Page 1
*1*
همسَت في أذني بكلمات كانت كخنجر غُرس في قلبي، فتحتُ عينيَّ وحدقتُ بها مذهولاً، فردت عليّ بابتسامة سحرتني لكنها لم تداوِ جرح قلبي، مسحت بباطن كفها على خدي فدبت شحنة كهربائية فيه، رغم ذلك بقيت أنظر إليها وأستجدي أن تُكذّب ما همست به، لكنها أبعدت يديها ثم قامت عن الكرسي وقالت مبتسمة: "وداعا" وأولت ظهرها لي وبخطى صغيرة بدأت تبتعد عن مرآي.
نعم رحلت ولم أقوَ على منعها، فقد خذلني لساني؛ لم يتحرك، ولم ينطق بتلك الصرخة التي ظلت حبيسة في جوفي، فصرختُ بعينيّ اللتين فجرها الدمع، لكن الصرخة لم تصل إلى مسمعها، ليزيد حزني والألم الذي سكن قلبي.
كرهتُ جسدي العاجز حينها، لقد وقف حاجزاً بيني وبينها، لقد جعلها ترحل عني بضعفه واستسلامه، ومع مرور الأيام بدأتُ أكره نفسي ووجودي في هذا العالم، فكيف أهنأ بالحياة، بعد رحيلها كل ليلة قبل أن أغمض عينيَّ للنوم، كنتُ أتمنى ألا تفتحا في اليوم الثاني لينتهي عذابي الذي أعانيه كل يوم، لكن أمنيتي لم تكن تتحقق، فأقول لنفسي: لماذا.. لماذا يا قلبي لا تستسلم مثلما استسلم سائر جسدي؟ لماذا تكرهني لهذه الدرجة وتريدُ أن أعيش في هذا الجحيم كل يوم.. لماذا؟
كان يقول الجميع أنها لا تستحق أن أحزن عليها أو أفكر بها لهذه الدرجة، فهي التي قد تخلت عنك في وقت كنت بأمس الحاجة لها، لكنهم لا يعرفون شيئاً.. لا يعرفون..
Page 2
* 2 *
كنتُ أتألم لرؤية ابني الوحيد يتعذب هكذا دون استطاعتي مساعدته، كان جسداً بلا روح، فقد استسلم تماماً لعجزه، ولم أفلح مع والده بإقناعه أن يقاتل ويناضل من أجل المشي على قدميه من جديد، لقد ذبحته بتركها له، لقد آذته أكثر مما آذاه الحادث، هي السبب لما حصل لابني؛ لهذا أكرهها من كل قلبي، لكن رغم ذلك دستُ على نفسي وبلعتُ كرهي لها، وذهبتُ لها بانكساري، لعلها تقبل أن تعود له، وليتني ما أفعل.
كانت جالسة أمامي مباشرة، تحدق نحوي بعينيها الصغيرتين، تنتظر كلماتي، وبدت بأنها تعلم سبب زيارتي لها، لهذا دخلتُ في الموضوع مباشرة وبدون مقدمات، فالمقدمات لن تنفع في هذه الحال، فقلتُ لها وصورة ابني المحطم في مخيلتي: "إنه يريدكِ، إنه يحتاج إليكِ، فأرجوكِ عودي، هو يرفض العلاج، ومستسلم تماماً، فأرجوكِ أتوسل لكِ بأن تعودي له، وبأن تنسي أمر الطلاق.. أرجوكِ".
انسلت دمعةٌ من عيني لتترجم لوعة قلبي، ظلت تحدق بي، والتعابير الجامدة ترتسم على وجهها وكأنها لم تسمع شيئاً مما قلت، فنظرت إليها مندهشة أكرر كلامي"إنه يحتاجكِ يا سارة، يحتاجكِ، ألا تسمعينني؟" هزت رأسها، ثم ابتسمت قائلة: "سمعتُكِ، لكن ما علاقتي بذلك؟" تحولت الدهشة إلى صدمة، فقلتُ لها بنبرتي الحزينة: " كيف لا علاقة لكِ وهو يريدك ويحتاج أن تكوني بقربه؟" انفعلت وتبدلت تعابير وجهها إلى غضب وصرخت: "هو لا يريدني.. ابنكِ يريدها ويحتاجها هي، فقولي لها أن تذهب إليه" نظرت إليها بعينين متعجبتين، وقلت:"عمّن تتحدثين؟"، نظرت إلى يمينها، وأخذت تعضّ شفتها السفلى كأنها تريد أن تتمالك أعصابها، ومن ثم عادت تنظر نحوي، وقالت بصوت مهزوز به رعشة البكاء: "حبيبة قلبه" ورحلت من فورها تاركة إياي لوحدي يعصف بي إعصار من التعجب والحيرة.
Page 3
*3*
الجميع يظن بأنني المذنبة والأنانية التي تخلت عن زوجها بسبب عجزه، هم جميعاً لا يعلمون أن هذا الملاك هو الخائن الذي طعنني بقلبي دون شفقة، فليقولوا ما يقولوا لن أكترث لهم، يكفيني ألمي وحرقة قلبي التي تشغل بالي وتجعل النوم يجافيني.
دخل كموج هائج لغرفتي، ومن فوره بدأ يصرخ بي والغضب مشتعل في عينيه: "ما الذي فعلته؟ أهكذا تتصرفين مع أم زوجك؟"، نظرتَ إليه بطرف عيني، ومن ثم عدتَ للكتابة كأني لم أسمع شيئاً، وقد زاد فعلي هذا من تأجج غضبه؛ لأنه انقض على الأوراق التي أمامي ورماها بعيداً وأمسك بيدي التي تحمل القلم وشد قبضته علي لدرجة شعوري أن عظامي تتكسر وعاد يصرُخ بنبرة أعلى من قبل، قائلاً: "عندما أسألُك ِ يجب بأن ترُدي علي، مفهوم؟"
حاولتُ بكل قواي أن أتمالك الألم المبرح الذي شعرت به، حتى لا يراه جلياً في وجهي وقلت بصوت ثابت لم يهزه الألم: "كلا ليس مفهوماً"، لأجد يدهُ الأخرى تهجم على خدي الأيمن، ولم يكتفِ بذلك بل أخذ يهزني كالمجنون من ذراعي وقد وصل غضبه ذروتهُ، وصرخ بصوت هز المنزل بمن فيه: "أتعصينني يا سارة؟ أنا أعرفُ كيف أعيد تأديبكِ، وكيف أجعل هذا اللسان يصمت".
وكعادة لغة حواره معي أخذ يضربني ويضربني، حتى خارت قواه، وعندما أفرغ جزءا بسيطا من غضبه قال آمراً: "سوف تعودين لبيت زوجك، والطلاق لن يحصل.. سمعتِ؟ لن يحصل.. فأنا لم أصدق متى تخلصتُ منكِ ومن همكِ".
ليخرج أخيرا.. وأقوم عن الأرض وأنا أمسح سيل دم منبعث من طرف فمي، توجهت ناحية مرآتي لأجد الكدمات تملأ جبيني وخدي الأيسر والدم لا زال يسيل من فمي، رفعتُ يدي لأسبل شعري المتناثر، وليصبح أن شيئا لم يحدث فوجع القلب أشد من ألم الجسد.