على سبيل التقديم
قبل ثلاث سنوات لمعت فكرة هذا الكتاب؛ الكتابة عن الحركات الإسلامية من خلال الاقتراب والمعايشة ودون الاقتصار على الحالة المصرية!
كنت قد خططت لأن أزور بلدان العالم الإسلامي التي تنشط فيها أهم الحركات الإسلامية سواء من حيث القوة والتأثير أو من حيث القدرة على الاجتهاد ولتجديد.
تعثر المشروع خاصة مع إصراري على إبقائه عملا " فرديا " قد يتقاطع مع اهتمامات الأخرى ن لكن دون أن يلتزم بها، ولكن أقاله من عثرته أنني قررت أن أصطحب فكرته في كل ما تيسر لي من سفر عملا بالقاعدة الأصولية " ما لا يدرك كله لا يترك كله "..وساعدتني الأقدار.
فعلى مدار ثلاثة أعوام متواصلة وجدتني في سفر لا ينقطع بين أرجاء العالم الإسلامي من المغرب غربا إلي ماليزيا شرقا ومن تركيا شمالا إلى السودان جنوبا وبعض البلاد زرته أكثر من مرة فكانت فرصة لأن أتعرف عن قرب- ولو على هامش السفر- على بعض تجارب الحركات الإسلامية وخبراتها في هذه البلاد فكان هذا الكتاب.
هذا الكتاب هو حصاد من هذه الأسفار ولكنه ليس كل ثمارها..بعض الثمر ما زال أمامه وقت لينضج وبعضه نضح ولكن لم يحن قطافه..وخشية من تباعد الأزمان وما يمر به عالمنا (وأمتنا خاصة وهذه الحركات على وجه أكثر خصوصية) من تغيرات لاهثة فقد فضلت التعجيل بنشر هذه الكتابات التي أسال الله أن يكون فيها ما يفيد القارئ
وأسأل الله أن يجعل عملنا كله خالصا لوجهه الكريم
حسام تمام
الجمعة 31 أكتوبر2008 ميلاديا
معركة النبوءة والسياسة بين العدل والإحسان والمخزن
عائد من المغرب الذي يشهد معركة سياسية نادرا ما تتكرر.. فقد بدأت السلطات المغربية حملة موسعة ضد جماعة العدل والإحسان الإسلامية، طالت بالاعتقال مئات من أنصارها وأغلقت عددا من مراكز الدعوة التي كانت تنظم ما أسمته الجماعة بأيام "الأبواب المفتوحة" لاستقبال الجماهير في مختلف المدن.
السلطة بررت حملتها بأنها لوقف التجمعات غير القانونية التي لا تلتزم فيها الجماعة بالحصول على ترخيص من السلطة، في حين أرجعها بعض المراقبين إلي كونها تأتي في إطار سعي السلطة للتضييق على الجماعة التي تعد أكبر تنظيم سياسي في المغرب وحصارها في مربع الخروج على القانون لمنع توسعها في ضم أعضاء جدد أو كسر حالة الحصار المضروب عليها... لكن السبب الحقيقي والذي يعلو به الهمس هو أنها بسبب منامات ورؤى الجماعة الصوفية!
فمنذ بدايات العام الحالي نشرت الجماعة بين أعضائها وأنصارها رؤيا لمرشدها الشيخ عبد السلام ياسين تقول أن عام 2006 ستشهد فيه المغرب حدثا عظيما.. شاعت نبوءة الشيخ وكان لها أن تشيع في بلد غارق في التصوف والطرقية حتى يفاخر أهله فيقولون: "إذا كان المشرق بلد الأنبياء فالمغرب بلد الأولياء"... لم يحدد المرشد في بشارته " الحدث العظيم "، لكن تفسيرات أنصاره وجماهيره وبعض خصومه تعددت ما بين وقوع "القومة" التي يبشر بها الشيخ لإعادة الخلافة ..إلي تفسيرات أخرى تقول بمقتل "عظيم".. وهو التفسير الذي زاده انتشارا نبوءة لعرافة من سويسرا تنبأت بواقعة القتل!
***
معركة النبوءة التي تشهدها الساحة المغربية تستحق أن نتوقف أمام قضية المنامات واتجاه بعض التيارات السياسية خاصة الإسلامية إلي إدخالها في صراعها السياسي.. كما هو الحال في المواجهة المفتوحة التي تدور رحاها في المغرب بسبب منام!.
يمكن تعريف النبوءة بأنها: رؤية المستقبل في صورة ماضوية متحققة ويقينية وليست غيبًا مجهولاً كما هو المفترض. وهي واحدة من المفاهيم الرئيسية في المشترك الديني للإنسانية، بحيث لم يخل الخطاب الديني من هذا المفهوم في أي مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني.. وفي التصور الإسلامي فإن النبوءة يمكن مقاربتها من خلال مفهومي الرؤية والبشارة التي ينبغي الإيمان بها ثم التسليم بها حال تحققها دون أن تلزمنا بفعل يؤسس عليها. لكن دائما ما كانت هناك رغبة في توظيف النبوءة في الحقل السياسي في مواقف ومراحل مهمة وفاصلة في التاريخ الإنساني كله، يوظفها السياسيون لمصلحتهم، بل وربما اخترعوها إن لم تكن موجودة، وذلك من أجل تحقيق مصالح وأهداف سياسية لما لها من تأثير واسع يماثل العقيدة، خاصة وأنها تستمد قوة إضافية من كونها تلعب على غريزة البحث عن المجهول والولع بمعرفة الغيب لدى النفس الإنسانية.
في حرب العراق رأينا شكلا من أشكال التوظيف السياسي لبعض النبوءات الدينية حتى غير المؤكدة التي تفسر طبيعة الحرب وتتنبأ بمصيرها ومآلها وكان من أكثرها غرابة العمل الضخم الذي قام به الدكتور فاروق الدسوقي من خلال كتابه ''أشراط الساعة'' وهو عمل تجاوز ثمانية مجلدات، ويعد مادة خصبة للدراسة في هذا الموضوع.
فكرة الكتاب هو جمع كل النصوص التي تتحدث عن أشراط الساعة، وقد ركز في هذا الكتاب عن النصوص التي يرى مؤلفها أنها تتنبأ بحرب العراق مع الأمريكيين، وأن أكثر من ثلاثين فريقا سيجتمعون على المسلمين عند النهرين، ومضى في تحليل مسهب يتحدث عن تفاصيل المعركة ويقارن الوقائع الجارية على الأرض بالنصوص.
والأكثر طرافة أيضا أنه لما سقطت بغداد صار الاحتلال الأمريكي واقعا لم يتوقف الرجل المولع بالاشتغال بالنبوءة وتسخيرها في التحليل السياسي عن إنتاج التأويلات والسيناريوهات ليثبت صحة نبوءته أو على الأقل قابليتها للصدق خاصة وأنه وهو أستاذ فلسفة كبير وحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية قد بني جهده الفكري طوال أكثر من عشرة سنوات على هذه النبوءة.
بعض الكتاب هاجموا عبد السلام ياسين وجماعته وتحدثوا عن أنه بنهاية العام ستفقد الجماعة مصداقيتها غير أن الرؤيا - في نظري- وإن كانت مرهونة بالتحقق، فهي قبل ذلك تحتاج إلى تفسير، فإذا تحقق تفسير الرؤيا على الأرض تمتلك بذلك مصداقية كبيرة، ويمتلك صاحبها قدرة أكبر على سحر الجماهير. ولكنها إن لم تحقق الرؤيا ، فليس أمام صاحبها إلا أن يؤولها من جديد، وأن يعيد إنتاجها بشكل يجعلها مقبولة للناس، فينتظرون تحققها بإخراجها الجديد. عبد السلام ياسين رجل ليس ساذجا أو غرا حتى يلقي بجماعته في هذا الاختبار بل هو رجل يتمتع بكثير من الذكاء، فهو يوظف الرؤيا في حقل السياسة بنحو دقيق، لا يسمح فيه بالمغامرة بمصداقيته.
إنه ينتفع بالدور الاستراتيجي الذي يمكن أن تلعبه، خاصة داخل مجتمع تكثر فيه نسبة الأمية، وتشيع فيه الأفكار الطرقية بشكل مبالغ فيه، وفي نفس الوقت لا يعطي للرؤيا تفصيلا يرتهن به، إنه يجعلها مفتوحة يسهل تأويلها بأي حدث عظيم. وبالطبع، فلن نعدم وجود حدث عظيم نفسر به الرؤية في سنة 2006!! الرجل يعتقد أن الذهنية المعرفية للشعب المغربـي لا تتفاعل بشـكل مؤثـر مع الخطابات السننية، ولذلك فهو يسعى لتحريك الجماهير من قناة مؤثرة. فهو بهذا الاعتبار منسجم تمامـا مع توجهـه الفكري وميوله الصوفية، وفي نفس الوقت يمارس السياسة من حيث كونها استثمارا لكل شيء من أجل الوصول بالخطاب إلى أوسع قدر ممكن من الناس، وجعلهم في عمق مشروعه التغييري. وغير خاف عبر تاريخ المغرب الحضور القوي للرؤيا كأحد الأركان الأساسية في الخطـاب السياسي.
نعم الرؤيا من الغيب، غير أن دخولها معترك السياسة والقدرة على استثمارها وتوجيهها لتحقيق مكاسب سياسية ربما كان ذكاء سياسيا من الرجل في العمل السياسي. إدخال عنصر الغيب داخل المعادلة السياسية يحمل أكثر من معنى، فهو يحيل إلى تميز الفاعل السياسي الإسلامي، الذي لن يكتفي بالجانب السنني، وإنما سيثري تجربته وتصوره بهذا الغيب، ثم إنه محاولة لإرباك الساحة السياسية من خلال اعتماد مفاهيم لا يستوعبها الفاعل العلماني، ولا يستطيع التعامل مع منطقها.
والخوف من الاتهام بالخرافة حاصل وهو ما جرى فعلا بحق الجماعة لكن الفاعل السياسي الذي يهمه استثمار الرؤى في الحقل السياسي، يهمه أيضا استثمار الحراك الفكري الذي يحدثه خطابه ومبادرته. فكلما كثر النقاش عن جماعة العدل والإحسان، وعن أسلوبها في العمل، وكلما صار موضوع الرؤى ومضمونها متداولا في الحقل السياسي كلما حققت الجماعة قدرا من أهدافها السياسية. فهي بهذا الاعتبار تلفت الانتباه إلى حضورها القوي بدليل أن كل الفرقاء يتحدثون عنها وينتقدونها. ومثل هذا التداول الواسع قد يحقق قصدا آخر يمكن أن نصطلح عليه إعادة التوازن الفكري والنفسي لأنصار الجماعة. فهم ينظرون إلى جماعتهم وإلى مرشدهم باعتباره محور جذب واستقطاب فكري وسياسي. فالكل يتحدث عن الجماعة وفي ذلك دليل على حضورها وقوتها.
التقريب بين الصوفية والفقهاء..
تجربة حركية من الغرب الأفريقي
في أقصي بقاع بلاد الغرب الأفريقي وفي قرية نائية أقرب إلي واحة في الصحراء الموريتانية وقريبا من حوض نهر السنغال الحد الفاصل بين البلدين: موريتانيا والسنغال جرت وقائع هذه الندوة التي تأخرت في الكتابة عنها لظروف سفر طويل وتنقلات لا يستقر معها المقام، ثم عدت إليها بعدما صرت على قناعة بأن موضوعها والسياق التي عقدت فيه بل وأجواء الندوة عموما من الأهمية بما يفرض التوقف كثيرا عندها.
أكتب عن ندوة " الفقهاء والصوفية في الغرب الإسلامي ودلالات التقريب" التي نظمتها منظمة آل البيت بالتعاون مع المركز الأفريقي للدراسات والأبحاث الصوفية والتي استغرقت أعمالها يومين كاملين من المناقشات.
دعيت للمشاركة في أعمال الندوة بمحاضرة عن الصوفية والحركات الإسلامية المعاصرة، وكنت المشرقي الوحيد في الندوة التي ضمت باحثين ومفكرين وعلماء وفقهاء وشيوخ طرق صوفية ومريدين من كل بلاد الغرب الأفريقي تقريبا: المغرب والسنغال والنيجر ومالي وموريتانيا التي تقع فيها القرية النائية والفريدة التي استضافت الندوة: تيكماطين.
***
لا يمكن التطرق إلي فكرة الندوة ولا أعمالها دون التوقف والتأمل في طبيعة المكان الذي عقدت فيه والناس الذين قاموا على هذا العمل الإسلامي الفريد من نوعه.
على العكس من أي فاعلية يمكن أن يحضرها الباحث كانت هذه الندوة؛ فاللقاء ليس- كما جرت العادة- في صالات الفنادق التي تتنافس في عدد نجماتها ولا في مدرجات الجامعات أو قاعات مراكز الأبحاث، بل في قرية صغيرة في قلب الصحراء المترامية على الحدود الموريتانية السنغالية، وفي مشارف القرية وعلى الرمال قريبا من بيوتها المتواضعة عقدت فاعليات الندوة وكان مشهدا نادرا.
الوجوه السمراء التي يعلوها البشر ويختلط فيها اللباس الأبيض والعمامات الخضراء التي يعرف بها الصوفية مع الألوان الأفريقية الزاهية اصطفت بالمئات وربما الآلاف في جلسة أبعد ما تكون عن التكلف والتصنع. لم يكن هناك من مظاهر الحداثة إلا السيارات التي جاءت بالضيوف من كل دول الجوار الأفريقي تقريبا، والمولّد الذي يمد الندوة والقرية بالكهرباء والميكروفونات التي تنقل وقائع النقاش لأهل القرية من حضر منهم النقاش أو من فضل الاستماع لها من البيت حيث لم يكن بإمكان أحد من أهل القرية رجالا ونساء إلا المشاركة ولو بالترحيب بالضيوف والقيام على خدمتهم..
افترش الجميع الرمال ما عدانا نحن الضيوف الذين لم نغادر مقاعدنا التي بدت غريبة فوق تلال الرمال إلا إلى بيوت أهالي القرية وقلوبهم التي كانت أكثر رحابة من صحراء لا تبلغ العين مداها.
***
الندوة هي السابعة في سلسلة الندوات التي تنظمها منظمة آل البيت التي تأسست حديثا، وقد أطلق عليها اسم المرحوم الشريف محمد الأمين الشيخ، وكانت هناك رعاية ومباركة لها من الشيخ صالح امباكي ابن شيخ السنغال الأشهر أحمدو بمبا ساكن مدينة طوبا ذات الأهمية الدينية بالسنغال وحضور مشايخ الطرق والزوايا الصوفية.
وكان عنوان الندوة بليغا في التعبير عن أهدافها فقد علت أشغالها لافتة كبيرة كتب عليها:" القائمون على الدين إذا اجتمعوا على إقامته ولم يتفرقوا فيه لم يقهرهم عدو"
فقد كان هناك محور للتصوف كان من أهم موضوعاته: دلالات التقريب بين المسلمين في المنهج المريدي وأثر الطريقة القادرية الفاضلية على مجتمع حوض نهر السنغال والصحراء الكبرى.
وفي محور الفكر الإسلامي ناقشت الندوة قضايا مثل: الإمامة في بلاد السودان الغربي بين الفقهاء والمتصوفةـ وأثر الفقه والتصوف الأندلسي على المجتمع الصحراوي المغربي، والمهدوية في الأديان السماوية ودورها في صراع الحضارات، والأثر الصوفي على الحركات الإسلامية المعاصرة، والمرأة في الغرب الإسلامي وتفعيل التقريب..
وفي المحور التاريخي نوقشت قضايا مثل المرابطين وقراءة جديدة في التاريخ وحركة الهجرة، والتبادل التاريخي بين الشمال والجنوب وانعكاسه على تشكل الهوية في الغرب الإسلامي.
وكان هناك محور عن المحظرة الموريتانية التي هي مدارس القرآن التقليدية والتي ينظر إليها كجامعات مفتوحة.
كما كان هناك محور قانوني عالج قضايا مثل الرقيق والتبيعة والحدود السياسية وعوائق التقارب في الغرب الإسلامي.
إضافة إلي المحور الأدبي الذي ركز على الأدب الصوفي بشكل خاص.
لقد شارك في أعمال الندوة فقهاء ومتصوفة من جميع المدارس الفقهية والطرق والزوايا الصوفية في الغرب الأفريقي تقريبا.
***
انطلقت الندوة من الإحساس بخطورة أن ألف سنة مرت على هذه المنطقة والصراع فيها محتدم بين مدرسة الإحسان التصوفية والمدارس الفقهية والسلفية منها خاصة، وأن هذا الصراع والمواجهات بل والمناظرات التي تخللته ولدت شرخا كبيرا بين الناس بل وكثيرا ما وصلت إلي حد التكفير وإراقة الدماء بما عرقل جهود الدعوة إلي الله في أدغال أفريقيا القارة الني كان ينظر إليها باعتبارها قارة الإسلام قبل أن تجتاحها جيوش التنصير، ..وهو ما استدعى البحث عن إمكانية اللقاء بين الصوفية والفقهاء من أجل استئناف الدعوة الإسلامية لمسيرتها مجددا.
وكان واضحا في الندوة كذلك الإحساس بالخطر من أن هذا الصراع بين الفقهاء والمتصوفة فتح الباب لاختراق التشيع للفضاء السني المالكي الذي ظل مهيمنا على هذه المنطقة المهمة من العالم الإسلامي، إذ بدا أن قطاعا كبيرا من بلدات الغرب الأفريقي الإسلامية السنية تتشيع عبر قنطرة التصوف والحديث عن فضل آل البيت؛ فالدبلوماسية الإيرانية هي الأكثر نشاطا، والحضور الإيراني يتعاظم ويحاول اختراق التجمعات الدينية التقليدية وعلى رأسها الطرق الصوفية. حتى استطاعت إيران فتح أقسام لدراسة الفقه الشيعي والتشيع في بعض جامعات دولة مثل غانا المعروفة تاريخيا بكونها سنية مالكية.
لقد أثار المد الشيعي في المنطقة الإحساس بالخطر لدى الفقهاء والمتصوفة الذين جمعتهم الندوة التي سعت للتقريب بينهم ولكن من واقع فهم مختلف لفكرة التقريب أساسه أن التقريب يفترض أن يكون بين المدارس السنية والتي تنتمي إلي مذهب واحد ( أهل السنة ) وليس بين المذاهب المختلفة.
كما فرقت الندوة بين تجليات مختلفة للتصوف وتحاول الكشف عن خصوصية التصوف في هذه المنطقة من العالم الإسلامي، فالصوفية في الغرب الأفريقي كانت دائما رائدة الجهاد ضد المستعمر في عموم أفريقيا، وأعلام الجهاد في هذه المنطقة هم على الإجمال متصوفة مثل الشيخ عبد القادر الجزائري والشيخ عبد الكريم الخطابي والشيخ ماء العينين في صحراء المغرب والشيخ عمر الفوتي والشيخ عثمان دا فوديو في غرب أفريقيا الشيخ أحمدو بمبا والشيخ مابا خوباه في السنغال ومالك سيسي في بوندو وفولتا العليا.. وكانت أعمال الندوة حاسمة في التأكيد على أن التصوف في الغرب الإفريقي ظل جهاديا مناضلا ولم يعرف ما عرفته بعض بلاد المشرق من تقاعس للطرق الصوفية في مواجهة المستعمر.
وربما كانت هذه الروح التي دفعت بمنظمي الندوة لتخصيص بعض محاورها لقضية الصراع العربي الصهيوني (مثل: باب المغاربة في القدس الشريف والحضور المغاربي في الصراع العربي الصهيوني، ودور آل البيت التاريخي في الصراع الفلسطيني الصهيوني) إضافة إلي دعوة سفير فلسطين ليكون في مقدمة الحضور إضافة إلي توصيات الندوة بضرورة قطع العلاقات الموريتانية مع الكيان الصهيوني والتي رأت أنها غريبة على الشعب الموريتاني.
لقد حددت الندوة هدفها بتقريب الخطاب الفقهي من المتصوفة وإعادة التفاهم وأعلنت أنها أقرب إلي محاولة للصلح أو التقارب بين التصوف والفقه، وكان هناك تركيز على رفع التناقض بين التصوف والفقه وتأكيد مستمر على أنه تناقض طارئ إذ لم يكن في القرون الأولي أي تعارض.
فالصوفية الأوائل اتبعوا السلف، والخلاف جاء في عصر التخصص والمصطلح، فمطلب الصوفي ما هو الأفضل ومطلب الفقيه هو ما يسقط به الحرج ومن ثم فهما متكاملان وليسا متناقضان.
و"تيكماطين" قرية عريقة جدا ومعظم سكانها ينتسبون إلي " آل البيت " رغم ملامح أفريقية تبدو ظاهرة على وجوهم بفعل التصاهر مع قبائل أفريقية على مدار القرون
تقول كتب التاريخ أن القرية تأسست عام 927 هجريا في الفترة الزمنية نفسها التي تأسست فيها مدينة مراكش الشهيرة عاصمة دولة المرابطين بالمغرب ..كانت القرية من القرى التي أسسها المرابطون الذين امتدت دولتهم في الغرب الأفريقي، وكانت إحدى أهم نقاط التواصل بين المجتمع الأفريقي ( السودان الغربي ) والمجتمع العربي المهاجر من السلالة الإدريسي التي تنحدر من ذرية المولي إدريس مؤسس أول دولة في المغرب بعد الإسلام.
ولكن أهالي القرية يقولون أن بها آثارا تعود لألف عام مضت، ربما كان الاسم يطلق على كامل المنطقة التي تقع فيها القرية، ويؤكد ذلك ما يقوله المؤرخ الموريتاني حسن ولد محنض من أن الملك حنّون الروماني القادم من قرطاج رست سفنه في حوض " تيكماطين " بحثا عن الذهب.
لأهالي تيكماطين اعتزاز غريب بقريتهم ويروون مأثوراتها ومآثرها بشكل يصعب معه على المرء أن يتصور أنها مجرد قرية لا يزيد سكانها على الألف نسمة تقريبا..ولكنهم دائما ما يستحضرون في حكاياتهم ما لها من مكانة ترجع إلي ما ساهمت به تاريخيا وسياسيا على مستوي الغرب الإسلامي كله وليس موريتانيا من أيام انطلاقة دولة المرابطين.
لقد كانت تيكماطين معبرا مرت عليه قبائل المجتمع الوولفي الأفريقي استجابة لنداء الجهاد الذي أطلقه المرابطون لنجدة مسلمي الأندلس قبل خمسة قرون.
ما بين الجلسات وأثناء تناول الطعام والراحة كان أهالي القرية يروون لي بعضا من تاريخها..أشاروا إلي ما ذكره عنهم الوزير الفوشتالي، الوزير في دولة السعديين في كتابه " مناهل الصفا " من أن الشريف إبراهيم رضوان جد أهالي تيكماطين، قابل صحبة ملوك بلاد السودان قوات المنصور السعدي بعدما هدمت مدينة تمبكتو التاريخية..وأنه شارك في صد عدوان السعديين ورد توغلهم في منقطة حوض النهر.
كما شاركوا في حروب ( شربّبا ) التي جرت في القرن السادس عشر بين طلبة المحاضر القرآنية وحملة العلم من جهة وبين السلطة الجائرة التي حاولت إلغاء التشريعات الإسلامية المعمول بها بين القبائل..وهي حروب تعد من أشهر الحروب التي عرفتها المنطقة منذ مجيء المرابطين..ويذكر كتاب شيم الزوايا للشيخ اليدالي أن أهالي تيكماطين كان لهم فيها دور مؤثر.
لطالما كانت القرية في مفترق طرق القوافل ما بين مدينة الصويرة بالمغرب وياكل في السنغال وهي الطرق التي كانت تمر بها قوافل تجارة الصمغ العربي وريش النعام..وهو ما ساعدها أيضا على أن تظل مزارا وموطنا أو ملجأ لغالب العارفين بالله الذين لجأوا إلي الغرب الأفريقي
ذكروا لي أن ممن زار القرية من الأولياء الشيخ سيدي محمد الكنتي والشيخ أحمد بازيد الباركللي المعروف بولد الرازقة وسيدي عبد الكريم المعيلي..وغيرهم من الأعلام الذين نشروا الإسلام في أفريقيا والأخير هو أبرز من نشر الطريقة القادرية في أفريقيا السوداء..كما أشاروا إلى أن الشيخ إبراهيم الأموي مفتي المرابطين دفن وله قبر في ضواحي قريتهم.
ولأنني من مصر فقد حدثوني عن الشريف سيدي محمد الصعيدي الولي الصوفي الذي جاء لزيارتهم من مصر.
أما أبرز شيوخ القرية وأعلامها الذين تفتخر بهم القرية فهو الشيخ " بوبزّولة"، وهو رحالة اسمه الأصلي محمد بن شمس الدين بوبزولة الإدريسي، نشر الدين الإسلامي في هذه المنطقة حتي نيجيريا وتزوج من قبائل الهوسا الأفريقية، وقد عرف بهذا اللقب إشارة إلي ما يشاع عنه بين العوام من كرامة ..فهو بعد أن انفصل عن زوجته الهوساوية سافر بمولوده الرضيع ولما جاع الرضيع في الصحراء أرضعه الشيخ بثديه حتى شبع فسمي "بوبزّولة" والثدي عند الحسانية يسمي بزّول.
وأحفاد بوبزّولة هم أمراء صوكوتو في نيجيريا ومن أشهرهم الأمير أحمد لديت الذي كان من أبرز من قاوموا الاستعمار الفرنسي في المنطقة.
ولأهالي قرية تيكماطين صلات قوية بالفضاء الإسلامي المحيط بهم خاصة السنغال، ويروي أهل القرية باعتزاز أن أكبر المدارس القرآنية في السنغال هي التي أسسها أجداد تيكماطين مثل المختار ولد مبا. كما كان لهم تأثير كبير في مسلمي السنغال وخاصة الشيخ أحمد بمبا شيخ الطريقة المريدية في طوبا بالسنغال وهي طريقة قادرية الأصل هي الأكثر حضورا وتأثيرا في الغرب الأفريقي..وقد كانت لهم به صلة روحية فكانوا يمدونه بالمصاحف وساعدوه أثناء مقاومته للاستعمار الفرنسي عام 1927، وعلى اسمه تسمي أحمدو بمبا العالم الصوفي الشاب الذي أشرف على تنظيم الملتقى، وابن شيخ القرية الإمام محمد سعيد صيار.
***
بقي أن نقول أن منظمة آل البيت التي نشأت في قرية نائية بالصحراء هي نموذج للعمل الأهلي الشعبي القادر على الاستغناء عن أموال التمويل الغربي والرسمي فهو ذاتي النفقة ولا يأخذ تبرعات وإنما يعتمد على دعم المريدين.
وقد تأسست لتقوم بمهمة حفظ للنسل الشريف حيث تسعى لجمع سلاسل ومشجرات الأنساب الشريفة في موريتانيا والغرب الأفريقي ودراستها على ضوء الهجرات ومعطيات التاريخ، وكذلك التأريخ للمدارس الصوفية في أفريقيا ومعرفة نظرتها إلي آل البيت، وأخيرا غربلة الموروث الأفريقي الصامت وتحديد موقع أل البيت فيه.
والحق أن القائمين على هذه المؤسسة يمثلون الجيل الجديد من المتصوفة والذي يسعى إلي تجديد التصوف وتنقيته وإعطائه دينامية حركية أولا عبر التحاور مع أبناء المدارس الإسلامية الأخرى السنية بشكل خاص، والانفتاح على وجهات النظر المختلفة حتى ولو كان لها ما تأخذه على التصوف، ثم إن هذا الجيل على درجة كبيرة من الوعي بخطر انغلاق التصوف أو عدم إدراكه للمخاطر التي تتهدده وعلى رأسها التشيع.
التحديث حين يضرب في قلب الطرق الصوفية في السودان
شهدت السنوات الماضية بزوغ وانتشار ظاهرة الدعاة الجدد، بدأت في مصر ومنها انتشرت في بلاد عربية وإسلامية أخرى، وجذبت اهتمام الكثير من الباحثين والمهتمين، وقد كانت وجهة نظر البعض أن القول بتعميم الظاهرة وقابليتها للانتشار في كل مكان ربما يكون تعميما يفتقد الدقة، وكان من الصعب – مثلا – الحديث عن إمكانية أن يظهر تيار الدعاة الجدد ويعرف طريقه في بلد كالسودان، فهي تخضع لحكم جبهة الإنقاذ الإسلامية التي كانت أول حركة إسلامية تصل للسلطة في العالم العربي وتعلن إقامة الدولة الإسلامية لتطبيق ما أسمته بـ " المشروع الحضاري الإسلامي"، كما أنها أكبر قلاع التصوف في العالم العربي التي تسيطر عليها الطرقية بما لا يدع لداعية مستقل عنها سبيلا إلي الناس.. وأذكر أنني في زيارة للشيخ حسن الترابي في منزله وجدت وفودا من الطرق الصوفية تزوره والرجل يجلس معها ويحدثها بنفس طريقتها وحين انصرفت ردد معها الأذكار الصوفية وحياهم بطريقتهم..ساعتها سألته مستغربا موقفه المتشبه بالطرقية وهو أشهر زعماء الإسلام السياسي فقال: من يتجاوز الصوفية في السودان فليبحث عن بلد آخر إذ لن يكون له مستقبل فيها!
كان رأيي أن ظاهرة التدين الجديد التي انتشرت في كثير من البلاد العربية ربما لن تشهد امتدادا لها في السودان، غير أنني حين زرتها وبحثت عن ظاهرة الدعاة الجدد وجدتها ولكن متدثرة بالعباءة الصوفية في أبهى صورها.
***
أول ما نزلت السودان سألت عن الشيوخ الشباب ممن لهم حضور في أوساط الشباب وتأثير، فأجمع الأصدقاء على أنه الشيخ الأمين عمر الأمين شيخ الزاوية المكاشفية القادرية في أم درمان.. لخص لي البعض ظاهرة الشيخ الأمين بقوله " شيخ "مودرن" ..كلامه جيكسي ( أي مثل كلام الشباب الخنافس الروش ) ومحايته بيبسي ( والمحايا هي الماء المبارك الذي يوزعه الشيخ الصوفي على مريديه!!
وفي يوم جمعة ذهبنا – ومجموعة من الأصدقاء السودانيين- إلي زاوية الشيخ في أم درمان لحضور حضرته ودرسه الأسبوعي الذي يجمع مريديه وجمهوره..فكانت أغرب حضرة لشيخ صوفي يمكن أن تراها، فهي الصوفية الجديدة في أحدث وأغرب طبعاتها.
حين تزور هذه الزاوية لابد وأن تراجع الصورة التقليدية عن زوايا الصوفية فهي ليست – كما استقر في وعينا- المكان النائي البعيد الذي يشبه كثيرا أديرة الرهبان، أو المكان الذي يأوي إليه الفقراء المعوزون أو قبلة المنصرفين عن الحياة الهاربين منها بحثا عن النجاة، بل هناك صورة مختلفة تماما إلي النقيض.
فهي في حي من الأحياء الراقية، ملحقة بفيلا واسعة لشيخها الأمين، وتطل على ساحة كبيرة، وما تكاد تقترب حتى تفاجئك طوابير لأفخم السيارات تشغل الشارع المؤدي إليها والشوارع الجانبية منه، بل وستجد صعوبة في الوصول إليها بالسيارة بسبب الزحام الشديد الذي يؤدي- كما قيل لي - إلي أزمة مرورية في كل درس أو حضرة.
وتزداد الدهشة مع تصفح جمهور الحضور فالغالبية العظمي من الشباب الذين تطل من وجوههم إمارات اليسر والنعيم والانتماء لعائلات وطبقات اجتماعية جد ميسورة ومميزة..تعرفت على بعضهم : مهندسون وأطباء ومحامون ورجال أعمال، أحدهم يعمل مهندسا في الحاسب الآلي ,هو الذي تولي تعريفي بالزاوية والحضور الذين كانوا قد انتهوا لتوهم من حضرة في الساحة وافترشوا الحصير – حصيرا مميزا غير الذي عرفت به زوايا الصوفية- انتظارا لصلاة المغرب. الجميع يرتدون الزي الأخضر، وهو زي اقترحه الشيخ الأمين لأتباعه، ولكنه ليس الأخضر الباهت الذي عرفته به الصوفية ..بل هو اخضر فخم وبراق وموشى
بلون أحمر.
من بعيد كنت قد لمحت الشيخ الأمين يحدث مريديه عن أهمية ويقوي همتهم ويدعوهم إلى عدم الاهتمام بالنقد الذي يوجه لهم وله، فقد كان هناك الكثير من الشيوخ التقليديين من يكثرون من نقده ، كما علمت، ويؤكد لهم أن نقده وسبابه دليل على أنهم على الصواب وأنهم يسيرون في الطريق الصحيح!
***
الشيخ الأمين هو نموذج جديد تماما على الطرق الصوفية، فهو شاب لم يكن قد جاوز الثامنة والعشرين حين تم تشييخه عام 1992 في الطريقة المكاشفية على يد الشيخ عبد الله بن الشيخ يوسف قرشي المكاشفي المعروف بـ ( ود العجوز )، وكان غريبا وقتها أن يخصه الشيخ بهذه المكانة في طرق عرفت باحترام تقديم الكبار والأخذ عنهم، وقد بدأ دعوته معتمدا على أصدقائه الذين اختار منهم خليفتيه ( الأول مرتضى البنا، والثاني أيمن عمر).
الشيخ الأمين لم يتحصل على دراسة دينية منظمة بل هو من خريجي التعليم المدني، فقد جاز المرحلتين؛ المتوسطة والثانوية من مدرسة أم درمان الأهلية، ثم سافر للدراسة بالسعودية فالتحق بجامعة الملك عبد العزيز لم يدرس العلوم الشرعية وإنما درس إدارة الأعمال وحصل فيها على شهادة البكالوريوس!
عمل الشيخ الأمين في البيزنس، وهو يدير استثمارات خاصة به في مدينة دبي، وهو إضافة إلي ذلك صاحب ومدير توكيل إحدى شركات التكييف العالمية بالخرطوم، فهو –بلغة العصر- بيزنس مان.
اصطحبني بعض مريديه إلي بيته للقائه بعد الدرس فإذا به فيلا واسعة كبيرة أشبه بقصر، جلست في صالة استقبال الضيوف فرأيت على إحدى الحوائط صورة كبيرة له بحجمه الشخصي يرتدي فيها العباءة الخضراء وخلفيته السماء يبدو فيها وكأنه أشبه بملاك يحلق في السماء..والشيخ الأمين بالمواصفات السودانية والأفريقية رجل وسيم فهو طويل وعريض قوي البنية في وجهه قوة وجرأة تشبه ملامحه – إلي حد كبير- الزعيم الأمريكي الأسود مالكوم إكس أو الحاج مالك شباز بعد إسلامه!
***
بعد الحضرة الصوفية التي تبدأ العصر وتنتهي مع أذان المغرب، وهي أشبه بالذكر المعروف عند الطرق، يجلس الحضور في مربع يكمل ضلعه الرابع الشيخ الأمين ومن يستضيفهم من شيوخ الزاوية الكبار، وفي خلف الشيخ تجلس غير بعيد عنه النساء والفتيات في صحبة زوجته على الكراسي – وليس الأرض كالرجال والشباب، وكل الجمهور أو جلهم من الشباب تقريبا، وزوجته سيدة في منتصف العمر، حسنة المظهر أنيقة الملبس تحيط بها مريدات الشيخ كما الأميرة أو الملكة غير المتوجة، ويحرصن على التبرك بها.
حكي لي صديق عن الفرح الأسطوري الذي أقامه الشيخ الأمين لعرسه، ونوعية الحضور والتساهل في الأزياء وأجواء الرفاهية والبذخ التي صاحبته على غير المعتاد عند المتصوفة ..وهو في دروسه- وفي الدرس الذي حضرته- يؤكد على ذلك، ويتساءل مستنكرا اتهامات معارضيه: وما المانع؟ ولماذا لابد وأن يكون المسلم فقيرا ؟ ولماذا لا تكون للمسلم الدنيا ومن عليها؟..هو يتحدث دائما عن أعدائه وخصومه الذين يغارون منه ويحسدونه ..ويقول متهكما: إن أفضل الدعاء " اللهم زد حسادي"!..لأن كثرة الحاسدين دليل النجاح!.. هو نفسه يمتلك أكثر من سيارة على أحدث موديل وربما لا توجد منها إلا عدد قليل في السودان كله ..وحين يتحرك ففي موكب تسبقه وتليه سيارات مرافقيه في طقوس تشبه مواكب الأمراء والملوك!
***
للشيخ الأمين طريقة جديدة في الدرس الصوفي وفي العلاقة بين الشيخ والمريد التي يخلق فيها حالة من التواصل بينه وبين جمهوره وليست بطريقة التوجيه المباشر من الشيخ إلي المريد، فهو يدير الدرس بطريقة تقوم على المشيخية التي تغلفها وتكسوها روح الأخوة والتباسط والشبابية التي تفرضها شخصية الشيخ وأعمار المريدين...يتحدث الشيخ الأمين باللغة السودانية الدارجة التي تمتلئ بالأمثال العامية والقصص المحلية، وهو ما يقربه كثيرا من أوساط الشباب ولكنه يعوق انتشاره خارج السودان حيث تبدو اللغة والاقتباسات غريبة على غير السودانيين خاصة وأن الفضاء الإعلامي العربي لم يعتد اللهجة السودانية ولم يألفها من قبل سواء في الدراما أو الدروس الدينية، وإن كان لا يمنع ذلك من انتشارها في أوساط الجاليات السودانية – وهي كثيرة – بالمهجر. وقد أعطي الكلمة لأحد مريديه الذي افتتح زاوية للطريق المكاشفية القادرية بالولايات المتحدة، كما نوه إلى زاوية أخرى بأمستردام.
وبسهولة يمكن ملاحظة مساحة التجديد التي يقوم بها الشيخ الأمين في العلاقة مع شيوخ الطرق من ناحية ومع المريدين من ناحية، فهو يتقرب من مريديه ويخالطهم كأنه واحد منهم ولكنه يحتفظ في الوقت نفسه بمسافة معهم تفرض عليهم كل طقوس الاحترام والتبجيل المعروفة عند المتصوفة مثل تقبيل اليد والمبالغة في الإجلال والتوقير..وهي العلاقة نفسها التي يقيمها مع شيوخ الطرق: الوقوف في منزلة بين المنزلتين؛ بين تأكيد الارتباط بهم والاستقلال عنهم ، في الوقت نفسه. فهو الذي يدعو شيوخ الطرق للحضرة والدرس، وهو الذي يقدمهم في درسه ..يجلسون معا على الأرض لكنه يتقدمهم بدون أن تكون التقدمة ظاهرة، ثم هو الذي يتفاعل مع الجمهور يوجههم ويختار منهم من يتحدث ويسأل، وهو الذي يوزع على المشايخ تساؤلاتهم ليجيبوا عنها، ورغم هالة التقدير التي يحيطهم بها والثناء الذي لا يكف عن توجيهه لهم والإجلال من شأنهم وتوقيرهم إلا أن الحاضر لن يتعب كثيرا في تتبع كيف يرسخ لسلطته الروحية هو..فهو- في النهاية- الممسك بزمام الحضرة والمسير لها.
كان الدرس في أوجه حين قدم وفد من كبار شيوخ الزاوية المكاشفية القادرية يمرون لتفقد الزاوية ومتابعتها فأوقف الأمين الدرس وقام ومعه الحضور تقديرا مذكرا بقول النبي صلي الله عليه وسلم : " قوموا لسيدكم " ..ثم قام بتقديم طقوس الاحترام والتبجيل للمشايخ وأشاد بهم وأكد على ربط نفسه بهم ..وربما نجح في تأكيد تبعيته لمشايخ الطريقة غير أن الواقع يؤكد أن كل هؤلاء الشباب إنما جاءوا له وليس لهؤلاء المشايخ وأن ارتباطهم الحقيقي به هو وليس بمؤسسة الطريقة التي يجتهد في أن يؤكد انتسابه لها وارتباط أسبابه بشيوخها، رغم أنه تجاوزها بالفعل!
الشيخ الأمين صار مركز الزاوية ليس في الخطاب وإدارة العلاقات فقط بل وفي القيام على أمور الزاوية وهي أمر يتجاوز مجرد الوعظ والإرشاد فالزاوية- بتعبير أهلها- " مكان لا تطفأ له نارٌ، ولا يتكأ له قدر"، فهو الذي يدبر أمر النفقة على الزاوية، ومن أهم نفقات الزاوية نفقة الطعام والشراب الذي لا يتوقف طوال اليوم ويقوم عليها مقدم يعينه الشيخ الأمين.
***
للشيخ الأمين موقع على الانترنت يحمل اسمه وعليه بيانات عنه وعن الزاوية ومنتدى لمريديه، لكنه قليل الظهور في التلفزيون والفضائيات رغم صلاته الوثيقة بالشيخ صالح كامل صاحب قناة " اقرأ " الذي كثيرا ما يجمعه ونظراءه من الدعاة الجدد – ومعظمهم أصدقاؤه- مثل الحبيب الجفري وعمرو خالد..وهم جميعا من نفس العمر تقريبا.
الشيخ الأمين يقدر " الدعاة الشباب " ويرى أنه في يسير في الطريق نفسه وهو – مثلا- يبدي إعجابه بعمرو خالد كثيرا ولكن يراه يقف عند حد إعلان الدعوة والتبشير بها واستنفار الناس لها، أما هو- الأمين- فيجمع الناس ويربيهم ليخوض بهم المعركة..فعمرو يحشد بينما هو يجند ويتابع ويربي.
***
قد يبدو ظاهريا أن المضمون الذي يقدمه الشيخ الأمين في دروسه هو مجرد دعوة الناس إلي التعلق بأهداب الدين والتزام التصوف طريقا إلي الله، وربما لا يثير أي خلاف، على الأقل مع شيوخ الطريقة، لكنه – في بنيته العميقة – يجسد تحولا كبيرا في المنظومة الصوفية، إذ لم تعد- لدى هذا النموذج- تقوم على الزهد في الدنيا والإعراض عنها والتخفف من أثقالها، والاقتصار من حلالها على ما لابد منه، بل صارت تدعو صراحة إلي الأخذ بأسباب الدنيا والإقبال عليها والتحقق فيها بشرط اجتناب الحرام فقط! ..إنها نقلة كبيرة في الخطاب الدعوي تشابه ما جري من تحولات في ظاهرة التدين الجديد، حيث الرغبة في التصالح مع الغنى والثروة والتحقق في الحياة فيما سميته بالبروتستانتية الإسلامية!
لم يعد التخفف من الدنيا والاستعداد- فقط – للآخرة هدف الزاوية، كما لم يعد الزهد في متاعها والرضا بالقليل منه طريق النجاة، ولم يعد مطلوبا من المريد أن يخلع الدنيا مع حذائه عند باب الزاوية ويقبل مشاركة الفقراء وأتباع أهل الصفة أو التصوف شظف العيش في أرض الخمول بعيدا عن الأضواء والشهرة، بل صارت الزاوية تدعو مريديها إلي الدخول في سباق الحياة ومنافسة أهلها في اقتسام حظوظ الدنيا ، فيما مضي كانت تحفظ مريديها : " من نازعك في دينك فنازعه، ومن نازعك في دنياك فألقها إليه في نحره" ،أما الآن فتقول له نازعه في كليهما وخذ حظك وافرا من الدنيا ولكن بشرط المنافسة الشريفة الملتزمة بأحكام الدين وأخلاقه.
كانت الزاوية آخر ملاذ للذين أتعبتهم الدنيا وطحنت عظامهم منافساتها التي لا تهدأ فجاء الشيخ الأمين ودعاة التصوف الجديد ليعيدوا أبناء الزوايا إلي الدنيا ثانية ويعقدوا معها المصالحة .. وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا.