eKtab
EN ع
ما ورائية التأويل الغربي
Read free sample

ما ورائية التأويل الغربي

by محمود خليف خضير

Page 1

الإهداء

إلى زوجتي الحرف الأول والأخير في حياتي

وإلى البرعم الذي خرج من الصخرة الصلدة..

مصطفى ولدي

وإلى التي ولدت من نهر دجلة... يمنى ابنتي

أهدي هذا الكتاب

Page 2

المقدمة

الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه، ومن والاه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن البحث عن مكنونات وما ورائيات الفلسفات الحديثة التي دخلت إلى حقل النقد الأدبي وأدت إلى إحداث ثورة في مجال مقاربة النص الأدبي ولاسيما في المقاربات الأدبية التي ظهرت فيما يسمى نقد ما بعد الحداثة التي عملت بدورها على إقصاء سلطة المؤلف والنص وركزت على دور المتلقي في إنتاج المعنى والدلالة مما عملت على تقويض وتفكيك منظومات معرفية كثيرة ظلت لفترة طويلة تمثل مركزية معرفية تؤمن بسلطان العقل والمنطق، ولعل الاركانون الأرسطي ومبادئه شكل حضورا مسلما به في عملية التفكير المنطقي وفهم الأشياء وأحتوئها مفهوميا وواقعيا بعد أن كان التفكير الإنسانية ميتافيزيقيا في منطق سقراط وأفلاطون، فركزت المعرفة الإنسانية عبر تاريخها الطويل على قدرة العقل في فهم الذات والأشياء، الا أن اصطدمت بالنصوص المقدسة وفكرة الإلهام والحدس والوحي التي تبلورت في المدونات الهرمسية والغنوصية التي اشتغلت بمنظومة فلسفية تناقض وتقوض مبادئ حدود العقل والمنطق الأرسطية: مبدأ الهوية، ومبدأ التناقض، والثالث المرفوع، والنسقية الخطية للسببية أو العلة والمعلول، وأن سبب تقويض أو هدم المنطق الأرسطي هو في لحظة التقاء الدين بالفلسفة، ووساطة الوحي أو النبي التي كانت لها أدواتها الذوقية والحدسية والإيمانية التي تناقض مبادئ العقل؛ وأمام هذه الإشكالية التي تلاقت وامتزجت بين الديانة المسيحية واليهودية والفلسفات الإلحادية الأفلاطونية والأرسطية، متطلبا الأمر وجود وسيط آخر يمكن من خلاله الوصول إلى الحقيقة المدونة في النصوص المقدسة المتبئرة في مركزية اللغوية ومنطقها والمرتبطة بعصور وظروف ثقافية وفكرية؛ لذلك كانت الفلسفة التأويلية والمؤولين يفسرون ويعيدون إعادة إنتاج دلالتها من خلال فك رموز ومجازية الخطاب المقدس الذي تكمن في باطنه الحقيقة. وإن الإقصاء والتهميش الذي كان يمارسه العقل الأرسطي على العقل التأويلي والتفكيكي وفكرة الاختلاف أحتاج منا إلى إجراء بحث اركيولوجي في هذا الكتاب عن أصول ومفاهيم ومناهج الفلسفة التأويلية في بيئتها، وحاضناتها الفلسفية والمعرفية الغربية في جميع تقلباتها التاريخية والأسطورية والدينية الابستومولوجية والانطولوجية والنقدية.

وثمة دوافع كثيرة دفعتني إلى اختيار البحث في الأصل أو البدايات لفلسفة متجذرة في أعماق الأنظمة الفلسفية الكبيرة - السقراطية والأفلاطونية والأرسطية، وكانت تسير على هامش سلطة العقل المنطقي، محققة انفتاحا معرفيا على الفكر الغربي مما شكل تواصلا وتحاورا معرفيا وفلسفيا يمد جسورا بين ثقافتين مختلفتين تمنح القارئ العربي إمكانية الاطلاع على أنظمة معرفية تساعده على تحقيق تكاملا معرفيا وثقافيا، فضلا عن أن الفلسفة التأويلية بكل أشكالها تداخلت وتشابكت معرفيا ومفاهيميا مع النقد الحديث في ما بعد الحداثة، وكذلك يمثل هذا الكتاب تكملة لمشروع بدأناه في أطروحة الدكتوراه التي كانت بمثابة مقاربة تطبيقية في شعر الشاعر العراقي الكبير فاضل العزاوي، إذ إن ضغوطا كثيرة أدت بنا في أطروحة الدكتوراه إلى الاختصار وتجاوز أعلام وفلسفات كثيرة، لأن الأطروحة ركزت على الجانب التطبيقي وهذا لا يمنع أن يكون هذا الكتاب بمثابة توسيعا وإضافة على ما ذكرناه في الأطروحة، هذا ما يخص أسباب اختيار الموضوع، أما خطة الكتاب فإنها قائمة على تمهيد وفصلين:

Page 3

تناول التمهيد ماورائية (التأويلية أبنية المفاهيم، وأنظمة الخطاب العربي والغربي) كاشفا عن بداية تشكيل مفهوم ومصطلح التأويلية وسيرورة تحوله المعرفية والفلسفية عند العرب وتداخله مع مصطلح التفسير الذي تلقح معه على أشكال كثيرة متداخلة بين الترادف، والتماثل، والاختلاف، مما أدى إلى يفضل الخطاب الأصول الديني العربي التفسير على التأويل لموضوعية الأولى التي انطلقت من النص، وعقلانية الثاني الذي انطلق من الرأي أو العقل، ولعل العلاقة المتواترة والمتنافرة بين التأويل والتفسير في الخطاب الديني بقيت مستمرة إلى الوقت الحاضر، مما تسببت في إشكالية ترجمة وتأصيل مصطلح التأويل عند الغرب بكل محمولته الفلسفية والمعرفية عند العرب، لذلك انفتح مصطلح ومفهوم التأويلية الغربية على مسارين الأولى إتجه إلى الماضي وحفر في أنظمة الخطاب العربي مستعيرا إشكاليته القديمة مسقطها على المصطلح الغربي، والثاني إتجه إلى أنظمة الخطاب الغربي مستعيرا المصطلح إلى البيئة والثقافة العربية، مما سبب للذات العربية الوقوع في ارتباك الحنين إلى الظل العربي، أو التوجه نحو الأمل والاغتراب في الظلال الغربي.

وأشتمل الفصل الأول على مبحثين تضمن المبحث الأول ماورائية الأصول التاريخية للتأويلية الغربية التي ارتبطت بأسطورة تحوت المصري والمدونات الدينية الهرمسية والغنوصية، والفكر النقدي الإصلاحي الديني عند لوثر، واستبنوزا الذي مهد الطريق إلى تحويل التأويلية إلى علم له قوانينه الخاصة، وهذا ما حددناه في المبحث الثاني الذي تطرق إلى تحويل التأويلية من آلة أو تقنية ثانوية بيد رجال الدين إلى علم له قوانينه الخاصة في ابستومولوجية شلايرماخر ودلثاي.

أما الفصل الثاني فقد خصص لماورائية التأويل في الأصول الانطولوجيا والنقدية مقسما إلى مبحثين: الأول عرض عملية الانتقال من الحقل الابستومولوجي إلى الحقل الانطولوجي بمعية المنهج الظاهراتي عند هوسرل الذي عمل على تحيد فكرة الذات والموضوع في مقولة المقصدية الظاهراتية، والتي - الفلسفة الظاهراتية - شكلت بداية الانطلاقة التأويلية عند هيدغر، وغادامير، وريكور بعد أن أجروا عليها عملية تذويب وامتصاص وتحوير لتنسجم مع التأويلية التي تبحث عن المستور أو السري من المعاني، ثم استعرض المبحث الثاني علاقة التأويلية مع النقدي الأدبي وانفتاح المشاريع الفلسفية على النقد والتأويلية مما أدى إلى أن تمثل آلة أو أداة بيد الناقد يمكن له من خلالها أن يقارب النص الأدبي، فكانت سيميائية أمبرتو إيكو التي انفتحت على التأويلية لتشكل أداة نقدية، وتداولية فش التي أضفت الشرعية على الجماعة المفسرة، والإرادة الموضوعية وبعث فكرة قصدية المؤلف في ابستومولوجية هيرش التي مزجت بين تأويلية شلايرماخر ودلثاي وتحاورت مع انطولوجية هيدغر، وغادامير، وريكور.

وفقينا خطة الكتاب بخاتمة توصلنا بها إلى جملة من النتائج، وانتهينا بقائمة ضمت أهم المصادر والمراجع التي استعان بها الباحث.

ولا يفوتني أن اذكر أن كثرة الآراء وتضاربها وتناقضها وصعوبة الفلسفة التأويلية أدىت إلى أن يحدث نوعا من الإسهاب والتفصيل في بعض المباحث، فضلا عن أن كثرة المصطلحات والمفاهيم الفلسفية وأعلام الفلاسفة الغربية يعود إلى كونها كانت تشكل خلفيات معرفية ساعدت على تبلور البناء المعرفي والفلسفي عند الفلاسفة التأويليين الذي تأثروا بها إيجابا أو سلبا.

وتجدر الإشارة إلى أن الأمانة العلمية حتمت علينا أن نذكر بعض الآراء والأطروحات التي لا يقبلها الدين الإسلامي ولا يقبلها الباحث، ولكن ضرورات البحث في المرجعيات والماورائيات الغربي اقتضى عدم تجاوزها.

وختاما فإنني أتوجه إلى الله سبحانه وتعالى الذي وفقني لإنجاز الكتاب بالحمد والشكر والثناء، وأتوجه بالشكر إلى الدكتور علي كمال الدين الفهادي، ولزوجتي لما وفرته لي من الوقت والهدوء لإنهاء هذا الكتاب، وللدكتور عبد الخالق سلمان الدليمي ولكل الأصدقاء المخلصين.

وإن الوفاء يقتضي أن أقدم خالص شكري وامتناني لدكتورة بشرى حمدي البستاني التي شكلت رافد معرفيا وثقافيا يستقي منه كل طالب تتلمذ على يدها فلها جزيل الشكر والاحترام.

وأخيرا لا يدعي هذا الكتاب الكمال فالكمال لله وحده، وما كان صوابا فهو منّة الباري المتكبر وما كان خطأ فمن ضعفي وقلة حيلتي.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

د. محمود خليف خضير

الموصل/العراق

Page 4

التمهيد

التأويلية أبنية المفاهيم وأنظمة الخطاب العربي والغربي

....التأويل في الأصول الإسلامية لا يبتعد عن معنى (بداية الشيء، وانتهاء الشيء)....

الباحث

Page 5

إشكالية المصطلح

1 - الابستومولوجيا والممارسة الاصطلاحية

يمارس المصطلح دور البؤرة التي تشكل المعرفة أو الحقل المعرفي؛ وذلك من خلال جهاز المفاهيم الذي يشتغل على مقولات فلسفية ومنهج ينطوي على مفاتيح مفاهيمية تؤسس مسار التدرج من مصطلحات أو مقولات منتقلة من نقطة إلى أخرى مرتبطة بالفرضيات أو النتائج المتوخية من الحقل المعرفي أو النظرية ومنهجها الذي ينطلق من خلفية معرفية وفلسفية تساعد على تبلور سيرورة توجه مفهومها وتحدد دلالاتها، وبذلك فإن المفهوم الذي ينطوي عليه شكل المصطلح يتعدد بسبب تعدد حقول المعرفة وتبعا للأثر التاريخي الذي يطور المفهوم، وأن البحث عن منظومة أجهزة المفاهيم الاصطلاحية وحدودها يصعب ضبطها، وذلك لأسباب كثيرة منها مرحلة العائق، والقطيعة والغموض الابستمولوجي 1، والتي يتصف بها إعادة أعمار المفاهيم والمصطلحات، فضلا عن الانزياحات التي تحدث في دلالة المصطلح المفهومي من تضخيم وإنحراف وضمور دلالي مما يؤدي إلى أضطراب وضبابية في مفهوم المصطلح2.

ولقد أصبح معروفا أن المعرفة هي خلاصة الممارسات العقلية التي تتشكل ضمن حدود ثقافية وحضارية محدودة، وقد تدخل في حوار ثقافي مع تشكيلات وتمثيليات ثقافية أخرى، وعليه كانت حاجة المعرفة إلى أن تنتج أجهزة اصطلاحية تستدعيها الأطر المعرفية والمنهجية والثقافية للحقل المعرفي والثقافي والحضاري على جميع الأصعدة ويترتب على ذلك نوعا من المواضعة والتواطؤ والشيوع للمصطلح والمفاهيم بما يتفق مع البنية الثقافية وشرط الحقل المعرفي وحاجات التلقي والاتصالات الثقافية والمعرفية والعلمية، وقد يحدث في سيرورة تطور العلوم والمعارف والمناهج أن يدخل الآخر (الثقافة الأجنبية) بوصفه عامل إضفاء دلالات أخرى على المصطلح مما يؤدي إلى خلخلة وأضطراب في تصورات ومفهوم المصطلح في لحظات التناسل وتداخل الحقول المعرفية والثقافية والأقتراض الاصطلاحي من سياقات ثقافية ومعرفية يهدد البيئة والحاضنة للحقل المعرفي الجديد بسبب الانزياح والانزياحات التي تحصل في اللغة واللغات الأخرى في عملية تجاوز الضوابط النحوية واللغوية للحقل المستعار منه المصطلح والمفهوم مما ينتج للحاضنة الجديدة أن تضفي أسما جديدا لهذا المصطلح والمفهوم في لحظته الأولى للتهجين التي قد تصيب المصطلح في ولادته في السياق والبيئة الجديدة في عملية أو ممارسة جدلية متضادة من خلال الأنعتاق أو التجاوز والثبات في تفاعل اسستعاري يتجلى في محاولة تأسيس ذاكرة تاريخية تأرشف لهذا المفهوم أو المصطلح من خلال توفير بديل (إشارة لغوية) تشتغل بوصفها لغة داخل اللغة تسرع في تأسيس نظام تواصل « يحفظ للفكرة مسارها وللمعرفة بغيتها في تشكيل تصور ثابت يحفظ للنسق الموضوعية ويحافظ على النهج العلمي « 3، وقد يحصل أن يحدث تعارض للمفاهيم واشتباكها ودورانها في مضمار مغلق لا يضفي إلى نتيجة مما يؤدي إلى حدوث أزمة فيما يخص المصطلح وطرائق استخدامه في الحقل المعرفي والسياق الثقافي الجديد مما يحدث لكينونة المصطلح الخلط والغموض والارتباك التي تتسم بها جميع الممارسات المعرفية والمنهجية التي تتصل بالجهاز المفاهيمي الذي يشكل كينونة المصطلح ويؤدي إلى شيوع ضروب من الممارسات تفتقر إلى أبسط مقومات العلم بإجراءات المصطلح والمنهج على وفق انعدام أية مرجعيات جادة تعيد تقعيد العلم الجديد ومفاهيمه الاصطلاحية مما يسبب اختلال في نظام التراسل الطبيعي بين الأمم والأفراد متجليا في إشكالية تتعلق بأصول المصطلح ومصادره، ومفاهيمه، وممارساته، وإجراءاته، وسياقاته، وعلى هذا الأساس تخلق جوا مشحونا بالتناقضات تشد المصطلح نحو سديما أو فجوة دلالية محاولة إخضاع المصطلح للثقافة الجديدة في فاعلية تفاعلية تشحن المصطلح القديم بدلالات جديدة مغايرة لدلالته في الأصل، أو نقل مصطلح ذي الدلالات المحددة في لغة أو ثقافة الأم إلى الثقافة الجديدة مما يقضي إلى أضطراب كبير وغموض ولبس في دلالة المصطلح واستعماله في بيئته الجديدة 4.

ولا شك أن الساحة النقدية المعاصرة في الوطن العربي قد بدأت تستشعر إلى حد كبير أهمية جلاء واستقرار المصطلح النقدي، وعلى الرغم من استشراء آفة الضبابية والاضطراب فيه الا أن محاولة الإفصاح والإبانة - وأن كانت على درجة أقل - بدأت تعي خطورة ذلك على الخطاب النقدي، ولاسيما في العشرين عاما الأخيرة، ولعل ذلك ما دفع مجلة فصول إلى إصدار عدد خاص حول (قضايا المصطلح النقدي) عام 1987 5، ومجلات أخرى دارت في التوجه ذاته، وفي ضوء هذا الهدف ارتأى كتابنا السعي وراء هذه الغاية في التنقيب عن الدلالات اللغوية والاصطلاحية لمصطلح من أكثر المصطلحات النقدية ترددا في الممارسات النقدية الحديثة بشتى ضروبها الا وهو التأويلية (Hermeneutics) طامحينا في الكشف عن الأهمية التاريخية والمعرفية في سياق الفكر الإنساني كما تجلى في الثقافات القديمة والحديثة في شقيها (العربي/الغربي) وما ذلك الا لنكشف مقدار الانزياح الذي لحق به بفعل الأثر الذي الحقته الثقافة الغربية فيه، كاشفين طبيعة التأثر والتأثير والحوار والامتصاص والتفاعل الذي تمارسه الثقافة الغربية بالمظاهر الثقافية وخاصة في النقد الأدبي.

Page 6

2 - اركيولوجيا التأويل

لكون مصطلح التأويل يثير إشكالات لا في الثقافة العربية حسب إنما في اللغات والثقافات الأخرى بسبب تعدد مناشئه أو اصطلاحاته من جهة، ولكثرة اضطرابه في الفكر العربي المعاصر والتشتت في استعمال مفاهيم التأويل من جهة أخرى، وهذا مما أقتضى ضرورة إجراء بحثين اركيولوجيين أحدهما عربي، والآخر غربي للتحقيق بالمسألة الاصطلاحية.

أ - اركيولوجيا التأويل في الوعي العربي:

يتصل معنى التأويل في الثقافة العربية بعلاقة جدلية بمصطلح التفسير والذي يمثل بالنسبة للأول الحضور أو الغياب وذلك في دائرة علائقية تستدعي أحدهما الآخر في حدودية الارتباط بحقل الأصول الدينية في تفسير أو تأويل النص المقدس (القرآن الكريم)، وعلى ضوء ذلك، فإن دلالتهما مقيدتان بإجراءات هذا الحقل بصورة مباشرة، ولما كانت الممارسة التأويلية يصعب حصرها بسبب ضخامة الموروث الأصولي الديني وتعدده واتصاله بحقول وعلوم وقضايا ترتبط بالخطاب المعرفي الإسلامي في وجهه المتعددة من علوم القرآن والحديث واللغة وعلم الكلام والمذاهب والفرق الإسلامية وغيرها من العلوم المرتبطة بالدراسات القرآنية، فضلا عن أنه أصبح بفعل التطور الحضاري حقلا اصطدمت فيه كثيرا من المواقف والرؤى وانفتاحه على ثقافات تركت بصماتها في الجهاز الاصطلاحي لدلالات التفسير والتأويل.

وانطلاقا من الأصل أو الحقل المعرفي الواحد، يجدر بنا الفصل بين الإشارة اللغوية أو المصطلحية ما بين هذين المصطلحين، ويحسن أن نتعرض أولا لشيء من التفصيل والتدقيق لحياة وتطور التفسير والتأويل منذ أن كانا مفهومين لغويين دارجين عند اللغويين العرب إلى أن أصبحا مصطلحان فنيين مستعملين في حقول معرفية متنوعة.

أختلف العلماء في جذور كلمة التفسير على عدة أقوال فمنهم من قال أصلها «الفَسْرُ: البيان. فَسَر الشيء يفِسره بالكسر، ويفسُرُه، بالضم، فَسْراً وفَسَّرَه: أبانه»6، ومنهم من يعود به إلى الأصل «الفَسْر: نظر الطبيب إلى الماء، وكذلك... التَّفْسِرةُ البول الذي يُستدلّ به على المرض، وينظر فيه الأطباء يستدلون بلونه على علة العليل، وهو أسم كالتَّنهية، وكل شيء يُعرف به تفسير الشيء معناه، فهو تَفْسِرتَهُ»7، ومنهم من ذهب إلى أنه مقلوب من الجذر اللغوي «سَفَر: ومعناه أيضا الكشف، يقال: سَفَرت المرأة سفورا، ومعناه ألقت خِمارها عن وجهها، وهي سافرة، وأسفر الصبح أضاء، وسافر فلان «8، ولا يذهب بعيدا عن حدود معنى الكشف والبيان عندما يعود أبن الأنباري بجذر السفر إلى قول «العرب: فَسرت الدابة وفسرتها، اذا أركضتها محصورة لينطلق حصرها «9، ولقد ارتبطت دلالة المعنى اللغوي في المعاجم العربية بـ (البيان والظهور والانتقال) متواشجة مع الاستعمال القرآني لكلمة التفسير بمعنى البيان في قوله تعالى (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) (الفرقان: 33)، أي أحسن بيانا وتفصيلا بما نضرب من الأمثال وما نسوقه من الأدلة، ولكن كلمة التفسير شاعت وتواطأت وانتشرت بين الناس بحيث، إذ أطلقت الكلمة يكون المراد منه بيان المعنى الذي يقصده القرآن سواء حقيقة أم مجازا10، وهذا مما عمل على تخطي الإشارة اللغوية المعجمية إلى مجال المواضعة والشيوع والتواطؤ التي التقت واتفقت عليه الذاكرة الجماعية في وضعيته الاصطلاحية التي كانت تتداخل بين العلاقة الاعتباطية حسب دي سوسير بين الدال والمدلول (اللفظ ووجوده العيني) و(واللفظ وصورته الذهنية) التي شكلت نوعا من الضبابية والاضطراب في منظومة الجهاز الاصطلاحي، ولا سيما في اصطلاح العلماء مما أدى إلى أن الإشارة اللغوية المعجمية بقيت على حالها في فهم الأصوليين أو المفسرين لمعاني الظهور والبيان والانتقال؛ ليحدث نوعا من الانحراف في دلالة الصورة الذهنية المؤسسة لكينونة المصطلح التي حصل على أثرها تداخل بين استعمال كلمة التفسير في الحقول المعرفية المختلفة، ومن جهة أخرى وقوع اللبس في تداخله أو قربه من حدود مصطلح التأويل؛ وبذلك لم تحافظ دلالة كلمة التفسير على خصوصية حقلها وكينونتها الاصطلاحية من «وضوح الدلالة واتساقها داخل الحقل الدلالي والمعرفي الواحد والثابت المحدد مهما أختلف السياق»11، ومما أخرج كلمة التفسير بوصفها مصطلح من سياج المحدودية ليشكل عدة معانٍ في الاستعمال المصطلحي الذي تجلى في أن ينطلق في اصطلاح التفسير إلى معنيين:

المعنى الأول: التفسير الذي هو قسم من أقسام البديع الراجع إلى المحسنات المعنوية ويراد به عندهم أن يأتي المتكلم بمعنى لا يستقل الفهم بادراك فحواه ما لم يفسره كلام آخر بعده 12.

والمعنى الثاني: والذي أختلف المفسرين في تعريفه، فهذا الماتريدي يعرف التفسير بأنه «القطع على المراد من اللفظ هذا، والشهادة على الله أنه عني باللفظ هذا»13، ويذهب أبو طالب التغلبي في تعريفه التفسير بأنه «وضع اللفظ القرآني أم حقيقة أو مجازا»14، وعرفه أبو حيان التوحيدي في البحر المحيط «بأنه علم يبحث عن كيفية النطق بألفاظ القرآن الكريم ومدلولاتها وأحكامها الافرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب»15، ولقد رفض الفناري هذه التعاريف ولم يرتضيها لعدم جمعها ومنعها فأختار تعريفا آخر يتصور أنه جامع مانع في قوله أن التفسير «هو معرفة أحوال كلام الله تعالى من حيث القرائنية ومن حيث دلالته على ما يعلم أو نظن أنه مراد الله تعالى، بقدر الطاقة البشرية»16، ووسع حدود المصطلح ليشمل سائر العلوم المرتبطة بعلوم الدين في قوله هو «علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها والإشارة النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها وناسخها ومنسوخها وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها ومجملها ومفسرها»17، ويشرع الأصفهاني في ترسيم حدود المصطلح في أبعاد ومسافات ميتافيزيقية أو البحث عن ميتا لغوية في المراد في قوله «اعلم أن التفسير في عرف العلماء كشف معاني القرآن وبيان المراد، أعم من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، وبحسب المعنى الظاهر وغيره»18، وهكذا يكون الأصفهاني قد أزاح مدلول المصطلحي للتفسير لدخول حدود أرض أو مسارات التأويل لتدخل في عملية تناسل وتلاقح مسببة نوعا من الالتباس والتناقض في تعريف ورسم حدود التأويل، ولكن قبل أن نبدأ التمييز أو التفريق ما بين مصطلحي التفسير والتأويل وجب علينا أن نعالج دلالة التأويل لغة واصطلاحا لعله يساعدنا على كشف أو إظهار الفرق بين التفسير والتأويل، فقد وردت كلمة التأويل في معاجم اللغة العربية منطوية على عدة معان نورد منها الدلالات الغالبة في الاستعمال والتي تمت إلى موضوع الكتاب بصلة:

Page 7

أولا: المرجع والمصير، فقد جاء في لسان العرب «أول: الأول: الرجوع. آل الشيء أولا ومآلا: أرجع وأول إليه الشيء: أرجعه وآلت عن الشيء: ارتددت وفي الحديث من صام الدهر فلا صام ولا آل: أي رجع إلى خبر، والأول الرجوع. وفي حديث خزيمة السلمي: حتى آل السلامي أي رجع إليه...»19، ويؤكد الزمخشري (ت 538هـ) هذا المعنى فيقول «... ويقال أول الحكم إلى أهله: رده إليهم وفي الدعاء للمضل أول الله عليك، أي ردّ عليك ضالتك... ومن المجاز فلان يؤول إلى كرم، ومالك، تؤول إلى كتفيك إذ انضم إليهما وأجتمع...»20.

ثانيا: التغيير: آل اللبن أي خثر، وآل جسم الرجل أذا نحف؛ وهاتان الدلالتان هما الغالبتان، وأن كانت الثانية لا تبتعد عن الأول كثيرا ففي معنى التغيير الصيرورة والرجوع إلى كذا، وهنا يمكننا أن نحصر الدلالتان في المعنى اللغوي (المرجع، أو المصير، العاقبة).

ثالثا: الوضوح والظهور، آلال الشّخص، وهو ما تراه في أول النهار وآخره ويرفع الشخوص21.

رابعا: التفسير والتدبير: التأويل: تفسير ما يؤول إليه الشيء تقول تأولت في فلان الأمر أي تحريت، يقول الزمخشري «... وتأملته فتأولت فيه الخير أي توسمته وتحريته»22، وهناك من يعود بأصله إلى «الآيالة، وهي السياسة، كأن المؤول للكلام ساس الكلام ووضع المعنى فيه موضعه»23.

وهما دلالات قريبة فلا يخرج التفسير عن معنى الظهور والوضوح ويمكن إدماجها في دلالة واحدة وهي التفسير والتدبير24، وبناء على دلالة المعنى اللغوي الذي يمكن أن نحصره في عدة معان (المرجع والمصير والتفسير والتدبير والتأمل والسياسة) والتي تشي بالأول أي ابتداء الأمر وانتهائه.

هذا هو أساس المصطلح بوصفه وحدة لغوية من حيث الاشتقاق اللفظي لمنطقة عمله في المعجم العربي، التي لا يمكن حصرها في الإشارة اللغوية فقط ألا أن حياة أو صيرورة كلمة التأويل لم تستعمل «بعدّها مصطلحا في البنية اللغوية بقدر ما استعمل في الدراسات الإسلامية، ولا عزو في هذه، فالعلوم اللغوية لم تقم ألا لخدمة النص القرآني»25، الذي حافظ في مساره الأول على أشارة الكلمة ودلالتها اللغوية؛ لذلك فإن أكثر الباحثين يقسمون أو يمرحلونه من خلال قيمته التداولية التي سرعان ما ذابت وانصهرت في السيرورة التاريخية والثقافية ومخاضاتها المختلفة التي ساعدت على ارتباطه بقوالب اصطلاحية ترسم حدوده على وفق التطبيقات والمسارات الفكرية في منظومة خطاب العقائد الإسلامية التي ترعرع فيها المصطلح مع تطوره المفهومي الجنيني اللغوي واصطدامه مع القضايا والإشارات ليصبح مصطلحا مكتملا يقع عليه الاتفاق بين كل الفرقاء والمذاهب، وأن اختلفوا في تطبيقاته.26

ولنا أن نتصور مرحلته الأولى قد امتازت «بكون المصطلح حمل فيها على دلالته اللغوية الأصلية»27، وأن اتسعت دائرة الإشارة اللغوية من خلال الاستعمال القرآني ومقاربة المفسرين وترسيم دلالته أو معانيه من خلال سياق النص القرآني «ولقد وردت لفظة التأويل في القرآن الكريم في ستة عشر موضعاً28، على معان مختلفة تكاد تجمع عليها جلّ المدارس الإسلامية في التفسير على الرغم من اختلافاتها المنهجية ومقاصدها التفسيرية «29، ولو تتبعنا استعمالها في القرآن الكريم يكاد أن ينحصر في دائرة المعنى المطروق في المعاجم اللغوية، وعلى هذا الأساس فإننا سنقتصر على بعض المعاني التي أغنته وأثرته استعمالات النص والسياق القرآني، ففي قوله (وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (53) ) (الأعراف: 52–53)، فالتأويل في هذه الآية مجيء ما أخبر القرآن بوقوعه من القيامة واشراطها، وهذا القدر الذي اخبر به القرآن من هذه الأمور لا يعلم وقتها ووضعها الا الله30، والإشارة اللغوية لكلمة التأويل في سياق هذه الآية تنطوي على أن التأويل هو «الأمر العيني الخارجي الذي يعتمد عليه الكلام وهو في مورد الأخبار المخبر به الواقع في الخارج، أما سابقا كقصص الأنبياء والأمم الماضية... وكل ما سيظهر يوم القيامة في ما ورد في الأنبياء كآيات الأحكام الصالحة المتحققة في الخارج»31، ويتسق هذا المعنى مع سياق قول يوسف لرفقائه في السجن بعد أن أخبروه برؤاهم في النوم: -

قوله تعالى (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون) (يوسف: 37)، ومعنى « التأويل في هذا السياق الأخبار عن (حدوث) أمر قبل وقوعه بالفعل، ويوسف عليه السلام هنا يؤكد لزملائه في السجن قدراته التأويلية... في الأخبار عن الأشياء قبل حدوثها «32 ولا يمكن أن نقتصر على هذا المعنى في سورة يوسف، بل إنه تجاوز ذلك في إشارته إلى تفسير الأحلام أو تأويل الأحاديث، ويشير نصر حامد أبو زيد إلى أن ورود كلمة تفسير مرة واحدة في القرآن والتأويل سبع عشرة مرات « يدل على أن كلمة تأويل كانت أكثر دورانا في اللغة بشكل عام - وفي النص بشكل خاص – من دوران كلمة تفسير ولعل السر وراء هذا الدوران أن التأويل كان مفهوما معروفا في الثقافة قبل الإسلام ارتبط بتفسير الأحلام أو تأويل الأحاديث كما نعلم من تأويل رؤيا ربيعة بن مضر التي قام بها كل من سطيع وشق بن انمار»33، فضلا عن تأويلات أخرى ذكرت في مدونات التراث كرؤية عبد المطلب جد الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) وقصته مع حفر بئر زمزم، وعاتكة عمة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قبل معركة أحد وهناك روايات كثيرة تذكر أن بدايات أو إرهاصات النبوة كانت عبارة عن رؤية لرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) متحققة34، ولو وسعنا الرؤية لوجدنا أنها ظاهرة موجودة في الشرق كله مرتبطة عند الفرس والهنود بالسحر والطلاسم والتنجيم.

وفي سورة يوسف نجد أن نواة أو بناء القصة متبئرا في حلم يوسف في بداية أو عتبة القصة، وهو الحلم الذي تحقق تأويله في نهاية القصة في قوله تعالى (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ*)(يوسف: 4)، وليس تأويل الأحاديث ألا تأويل الأحلام في هذا السياق، إذ إن تأويل الأحلام يكون بوساطة أو وسيط لغوي أو كلام وهو الحديث، ويعود ذلك إلى أن المؤول لا يؤول الحلم إنما يؤول الحديث أو الكلام؛ لذلك كانت دلالة الحلم أو معناه قائما على طريقة سرده، وأن كان يدخل فيه السياق أو الظروف الخارجي، وهكذا نتلمس في سورة يوسف أن تأويل الأحلام والرؤيا والأحاديث بدلالات متقاربة جدا 35 ويتجاوب مع هذا الاستعمال الذي يكون موضوع التأويل فيه (حدثاً) لم يقع بعد كتأويل الأفعال في سورة الكهف؛ الأفعال التي قام بها العبد الصالح من قتل الغلام وخرق السفينة وإقامة الجدار 36، إذ تشير الآيات إلى دلالة التأويل في أصله أو كينونته اللغوية « من الأول، ومعنى: ما تأويل هذا الكلام؟ أي إلام تؤول العاقبة في المراد به؟ كما قال تعالى (يوم يأتي تأويله) (الأعراف: 53) أي يكشف عاقبته، ويقال آل الأمر إلى كذا أي؛ صار إليه وقال تعالى (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ْ) (الكهف: 82) وأصله من المآل، وهو العاقبة والمصير»37، إذ إن معنى التأويل هو «العودة إلى أصل الشيء سواء كان فعلا أم حديثا ذلك لاكتشاف دلالته ومغزاه هكذا أول العبد الصالح أفعاله بالكشف عن أسبابها وعللها الحقيقية»38 ويتبع هذا المعنى أيضا «الوصول إلى هدف وغاية»39، وتتسق فعالية استعمال السلف للتأويل مع حالة استقرار المصطلح على معنى «التفسير والإيضاح والتدبر في عهد الصحابة والتابعين (القرون الثلاثة الأولى)»40، التي حددتها مرجعية الدلالة المعجمية والسياقية بشقيها السياق الثقافي والاجتماعي والفكري وسياق النص القرآني، إذ يشير أبن تيمية رحمه الله إلى أن « التأويل في لفظ السلف له معنيان: أحدهما تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره أو خالفه فيكون التأويل عند هؤلاء متقاربا أو مترادفا مع التفسير، وهذا – والله أعلم – هو الذي عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله، ومحمد بن جرير الطبري يقول في تفسيره: القول في تأويل كذا وكذا واختلف أهل التأويل في هذه الآية ونحو ذلك ومراده التفسير، والمعنى الثاني في لفظ السلف هو الثالث من مسمى التأويل مطلقا هو نفس المراد بالكلام، فإن الكلام إذ كان طلبا كان تأويله الفعل المطلوب نفسه، وأن كان خبرا كان تأويله الشيء المخبر به نفسه «41، ويكشف أبن تيمية أن بين المعنى الأول والثاني عند السلف بونا واسعا؛ وذلك لأن التأويل في المعنى الأول هو من باب العلم والكلام كالتفسير والإيضاح ويكون وجوده في القلب واللسان فهو له الوجود الذهني واللفظي والرسمي، أما التأويل في المعنى الثاني فهو الأمور الموجودة في الخارج نفسها، سواء كانت ماضية أو مستقبلية 42، ولعل هذه النواة الدلالية الواحدة التي جمعت ما بين التفسير والتأويل بوصفهما مترادفان فرضتها التداخلات والتجاوزات في المنبع أو الأصل اللغوي الذي يلتقي فيه بعض مرادفات المعاني المعجمية معا مما أفضى إلى ظاهرة الاضطراب الاصطلاحي في العودة إلى المنبع وحصرهما في فعل دلالي واحد، مما أدى بأبي فارس إلى القول بأن « التأويل والمعنى والتفسير واحد «43، وهو أمر « عزيزا علينا أن نوافق عليه لأن أدراج هذه المفاهيم الثلاث تحت دلالة واحدة لا يعني شيئا ذا بال لأن المعنى يتمخض غالبا إلى جزئيات الدلالة المتحققة للفظ بعينه، بينما التفسير إنما يتمخض في الثقافة الإسلامية إلى الأجراء الذي يعمد إلى قراءة القرآن العظيم وابتغاء إفهامه إلى الناس وتبسيط نصه لعوام القراء، في حين التأويل علم قائم بذاته لدى المسلمين «44، في مراحل « حمل فيها المصطلح التأويلي على دلالته الاصطلاحية الحادثة «45، ولاسيما في عرف المتأخرين المتفقهة والمتكلمة وأهل الحديث والمتصوفة ونحوهم: هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف، والتي بدأت منذ مدة باكرة جدا وارتبط بالتأويل والخلاف «حول المحكم والمتشابه من جهة، وبالخلافات السياسية والعقائدية من جهة أخرى»46، وهو ما يؤكده الطبري في أن أبن عباس قد « ذكر عنده الخوارج وما يلفقون عن القرآن فقال: يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه «47، ولعل من المفيد ومادامت قضية المحكم والمتشابه قد ارتبطت بصورة ما بالنزاع السياسي، فإننا سنستعرض خلاف المفسرين حول أمرين يتصلين بهذه القضية الأمر الأول الخلاف حول تعريف المحكم والمتشابه، والثاني حول إمكانية معرفة المتشابه من خلال إعرابه النحوي48، إذ يفصل السيوطي في مسألة المحكم والمتشابه إلى ثلاثة مسائل:

Page 8

أحدهما: إن القران كله محكم في قوله تعالى (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) (هود: 1)

الثاني: كله متشابه لقوله تعالى (كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ) (الزمر: 23)

والثالث: وهو الصحيح الذي انقسم إلى محكم ومتشابه في قوله تعالى (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (7)) (آل عمران: 7).

والفيصل في ذلك أن المراد بإحكامه إتقانه وعدم تطرق النقض والاختلاف إليه وبتشابهه: كونه يشبه بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز، ولقد أختلف العلماء في تعيين المحكم والمتشابه، فقيل المحكم ماعُرف المراد منه، أما بالظهور وأما بالتأويل. والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المقطعة في أوائل السور، وهناك من يقول إن المحكم ما وضح معناه والمتشابه نقيضه، أو أن المحكم لا يحتمل من التأويل ألا وجها واحدا، والمتشابه ما احتمل أوجها حتى هناك من يجد المحكم ما كان معقول المعنى وما استقل بنفسه وما تأويله تنزيله وما لم تتكرر ألفاظه والمتشابه ما يناقض الأوصاف التي ذكرناها غير أن محاولة تأويل القرآن أو الخلاف حول المحكم والمتشابه ترتبط بزمن نزول القرآن نفسه وهذا ما أفضى بابن عباس أن يضع معايير وقواعد في معرفة المحكم والمتشابه في قوله «المحكمات ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمن به ويعمل به، أما المتشابهات ففي منسوخة ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به»49، ومعنى ذلك أن «المحكم عند ابن عباس هو الآيات التي يؤمن بها ويعمل بها وهي آيات الأحكام التي تحدد الحلال والحرام أو بمعنى آخر هي آيات التشريع العملي، أما المتشابهات فهي تلك الآيات التي يؤمن بها ولا يعمل بها أو هي التي لا تتصل بالشريعة سواء أكانت منسوخة عن حكمها وبقيت في رسم المصحف للتلاوة فقط، أم كانت من غير آيات الأحكام أصلا، ويدخل ابن عباس في المشابهات المقدم والمؤخر والأمثال والقسم كلها ظواهر أسلوبية ستدخل فيها الإعراب النحوي و» المجاز عند أبي عبيدة والفراء والجاحظ وابن قتيبة وسيصبح المجاز كله وسيلة للتأويل عند القاضي عبد الجبار»50؛ وبذلك يحدد مسار المجاز دائرة مشكل التأويل التي تصدى لها المعتزلة والتي كانت بمثابة شغل البلاغة القرآنية والعربية ومركز مدار التأويل بسياق دائري تتحكم فيه أنظمة معرفية في منظومة الخطاب الإسلامي، والتي يمكن أن تتحدد على وفق إتجاهات ارتبطت بصيرورة تاريخية وفكرية وثقافية في آلية أو إجرائية التعامل مع النص القرآني فقد كانت في البداية إشكالية «بيان: ويتجه فيه التأويل من أولية اللفظ إلى أولية الدلالة ومركزه اللغة، وعقلي يتجه فيه التأويل من أولية اللفظ إلى أولية المعقول ومركزه المنطق، والصوفي يتجه فيه التأويل من أولية الظاهرة إلى أولية الباطن ومركزه الحقيقة، وباطني ويتجه فيه التأويل من أولية المعنى إلى أولية ما وراء المعنى ومركزه المعرفة»51، ولقد أبرز العلماء أن «فن البيان من أهم الفنون التي لا يجوز أن يستغني عنها المؤول بعُده أداة لفهم التراكيب وخواصها»52، وإذ كان كل من أبي عبيدة والفراء وقبلهما الحسن البصري لم يربطوا تأويلاتهم بقانون عام أو «ضوابط منهجية ثابتة، فإن المعتزلة بسبب اعتمادهم على العقل حاولوا أن يضعوا أصول عامة للتأويل تمكنهم من تأويل آيات القران الكريم تأويلا يتفق مع أصولهم العقلية في العدل والتوحيد وفي الوقت نفسه تمنع خصومهم من الاستدلال والتأويل على عكس هذه الأصول أو ضدها، ولقد أجمع الدارسون، على أنهم وجدوا في المحكم والمتشابه هذه المشكلة القديمة، منفذا لإرساء ضوابط للتأويل»53، متبلورة بشكل مسارات في حركة الأنظمة المعرفية التي تطورت في صيرورتها الحضارية والثقافية متشكلة التأويل في صيغة مركزية اللغة، والمنطق، والحقيقة، والمعرفة التي وسمت بالتأويل البلاغي (البياني) والتأويل العقلي، والصوفي، والباطني، وبالمعاينة الابستومولوجية التي تتبلور في رؤية البيان بوصفه آلية أساستها البلاغة مشكلة اللغة إطارها المرجعي قبل أن يخترق البرهان نطاق البيان بتعقيداته اللفظية ومقولاته الميتافيزيقية، مضفية نوع من منطقية البيان بعد أن تجاوز المعنى إلى المجاز (ميتا لغة) مضفيا معنا جديدا إلى معنى الحقيقة منحرفا عن معيار الفصاحة، والتي يشكل السلطة المعرفية فيها مفاصل قوة تعبيرية واقناعية وكشفية، فاللغة البيانية قائمة على الإفصاح وعن المعنى بإثبات دلالته بوصفه معيارا للحقيقة ذاتها مما أدى إلى أن يتجه البيان إلى مسار أو طريق آخر منطلقا من اللفظ إلى الدلالة متجاوزا العناية بمقام الشريعة مستندا إلى مبدأ السببية أو مبدأ التجاوز والقول بالعرف أو العادة اللغوية مما تمخض عنه انقسام المجاز إلى مجاز لغوي ومجاز عقلي ويعد المجاز العقلي عند السكاكي «ضربا من التأويل»54، متجانسا مع منظومة البيان البلاغية التي تمركزت حول المعنى الذي أكتسى المعنى فيه طرق تعبيرية بوجوه مختلفة، والعمل على كشف المعنى المقصود وإظهار دلالة الشيء عليه، وأن هذا الإتجاه البياني من اللفظ إلى الدلالة همش الدلالة الكلية المتمثلة في مقاصد الشريعة، والتي تنبها إليها الشافعي في معاني الشريعة والتي تسمى عللا إذ كان السلف قبله لا يستعملون لفظة علة إنما يستعملون المعنى فكانت اللغة بذلك مركز مدار التأويل البياني بوصفها واسطة أو كينونة، فارضة إشكالية الدلالة المتحايثة مع التأويل البياني مطورة إشكالية المنطق في التأويل العقلي، إذ إن آلية المنطق أوجدت علاقة جديدة بين اللفظ والمعنى متحولة إلى علاقة بين منطق اللغة والعقل، عاكسة الإتجاه أو نقطة الانطلاق من المعنى إلى اللفظ عكس انطلاقة التأويل البياني من اللفظ والمعنى، ونظرا لهذا التأسيس الجديد الذي أدى إلى انحراف في كينونة التأويل البياني في عملية البناء والهدم مما أدى إلى أن يتأسس التأويل البياني على المنطق العقلي فأتجه المشروع ابن حزم وابن رشد إلى بلورة مقاصد جديدة للشريعة، منتقدة في اللحظة نفسها الجهة الأخرى من مدار المركزيات التأويلية الباطنية التي عملت على التوفيق أو التداخل ما بين المنطق الأرسطي والهرمسية العرفانية مكونة معرفة عرفانية أحاطت بالتأويل البياني متأثرة بالأفلاطونية الجديدة وما انبثق عنها من التأويل الباطني الذي صرف المعاني إلى دلالات باطنية مقدمة معان مجازية55 في حركة لولبية حلزونية لانهائية متنقلة في تفاعلة جدلية تتخطى السببية الأرسطية؛ لذلك ميز المتصوفة بين مصطلحي الإشارة والعبارة إذ إن الإشارة مجردة إيحاء بالمعنى دون تعيين وتحديد في حركة أفقية منفتحة دائما أما العبارة فهي تحديد للمعنى مرتسمة في حدود وتخوم مغلقة ونهائية، الأمر الذي يتمخض عنه تعارض مع حقيقة الكلام الإلهي الذي شكل طبقات ومستويات تتحرك على وفق إشارات وإيحاءات متعددة لانهائية 56، وأن هذا التمايز ما بين الإشارة والعبارة شكل منظومة لغة إيحائية ثنائية تتناغم مع موتيفات المتصوفة، إذ إن المعنى الظاهر للخطاب الإلهي وبين دلالته الباطنية في عملية التواطئ التي شكلها المعنى الظاهر وما يدل عليه الخطاب بدلالته الوضعية في بعدها الإنساني في حين أن المستوى الباطني وهو المسار الأعمق لمستوى اللغة الإلهية المشار إليها بطريقة لا تُكشف الا لصاحب التجربة الصوفية، فأهل الظاهر من الفقهاء حسب الفكر العرفاني يقف أمام حدود الدلالات الوضعية للغة في بعدها الإنساني، أما الفكر العرفاني فإنه ينفذ إلى معان ودلالات عميقة باطنية57 تنكشف في معرفة حدسية تدخل تحت منظومة الحقيقة المتجلية.

ولقد تطور مصطلح التأويل لاسيما في التأويل الفلسفي على يد أبن رشد من خلال التوفيق بين الحكمة والشريعة، والتي كانت إرهاصاتها وبداياتها الأولى متبلورة عند الكندي والفارابي وابن سينا التي تجلت في فكرته الرئيسة في عدم التمييز أو الاختلاف مابين المعرفة العقلية والمعرفة الدينية ألا على مستوى الشكل58، التي تطورت وتبلورت في مسألة التأويل البرهاني متضحة أو بارزة للعيان في فلسفة ابن رشد الذي أشار إلى أن هناك اتصال بين علوم الشريعة والعلوم الفلسفية، إذ تكمن في ماهية أو جوهر يبرهن على تجليات الموجودات التي تشي من خلال دلالتها على الصانع 59، وتتساوق هذه الفكرة مع فكرة الشريعة التي حثتنا على النظر في المصنوعات محاورة عقولنا من خلال الدعوة للنظرى العقلي إلى الموجودات 60؛ لذلك أعد ابن رشد الفلسفة الأخت الرضيعة للشريعة متجلية في غاية وهدف واحد، وأن اختلف طريقهما في الوصول إلى الحقيقة مؤسسا فلسفته التي قامت على نقد علماء الكلام والجمهور أو العامة والمتصوفة منتهيا إلى وصف الفلاسفة بأنهم الراسخون في العلم الذين توصلوا بأنه لا يوجد تناقض بين الوجهة الدينية، والوجهة الفلسفية 61.

ومما تقدم نتلمس وجود تلاقيا في أنظمة التأويل المعرفي مابين الإتجاهات التأويلية عند العرب ومن خلال حركة أو اتجاه الألفاظ والدلالة والمعاني إذ تشتغل الألفاظ والدلالة في حركة جدلية متنقلة ما بين مسارات متعاكسة من خلال نقطة الانطلاق المختلفة في ولوج التأويل إذ نجد التأويل البياني معادلا نقيضا في نقطة انطلاقه مع التأويل العقلي، في حركة دورانية مابين اللفظ والدلالة في الأول واللفظ والمعقول في الثاني، ويتماهى مع هذه الانطلاقات توافق في اتجاه حركة المعنى، والباطن في نقطة انطلاقات مختلفة متبلورة في اتجاه المعنى والباطن في التأويل الباطني، وإتجاه الظاهر والباطن في التأويل الصوفي62.

Page 9

ويردنا المنحى التاريخي الجينالوجي لمصطلح التأويل ومسيرة تطوره التاريخي من خلال المماحكة والاحتكاك الثقافي والحضاري الذي أغناه وكثف دلالته التي أتفتحت وانصهرت في منظومة خطابات وثقافات فلسفية وهرمسية (عرفانية) ومنطقية عملت على رسم حدود المصطلح ضمن تكتونية جغرافية لغوية ودلالية حافظت على كينونة وماهية المصطلح المركزية المتفق عليها من جميع المذاهب، ولو انتخبنا مجموعة من التعاريف الاصطلاحية عند الأصوليين والمتكلمين والبلاغيين والفلاسفة: فإنها تنحصر في حدود صرف اللفظ من معناه الظاهر إلى الباطن أو معنى يقاربه أو يحتمله، فقد عرف البغوي بأن «التأويل صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وما بعدها تحتمله الآية غير مخالف للكتاب من طريق الاستنباط»63، وعرفه الطبرسي فقال «التأويل رد احد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر»64، وحده الإمام الغزالي في أنه «عبارة عن أحتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر»65، ويحصره أبن حزم الظاهري في «نقل اللفظ عما اقتضاه ظاهره وعم وضع له في اللغة إلى معنى آخر، فإن كان نقله قد صح ببرهان وكان ناقله واجب الطاعة فهو حق، وأن كان نقله بخلاف ذلك طرح ولم يلتفت إليه وحكم بذلك النقل أنه باطل»66، والتأويل عند أبن رشد يتبلور في «أخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقة إلى الدلالة المجازية من غير أن تميل ذلك بعبارة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبيهه أو لصيقة أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عدت في تعريف أصناف الكلام المجازي»67، ولقد عد ابن رشد التفلسف في جانب أساسي منه تأويلا وعبورا من المجاز إلى البرهان.

ولو تأملنا تعاريف التأويل المذكورة آنفا لتجلى لنا عند معظم العلماء بأنه تفسير أو تأويل الآية بمعنى غير المعنى الذي يقتضيه ظاهره بموجب دليل يقتضي صرف معنى ظاهر اللفظ إلى معنى آخر، والا كان التأويل فاسدا ومن أجل هذا فرق وميز العلماء بين التفسير والتأويل فقال الراغب الأصفهاني «التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ وأكثر استعمال التأويل في المعاني كتأويل الرؤيا، وأكثر يستعمل في الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل في غيرها والتفسير أكثر ما يستعمل في معاني مفردات الألفاظ»68، ويشير القشيري إلى أن «التفسير مقصور على الأتباع والسماع، والاستنباط مما يتعلق بالتأويل»69، ويزيد بعضهم قدرة التأويل بارتباطه بسياقات تتجاوز المعنى إلى الفهم إذ إن «التفسير يتعلق بالرواية، والتأويل يتعلق بالدراية»70، كما إن «التفسير هو الأخبار عن أفراد آحاد الجملة، والتأويل الأخبار بمعنى الكلام وقيل التفسير أفراد ما أنتظم ظاهر التنزيل، والتأويل الأخبار بغرض المتكلم بكلام»71، ولعل الفرق بين التفسير والتأويل من خلال آراء العلماء يقدم صورة متناقضة بين من يعدهما (التفسير والتأويل) مترادفين من خلال مرجعية معجمية تتجلى في أحدى دلالات المعنى المعجمي المرتبطة ما بين التأويل والتفسير الا هو المعنى اللغوي (الوضوح) إذ تشير الأوضاع اللغوي في الاشتقاق والتركيب إلى المعنى من غير التوسل بالآليات الاستدلالية الذهنية أو اللغوية، ولقد ذهب أبن تيمية إلى إن هذا هو المقصود من مصطلح التأويل «عند مجاهد والطبري»72، وهذا ما حمل أكثر علماء القدامى والمحدثين ومن ضمنهم مسلم آل جعفر وآخرين73 إلى القول إن التفسير والتأويل مترادفا مؤكدا أن « الفرق السائد بين العلماء هو أن التفسير والتأويل واحد، لأنهم يسمون التفاسير جميع الكتب التي تتعرض للقرآن الكريم بتوضيح لفظ أو أظهار معنى لنص قراني والعمل الذي يقوم به الشخص يطلقون عليه تفسيرا، كما إن مؤلفي التفاسير سموها بأسماء لا تتنبىء بالتفرقة بينهما فتفسير الزمخشري أسمه (الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل) والبيضاوي سمى تفسيره (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) وهذان العنوانان لا يدلان على أن صاحبهما اقتصرا على من المعاني الذي يتميز فيه كتاب أي منهما بعده تأويلا دون التفسير أو العكس «74، ولا نذهب بعيدا أن قلنا إن هذا الرأي بعيدا عن الصواب؛ لأن المعطيات الموضوعية لا تنسجم معه إذ كل من تفسير الزمخشري والبيضاوي مقصودا به التأويل وليس التفسير أو الترادف بينهما، إذ انطلقنا من مشروعهما العقائدي المعتزلي الذي كان أكثر علمائه يفرقون بين التأويل والتفسير لينسجم مع مشروعهم في التأويل العقلي الذي يتخذ من المعنى المعقول والمجاز اللغوي طريقا لا يحدون عنه، فضلا عن أن تفسير الزمخشري والبيضاوي قائما على أنظمة معرفية وبيانية تنسجم مع العقل والمجاز المعتزلي منطلقة من المجاز والعقل، وهذا ما يفند تصور آل جعفر الذي بنى رأيه على تصور المعنى المعجمي الذي يرتبط بمعنى الوضوح للمصطلح وليس المعنى الاصطلاحي.

أما الجانب الثاني في رأي آل جعفر فقد تطرق إلى أن « الاصطلاح العلمي الذي سار عليه العلماء والذي لا يزال ساريا إلى اليوم أن التأويل والتفسير واحدفقولنا تفسير الآية أو تأويل الآية تعني شيئا واحد وأنهما متكاملان لا يستغني أحدهما عن الآخر وخاصة بالنسبة للقرآن الكريم «75، وهذا الرأي كذلك لا نتفق معه؛ لأن مصطلح التأويل في الوقت الحاضر قد ارتسمت حدوده في كينونة اصطلاحية تبتعد به عن تخوم التفسير لاسيما بعد أن تداخل في علوم كثيرة كالفلسفة والنقد الأدبي، والعلوم الدينية، والفنون، والتاريخ وغيرها، فضلا عن أن العلماء في الوقت الحاضر قد وضعوا حدود ورسوم ميزوا بها بين مصطلحي التأويل والتفسير.

وبناء على ما تقدم من النصوص التي تناولت التفسير والتأويل يمكننا القول بأن العلماء القدامى قد فرقوا وميزوا بين التفسير والتأويل الذي تحقق في ثلاث ثنائيات متوازية ومتناقضة تنسجم مع حالة التطور والجدل الذي رافق مقاربة النص القرآني والظروف السياسية والاجتماعية التي بلورت ثنائية الظاهر/الباطن، النقل/العقل، العموم/الخصوص، والتي يمكن عدها بمثابة الحضور والغياب الذي يمكن تتبعه في جذور الخلاف المؤدي إلى بروز إشكالية تعارض العقل والنقل (الوحي/العقل)، المحددة بصورتها العامة ومتجسدة في قدرة العقل على مواجهة الوحي، وهي قضية شغلت منذ القدم وما زالت تشغل علماء الأمة ومفكريها متخذة عدة صور ذابت في متون الخطاب الأصولي الذي أدى بها إلى أن تنتحل أسماء متغايرة ما بين السمع والعقل، أو النقل والعقل، أو الخبر والعقل، أو الذات والموضوع 76، متجلية بصور مرتبطة بالمذاهب والفرق الإسلامية وتوجهاتها الفكرية والعقائدية وأنظمتها المعرفية التي تتماهى على وفق معطيات عتبة الانطلاق من العقل أو من النقل، أو تقديم النقل على العقل مما أدى إلى تكوين مدرستين مختلفتين في معطياتها المعرفية والدينية مدرسة العقل أو الرأي ومركزها الكوفة، ومدرسة النقل ومركزها الحجاز، إذ عملت كل مدرسة من خلال أطروحاتها التي تجسدت في التفريق بين التفسير والتأويل في عملية متبادلة تعلو من شأن التفسير وتقلل من قيمة التأويل أو العكس مفترقة على أساس موضوعية مدرسة النقل، وذاتية مدرسة الرأي، فالموضوعية التي تعنى بها مدرسة النقل موضوعية تاريخية تفترض إمكانية تجاوز المفسر أطار واقعه التاريخي وهموم عصره، وفهمه للنص كما فهموه الصحابة أو معاصريه في إطاره اللغوي والتاريخي وعصر النزول؛ لأنه ينطلق من مسلمة متجسدة في أن النص صالح لكل زمان ومكان ويحتوي كل الحقائق والمعارف المتبلورة في المعرفة الدينية الثابتة التي لا تتطور؛ لأن جيل الصحابة والتابعين قد أتوا المعرفة الكاملة التامة فيما يتصف بالوحي ومعناه، وواقع الأمر أن الأعتماد على تفسير السلف والتابعين لا يخلو عند أصحاب هذا الموقف من تصور تأويلي، لكون عملية الاختيار ما بين آراء الصحابة التي تعتمد على الترجيح ما بينهم تشكل كينونة أو موقفا تأويليا ينسجم مع هموم المفسر وإطاره الفكري والثقافي، وبذلك فإن المفسر في علاقته مع النص لا يستطيع تجاوز أو تجاهل البعد التاريخي الذي يفصله عن زمن النص ولا أن يحل نفسه في الماضي وصولا إلى موضوعية مطلقة في فهم النص77، ويتمخض عن ذلك علاقة تفاعلية جدلية بين الذاتية والموضوعية (التفسير والتأويل) ترسم وتحدد استعمال التفسير والتأويل في علاقة مترابطة لا تتخلى أحداهما عن الأخرى في تركيب تأويلي يتجلى لنا في أن المفسر يقف عند حدود علوم القرآن (علوم اللغة) معتمدا في معرفته الأولى على الرواية متبعا جهود علماء اللغة؛ لأنها لها علاقة مع النص القرآني الذي يتناوله من جوانبه المختلفة78، مظهرة الموضوعية التفسيرية المقترنة بالنص الذي يمثل المرحلة الأولى لفهمه وتحليله وهو بمثابة « تجميع بيانات النص، ولا يفترق التفسير عن النص سواء كان محدودا أو متسعا ولا يحتاج التفسير إلى آليات معقدة للكشف عن النص ومقتصرا دوره على استجلاء معانيه «79، والتي تتحقق من خلال صيّغه الصرفية، واللغوية، والإعراب، والنحو، والبلاغة، وأن هذه العملية أو المرحلة الأولى لا يمكن للتفسير أن يولج بها أبعادا عميقة وباطنية تحتاج إلى حركة الذهن أو العقل إزاء النص «.إنها الأبعاد التي تحتاج إلى حركة التأويل بعد أن يستنفذ المفسر بأدواته العلمية كل إمكانيات الدلالة التي يمكن اكتشافها بواسطة هذه العلوم «80، وبذلك يقترن التأويل بالنصوص الكثيفة المعاني المتعدية بأفكارها نطاق اللفظ الظاهر وهو المرحلة التي تستثمر النص 81، في أجراء أو آلية تأويلية ترتبط بالاستنباط تكمن في بعد من أبعاد عملية التأويل متجسدة « في دور القارئ في مواجهة النص والكشف عن دلالته «82، وأن هذا الدور للقارئ ليس مطلقا أو قائما على الأهواء الذاتية إنما يخضع لضوابط تأويلية تتمظهر في الحد من حرية المؤول مستثمرة مقصدية النص ومقاصد المؤلف وأفق الانتظار83، وتترتب بالضرورة بمعرفة متعلقة بالنص تتبلور تحت مفهوم التفسير إذ « إن المؤول لابد أن يكون على علم بالتفسير «84، الذي يعد بمثابة المسار التعضيدي الذي يقدم للتأويل بيانات التحليل العلمي ليشكل «التأويل المحاولة لأكتمال الفهم والتحليل بعد التفسير «85، مما يظهر أن التفسير حركة ظاهرية أفقية على سطح النص تعمل على وفق نطاق المتبادر والمعاني المباشرة؛ لذلك فإنها فاعلية قطعية وأغلب آلياتها جزء من علم النص (الأدوات اللغوية) الكاشفة عن معانيها المتجلية على سطح وتضاريس النص، أما التأويل فهو حركة عمودية في طبقات النص وأعماقه يعمل في نطاق ما بعد المتبادر وغير مباشر من المعاني 86؛ لذلك فهو فاعلية إجتهادية أغلب آلياته عقلية وفلسفية ترتبط بالمجاز والتصوف الذي يبحث عن المعني المتوارية في أعماق النص 87، مما حد بالتأويل إلى أن يخضع لضوابط محددة بدقة تمنعه من الانجراف في متاهات قراءات لانهائية وغير محددة تذهب بالتأويل بعيدا عن معطيات النص التي تقدمها القراءة التفسيرية التي تعمل على وفق عمومية أفقية المسار يدخل التأويل معها في تماس عمودي مع النص يقطعه هندسيا في نقطة التقاء تتبلور على سطحه (النص، في مرحلة الاستنباط، والتفكير، والتأويل الذي لا يعمل ما لم يعتمد على المسار الأفقي للنص، لأن التأويل له خصوصية عمودية المسار.

Page 10
ومما تقدم يمكن القول إن التفسير آلية من الآليات المنظومة التأويلية التي تتحدد بالانطلاق من النص ثم التفسير ثم التأويل في مقاربة تفسيرية تساعد التأويل على ضبط حدوده المنسجمة مع حدود النص.
 
ب- اركيولوجيا التأويل في الوعي الغربي:
 
لقد جاء مصطلح التأويلية « ويطلق عليه بالفرنسية، والألمانية، والإنكليزية، والأيطالية، والأسبانية، تباعا، Hermeneutique, hereneutik, hereneutics, ermeneutica من لفظ إغريقي هو: hermeneuein «88، أو hermenus الذي يعني « التفسير، التعبير، الأعلام، الترجمة «89، ويضمه بعضهم إلى الحقل السيميائي « الذي يغطيه الفعل اليوناني أوّل (hermeneuen) بمعنى مصطلحات: عرّف، واشرح، وترّجم وفسّر وعبّر «90، ولكن في الحقيقة أن الأصل الاشتقاقي لمصطلح التأويلية (hermeneutics) يعود في جذوره إلى « الفعل اليوناني (hermeneuein) الذي يترجم عادة بالفعل يّفسرّ (interpretieren interpret) ومنه الاسم (hermeneia) أو التفسير(Interpretation interpretation) «91، فضلا عن أن هذه الكلمة تنطوي على دلالة اشتقاقية ميثالوجية مرتبطة بأسطورة هرمس الذي عرف بوصفه رسولا للآلهة ولم يكن يحمل بالعادة رسالة واضحة بالضرورة إلا أن ظهوره كان يثير البهجة دائما، وربما ظهوره بحد ذاته رسالته التي يقول فيها أنه سيقود الأرواح إلى العالم السفلي عند الموت، وعرف الإغريق منذ وقت بعيد أن الوسيلة يمكن أن تكون رسالة (message)92، وأن أول كتاب « يصادفنا فيه هذا المصطلح هو محاورات أفلاطون «93، إذ يشير سقراط في محاورة (كراتيليوس) Cratylus مثلا بأن هرمس آله خلق اللغة والكلام وربما يكون المؤول أو الرسول أو أن يكون في اللحظة ذاتها لصا أو كاذبا أو محتالا، وأن اللغة تتميز كما يقول سقراط في أنها تحمل في ماهيتها القدرة على الكشف والإخفاء ويمكن للكلام التعبير عن الأشياء جميعا مع قدرته على التحويل أيضا من طريقة إلى أخرى، وأن كون بان (pun) أبن هرمس الذي يمثل جسده أيقونة نصفها العلوي رباني، والآخر سفلي ماعز الذي يشي في دلالته عند سقراط باللغة التي تنقسم بين الحقيقة والزيف، ويرتبط الجزء الحقيق بالجزء الرباني في حين يقترن الجزء الزائف بسبل الإنسان المأسوي (الماعز)، وتتمثل هذه الازدواجية في التجسيد اللغوي والأيقوني بالكاد بقدرة هرمس الذي يسمو فوق لعبتها أو لعبة الصراع هذه؛ لذلك كانت رسائل الإله غالبا مبهمة وغامضة 94، والجدير بالذكر أن أسم هرمس « مرتبطا بوظيفة محددة هي ترجمة ما يجاوز الفهم الإنساني إلى شكل أو صورة يمكن للعقل الإنساني إدراكها مما يعني أن الصور المختلفة للكلمة تقترح عملية تحويل الشيء أو الموقف خارج نطاق الفهم إلى مجال الفهم، ويرتبط ذلك باكتشاف اللغة والكتابة بوصفهما أداتين يستخدمهما الفهم الإنساني لأدراك المعنى ونقله إلى الآخرين «95، وهذا ما يرفضه أفلاطون لاسيما في جانبه الكتابي إذ إنه في أحدى محاوراته (فايدروس) عندما كان يعرض وجهة نظره في الكتابة مستندة إلى أسطورة تحوت الإله المصري (اله الكلمة) -الذي يعادل هرمس اليوناني - الذي توصل إلى اكتشاف علم الحساب، والعدد، والهندسة، والفلك، والحروف الأبجدية التي قدمها بين يدي الملك (ثاموز) لاسيما الكتابة متفاجئا برد الملك الذي انتقد الكتابة التي تمثل له آفة الذاكرة، والكناية الغريبة عن النفس، وعقيمة وميتة لا قدرة لها على الجواب، وقاصرة، وكائنة عمياء، ومتكررة مضامينها، وساذجة ولا قيمة لها 96، ولو وسعنا الرؤية لتلمسنا أن أبعاد الممارسة الهرمينوطيقة تتجاوز المكتوب معممة « مشكل الهرمينوطيقا على جملة الممارسات الفردية والاجتماعية والتصورات والأفعال والمقاصد، بمعنى تهدف إلى فهم صحيح للتجربة الإنسانية برمتها «97، وأن استعمالات الهرمينوطيقا في دلالتها الإغريقية (Hereneutikec) تتمحور في ثلاثة معان أو إتجاهات:
 
1 - تعبير: To say (نطق، كلام، ترجمة) أو التعبير من خلال كلمات.
 
2 - تأويل: To explain (تفسير، إيضاح) كما في توضيح موقف ما.
 
3 - ترجمة: To totraenslute (نقل، تعويض الألفاظ) كما في الترجمة من لغة إلى لغة أجنبية98.
 
1 - التأويلية بمعنى التعبير (القول):
 
إنها أول الإتجاهات الأساسية في توضيح معنى تفسير (hermeneuein) وهو يعبر(express) أو يفصح (assert) أو يقول (say)، ويرتبط ذلك بوظيفة القول عند هرمس على أساس أن القول أو الإفصاح فعل هام من أفعال التفسير إذ يتجلى حضور هرمس بوصفه وسيطا بين الإله والإنسان فهو مفسرا أساسا، إذ إنه قبل هرمس لم تكن الكلمات قد قيلت، وقد تلقى الإلهام من الآلهة في أقواله الملهمة فكان مفسرا لها.
 
2 - التأويلية بمعنى تأويل (إيضاح):
 
إذ إن دلالة (hermeneuein) توضح وتؤكد الجانب الكلامي، لأن الكلمات لا تقول شيئا فحسب وإنما توضح ذلك الشيء أي تجعله معقولا وقد يعبر الإنسان عن موقف ما بدون توضيحه، إذ يمكن القول بأن التعبير والتوضيح شكلان من أشكال التفسير.
 
3 - التأويلية ترجمة بمعنى (نقل أو تعويض الألفاظ):
 
ينطوي جذر (hermeneuein) على الإشارة اللغوية (الترجمة) الذي هو شكل خاص من أشكال العملية التفسيرية المرتبطة بالفهم، إذ يقوم المترجم بدور الوسيط بين عالمين مختلفين تماما كما هو الحال بالنسبة إلى الإله هرمس، وبصيغة أخرى يمكن القول بأن الترجمة قلب الهرمينوطيقا المتمثل في ممارسة المواجهة بين المترجم الذي يربط بين النص والأدوات النحوية والتاريخية المستخدمة 99.
 
وهذا لا يمنع من أن تحدث علاقات محايثة أو متداخلة بين التأويل والترجمة في « اللسان الإغريقي، فلهما الدلالة نفسها، لأن ترجمة النص واستبدال ألفاظه ومنطقاته هو بالضرورة تأويل محتوياته، وإيضاح مضامينه، فالمترجم له وظيفة إيضاح وبيان الألفاظ الأجنبية والغريبة «100، كما نرى « غالبا -خاصة في الاستعمال الفلسفي- إن نشاط المؤول (hermenaus) هو بالضبط ترجمة (أو نقل وإيضاح) العبارات الغريبة والمبهمة إلى لغة مفهومة ووضحة من طرف الجميع»101، أما التعبير فهو « منطوق يكشف عن المقصود والمتواري، بمعنى الكشف عن خباية النفس وسرائر الضمير عبر الكلام والتصريح «102، وأن هذا الارتباط التأويلي بالعبارة قد جرى « التحقق منه بوساطة أحد المعاني التقليدية لكلمة التأويل نفسها وهو المعنى الذي جاءنا من أرسطو «103، في بحثه للغة « القول والفكر والشيء. فإن كانت اللغة تتآلف من عبارات، فإن لهذه العبارات دلالات ومعان، وقد تكون الدلالات أفكارا تقترن بالقول وتعتمد على فكر الفرد وفهمه، كما قد تكون أشياء تشير إليها العبارات «104، وأنه مما يثير الدهشة « بالفعل أن نجد عند أرسطو أن الهرمينوطيقا لا تتحدد بالمجاز، ولكنها كل خطاب دال، ويمكن القول أكثر من ذلك، أن الخطاب الدال تأويل، وهو الذي (يؤول) الواقع، ذلك بما أنه يقول (شيئا عن شيء، وإذ كان ثمة تأويل، فذلك لأن التعبير يعد استحواذا واقعيا بوساطة التعبيرات الدالة، وليس خلاصة مزعومة من الانطباعات الآنية من الأشياء نفسها «105، ويكشف هيدغر في تصوره بأن أرسطو يقصد من اللوغوس أو القول هو « الكشف أو إتاحة رؤية الموجود الذي ينقل - من خلال القول - من التحجب إلى اللا تحجب، من الخفاء إلى الظهور، أي أن القول في صميمه كشف وإظهار «106 وأن كان المشكل قبل ذلك قائما لدى سقراط وأفلاطون بصورة أخرى، إلا أن أفلاطون استطاع بواسطة نظرية المثل « أن يعطي للأسطورة دورا شارحا أو مفسرا ومساعدا على فهم العمليات المنطقية التي أنيط بنظرية المثل أن تحققها وتكسبها الصياغة العقلانية المتماسكة»107، وهذا يعني حسب تصور غادامير الذي ميز بين صيغة الرأي عند أفلاطون (Daxa) وبين العقل (Logos) الذي دعمه أرسطو، فالرأي الأفلاطوني أقل عقلانية لأنه لا تهيمن عليه أشكال البرهان المنطقي والعقلاني الذي نظمه أرسطو، إذ يكمن الرأي الذي ينبع من الجدل وفعله الحواري الذي يشكل مفتاحه السؤال في الممارسة التأويلية الثاوية في قدرتها على أن تكون العتبة أو مدخل الفهم 108، وهذا في الأساس هو العلاقة الأولى والأكثر أصالة بين المفهوم التأويلي، وبين الفهم الذي تشكل بصورة واضحة عندما أصبحت الهرمينوطيقا تمثل حقلا ثانويا من اللاهوت فإن الكلمة « التي كان يتوجب تأويلها هي كلمة الكتاب المقدس «109، والتي تطورت في مسارها التأويلي عند فيلون الاسكندري وتأويله الرمزي، واريجان في دلالاته الثلاثية للنص المقدس الثاوية في معانيها الحرفية، والنفسية، والروحية التي تأصلت في المدرسة الأوغسطينية أو المدرسة الفلسفية وفي عد اللفظ والمعنى شيئا واحدا 110، وبذلك كانت النشأة الدينية واللاهوتية للهرمينوطيقا المحصورة بين جدران الكنيسة ما يبررها إذ كان «المجتمع المسيحي منذ القديم يواجه مشكلات هرمينوطيقية مثل تثبيت الإنجيل المنقول شفويا بواسطة الكتابة، وتشكيل مجموعة الشرائع السماوية في آن واحد، ولتفريق العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد وصياغة العقائد الأولى بمساعدة مفاهيم المجتمعات المسيحية ووعظ المبشرين، والتعليم المسيحي وتعبيرات أخرى حية عن عقيدة الكنيسة «111، ولكن هناك مسار يعود بالتطور أو بجذور التأويل إلى الجهود التي بذلها الأثينيون في العصر الكلاسيكي من أجل استخراج معنى الملاحم الهرميرية التي أصبحت لغتها تمتنع عن الفهم المباشر، في حين يؤكد عدد من الباحثين إلى أنها تعود إلى عشرات القرون مبتدأ في الإسكندرية لتخفت ثم تظهر في عصر النهضة والإصلاح عند مارتن لوثر لتتطور وتزدهر في عصر الأنوار والعصر الرومانسي 112، وتشهد الأصول المعرفية والفكرية والفلسفية على أن المقاربات التأويلية في إرهاصاتها الأولى تبدو غنية وكثيفة معرفي وفلسفي، والتي تمثلت بأوجه مختلفة على وفق السياقات المتعددة والمقاصد ذات المنحى المتعدد بتحديد الخطاب واتساع المعرفة وشموليتها، والواقع في الحقيقة أن مفهوم الهرمينوطيقا في إرهاصاته الأولى كما ذكرنا ينطوي على مجموعة من « المفاهيم الفرعية أو المقابلة التي تشير إلى أصناف مختلفة من العمليات التأويلية الممارسة على النصوص كالفهم، والتفسير، والشرح، والتأويل، والترجمة، والإيضاح...الخ وهذه الفعاليات الهرمينوطيقة نجدها أحيانا مختلفة ومتمايزة، وأحيانا متطابقة ومتماثلة، و أحيانا أخرى متداخلة ومتكاملة «113، وقد قلّصت هذه التفريعات المتنوعة والمتداخلة من الممارسات التأويلية واستقرت ضمن وضعية المصطلح المعياري المحدد الكينونة في جانبيه الاصطلاحي والمفهومي الهرميتوطيقا من طرف « التتنولوجي الستراسبورغي دانهاور(1603 – 1666) في محاضرته عن (الهرمينوطيقا العامة) Johennkonrad Dommhawar قبل الرومانتيكية»114، وليتطور وينتعش في تأويلية شلايرماخر على الصعيد البناء المنهجي والفلسفي والاصطلاحي، فعمد إلى مفهوم عام للتأويلية العامة بدلا من تلك الاستخدامات المقيدة في حقول التأويل، موسعا دلثاي حدوده إلى تجربة وفلسفة الحياة، متطورة إلى انطولوجية فلسفية في تأويلية الوجود عند مارتن هدغير، وغادامير المتبلورة في فهم الإنسان لكينونته وطبيعته وموقفه من الوجود، التي وصلت لذروتها في الرمزية وتعددية المعاني ومحايثة الذات وفهمها عند بول ريكور إلى تجاوز التأويل في جدلية حدود الـتأويل وإفراطه في فكر أمبرتو إيكو، لتتزايد أهمية العودة إلى المؤلف والدفاع عنه المتجلية في ازدواجية المغزى والمعنى النصي عند هيرش، ماضية في العقدية السلطوية والوثيقية في سلطة الجماعة المفسرة في منظومة التأويل الفيشي 115. وإننا معنيون في هذه الفقرة بالوقوف على جانبا من الإيجاز في إشكالية المصطلح بحوامله الإغريقية والغربية قاصدين الإشارة إلى ضرورة استئناف الحديث في المرجعيات في الجوانب الفلسفية لكبار فلاسفة التأويل وهو ما سنتطرق إليه في سياق آخر من الكتاب.
 
يكشف مسار تطور حياة مصطلح التأويلية ثمة تعاريف كثيرة ارتبطت بالمراحل التاريخية والابستمولوجية التي تفضي إلى مزيد من التداخل والتنوع في كينونة المصطلح التي خلصت إليها الدكتورة صفاء عبد السلام علي جعفر مقتصرة على ستة تعاريف محددة متجاوزة بعضا منها، والتي سوف نضيف إليها تعاريف أخرى في هذا السياق لعلها تساعدنا على توضيح أو تبلور تعريف جامع مانع للهرمينوطيقا على وفق المنظور الغربي.