eKtab
EN ع
مع الشعر والشعراء في الاندلس
Read free sample

مع الشعر والشعراء في الاندلس

by د. محمود شاكر الجنابي

Page 1

على سبيل التقديم والتعريف:

أقبل الدكتور محمود شاكر ساجت الجنابي على هذه العناوين وهو في لياقة بحثية محترمة، وعنفوان باحث متمكن. تشهد له بذلك لغته السليمة التي كتب بها، ونقده، وتعليقه، وتخريجاته، وتوثيقاته، وتعليقاته الممتعة، وإضافتاه المنهجية والعلمية المتنوعة، التي تنم عن باحث أصيل، وكاتب مرموق، ودارس صبور في سبيل الحقيقة العلمية المُرضية التي نبحث عنها ونسعى للوصول إليها بشتى الوسائل.

والبحوث التي انطوى عليها هذا الكتاب وكانت من بين عنوانته، من السعة والإحاطة، بكل الشعر الأندلسي، من تحقيق الشعر، والدراسة النقدية، وعمل الببلوغرافيات والمستدركات على المعاجم والفهارس التي وضعت من قبل عمله.ومن هنا أستحقت منا هذه الأعمال كل هذا الثناء والإطراء والإحسان.

إن الدارس في الأدب الأندلسي، يحتاج لمقومات، وسبل للنجاح فيه.إذ هو ذو خصوصية معينة يعرفها الجميع، وقد لايدركوها ومن هنا تجافوا عنها، وأهملوها من أقلامهم العلمية والبحثية والى الأبد.

إنني سعيد أن يصدر أخي الفاضل الدكتور الجنابي هذه البحوث في كتاب مستقل، لما في الكتاب من الإشهار للباحث وبحوثه، ولتلافي الأخطاء المنوعة التي تقع فيها المجلات في النشر، وللإضافة والتعقيب والاستدراك عن نشرة البحوث في المجلات مهما كانت من الإتقان والأصالة والجدة.

في النهاية، أتمنى للباحث والناقد الجنابي كل الخير والتوفيق ليخرج لنا باقي أعماله القيمة التي تستحق منا القراءة والاقتناء والعناية، وأشكر الأخ صاحب دار غيداء على جهوده معنا في نشر التراث العربي الأندلسي بأقلام عراقية أصيلة ومتميزة، وأولها قلم الأخ الجنابي، ومن الله التوفيق والسداد.

الدكتور محمد عويد الساير

جامعة الانبار/كلية التربية الاساسيةفي حديثة/قسم اللغة العربية

Page 2
مقدمة
 
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى اله وصحبه ومن والاه، وبعد؛
 
هذه بحوث متنوعة في الأدب الأندلسي، من الدراسة النقدية، وجمع شعر الشعراء الأندلسيين من غير أصحاب الدواوين، ومن المستدركات على الببلوغرافيا والفهارس للدواوين والمجموعات الشعرية الأندلسية المحققة والمصنوعة.
 
وقد أشار عليَّ الكاتب والدكتور الساير أن انشرها في كتاب واحد، لما في الكتاب من ميزات، ومحاسن منهجية، وعلمية، وطباعية يعرفها الجميع ويشهد بها. فكان هذا الكتاب كما ترى أيها القارئ الحبيب، والذي أتمنى أن ينال الرضا والاستحسان والقبول من قبل الجميع.
 
ولكم أنا فرح أن يصدر كتابي الثاني عن دار غيداء الأصيلة المتفضلة علينا، وعلى العلم في كل مكان، وعلى الكاتبين والدارسين والمحققين في العلوم المختلفة، والفنون المتعددة.
 
أتمنى للقارئ الإمتاع والمؤانسة وهو يطالع صفحات هذا الكتاب، وان يضيف عليه أهل الاختصاص المزيد من التعقيب والاستدراك، إذ هو أٍسير فضلهم في هذا الشأن والله المستعان، والى لقاء.
 
الدكتور محمود شاكر ساجت منديل الجنابي
 
جامعة الانبار/كلية التربية للعلوم الإنسانية/قسم اللغة العربية
Page 3

المقدمة:

هذا شعر ابي القاسم الأسعد بن إبراهيم بن الأسعد، الملقب بابن بليطة، الشاعر القرطبي الأندلسي، الذي كان احد الغرائب والعجائب في الجزيرة الأندلسية بعد ان طاف بأقطارها شرقاً وغرباً، وتردد على ملوكها مطوِّقاً إياهم بالقلائد، وزافَّاً إليهم الخرائد من شعره، وقد كان ابن بليطة ناثراً، وخطيباً حسب الروايات التي تحدثت عنه، وفضلا عن كونه شاعر محفل فقد كان فارس جحفل ايضاً.

وقد تمَّ العمل على مبحثين:

اولهما: ذكر فيه اسمه، ولقبه، وولادته، ووفاته، وما قيل في شعره، وموضوعاته الشعرية من مدح، وغزل، ووصف، وتأثره وتأثيره ببقية الشعراء مع دراسة فنية للغته، وأسلوبه، وموسيقاه.

ثانيهما: جمع ما بقي من شعره في مصادر التراث مع إثبات اختلاف الروايات فيما بينها.

Page 4

- اسمه ولقبه:

أبو القاسم الأسعد بن إبراهيم بن الأسعد بن بليطة القرطبي الأندلسي ([1])، وقد ذكر ابن هذيل في حلية الفرسان انه: الأسعد بن بليط ([2]).

قال صاحب وفيات الأعيان: (بليطة: والد أبي القاسم الأسعد الشاعر المذكور، بكسر الباء الموحدة واللام المشددة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الطاء المهملة وبعدها ياء ساكنة، ولا اعرف معناه، وهو بلغة أعاجم الأندلس) ([3]). وقد ذكر دوزي ان بليطة Ballite في الاسبانية تعني البطاقة ([4])، وبليطة ايضاً موضع على بعد ثلاث مراحل من سبتة ([5])، وقد ذكر الحموي في حديثه عن طرابلس قائلا: واسماها اليونانيون طرابليطة، وذلك بلغتهم ايضاً ثلاث مدن؛ لان طرا معناه ثلاث وبليطة مدينة ([6])، ولا اعرف صلة هذا اللقب بهذه المواضع، والقرطبي نسبة إلى مدينة قرطبة ([7])، ولم تفصح الكتب التي تناولته – سواء من كتب التراجم أو الكتب الأدبية – عن حياته الشيء الكثير، فهي لا تعدو الإشارات القليلة التي لا تغني الدارسين ولا تفي هذا الشاعر حقه، فهي لا تعدو ذكر اسمه وكيل المديح له والثناء عليه وعلى شعره، فلم تذكر هذه الكتب شيئا عن حياته الأولى سوى ان (أصله كان من حضرة قرطبة، وتردد بأقطار الجزيرة شرقا وغربا، وكان بها في وقته احد الغرائب، واعجوبة في عيون العجائب، عالم بما يريشه ويبريه، على لوثة – زعموا – كانت فيه) ([8])، وقد (كان بعيد الهمم، بليغا بالسيف والقلم، تردد على ملوك الطوائف بالأندلس، فارس جحفل، وشاعر محفل، فجرى في الميدانين، وارتزق في الديوانين) ([9])، و(معظم أشعاره في بني صمادح ملوك المرية، وانه كان سمح البديهة والروية) ([10])، وقد اختص منهم بالمعتصم بن صمادح (ت 484هـ) ([11])، كما ذكر صاحب الخريدة ([12])، ولا نجد في مدحــه سوى قصيدة واحدة، واخرى في مديح المعتضد (ت 461هـ) ([13]).

Page 5

- ولادته ووفاته:

كان الأسعد بن إبراهيم حيا قبل الأربعين وأربعمائة ([14])، وقد أكد سنة وفاته صاحب البغية قائلا: (توفي في حدود الأربعين وأربعمائة) ([15])، وهو إذ توفي في سنة 440هـ إلا ان المصادر لم تُشر إلى سنة ولادته. غير ان صاحب الخريدة ذكر انه عمَّر طويلا (ولم يمت حتى نيف على التسعين، ونزف برشائها ركية الماء المعين) ([16])، وعلى ذلك تكون ولادته في سنة 345هـ على وجه التقريب.

- الاراء التي قيلت فيه وفي شعره: معظم الذين مروا على ذكر الأسعد بن بليطة او ترجموا له أشادوا به وبشاعريته، فقالوا عنه:

- (شاعر مذكور) ([17]).

- (سرد البدائع أحسن السرد، وافترس المعالي كالأسد الورد، وأبرز درر المحاسن من صدفها، وحاز من بحر الإجادة وشرفها) ([18]).

- (مدح ملوكاً طوَّقهم من مدائحه قلائد، وزفَّ إليهم منها خرائد، وجلاها عليهم كواعب، بالألباب لواعب، فأسالت العوارف، وما تقلص له من الحظوة ظل وارف) ([19]).

- (شاعر الأندلس وأديبها، ومصقعها وخطيبها ووصفه بانفجار عيون الأدب بخاطره، والغوص في بحر المعاني الأبكار واستخراج جواهره، والنفث في عقد السحر بنكته ونوادره) ([20]).

- (شاعر المعتصم بن صمادح، ومجازيه المنائح بالمدائح) ([21]).

- (هو من فحول شعرائهم) ([22]).

- (من الشعراء المنتجعين، وتردد على ملوك الطوائف) ([23]).

- (ذو كلمٍ كأنَّما ماءُ الحياةِ أديمُها، ونفسُ السحر نسيمها، ووراء ذلك منه جبل بالزحامِ لا يصدع، وجمل أنفُه بالخطام لا يجدع. خُطَّت لدى الملوك رحالُ مطيِّه، وتسوقت صدور المجالس إقبال بطيِّه. طالما لبس الجديدين في المصالح، وفلَّ الحديدين في النصائح، وسرى وسار حتى أعاد بنفسج الظلام عَراره، ونوارَه النهار بهاره) ([24]).

- (جرى على أعراق سؤدده، وسرى إلى آفاق أبيه على جدده، وبرى قلمه فتعطَّلت السِّهام، وأُري ضرمَهُ فأشرقت الأفهام، وأرجأ الديم المغدقة بسحابه الجهام، وطال بشماله كلَّ يمين، وأخرج بأدنى فكره كلَّ ثمين، ووطئ بقدمه كل عرنين، وافتضَّ أبكار المعاني وكلُّ عنين)([25]).

Page 6

- شعره:

الدراسة الموضوعية (الاغراض والاتجاهات):

كان ابن بليطة شاعرا مطبوعاً يشار إليه بالبنان، شعره جيد بديع حسن، تفجرت من خلاله عيون الأدب، وجواهر المعاني، فهو السحر الحلال لمجتليه، والنافث في عقد السحر لمن يعتليه.

والمتفحص لشعره يجد انه قد ركز على أغراض شعرية أكثر من غيرها، وأول هذه الأغراض الغزل الذي احتل مركز الصدارة من بينها، وشغل نسبة تتعدى النصف من مجموع هذه الأشعار، توزعت بين الغزل الحسي والعفيف، وربما كان الثاني أكثر، فغالبا ما يصف نار الهجر وألم الفراق والتحسر على الوصال:

أأبيتُ مِنَكَ بِحَسْرَةٍ وتَشَوِّقِ ِ

وَتَبِيْتُ خِلْوَ القَلبِ عَنْ مُتَعشَّق ِ

وَتَلذ ُّتَعْذيبِى كأَنَّك خِلْتَنِى

عُوْدَاً فَلَيْسَ يَطِيْبُ ما لمْ يُحـرَقِ([26])

وفي بعض الاحيان يبتديء قصائده الغزلية بذلك:

لَقَّنَتْ للمنى لَعلَّ ولَيْتُ

ولشكوى الغرام كَيْت وَكَيتُ

فبمَاذا تعللي من معِـــــلٍّ


مُؤيس مِنْ جَنابه ما ارْتَجيْتُ

قَد شَجَانِي جَفَاؤُه، وبراني

وَطَوانِي منْ حُبِّه ما طويتُ

Page 7

وردت خمس قصائد في هذا الباب، وهي لا تتسم بالطول النسبي، خلا قصيدة واحدة بلغ تعداد أبياتها واحداً وثلاثين بيتاً ابتدأها بوصف الرحلة إلى المحبوب ومن ثمَ دخل إلى غرضه الأساس، فاغلب قصائده ذات دخول مباشر، وتوزعت بقية أشعاره بين النتفة والمقطوعة، والملاحظ انه كثيراً ما كان يتغزل بفتاة نصرانية تدعى نويرة:

فيخال العَـذوُلُ أنِّـيَ حَــيٌّ

وَأَنا مِنْ هَوَى نُوَيْرَة مَيْتُ([27])

حتى انه يلهج باسمها في قصيدة واحدة ثلاث مرات:

فعسـى أن تـرى نُـوَيْـــ


ـرة والعينُ تَخْتَلِجْ

فيقول في نهايتها:

فـالـهــوى فـي نُوَيْـرَة


غَرَّق العَيْن َفي لُجَجْ

وفُــؤادِي الــى نُويـــ

ـرة َما دُمْتُ منزعجْ

والملاحظة الثانية ترتبط بالملاحظة الأولى، فذكره لهذه الفتاة النصرانية جعله يذكر مظاهر الدين النصراني في شعره:

وتحرَّج فَقتْلُنَا

في أناجِيلِكُم حَرَجْ

فَبعِيسَى بن مَرْيَم ٍ

وبما فيكُم نَهَجْ

والصليبِ الَّذِي عليـ

ـهِ - على زَعْمكم - عَرَجْ

وبتثليثك الذي

ليس بالعَقْل ِيَزْدَوِجْ

وفصوحَاتِك الَّتي

بك تُزْهَى وتَبْتَهِجْ ([28])

Page 8

والملاحظ ان هناك شبه بينه وبين ابن الحداد (ت480هـ)([29]) في التغزل بهذه الفتاة، وقد ذكر صاحب الذخيرة في ترجمة ابن الحداد ان اسمها الحقيقي هو جميلة، وكان يصحفه إلى خميلة ([30])، (وكان يسميها نويرة كما فعله الشعراء الظرفاء قديماً في الكتابة عمَّن أحبوه وتغيير اسم من علقوه) ([31])، ولقد أكثر ابن الحداد من ذكر نويرة في شعره ([32])، وكذلك فعل ابن بليطة ([33])، وعلى هذا الأساس هل من الممكن ان نجزم بان هذه القصيدة أو غيرها هي لابن الحداد، ولاسيما ان صاحب الذخيرة الذي نقل عنه جامع شعر ابن الحداد (د.علي يوسف الطويل) هو اقرب إلى عصر الشاعرين، وبالتالي أوثق نقلاً. الجواب لا يمكن ان نجزم بذلك؛ لان الغلط وارد وان قرب العهد، مع استفاضة الأخبار عن ابن الحداد، وقلَّتها عن ابن بليطة !، ولو كان الأمر كذلك فلماذا لم يشر صاحب الذخيرة أو غيره إلى بقية القصائد التي ذكر فيها ابن بليطة تلك الفتاة، وانفرد صاحب الخريدة بذكرها، وابن الحداد لم يقتصر على هذه الكنية في شعره، وانما كنَّى بأسماء أخرى كما ذكر جامع أشعاره:(واذا ما ذكر في غزله أسماء فتيات مثل لبينى، ولبنى، وسليمى، ومهدد، فانه يرمز بها إلى محبوبته المذكورة؛ لأنه لم يكن يريد ان يصرح باسمها الحقيقي... والتصريح بأسماء النساء المعشوقات في شعر الغزل لم يكن ظاهرة منتشرة في عصر الشاعر، ولا في العصر السابق، عصر الدولة الأموية بفترتيها:الإمارة والخلافة) ([34])، فهل حذا احدهما حذو الآخر في هذا الباب، ولاسيما انهما كانا شاعرين متعاصرين، فقد كانا من شعراء المعتصم بن صمادح، وان كانت هذه المسألة فيها نظر، فالمعتصم ولد سنة 429هـ، وابن بليطة توفي سنة 440هـ اي انه كان شيخاً كبيرا عندما عاصر ابن صمادح وهو حدث صغير في الحادية عشرة من عمره، وابن الحداد توفي سنة 480هـ اي قبل ابن صمادح الذي توفي 484هـ، فكان معاصرا له بحق، وشاعر بلاطه في اوج عظمته لذلك استفاضت عنه الأخبار، والفارق بين وفاة ابن بليطة وابن الحداد اكثر من أربعين سنة اي ان الأول اسبق من الثاني بكثير، ولم تذكر الكتب التي أشارت إلى ابن الحداد سنة ولادته، او ما إذا كان قد عمَّر طويلا، أو ما إذا كان قد التقى ابن بليطة، ولو كان الأمر كذلك، فإنه يكون قد عاصره في أخريات أيامه، ومن غير المعقول ان يتأثر السابق باللاحق ولاسيما ان ابن بليطة كان في نهاية العقد الثامن او التاسع من عمره، والشعراء يميلون إلى الزهد كثيراً في أشعارهم في هذه الفترة، ربما كان الأمر كذلك، وربما كان عائداً إلى الخلط بين أوراق الشاعرين، الذي قد يكون من أسبابه ايضاً ورود ترجمة الشاعرين في بعض المصادر مترادفة ([35]).

اما الباب الآخر فهو باب الوصف، والملاحظ انه في اغلبه جاء على شكل نتف ومقطعات خلا بيت يتيم واحد، فجاءت هذه الأشعار على شكل ومضات سلط الضوء فيها على أشياء معينة وقع عليها ناظره، فيصف النفط والزورق والياسمين مع النارنج والروض وقوس الله مع الثلج، والساقي الذي خصه بأكثر من مقطوعة، وفي مواضع أخرى يصف ثقيلاً أو يوماً ماطراً أو محبوباً أو مجلس شرب او شمعة ([36])، فله في وصف الانفاط التي كانت تستعمل سلاحاً في حرق سفن الأعداء:

والنفط مهما افترَّ فوهُ فاغرا

أجرى لسانَ النار فوقَ الماءِ

فكأنه ذهبٌ بدا في صارمٍ

أو رَجعُ برقٍ في أديم سماءِ([37])

وقد أجاد في هذه الأوصاف كما أراد، وأشعاره في الوصف تكاد تغطي ما تبقى من شعره إذا أخذنا بنظر الاعتبار ان قصائده المدحية تحوي من الغزل والوصف الشيء الكثير والذي يطغى على الغرض الاساس؛ لان قصيدته في مدح المعتصم بن صمادح قد اعتراها الانتقاص .

وله في باب المديح قصيدتان: الأولى في مدح المعتصم بن صمادح (وهي من أطول قصائده)، والثانية في مدح المعتضد، والشيء المستغرب هو وجود هذين النصين فقط مع ما ذكر سابقاً من انه طاف الجزيرة شرقاً وغرباً، وكان من الشعراء المنتجعين، وتردد على ملوك الطوائف، وانه مدح ملوكاً طوَّقهم من مدائحه قلائد، ومعظم أشعاره في بني صمادح، فهو شاعر المعتصم بن صمادح، ومجازيه المنائح بالمدائح، فمع كل هذا الكلام وكل ما قيل لا نجد إلا هذين النصين في باب المديح، وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على ان شعر ابن بليطة قد ضاع ولم يصل إلينا منه إلا بعض ما تفرَّق في بطون الكتب هذا ان ذكرت المدة الطويلة التي عاشها مقارنة مع ما وصل من شعره.

Page 9

وأولى هذه القصائد قصيدته الطائية في مدح المعتصم بن صمادح، وقد ابتدأها بذكر طيف الخيال:

برامة ريم زارني بعدما شطا

تقنَّصته في الحلم بالشط فاشتطا

ومن ثم ينتقل إلى التغزل بطيف الخيال ذاك، وكأن من يحب حاضر بين يديه، وقد استغرق ذلك الأبيات الثمانية الأولى، ومن ثم ينتقل إلى لوحة أخرى غير مألوفة ألا وهي وصف الديك:

وقام لنا ينعى الدجى وشقيقه

يُدير لنا من بين أجفانه سقطا

وقد استغرقت هذه اللوحة الأبيات الستة التالية، ومن ثم يعود في اللوحة الأخرى إلى الغزل:

توهم عطف الصدغ نوناً بخدَّه

فبات بمسك الخال ينقطه نقطا

فيذكر الصدغ، والخد، والخال، وبرد الثغر، والغدائر، والجفون، والشفاه اللعس، والألحاظ المحيرة في خمسة أبيات أخرى، ومن ثم ينتقل إلى وصف العذار وبعده الغمامة التي بروقها سلاسل من ذهب في الظلام، والتي اتخذ منها مدخلا لغرضه الأساس:

وسارية خلنا تلألؤ برقها

سلاسل تبر والظلام قد اشمطا

فيصف الجو الماطر بالبحر لشدة هطول المطر فيه، وكأنه وهو يتساقط على الأرض والروض نثير المسك من بين جنباتها، فيصل إلى الذروة من خلال حسن التخلص حين يربط بين هذا الحيا وحيا الممدوح:

حياً البس البستان وشياً مرصًّعاً

ومدَّ على العقيان من سندس بسطا

كأن ابا يحيى بن معن اجازها

فعلَّمها من كفِّه الوكف والبسطا

Page 10

واغلب معانيه وألفاظه مأنوسة مألوفة في الشعر العربي، فالممدوح يفوق في جود كفِّه الغيث وزيادة بل هو الذي علمه الوكف والبسط، ونجاره درٌّ وشذر، فهو قلادة على جيد العليا، وتمجدت تربته أينما حل، وهو كريم يوقد النيران للاضياف لكي يهتدوا بها (وهذا المعنى جاهلي اتبع فيه الشاعر سنن من قبله من الشعراء في الدلالة على كرم الممدوح)؛ لانه مسقط الندى، ومقصد الركبان، فلا يستطيع احد مع هذه الصفات ان يناقض وينافس الممدوح بكل حال حتى يصل إلى مبلغ من المبالغة يصل حدَّ الشطط:

ولو قابل الشمس المنيرة اظلمت

سناها ولو أوما إلى البدر لانحطا([38])

وقد اقتصرت أبيات المديح على سبعة أبيات من مجموع اثنان وثلاثون بيتاً، وهذا ليس بشيء لان هذه القصيدة طويلة تربو على التسعين بيتاً ولم يصل منها إلا هذا العدد من الأبيات كما ذكر ابن خلكان ([39]).

أما القصيدة الثانية في مدح المعتضد، ويبدو من خلال أبياتها ان هناك جفوة كانت بين الممدوح وبين الشاعر سببها بعض المغرضين الذين حسدوه على مكانته، وهي قصيدة ذات دخول مباشر:

عليك عقلت مطي الاملْ

وفيك اعتقلت زرق الاسل

وكأنه يعرِّض من خلال الاستعارة (مطي الأمل) بذكر الرحلة إلى الممدوح التي أتى على ذكرها الكثير من الشعراء، فأصبحت ديدن من جاء بعدهم، وهو من خلال كيل المديح والثناء وإسباغ صفات العلا والمجد والرفعة والشجاعة في ترويع سرب العدا، والتبحر في معين الجدا إنما يحاول في عتاب رقيق ان يصف حاله وما صار إليه مآله، وهو في كنفه وإليه قد حطَّ رحاله، وظاهر الأمر ان هناك جفوة بينه وبين الممدوح نجح اعداؤه وحاسدوه في ان يوقدوا جذوتها، فهو يكرع في وشل، ويمدح نفسه في شعره للمرة الأولى واصفاً شجاعته ونصرته لذاك الممدوح:

فتى سايرتك أمانيه من

أقاصي الشواهق ِحتى نهَلْ

أعدَّ لأعدائكم صَعدَة ً

ونصلا ًجُرازاً وطِرفاً رفَلْ

جهازُ ابن هيجاء عَلاَّمَة ٍ

بطعن ِالكُلَى وبضربِ القلَلْ

وشَختِ الحَواشِي لمن سَامَهُ

رُحابِ الخليقةِ في من يحُلْ

تنسَّمْ إذا شِئتَ ريحَانَة ً

وهُزَّ إذا شِئتَ عضباً أفَلْ

فَمِثْلِي لَدَى مَلِكٍ مَاجِدٍ

يُهانُ ويُقصى لكي يرتحلْ؟

فكانت النهاية الرحيل إلى رحاب المعتصم بن صمادح، ولم ينس ان يختم القصيدة بما يناسب المقام بالدعاء للمعتضد:

فلا غِيضَ بَحرَك غيثُ الورَى

فنحنُ الرِّياضُ وأنتَ السَّبِلْ ([40])

أما الباب الأخير فهو الهجاء الذي لم ترد فيه سوى مقطوعة
واحدة من أربعة أبيات في هجاء شخص يدعى يوسف:

رأيتُ ليوسُفَ في بيته

فَخرَّبَه اللهُ بينَ البيوتْ([41])

ولا أظن ان شعره قد اقتصر على هذه الأغراض ولكن ما ضاع من شعره كان له دور في ذلك.