طالما الغلاف لا يشي بشيء، ولكنه يجب أن يضع بصمته:

- "شلك بهالقصص والخرابيط غير المفيدة، أقري لك شي مفيد".

لكنه أحياناً يأخذ موقفاً من الكتاب، من غلافه، حتى وإن لم يفهم محتواه، خاصة إذا كان عليه صورة عاشقين يقبلان بعضهما مثلاً، أو صورة امرأة شبه عارية:

- "لو عندك عيال، ترضين يشوفون هالصورة"؟

تجيبه بنصف ابتسامة:

- "ما عندي عيال".

لكنه لا يستسلم:

- "شيصدر لنا الغرب غير هالفساد، ويسمونها حرية، ويحرمون المسلمات من حريتهم في لبس الحجاب والنقاب، ويقولون حرية وتحضر.

تعلمت أن تصمت بلا اقتناع، وأن تشعره بأنه العارف بكل شيء، فهو يفهم بالدين والسياسة والفلسفة، ويحفظ كل فتاوي أهل العلم والجماعة، كما يسميهم، لكنه لا يعتمد على علمه، بل يعتمد على السلطة التي يعتقد أنها منحت له، يعتمد على واجبه كآمر بالمعروف، وناه عن المنكر، وكل حوار أو نقاش منها، كان يعتبره مساساً بالدين وثوابته.