eKtab
EN ع
ما الذي أؤمن به
Read free sample

ما الذي أؤمن به

by برتراند راسل

Page 1

تُرجمت معظم أعمال راسل إلى العربية، ولكن بقيت بعض أشهر مقالاته وأكثرها تأثيراً وقراءة غير متوفرة باللغة العربية. نجمع بعض من هذه المقالات هنا في هذا الكتاب. تأتي هذه المجموعة المختارة من المقالات لتملأ هذا الفراغ، من جهة، ومن جهة أخرى، تساعدنا هذه الأعمال في الوصول إلى إجابات على أسئلة محورية نواجهها اليوم.

كافة المقالات المترجمة هنا مقالات شعبية مكتوبة لغير المختصين، ولكن لا ينتقص هذا من قيمتها الفكرية. كان راسل ملتزماً طيلة حياته بالعمل على تغيير العالم الذي يعيش فيه، وعلى مخاطبة الجمهور بأسلوب عقلاني واضح. هذه إحدى الفضائل الفكرية للفلسفة: الشرح والتوضيح والتبسيط، وفتح المجال للجميع كي يشاركوا في عملية تغيير العالم.

سأعرض سريعاً لفكر راسل في ثلاثة محاور رئيسة، أرى أنها الأكثر إلحاحاً في عالمنا اليوم، وتحديداً في عالمنا العربي.

Page 2

أولاً: الحرية

كان راسل وريثاً لليبرالية جده الروحي وصديق والده، جون ستيوارت مل. دافع طيلة حياته عن حرية التعبير في وجه العقائد الدينية والقومية المتشددة.

كانت معركة راسل دفاعاً عن حرية التعبير بغض النظر عن القوة القامعة. هذا المبدأ الأساسي كان أحد محاور تفكيره في السياسة والأخلاق. كما سنرى في المقالات المترجمة هنا، «الحرية والجامعات» و«التفكير الحر والبروباغندا الرسمية»، هاجم راسل شيوعية الاتحاد السوفييتي ورأسمالية الولايات المتحدة، لأن كليهما تقمعان حرية التعبير. راسل، اليساري الفوضوي، رفض القمع الممارس في روسيا منذ بداية حكم البلاشفة، ورفض تبرير هذا الكم الهائل من الإذلال باسم الاشتراكية؛ كما رفض، وهو الليبرالي، قمع الأصوات اليسارية والشيوعية في أمريكا، باسم حرية تتم خيانتها يومياً.

كان راسل يخشى أن تُقمع الحريات الفردية باسم الديمقراطية. أصرَّ راسل، متبعاً مل وتوكفيل وغيرهم، أن حرية الفرد مقدسة. لم ير راسل في انتشار القوميات والحكمة الجمعية السبيل لتحقيق الحرية. لذا كان معارضاً لحملات التخوين التي تتم باسم روابط جمعية مختلفة، من الدين إلى القومية إلى الاشتراكية.

Page 3

ثانياً: الدين

انتقد راسل قمع البلاشفة للمؤمنين، كما انتقد قمع المتدينيين للملحدين. موقفه من الدين ينبع من التزام مبدئي بحرية التعبير والإيمان، كما شرحنا أعلاه.

أما موقفه الشخصي من الدين فيتوزّع على نقطتين: قراءة عقلانية للدين، وقراءة للنتائج العملية للإيمان الديني. القراءة العقلانية تجعل راسل يصر على اللاأدرية فيما يتعلق بوجود الله أو الآلهة بالمجمل. الإلحاد، كالإيمان، مواقف لاعقلانية ولا تستند إلى دليل. فيما يتعلق بالنقطة الثانية، أي النتائج العملية للإيمان الديني، يرى راسل أن الدين كان، وما زال، عقبة في وجه التقدم الأخلاقي والفكري للبشرية.

موقف راسل من الدين مركَّب إذاً.

أولاً، يدافع راسل بشدة عن حق الجميع، من ملحدين ومؤمنين، في التعبير عن آرائهم، ويرفض كل أشكال قمع حرية التعبير.

ثانياً، موقفه الشخصي من الدين أنه إيمان لا عقلاني؛ ولكنه ليس بملحد، طالما أن الإلحاد كالإيمان لا يستند إلى أي دليل عقلاني.

ثالثاً، الدين بشكله الدوغمائي المنتشر يحول دون نشر الأخلاق والفضيلة والعقلانية بين البشر.

Page 4

ثالثاً، العقلانية والفلسفة

دافع راسل عن العقلانية طيلة حياته، ورفض الإيمان بأية قضية أو رأي لا تدعمها الأدلة بشكل عقلاني واضح1. من جهة أخرى، متبعاً هيوم بشكل رئيس، يرى راسل أن للعقل حدوداً، وأن الموقف العقلاني أيضاً يقتضي بأن نسلّم بأن فهمنا للعالم محدود بحدود العقل.

رفض راسل، وبشدة، التيارات اللاعقلانية التي انتشرت في القرن العشرين، والتي دعت إلى التخلي عن العقل والتسليم بالخرافات، تحت ذرائع مختلفة، منها نجاحات علم النفس الفرويدي والحربين العالميتين وانتشار البراغماتية والنسبوية ودعاة الحقائق النسبية المحلية.

في المقابل، تيارات لاعقلانية، كفلسفة نيتشه، عادت المسيحية ودعت إلى أخلاق القسوة والوحشية؛ وقد استخدم النازيون نيتشه بنجاح باهر كما نعلم. التيارات التاريخانية، التي تدعي أنها تثبت أن الدين بأكمله خاطئ، وينتمي إلى مرحلة تاريخية مختلفة متخلِّفة، كفلسفة ماركس وأتباعه وغيره من التاريخانيين، أدت إلى فرض الإلحاد، ورفض التسامح، طالما أنها تملك الحقيقة. موقف راسل العقلاني الليبرالي المنفتح، هو في العمق موقف متسامح قائم على قبول الآخر واحترام رأيه. نتمنى من القارئ أن يفكر ملياً في هذه المواقف الثلاثة، وفي مآلاتها في الفلسفة الغربية والتاريخ الغربي، وفي انعكاساتها على ثقافتنا.

Page 5

في الظروف الاستثنائية التي نعيشها اليوم، نحن بأمسِّ الحاجة إلى فكر يلهمنا في معاركنا مع الفاشيات. دفاع راسل الواضح عن حرية التعبير للجميع، ونقاشه العقلاني للدين، وعقلانيته الفلسفية، ستتيح لنا أن نتفكّر بظروفنا، وأن نسعى إلى غرس قيم العقلانية والتحرر والتسامح، مهما اشتدت الظلمات.

تتوزّع المقالات في هذا الكتاب على أربعة أقسام، تتداخل وتتقاطع بشكل كبير.

القسم الأول يحتوي على كتيّب راسل الصغير «ما الذي أؤمن به؟»، والذي يشرح فيه رؤيته الفلسفية للأخلاق والإنسان والطبيعة بطريقة مبسّطة وأخّاذة.

القسم الثاني مخصص لمقالات الدين، ويحتوي على ست مقالات: «لماذا لست مسيحياً؟»، «هل قدّم الدين مساهمات مفيدة للحضارة؟»، «من هو اللاأدري؟»، «هل ننجو من الموت؟»، «إيمان العقلاني»، والمقال الأدبي «عبادة الإنسان الحر».

القسم الثالث مخصص لقضايا الحرية، يحتوي على مقالين اثنين: «التفكير الحر والبروباغندا الرسمية»، «الحرية والجامعات».

القسم الرابع والأخير يضم مقالين ساخرين لراسل، «الناس الطيبون» و«كيف تصبح عبقرياً؟».

Page 6

حصل برتراند راسل على جائزة نوبل للآداب عام 1950، تقديراً لجهوده في تعميم الفلسفة ودوره السياسي والأخلاقي في الدفاع عن الحريات ونثره المميز الساحر. يضم هذا الكتاب بعض أكثر مقالاته مبيعاً وقراءةً قي العالم الناطق بالإنكليزية، مثل «ما الذي أؤمن به» و«لماذا لست مسيحياً» و«عبادة الإنسان الحر». أتمنى أن أكون قد وفّقت في نقل أسلوب راسل الرشيق والمحبب إلى العربية.

سأترك القارئ الآن مع هذه الأعمال، متمنياً له الاستمتاع بالنثر الفني، وبالفكر الحر. آمل أن تحرّض هذه المقالات القرّاء على التفكير بعقلانية فيما يعترضنا من صعوبات، وأن تزرع روح التسامح في القلوب.

يختصر راسل رؤيته للحياة الجيدة في عبارة صغيرة، نأمل أن يستذكرها القارئ طويلاً بعد قراءة الكتاب:

« الحياة الجيدة هي تلك التي يلهمها الحب وتقودها المعرفة».

Page 7

الإنسان جزء من الطبيعة، وليس شيئاً مناقضاً لها. أفكاره وحركاته الجسدية تخضع لنفس القوانين التي تصف حركات النجوم والذرات. العالم الفيزيائي ضخم مقارنةً بالإنسان، أضخم مما كان يعتقد أيام دانتي ولكنه ليس ضخماً إلى الدرجة التي بدا عليها قبل مئة عام. صعوداً ونزولاً، في الاتساع وفي الصغر، يبدو أن للعلم حدوداً يقف عندها. يُعتقد أن للعالم حدوداً نهائية في الفضاء، وأن الضوء يستطيع أن ينتقل فيه خلال مئات الملايين من السنين. يُعتقد أن المادة تتكون من البروتونات والإلكترونات، التي لها حجم محدد وكمية محددة في هذا العالم. تغيراتها ليست مستمرة غالباً، كما كان يعتقد، وتنشأ عن الاهتزازات، اهتزازاتٍ لها حد أدنى. يمكن تلخيص قوانين هذه التغيرات بوضوح من خلال بعض المبادئ العامة، والتي يمكن أن تحدد ماضي ومستقبل هذا العالم إذا عُرِفَ أي جزء صغير من تاريخه.

علم الفيزياء يقترب من مرحلة الكمال، وبالتالي سيصبح غير مثير. إذا أُعطينا القوانين التي تحكم حركات البروتونات والإلكترونات، لن يتبقى سوى عمل جغرافي، مجموعة من الوقائع الخاصة تخبرنا بتوزعهم في فترةٍ ما من تاريخ العالم. إن العدد الكامل لوقائع الجغرافية المطلوب لتحديد تاريخ العالم هو على الأغلب محدود، نظرياً من الممكن كتابة كل تلك الوقائع في كتاب كبير يُحفظ في سومرست هاوس مع آلة حاسبة متصلة به، وبإدارة المقبض نستطيع أن نعرف الوقائع في أية فترة زمنية أخرى. من الصعوبة بمكان أن نتخيّل أي شيءٍ أقل تشويقاً من ذلك أو أكثر اختلافاً عن المتعة المشبوبة لاكتشاف الحقائق. يشبه ذلك تسلق جبل شاهق لا نجد على قمته شيئاً سوى مطعماً يقدّم البيرة، محاطاً بالضباب لكنه مزود بخدمة الاتصال اللاسلكي. ربما في أيام «أحمس» كان جدول الضرب شيئاً مثيراً.

Page 8

الإنسان جزء من هذا العالم الفيزيائي، غير المثير بحد ذاته. جسد الإنسان، كأية مادة أخرى، يتكون من بروتونات وإلكترونات، وكما نعلم إلى حدّ الآن، يخضع لنفس القوانين التي تخضع لها النباتات والحيوانات. لا يزال البعض يؤكد أنه من المستحيل إرجاع الفيزيولوجيا إلى الفيزياء، ولكن حجتهم ليست مقنعة تماماً ويبدو أنه من الحصافة الافتراض بأنهم مخطئين. يبدو أن ما نسميه «أفكارنا» تعتمد على سبل تسلكها في الدماغ بنفس الطريقة التي تعتمد بها الرحلات على سبل تسلكها على الطرقات وسكك الحديد. ويبدو أن الطاقة المستخدمة في التفكير لها أصل كيمائي. على سبيل المثال، نقص اليود سوف يحوّل رجلاً ذكياً إلى أحمق. يبدو أن الظواهر العقلية مرتبطة بالتركيب المادي.

إذا كان الأمر كذلك، فلا أستطيع الافتراض أن البروتون أو الإلكترون المفرد يستطيع «التفكير»، كما أننا لا نفترض أنه يستطيع ممارسة كرة القدم. أيضاً لا نستطيع الافتراض أن تفكير الفرد سيبقى بعد موت جسده، بما أن ذلك يدمر تنظيم الدماغ ويبدد الطاقة التي تستخدمها السبل الدماغية.

الله والخلود، العقائد الأساسية في الدين المسيحي، لا تجدان أي دعم من العلم. لا يمكن القول أن أياً منهما جوهري للدين، بما أن كليهما غير موجود في البوذية. ( فيما يتعلق بالخلود، الحكم المطلق قد يكون مضللاً، لكنه صحيح في التحليل النهائي). ولكننا في الغرب نعتقد أنهما العنصران الأساسيان في اللاهوت. بلا شك سوف يستمر الناس بالإيمان بهما، لأنهما يبعثان السرور، كما يبعث السرور الاعتقاد بأننا أخيار وأن أعداءنا أشرار. ولكن بالنسبة إليَّ لا أجد سنداً لأي منهما. أنا لا أدعي أنني قادر على إثبات أن الله غير موجود. وبنفس الوقت أنا لا أستطيع أن أثبت أن الشيطان وهم. قد يكون إله المسيحية موجوداً، وكذلك آلهة الأولمب، أو مصر القديمة، أو بابل. ولكن ليست إحدى هذه الفرضيات أكثر احتمالاً من الأخرى: توجد جميعها خارج سلطان المعرفة الممكنة، ولذلك لا يوجد أي سبب لنأخذ أياً منها على محمل الجد. لن أجادل مطولاً في هذا الأمر، لأنني قد بحثت فيه في مكانٍ آخر2.

Page 9

يعتمد السؤال حول الخلود الفردي على أرضية مختلفة نوعاً ما. هنالك احتمال أن نجد هنا برهاناً سلبياً أو إيجابياً. الأفراد جزء من العالم اليومي الذي يهتم به العلم، والشروط التي تقرر وجودهم ممكنٌ اكتشافها. قطرة الماء ليست خالدة، فنحن نستطيع تفكيكها إلى أوكسجين وهيدروجين. لذلك، إذا ادّعت قطرة الماء أن لها خاصية مائية سوف تبقى بعد تفككها لكنّا مجبرين على الشك في هذا الادعاء. بأسلوب مماثل نعرف أن الدماغ ليس خالداً، وأن الطاقة العضوية للجسم الحي تنتهي مع الموت وتصبح غير فعّالة. كل الأدلة تشير إلى أن ما نعتبره حياتنا العقلية مرتبط بالبنية الدماغية وبالطاقة الجسدية العضوية. لذلك من المنطقي أن نفترض أن الحياة العقلية تتلاشى عندما تتلاشى الحياة الجسدية. البرهان احتمالي فقط، ولكنه بقوة تلك البراهين التي تعتمد عليها النتائج العلمية.

هنالك العديد من النقاط التي يمكن الاعتراض عليها في هذه النتيجة. تؤكد الدراسات النفسية وجود أدلة عملية فعلية على البقاء، وبدون شك فإن نهجها، من حيث المبدأ، صحيح علمياً. ربما تكون الأدلة من هذا النوع قوية بشكل لا يسمح لأي شخص ذي ميل علمي برفضها. القيمة التي يجب إعطاؤها لهذا الدليل تعتمد على الاحتمالية السابقة لفرضيات البقاء. يوجد عدة طرق مختلفة لتفسير مجموعة من الظواهر، ويجب الاختيار، لدعم هذا الدليل، من هذه الطرق تلك التي هي مسبقاً أقل احتمالاً. فأولئك الذين يرون أننا نبقى بعد الموت سوف يكونون جاهزين لتبني هذه النظرية كي تفسر الظواهر النفسية. أما أولئك الذين، وعلى أسس مختلفة، يرون أن هذه النظرية غير معقولة سوف يبحثون عن تفسيراتٍ أخرى. بالنسبة إليَّ، أعتقد أن الدليل المقدّم من خلال الأبحاث النفسية أضعف بكثير من ذلك المقدم من خلال الأبحاث الفيسيولوجية. ولكنني أعترف بشكل كامل بأنه من الممكن في أية لحظة أن يصبح الدليل الأول أقوى، وفي هذه الحالة يصبح عدم إيماننا بالبقاء لا علمي.

Page 10

ومع ذلك فإن البقاء بعد وفاة الجسد أمرٌ مختلف عن الخلود: قد يعني ذلك تأجيل الوفاة النفسية فقط. يسعى البشر إلى الإيمان بالخلود. سيعترض المؤمنون بالخلود على الحجج الفيسيولوجية التي استخدمتها لأنهم يعتقدون أن الجسد والروح منفصلان تماماً، وأن الروح شيء مختلف تماماً عن تجلياتها الامبريقية من خلال أجسامنا المتعضية. أنا أعتقد أن هذه خرافة ميتافيزيقية. المادة والعقل، كلاهما، مصطلحاتٌ مناسبة لكنهما ليسا حقائق مطلقة. الإلكترونات والبروتونات، كالروح، وهمان منطقيان، كل واحدٍ منهم هو تاريخ، سلسلة من الأحداث. ولكنه ليس وجوداً متواصلاً. في حالة الروح، الأمر واضح عن طريق حقائق النمو. كل من يفكر في زمن الحمل والطفولة لا يمكن أن يكون جاداً بإيمانه بالروح كشيء غير منقسم ومثالي وكامل خلال هذه العملية. من الواضح أنها تنمو كالجسد، وتنشأ من الحيوانات المنوية والبويضة معاً، لذا فمن غير الممكن أن تكون غير منقسمة. هذا ليس ماديةً: إنه فقط الاعتراف بأن كل ما هو مثير للاهتمام يعود للتنظيم، وليس لمادةٍ أساسيةٍ.