eKtab
EN ع
ما وراء الجسد
Read free sample

ما وراء الجسد

by ميرفت جمعة

Page 1

الإهداء

إلى من يشعر بي قبل أن أبوح، ويظل قربي في أوقات الوحدة، ويهديني الحياة والأحبة ومداد الكتابة: الله، الذي يسكن في السماء، وفي كل التفاصيل.

Page 2

الفصل الأول

كنت وحيدة

وحين يكون الانسان وحيداً يمكن لأي شيء أن يحدث، لبؤة جريحة حبست في قفص موحش؛ لا غابات؛ ولا شمس. وحيدة كطفلة منسية بباب المدرسة والوقت ليل؛ كسيدة مسنة تقلّب على نار هامدة ساعاتها الأخيرة في ملجأ. كنت وحيدة دونك، وعلي أن أكمل حصتي المقررة من الحياة؛ لذلك كانت الوحدة شيئاً أتعود عليه؛ كبطانية خشنة باهتة الألوان.

الوحدة يا يوسف كانت تأخذ أشكالاً قاسية؛ تأخذ شكلَ اغترابي في مدينتي، خطوط ظهرت في باطن يدي لم تكن من قبل، تأخذ شكل خثرات في فنجان قهوتي غيرت قصتي، فلماذا حدث كل ذلك ليلة أمس، وكأنك لم تعرف برحلتي الشاقة. كنت قد ارتميت بدير الوحدة كناسكة. قال أحدهم إنني أستغل أنوثتي الطاغية لإغواء أكبر عدد من القلوب، أجمعهم كمن يجمع قطعاً نادرة، ثم عادوا ليقولوا إنني معقدة، ثم قالوا راهبة نسبت نفسها للكنيسة..! لم أكن يا يوسف سوى عاشقة، من رأسي حتى أخمص قدميّ، وحتى ما وراء الجسد، ما وراء القشرة الأرضية، ولم أكن أريد منك شيئاً ولا حتى قبلة. نمت أنا خفيفة بلا ذاكرة ولا بكاء، فلماذا حدث كل ذلك ليلة أمس؟

كم تمنيت ألاّ أستيقظ من هذا السبات، لكن كعسكري يؤدي واجبه في الساعات المقررة فتحت عينيَّ، جلست سلمى على طرف سريري ودسّت أقدامها الصغيرة الباردة داخل غطائي، فانتفضت كقطة بللها المطر، وجلست أنظر إليها بتعجب وهي تتحدث عن مكالمة عرفت منها أخبار صديقها الغادر. وعجبت كيف تحاول بالمهدئات؛ والحديث مع الغرباء والرياضة والتأمل؛ وبكل الطرق الممكنة لكي تنسى، ثم تترصد أخبار حبيبها بهذا الإلحاح.

كان تركيزها في البحث عنه أشد من تأملها لنسيانه. عجبت لهذاالفصام في قلبها، سرعان ما هدأت سلمى داخل فراشي الوثير الذي احتضن مناماً خرافياً، والذي تركته لصالحها، وتوجهت للمطبخ كمن يسير بالنوم، فأنا لا أصحو عادةً قبل أن أغسل وجهي ب (فيروز) وأرتشف أحلامي على مهل، ثم أعلن بداية النهار وأفتح النوافذ. أعتقد أنني لن أفتح النوافذ هذا اليوم كي لا يثير الغبارُ ملح سلمى الذي تنثره كل أربعاء ليطرد الطاقة السلبية.

-اليوم سوف نتدرب على التأمل العميق، سأغيب لساعتين وأعود..!

سألتها وأنا أناولها حفنة من الزعتر البري، ليعطر نكهة شاينا الصباحي:

-هل هي مجدية التمارين يا سلمى، ما زلت تلك المجنونة التي أعرفها، ولا أشعر بتغيرك؟

- دعيني أكشف لك عن واحد من أهم وأخطر أسرار علوم ما وراء الطبيعة.

-اها.

- إن تمرين التأمل سواء أكان بالتركيز على نقطة واحدة أو بإيقاف الدماغ عن التفكير بشكل كامل، قادرة على تكبيل هذا الكائن الذي يسمى العقل وإبعاده عن خط سيره المعتاد.

-وكيف ذلك؟

وضعت كأس الشاي الملتهب جانباً، ونظرت إلي بتمعن.

-حاولي أن تركزي قليلاً وتنظري إلى نفسك، بماذا تفكرين؟

نظرت إلى وجهي في مرآة مكسورة وضعناها عند نافذة المطبخ فكان غريباً علي، واحدة تشبهني، أكبر قليلاً، سمراء مبتسمة أشفقتُ عليها، رأيت يوسف يسيل من أعمق نقطة في وجهي، رأيته مقتولاً ودمعة حاضرة في مقلتي. مربك أن أفعل هذا اليوم تحديداً يا صديقتي، فوجهي خليط من الفرح الذي خلفته أحداث ليلة أمس، مع قليل من الدهشة الممزوجة بالوجع.

منذ سنوات لم أنظر في وجهي عميقاً، بعدك يا يوسف لم يتفرس في عينيَّ أحد، ربما نظروا إلى جسدي، إلى صدري أو انحناءات خاصرتي، إلى طلاء أظافري، ربما، أو إلى خصلات ملونة في شعري؛ أما عيناي فغابة أغمقّ لونها ولم يدخلها أحد. وجدت نفسي كما اعتدتها، وأشفقت لحالها. مع ذلك كل ما قلته كان لأحول الموضوع إلى مزحة:

Page 3

-ليس لأستفز حاسة الفضول عندك لكن أفكر فقط بكأس الشاي هل أشربه بسكر أو لا ؟

-لا يا إيلين، فضولي حاسة مستقلة بذاتها وهي متحفزة طوال الوقت، ماذا يدور بذهنك من مشاعر؟ عليك أن تجيبي بصراحة!

-أفكر لماذا أردت الشاي قبل القهوة أشعر بالذنب، كأنني أخون جميلتي السمراء!

-ماذا أيضاً ؟

-ما فائدة هذه المحاولة، أعطيني المعلومة الصافية وحين أشعر أنني مهيأة سأقوم بذلك وحدي.

-كما تحبين ولكن تذكري أنك حين تفعلين ذلك، ستكتشفين أن سيل هذه الأفكار والمشاعر لا يتوقف أبداً، حتى في تلك اللحظات التي تتطلب منك التركيز الشديد في العمل، أو عندما تسوقين في شارع مزدحم، فإنك ستشردين بأفكار تتعلق بالمستقبل أو بالماضي، وتنسين نفسك لفترة. وبين لحظة وأخرى تحاولين العودة إلى وعيك الطبيعي بتصنّع الإصغاء، وأنت يا إيلين يحدث معك ذلك يومياً. التأمل يخرجك من زحمة أفكارك!

-حسناً، بصراحة كنت أفكر، ربما لو ركزت قليلاً سأجد تفسيراً لمنامي الغريب، دون أن أمزجه بمشاعري أو ذكرياتي أو أوهامي؛ سأجدُ تفسيراً محايداً.

-ماذا رأيتِ؟

-لا وقت لديكِ الآن!

-لا، لا عليك، ولا بأس إن تأخرتُ قليلاً.

-أعدك أن أقولَ لك كل شيء.

-ستنسين.

-بعض الأشياء لا تنسى.

- لكن عديني أن تجربي بنفسك ولو ليوم واحد، ستسرقين نفسك من الماضي دون أن تدري.

- أنا تحديداً إنسانة منغمسة بالماضي ولا أرغب بالخروج من بئري يا صديقتي!

ضمتني سلمى وهي تفعل ذلك كثيراً؛ كتعبير عن الحب وقالت:

-هالتك الأثيرية لا أفهمها!

-لا تقلقي يا سلمى سأكون بخير.

- إذن، افعلي ذلك الآن، سأتركك مع ملاكك الحارس.

وفجأة وجدتني وحدي بالمنزل، إنما تركت لي سلمى "خوليو إجلاسيس" يغني أغنية أعشقها:

أنا بحاجة إليك

أعيش في الظلمة عندما أفتقد عينيك

في السكون عندما أفتقد ضحكاتك

مثل راهب حطموا هيكله

Page 4

وخوليو محترفُ وحدةٍ، وحدته يا يوسف أخذت شكل جيتار، تعلم التحليق بالغناء حين فقد القدرة على الحركة؛ الوحدة جعلت خوليو يحلّق بصوت مجروح فيهمس في أذن وجعي. لطالما كانت الموسيقا صديقتي الأسرع حضوراً كلما حضر البكاء أو الأعياد أو الفرح، أستقبلها كالإنسان الأول ببديهية، آخذها حمولة كاملة من المباغتة والدهشة والذوبان.

مثلَ الإنسان الأول أنا بعدك يا يوسف، حين نزل إلى الأرض ولم يمتلك القدرة على إدراك ما يحيط به: الشمس؛ المطر؛ العتمة؛ والنور، تآمر الفصول على جَلده، ثم أصبح مع كل ضربة ومفاجأة، قادراً بشكل أكبر على التقاط تغريد الطيور ونقرها في مخيلته؛ همسات الغابات وأنين الزوابع، وحفيف الأشجار وموسيقى المياه القادمة من الشلال، وتلاطم الأمواج، فصار يهتز طرباً أحياناً، وخوفاً أحياناً أخرى، بفعل هذه الأصوات الجبارة الآتية من عالم غامض، فصفق لها بيديه وحاكاها بجسده، وضرب الأرض بالأقدام ثم ابتدع حركات الأجسام التعبيرية والصياح والبكاء.

أنا لم أرقص يوماً إلاّ على وقع الألم المبرح والعيون تنز دموعاً مالحة اختلطت بالكحل، والقلب طبلة، والدّفُّ أقدامي تضرب الأرض، غنى الإنسان الأول من شدة الفرح، من العشق والجوع، في وقت الحرب، عند الدفن، وغنى خشية غول الطبيعة، ولطرد الأرواح الشريرة. وغنى لنزول الأمطار، وأنا أرقص أستسقي حضورك فقط، رقصت معك وبك ولك، وأنا رقصت لموتك ثم كتبت شعراً لم يلق بغيابك فمزقته وأكملت رقصتي، كنتَ أنت الناي ترسم بموسيقاك رقعة من الفرح الممزوج بالتجلي والشجن وفي هذه الرقعة، كنتُ راقصة إغريقية أرقص فيقطر مني الشعر والبكاء، أغني وحدي بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير، كنت آخر الليل أستلقي متعبة فتصير أنت العود كما عرفه البشر أول مرة من لحم ودم، أتدري أن العود الأول كان قد صنع من جسد ميت، كم مقنع للحزن أن يكون عوداً من لحم وعظم ودم، أن تنبعث الموسيقى من صمت الحياة، أن تبتدع الأفراح طريقتها العجيبة في الولادة.

من جسد ميت انبعث صوت العود لأول مرة، فقد كان لأحد القدماء من أوائل البشر يا يوسف ابن يحبه حباً شديداً، فمات فعلقه بشجره فتقطعت أوصاله، حتَّى بقي منه فخذه والساق والقدم والأصابع، فأخذ خشباً والصقه على الجسد الصامت بعد أن رققه، وجعل الأوتار كالعروق، ثمَّ ضرب به وناح عليه، فنطق العود يا يوسف، وها أنت تصير الليلة عوداً بشرياً وأنا ريشة تحاول العزف والترنم.

غنى الناس لأوجاعهم كأن الغناء خمر سماوي، خمر يهطل وقت الحزن الشديد، وغنوا وهم يتشردون وتذكروا قراهم، وناحوا غناءً يحفظه أطفالهم دون أن يعرفوا شيئاً عن تفاصيل المكان إلاّ تميمة معلقة بصدر الجدة، وتطريزات واضحة على ثوبها ومفتاح كبير الرأس باهت اللون في صدر الجد، وأغنيات، أحبوا الوطن كما أحببنا الصلبان وأحببتم الكعبة، وكما نقبل كتبنا السماوية، شيء له علاقة بالإيمان في القلب قبل رؤيا العين، شيء من العشق، والغناء في حالة الهروب أغنية للحياة، أغنية تلمّح للرجوع وهي تعرف ما تقول، أغنية الشهداء قمح يفرش الأرض وماء يغسل الجبال وترنيمة تتخدر بها أوجاعنا، بكائي عليك كبكاء الحرائر على المفقودين، أحياناً كنت أشعر أن الرقص بكاءً يؤلمك، كأنه رقص على جثتك، مع ذلك بقيت أرقص، فأنا لا أتقن سوى البكاء رقصاً، ربما كانت هذه طريقتي الوحيدة في عتابك.

أما الأغاني فكانت تذكرني بوحدتي لكن بشكل رقيق، تربت على روحي، وكنت بحاجة لتربيتها. كان الغناء نديمي الوحيد في غيابك، كنت كل ليلة أعدّ مجالس الغناء لك؛ فأعتق الخمر، وأنشر الأزهار والشموع والورود وأتخيل تغريد القيان، فعلت ذلك زمناً طويلاً إلى أن صرت مخمورة بلا أغانٍ ولا رقصات مثيرة ولا نديم ولا خمر، صرت أنام متخذة شكل الفرشة، أحاكيها بمهارة، أقول لوسادتي: كوني بخير، وأنام دون ألم أو حزن أو فرح، أتخيل عيني أمي ترمقني إمعانا باللوم والإشفاق، تغطيني فأزيد غوصاً في انكماشي وهي تطفئ النور وتمضي، لطالما كانت أمي مقتنعة أن الوحدة تأتي عقاباً على مغامرات غير محسوبة النتائج.

حين علمت أمي بشان علاقتي بك يا يوسف أصابها الجنون، راحت تصرخ وتولول وتهدد بقطع علاقتها بي في كل المحافل، ولم ألمها؛ كوني أعرف كم هي امرأة متشددة؛ فهي المتدينة جداً والمتحفظة التي تفكر جيداً قبل أن تزل قدمها على الأرض، المرأة الحذرة في تصرفاتها حتى وهي وحدها، كيف لها أن تتخيل أن ابنتها قد تحب رجلاً من ديانة أخرى! أعتقد أن فكرة الحب وحدها عند أمي مرفوضة، وأنني ورثت جنوني من أبي، وبرحيل أبي أكسبتها رملتها شكلاً حاداً أكثر، وصدمة ملازمة على ملامحها، وصمتاً عميقاً وتديناً أكبر.

حينما انزاحت غيمة الجنون إثر معرفتها بأمرك، لم تسكت على حالي، ظلت تحاول بكل طرق الدهاء التي جبلت عليها النساء أن تبحث لي عن شريك ملائم، ولما يئست مني قالت بصوت جاف:

-الحب المستحيل كالفطر السام يا إيلين، ربما يعجبك نضوجه ويبدو طبيعياً وشهياً، وما إن يتناوله الشخص حتى يبدأ سمّه يسري في العروق، إيلين لديك حياة واحدة لا تبعثريها في محاولات فاشلة منذ البداية.

-أمي ماذا تعشيت أمس؟

صمتت وكأنها غير متأكدة إن كانت قد تعشت أساساً

-ماذا لبست، أين ذهبت، ماذا فعلت من جديد؟ على من تعرفت يا أمي وأنت عند طبيب الأسنان؟ أي حوار فتحت مع بائع البهارات غير حوار الأسعار وجودة القهوة؟ هل تعرفين إنه بشر مثلنا ولديه شيء من النكهات يضيفه على يومك غير حب الهال؟

صمتت، فنمط الأسئلة المتتالية المباشرة جديد عليها.

-الحياة إن أخذناها كمسلّمات، لم نتذوق فطرها الذي اشتهيناه يا أمي، إن لم نغرس أقدامنا في وحلها ونستكشف مخابئ هذا الفطر، ونلطخ أيدينا سعيدين ونحن نجتثه من تربته لزجاً ونضراً، ستكون حياتنا رتيبة، لم نعرف أجملها!

-حتى وإن كان ساماً؟

- أمي، لن أعرف أنه سام إلاّ إن أرداني السم، إلى الآن لم أعرف مع يوسف إلاّ حب الحياة، ألوان جديدة لم تكن في لوحتي ظهرت فجأة، أن تطلبي مني ذلك يعني أن تقطعي عن قلبي الأوكسجين؛ وأن أدفن حية..!

سكتت خائفة بشكل غريزي؛ خشية أن تقتلني بتفريقنا، لكنها قالت جملتها الأكثر عمقاً في نفسي:

-ستعيشين وحيدة.

Page 5

وكانت محقة، وحدة كثيفة، شبكة من الوحدة تعانقت خيوطها على جسدي، وحدة قوية الحضور زاد من استعارها سفر متكرر طويل لأمي بحكم عملها، كانت الوحدة كالعادة تتربص بي فتمسكني بسهولة كغزال وقع في فك نمر جائع، وحدي كنت في صحراء الحياة دونك؛ كهاجر حين تركها النبي إبراهيم وصارت تلاحق السراب بين الصفا والمروة، كحوّاء حين نزلت على الجهة المقابلة من هذه الأرض محاطة بالوحوش، وبدأت تقطع البحار والوديان والمحيطات بحثاً عن آدم باكية، فأرضعت الأنهار والينابيع، شريدة تلقت قسوة الطبيعة بأعاصيرها وزما زلها وبراكينها وضباعها وموتها.

بقيت سنوات أقبع مرتجفة في قلب خيمة الوحدة العاصفة، حتى صرت أعيش حياتي بلا متعة، تزوجت شعوري بالوحدة زواجاً لا فكاك منه، صار يوقظني ليلاً، يمارس بسادية كل جنونه، وحين يطرحني أرضاً و يتأكد أنني غير قادرة على الحراك قربه يدير ظهره ويختفي، استعداداً لجولة أشد شراسةً.

مع ذلك فإن أمي قد عاشت حياة منظمة، وتزوجت بشكل طبيعي، ولم تغامر يوماً، وفقدت أبي، إنه قدر أحياناً وعلينا ألاّ نربط أقدامنا بأيدينا ثم نقول لا نستطيع الحراك، فقلت أعيش اللحظة وإن حان دور القدر ليحكم بيننا سأتعايش معه، إلى أن قُتِلت، موتُكَ جاء مدوياً، سقطتُ أرضاً، وركضت أمي بي إلى أبينا ليدهن جسدي المرتجف بزيت أمنا العذراء، تحدث إلي طويلاً بصوت خفيض رتيب، ثم نصحني أن أرتمي طويلاً بحضن الكنيسة، لكني ارتميتُ بحضن الفراغ، وكان ملاذاً بعيداً منفياً لا يستدل عليه أحد.

وعادت أمي وافتعلت الكثير من المصادفات التي يطل بها علينا عريس الغفلة بكامل أناقته، ويطرق جرس قلبي فتصعقه كهرباء الأسلاك المقطوعة، فيهرب، أما الوحدة فصارت حليفتي وظلي الذي يظل يعتذر باسمي عن تلبية دعوات الحياة، لم أندم يوما يا يوسف ما زلت مصرة على أن الحياة لا يجب أن تؤخذ على أنها مسلّمات في صندوق، عليه اسمك، واسمي واسم كل واحد فينا، هي ليست قرعة، ما كان يمكن ألاّ يكون اسمك في قرعة العائدين، وما كان يمكن أن يخطئ مسؤول الولادات ويسجلني لأم مسلمة، ومحال ألاّ تموت ذلك اليوم، اخترت نفس الجامعة وكان أمامي خيارات كثيرة، لكن لا يا يوسف لا شيء في الحياة يحدث صدفة هي خطة، أردتك قبل أن تراك عيناي، فصّلت أحلامي بصبر صانعة الفخّار، كتبت لنا قصة كنت بطلها الذي سيظهر في الفصل الأخير، كان الدور بمقاسك تماماً ، ورسمت على أوراقي وجهاً عبأته تفاصيلك حين حضرت، إنما كنت أجهل النهاية إلى أن تم إخراج المشهد، ولم يكن بيدي حيلة، أصبحت متفرجة لا أكثر، خلق الله الحياة محجوبة المستقبل لنتخيل، ونفكر، ونتأمل، ونتفاجأ، ونندهش، ونكتشف اكتشافاتنا العظيمة، لكنها مقررة لنا منذ البداية، إنما المتعة في البحث عنها وملاقاتها واصطيادها من قلب الغامض، أعظم اكتشافاتنا خلقتها التجربة، لسنا ملائكة تؤدي دوراً محدداً نبيلاً ورتيباً وتختفي، نحن نجرب فنخطئ ونضل ونعود بالليل نتلمس طرق العودة. لم أندم أنا فقط أشعر بالوحدة، لكن كل ذلك تغير ليلة أمس، قبل أمسِ كنت أشعر بالوحدة كلاجئةٍ سرقوا موطنها ووضعوها في الفراغ الممتد كصحراء، فلماذا حدث ذلك ليلاً لست أدري.

الآن، فجأة، حين صمت خوليو أحسست أنه يعرّيني في حضرة الصمت، صمت خوليو هو الذي خلق المشكلة، صمت الأشياء بعد حياتها، أن تتوقف المتعة فجأة، تماماً مثل الأفعوانية في مدينة الملاهي لو تتعطل قبل القمة بشهقة، أو كطفل حمله أبوه يلاعبه فألقاه في السماء وفشل في تلقّفه، والطفل بال يسلّم نفسه بشكل كلّي للفرح، أبي تحديداً طيّرني في السماء ولم يتلقفني، تلقفه الغياب، وبقيت مذعورة بعده سنوات طويلة من حياتي، وأنت جئت بعد ذلك بسنوات تطلب مني في رحلة ذهبناها معاً إلى الجبل، أن أسلّم نفسي لجنون الأرجوحة، لم أستطع حينها أن أبوح لك، أنني منذ زمن طويل تدربت على ألاّ أفرح بطفولة مفرطة، علي أن أفرح نصف فرح، ولكن سأهمس لك أن رحلتنا تلك جعلتني أعود للمنزل بنصف عقل وبدون قلبي، كان مخطوفاً كله، تلك الليلة نمت بعمق وسلّمت نفسي بشكل كامل للحلم، سمحت لنفسي أن تزف إليك، لم أنتبه إن كان ذلك تم في كنيستي أو بعرس إسلامي أو حتى في مغارة منسية لا يهم، لبست ثوباً أبيضَ استعرته من خزانة مهملة داخل روحي خبأت فيها أثواب طفولتي وثوب عرسي، ولم أرتدِ يا يوسف هذا الثوب مرة أخرى، كنت بعد ذلك إشبينة الكثيرات، أحمل خواتمهن، أمسك بأطراف الثوب الأبيض، كنت أسمع خفقات قلوبهن، كنت أرى البريق يا يوسف وشهدت الفرحة الكاملة والتي كانت تتوج بقبلة طويلة علنية، كنت أتلذذ برؤيتها تتلألأ في عيون العرائس، كنت قريبة جداً من الفرحة، إلاّ أنني لم التقطها مثلهن، فحبك سريّ ومستحيل، يستعصي على البوح لكنه يشع في العيون، كم كنت وحدي يا يوسف، وكم استحضرتني في الأعراس أشعار درويش المحببة لقلبك، كنت تهمس لي حين تتماوج في عينيَّ الفرحة بالبكاء:

تكونين حريتي بعد موت جديد

أحبّ

أجدِّد موتي

أودِّع هذا الزمان و أصعد

عيناك نافذتان على حلم لا يجيء

لماذا أحبكَ؟

من أجل طفل يؤجل هجرتنا يا مريّا

سأهديكَ خاتم عرسي

سأهديكِ قيدي و أمسي.

أشعر باللهفة وأنا أمارس هوايتي المفضلة، صنع فنجان رائع من القهوة يليق بهذا النهار، الذي سينقلني إلى مجرة أخرى خارج قوقعتي، سعادة غامضة، عصية على التفسير كهذه القهوة حين تجوب في أوردتي وتفتح الطرقات المغلقة. اليوم مساءً سأتحرك خطوة واحدة خارج دوامة الوحدة، سأزيح عن نفسي هذه البطانية الخشنة وأتعرض للقشعريرة، وأدع الهواء يتخلل خصلات شعري، وسأترجم هذا الهاتف السماوي الذي تلقيته ليلاً. أنا لأول مرة منذ سنوات على موعد مع شيء..!

Page 6

الفصل الثاني

هذا هو قبرك، ما أجمل هذه الكلمات: "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي" تبدو كلمات علوية جداً عميقة وقدسية ومقربة للروح، يوسف المقابر تتشابه كثيراً والقبور تقريباً، لكن قبرك هو الأجمل بهذا المقعد القديم قربه، دعوة للمكوث قليلاً، مقعد تملؤه الشمس والفراشات الملونة، تذكرت، حينما رأيت قبرك، قولاً لنيتشة: "إن اللحظات العظيمة، ليست لحظاتنا الأكثر صخباً، بل تلك الأكثر سكوناً" وأنا يا يوسف بمجرد أن رأيت اسمك شعرت بالأمان وباسترخاء يكسو جلدي، تعويذة فكها الصمت. أحسست بالطمأنينة، تسري كمياه باردة على جسد محترق، يوسف لقد جلبت لك معي هذه الزهور لأزرعها حول قبرك ولتقتات من ترابك أنت، وسأقضي اليوم كله معك، لا أريدك أن تتحدث فقط استمع إلي، أعرف أنك تلومني لهذا الانقطاع لكنني لم أقبل موتك لسنوات طويلة، حتى إنني لم أكتب فيك رثاءً، يقولون إننا نكتب لننسى وما أصعب أن أنتزع بقايا روحك من قلبي بقلم رصاص. كيف أدع الرصاص يفرغ روحي من ذاكرتك؟ احتفظت بكل ما يخصنا بحصالة روحي وأضعت المفتاح، ببساطة لم أقدر أن أكتب رثاءك رغم أنني سامحتك. نعم لقد انقطعت عنك في البداية لأنك أقصيتني، وجئت تغرز في قلبي أخبار فتاة أخرى، تخط على جبيني اسمها، وفجأة يتغير عنوان قصتي من الحب إلى الفجيعة، من قصة باسمي إلى قصة أنا فيها مقتولة، حين أخبرتني بشأنها بجملك المتعثرة، كنت كمن يطلق وابلاً من الرصاص الحي بشكل عشوائي على قلبي، وابل الكلمات الذي خرج من بين شفتيك زلزلني، أصبحت أنظر إليك ولا أسمع سوى صراخي في الداخل، صوت انكسار عميق جداً، وصخور تحط بقوة على جسدي تغير شكلي، تهدم مدناً بحالها، لم أعد قادرة على الحراك، لزم أن أبتسم، كونك تزف إلي خبر محبوبتك، كان علي أن أفرح بحبك الغريب المفاجئ، كان علي فعلاً أن أبتسم، أما ما فعلته شفتاي فكان مجرد تقلّص أزرق، مؤلم شدّ أرق عروق الدم في وجهي، وعيناي ثابتتان كعيون الأصنام الضجرة، كنت تقول الكثير وأنا لا أسمع إلاّ صوتي، فجأة تخرج الحياة عن نغمتها الشجية، ويبدأ النشاز ويصبح العزف صراخاً وبكاءً يثير جنوني، يمنعني من النوم، كنت لا أزال أجلس أمامك لكن روحي هربت وهربت ألحقها بعيداً جداً، لكنها تفلتت مني وضاعت في الأرض، كانت تجوب الشوارع كالسكارى، تنتمي لأي حزن، تلبس أي وجه يبكي، أما أنت فأسكنتك في الفناء الخلفي لقلبي، كنت أراك تمر ليلاً وأنا ما بين منطفئةٍ ومستيقظة؛ أدّعي النوم، لم أفهم لماذا قد تمر بباب بيتي أنا، هل لأن حبيبتك ليست هنا؟ غير معقول، هل تقول لك روحك شيئاً وأنت لا تسمع، إذن روحك هي من يأتي في الليل؟ لم أقدر مرة أن أفسر هذه الزيارات الليلية لظلك، لكنني كنت أنتظر دون أن أدعك تعرف، وخشيت أن تعرف روحي فتستمر في مجافاتي، كنت أنتظرك كطفلة أسندت رأسها للملل في شباك ملجأ فراحت تزورها أحلام وردية، إلى أن جئت يوم موتك وهذه المرة كان الحضور جارفاً، واختبأت وراء الباب ثم بين ملابسي تشمها وتلفها وتحتضنها، ثم على وسادتي. لم آت هنا لأعاتبك، جئت أعتذر لأنني صدقتك وابتعدت، قلبي يخبرني أنك كنت تكذب وأنا سأتبع قلبي، الموت يجبّ ما قبله يا يوسف، وأنا سامحتك، وبكيت، بكيت بكثافة وبصمت، وبجنون، وبأوقات غير لائقة، بكيت في عرس قريبتي، و في معمودية ابن الجارة، في رأس السنة وقت عشاء العائلة، في عيد ميلادي، كنت أفرغ حمولة الحزن في كل محطة، فأجدها قد امتلأت من جديد، ذلك أني كنت وحيدة، كان الشعور بالوحدة يفترسني كلما ذهب الآخرون، ويمارس علي كل طقوسه الغريبة، كل نهمه وشراسته وخياله المطاطي، وأنا أقف كتمثال عاجز عن الاعتراض، يتفجر من الداخل إنما دون حراك، مع الوقت ومع إلحاح الشعور صنعت له وجهاً، وصرت أحاوره وألومه وأستفقده وأصاحبه وأشكله كيف أريد، فبوحدتي صنعت منحوتات صغيرة مجبولة بالدمع، وصارت ألعابي المحببة أفردها في الليل وأتحدث معها وأغني لها كي تنام، صنعتها من أحاديثنا التي كان يجب أن تقال، من البوح، تخيلتك تأتي وتنتشلني، تغمرني كمياه المد وتغرق شواطئي الدافئة وتلقي عليها أصدافك وتنسحب، تخيلتك تقولها: أحبك، وفرحت، فأنا عشت على هذه الأرض أحاول انتزاع هذه الكلمة منك أنت وحدك، أقفلت بعدك قلبي بالشمع الأحمر حتى أصبح مهجوراً تماماً، يثير فضول البشر ويحبون دخوله، لكن لا أحياء في الداخل تفتح الباب، في الداخل ليس إلاّ جمادات، وجثة وأفكار التصقت ببلاط النفس لم يعد من السهل إزالتها، أفكار عنك وعن حماقتي حين اقتربت منك، وأنا لا أعرف عنك شيئاً، صدّقت عينيك واستراقك النظر إلي كل لحظة، وكيف صرت كظلي أينما ألتفت أجدك، وحين تغيب أطاردك، أختلق أي عذر لملاقاتك، قرأت نصف مكتبتك، ادّعيت الكثير من الأمراض غير المعدية كي تزورني، واختلقت المناسبات والأعياد لأهديك شيئاً تحبه، يا لغبائي يا يوسف، هذا ما كنت أقول لنفسي قبل أن أنام، أما كان هنالك من طريقة أسهل تقول بها: ابتعدي؟

Page 7

وابتعدت بلا هوادة في محاولة مني لإرضاءِ نفسي، عشت بعدك سنوات طويلة أفاصل الزمن مدهوشة لاستفزاز الوقت، لإحساسي المكثف بالزمن بعدك، أنت لا تعرف الفقدان مثلي، حسنا أنا آسفة، أنت تعرف الفقدان جيداً؛ لأنك عشت في المنفى، ولأنك فقدت بقية حياتك، لكن أنا فقدتك إجبارياً، أنت اخترت إبعادي إلى جزر الحزن، جئتك مبتورة الأب، طفلة تعلمت المشي حديثاً رفعت يدي لكتفك ونهضت مبتسمة أزيح الدموع، وكلما اتضحت الرؤيا كان حضورك يصير مغبشاً، وكلما تعكزت عليك هويت أرضاً، إلى أن اختفيت بشكل كلّي. أتذكر يا يوسف في رحلة الجبل كيف رفعتني فوق غصن قوي لشجرة توت، مددت يدك من فوق ورفعتني، لأقل من ثانية أعدت إلي مشاعر كنت فقدتها منذ زمن بعيد، تذكرت كيف كنت أدّعي النوم في منتصف الطريق ليحملني أبي، عشقت شكل البيوت والأشجار والشوارع وهي تهتز، وأنا على كتفه، إحساسي بالأمان، بالقدرة على الطيران، لم أقل لك إنك في أقل من ثانية أعدت إلي كل ذلك، وما إن وصلت إليك حتى نضجت كحبات التوت، أصبحت امرأة بل أنك قلت حورية، نحن نصبح أجمل في لحظات السعادة القصوى يا يوسف، لكن تلك السعادة رملية سريعة الاندثار، حتى أننا غير قادرين على الإمساك بها لأقل من ثانية، بعكس الحزن بمعدنه الفولاذي، وحضوره ثقيل الظل، الذي يكسو وجهنا بالذبول والتعب، وأنا حاولت أن أحتفظ باللحظة، لكنني خفت منك ومني، خفت من الشيطان الذي كان يتسلق شجرتنا، فدليت نفسي بهدوء إلى أن نزلت إلى الأرض، دون أن نتذوق التوت، هكذا كانت علاقتنا مجرد لحظات متناثرة في جسد يوم طويل، فقدانك يعيد إلي فجيعتي بأبي، رحيلكما علّق جسدي في الفراغ جائعاً لعناق غير مكتمل، وروحي بحثت عنها ولا أعرف أين تبيت ليلاً، هذه الزهرة يا يوسف هي زهرة النسرين بيضاء ناصعة خجولة كأنثى بوجنة حمراء، ترتبك كلما رأت الشمس اخترتها يا يوسف لأنها أنثوية لها طباع خجولة كما تحب أنت الأنثى، أترى هذه الزهرة، أتشم رائحتها؟ هذه تسمى الأوركيد، وهذه الزهرة قديمة جداً أطلق عليها فيلسوف صيني "زهرة عطر الملوك" عطرها يشبه رائحة الفانيلا، وهل ترى الفراشات حولي؟ لا أدري ما بالها تنظم حفلاً مبهجاً في هذا المكان الهادئ، كم كنت خائفة أن يكون لقاؤنا فاجعاً، لكن رحمة ما تنسل من بين القبور والزهور، لطالما شعرت بقرابة دموية بين الشهداء والورود، قبرك يعطي الإنسان شعوراً بالرضى والتسليم والتصديق، يوسف دعني أغني لك أغنيتك المفضلة كما كنت ترجوني كلما كنا وحدنا:

زيديني عشقا زيديني يا أحلى نوبات جنوني زيديني

نوّارة عمري مروحتي قنديلي فوح بساتيني

مدّي لي جسراً من رائحة الليمونِ

وضعيني مشطاً عاجياً في عتمة شعركِ وانسيني

من أجلكِ أعددت رثائي وتركت التاريخ ورائي

ما أجمل الاستلقاء فوق قبرك، أتراني تغيرت يا يوسف، ربما كبرت قليلاً، روحي شاخت لكنني احتفظت بلون القهوة في عينيَّ، مازال صوتي ببحته وخجله، ربما ما زلت أشبهني لكن أقل امتلاءً، أترى هذه الزهرة؟ لا بد أنك تعرفها جيداً، هذه من بين الزهور التي وصلتني منك بالحلم زهرة الجاردينيا البيضاء تعرفت عليها عن قرب بعد أن رأيتها في المنام وكانت صفاتها تليق بحبنا، فهي ترمز إلى الحب السري لقد كان اختياراً موفقاً. كم كنت تحب الزهور أتذكر حين كنا جالسين مرة بين رفوف المكتبة والصمت عريف المكان وحفيف أوراق الكتب يعزف حولنا، وكنت أرتدي ذاك القميص الأبيض الشفاف حين وقع أرضاً زر مشاغب وأنا منكبة على قراءة غلاف رواية جديدة لباولو كويلو، وضبطت عينيك تتوغل داخل جسدي، يومها قلت لي بصوت هامس: أتعرفين أنك تشبهين زهرة أحبها!

كنت دائماً أشبه شيئاً تحبه لكن لم أعرف أتحبني أم أذكرك دوماً بشيء في خيالك تحبه، قلت إن عينيَّ تذكرك بشمس، وكان بي ملامح من أمك، واتضح لاحقاً أنني كنت أشبه مرح كما قلت لي وأنت تعترف بحبها وتقول لي إمعاناً في القتل أنك انجذبت إلي لشبه بيننا، أما هذه المرة فأنا أشبه زهرة، أو أنك تنسب الأشياء لي بالشبه لتجد مبرراً لكل تعلقك بي؛ سألتك بلهفة:

- وما هي ؟

-البنفسج أو زهرة التواضع كما يسمونها؛ لأنها تخفي أزهارها بين أوراقها مثلك يا إيلين!

-أنت لا تعرف يا يوسف كم تحب الفتيات أن تتشبه بالزهور سأذكر هذا دوماً كلما أردت أن أشعر أنني جميلة!

-أنت جميلة ومغرية مثل هذه الزهرة التي تبعث خيالات الأشياء فينطلق دب الأفكار المجنونة في رأس أي رجل يراك!

-ألا ترى أنك تبالغ ؟! ثم أنك تخيفني بتشبيهاتك الرجولية هذه!

-بل أنت متواضعة تماماً كالبنفسج!

قلت في قلبي أليس هذا أوان اعترافك بالحب، إلى متى هذا التلويع وأوراق الزهرة تنكمش على نفسها أمام كل اعتراف تخنقه بقلبينا.

-تروي أسطورة إنجليزية أن ملك الثلج شعر بالوحدة في قصره الجليدي حيث كل شيء صامت وجامد، فبعث جنوده للبحث عن فتاة جميلة تدخل الدفء والسعادة إلى قلبه.

Page 8

-فأحضروا البنفسج.

-لا يا إيلين، لكن وجد الجنود فتاة خجولة اسمها فيوليت بنفسج، أحضروها له فوقع في حبها فوراً، وتحول بفعل تأثيرها من رجل قاسي القلب، وقور، وعبوس إلى رجل دافئ ولطيف.

-أتدري يا يوسف لم أحب هذه الزهرة تحديداً؟

-لم أعرف أنك لا تحبينها، هيا أخبريني لمَ ؟

-لأنها بلون البنفسج، لوني المفضل.

وفتحت أوراق زهرة الخجل على وسعها، وقلت، وأنا أنظر إليك، متحدية كل جبنك ومراوغتك:

-زهرة البنفسج ترمز للحب الصامت المتأجج يا يوسف.

قلت لي بوجه محمر متلعثماً بشكل طفولي:

-هذه هي المرة الأخيرة التي سترتدين فيها قميصاً بأزرار.

وضحكت أنا لكل تناقضاتك، وأنا أشد قميصي بكلتا يديّ عاصرةً عيونك المتوغلة في العمق. لقد كانت المرة الأولى التي أعرف بها أنك لا تحبني فقط كروح أو كفكرة أو حتى كشبيهة أحد، أنا أثيرك أيضاً، ورغم أنني فصلت طوال حياتي بين الحب والرغبة واعتبرت الرغبة تدنيساً لكل ما هو روحاني، إلاّ أنني أردت امتلاك شهوتك، أن تكون هذه الرغبة الجامحة لي وحدي، أن ألعب بها بأصابعي من بعيد، أردت أن أرى عيونك تلمع لرؤيتي وحين تغار علي، لكن كالبنفسجة كنت أحب أن أثيرك من بعيد.

لا أدري ما بال عينيَّ، هذه ليست دموعي يا يوسف ، أنا فقط أرشح ملح حزني بين الفينة والأخرى ، أو أن الكحل رديء هذه الأيام ، اشتقت إليك كثيراً، غريب كيف أننا نحن البشر نعمى تماماً عند الوقوع في الحب، رغم أن كل قصة عشق مكتوب ببابها لافتة كونية تقول "احذر تلك الدرجة المكسورة بالحب" إلا أننا نصعد عالياً جداً غير ملتفتين للأرض أو للأدراج التي تحت أقدامنا، أنا في حبك رحت أقفز لأكثر من درجة معتقدةً أنني بذلك أقلل احتمالات وصولي لتلك الدرجة المكسورة، وآمن على نفسي من الوقوع حين اكتشفت أن اللافتة خادعة والدرجات سليمة! التعثر يحدث بسبب صعود متسارع، تماماً كما فعلت أنا، وها أنا هنا قربك، أناجيك لأرمم كسور روحي، لقد التقيت بأمك يا يوسف وحدثتني عن الحروب التي اشتعلت في قلبها حين دخلت فلسطين لتسكن قرب قبرك، تأجلت الموافقة على حضور أهلك لما بعد استشهادك بسنة، سنة كانت كافية لتمر مواسم من الحزن الدبق حتى ما عادت تميز الفصول ولا تخصها مواعيد الأعياد فهي لم تعد تصنع كعك العيد بعدك، والسنة كانت كافية ليصاب والدك بجلطة في القلب، عاد على كرسي مدولب تدفعه أمك برأس مرفوع، وكأنك تسندها بشكل غامض، كم سعدت لرؤيتها، أخيراً وجدت بقية لوحتك، كم تشبهك، في كل شيء، طريقة الكلام؛ والنظر؛ حركات اليدين؛ اللمعة في العيون؛ والتفرس في وجهي، تشبهك في كل شيء إلاّ أنها قصيرة وممتلئة، تشعر بالرغبة بالارتماء بحضنها، أذكر أنك قلت لي مرة أنه على الأم أن تكون أماً حقيقية لها هذا الحنان الغامر، دافئة، ممتلئة، ومهملة لشكلها، لكن أنيقة الروح.

هي كما تعرفها إنما روحها صارت جبلاً عالياً, من الصعب أن تصل قمته, وأبوك بخير، ربما الكرسي المدولب يثير حساسيته لكنه بخير، لقد أعطتني أمك هذه الأوراق، ولا أعرف لماذا أنا دونَ البشر, لكن لم أستطع فتحها، أتخيل أن الأحرف على قيد الحياة، أنها تحمل روحك و عبقك و صوتك, الأحرف لها مشاعر وحياة خاصة بها، خفت إن فتحت الأوراق على مرأى من البشر أن يروا سريان الأحرف على جسدي زاحفة عبر عروقي نحو قلبي، لكن أنا سأجد يا يوسف مكاناً مناسباً لأفتح به الأوراق، ليس هنا وليس في حضرتك.

وإلى أن تغيب الشمس سأقرأ لك من صلاة الغائب للطاهر وطّار كاتبك المفضل.

Page 9

الفصل الثالث

إيلين كيف تختفين طوال النهار دون إخباري أي شيء، قلقت حد الموت، حتى إنك لا تردين على هاتفك؟

- أنا بحاجة إلى أن نتحدث قليلاً يا سلمى.

-ما بك؟ وجهك لا يفسر!

-حلمت أمس بأم يوسف تأتي والسعادة تغمرها حاملة ضمة كبيرة من الزهور وأعطتني إياها وقالت لي أنها هدية من يوسف، وصحوت مرتعبة لوقع الاسم في داخلي، وعدت أنام فتكرر المشهد ذاته؛ زغاريدها ظلت تحوم في رأسي، تلحّ علي أن لا أهمل حلمي، وفي المرة الثانية بدأت تتكلم كلاماً غير مسموع، لم ألتقط منه كلمة واحدة، وصحوت وهي توشوش في أذني بأسرار نسيتها كلها..!

- ماذا تقولين؟ هل تعرفينها من قبل؟ قلت لي إنك منذ استشهاد يوسف لم تذهبي حتى إلى قبره.

-بالفعل لم أزر قبر يوسف إلاّ اليوم عصراً وقبل ذلك زرت أمه.

-أخيراً زرتِ قبره، ثم زرت أمه أيضاً. تغيبين سنوات بحالها ثم تقومين بالزيارتين في يوم واحد؟

-هذا ما حدث، والمفاجأة يا سلمى أنها تماماً كما رأيتها في منامي، نفس العيون والصوت والملامح، كان الموقف صعباً جداً.

-أتخيل ذلك، هل تعرف عنك شيئاً؟

-لم أعرف تحديداً لكنها فجأة، عندما هممت بالخروج طلبت مني أن أنتظر لحظة، وكانت قليلة الكلام غارقة في حزنها.

-كان الله في عونها.

-خرجت من الغرفة تحمل مغلفاً مغلقاً وقالت لي: هذا لك!

-ما المكتوب فيه ؟ يا للغرابة!

-لم أفتحه، الأرجح أن به مجموعة أوراق تركها يوسف عند أمه.

-لا بد أنك تمزحين أو أنك مجنونة، ألم تفتحي المغلف بعد؟

-لم أقدر يا سلمى، لقد ذهبت لزيارة القبر لأول مرة منذ استشهاده وذهبت لبيت أمه، وهذا كثير في يوم واحد.

- يا لهذه التفاصيل المفاجئة!

-أتذكرين حين ودعتني صباحاً، وقلت سأتركك مع ملاكك الحارس؟

-صحيح!

-ماذا كنت تقصدين يا سلمى ؟

-كنت أقصد خوليو، لماذا تسالين؟

-لا تقلقي تكلمي، أنت لديك معلومات جيدة عن عالم الغيبيات ؟

Page 10

-أنت ترعبينني الآن!

- سلمى لقد أنهى يوسف علاقته بي فجأة، دون مقدمات، حين جاء يخبرني أنه على علاقة بمرح وأنه سيعود ليخطبها قريباً، ألم يكن من حقي أن أغضب.

-لماذا؟

- لأنه لم يكن بعدُ قال لي مرة أنه يحبني، لكن كل تصرفاته فعلت.

-من الصعب أن تحاسبيه على ما في قلبه مالم يبح به، لا بد أنه كان ذكياً.

-لكن لماذا فعل كل ذلك ؟ لست أدري!

-أعتقد أنه أحبك ولكن لم يرد أن يخذل تلك التي تنتظره

-قبلت، وهربت بعيداً، لكن ما لم أقبله هو موته، رغم أنني أول من عرف بذلك!

-كيف ؟!

-يوم وفاته جاء ليلاً إلى غرفتي، أقسم لك يا سلمى، أنني كلما فتحت غرفتي يومها وكانت معتمة، شيء بها يرجع إلى الوراء وأنظر في اللاشيء، وأحس أن عيني ترتطم بشيءٍ خفي، وبسرعة متزايدة كان ينقبض صدري، وقد قلت في نفسي: شيء ما يحدث بشكل مفجع، لا أستطيع تحديده تماماً، شيء يتعلق بيوسف، وكنت منذ فترة قد انقطعت عنه باحثةً عن نسيانه، لكنني شعرت أن حياته بخطر.

- روحه تزورك لتودعك، هذا يسمى حدساً يا إيلين وهذه الأمور تحدث، أنا أؤمن بذلك بشدة!

-رفضت زيارة القبر أو تعزية أهله، أقمت له بيت عزاء في قلبي، بيت من الشعر والبكاء، إلى الآن!

-ربما أحس يوسف بأنك مشتاقة إليه، ربما هو مشتاق لرؤيتك أيضاً،ً لكنك تقتلينني بتجاهلك الأوراق.

-أعرف.

- دعيني أقرأها لك.

-أتظنين أنني لم أتوقع عرضك هذا ؟

-أكيد ستتوقعين ذلك مني بالتحديد، والآن ما رأيك أن ترأفي بفضولي وبقلبك وتعطيني الأوراق، ستشعرين بالارتياح!

-أنت من سيشعر بالارتياح يا سلمى أما أنا..

-مم أنت خائفة؟ أنا لا أفهمك أحياناً، أتدرين سأذهب معك للحكيم نوح.

- الحكيم نوح؟

-إنه عالم طاقة وغيبيات مشهور ستتعلمين الكثير منه.

-هل ذهبت إليه من قبل أيتها الفضولية؟

-ذهبت مرة وأتمنى أن أذهب من جديد، لكنني كنت في تلك الزيارة متعبة ومنزعجة جداً!

-طبيعي..

-كم أنت غريبة، ألن تسأليني لماذا ذهبت؟!

-ستبوحين بكل شيء وحدك لاحقاً.

-فعلاً، سأفعل الليلة، كما أنك ستفتحين الأوراق وإلا سرقتها منك!

-نسيت أن أخبرك، علمت من أم يوسف أنهم أفرجوا عن صديق يوسف المقرب ناصر، وقررت لقاءَه.

-رائع أن تلتقيا وتستعيدي الذكريات.

أكملت وهي تفتش في أوراقها المبعثرة عن عنوان الحكيم:

-ها هو الرقم، دعيني أتصل وأحدد موعداً