eKtab
EN ع
معابر الحضارة الإسلامية إلى أوروبا
Read free sample

معابر الحضارة الإسلامية إلى أوروبا

by محمد فاروق الإمام

Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
 
متعة روحية خالصة، وأنا أتجول في عباب التاريخ مع أخي محمد فاروق الإمام الذي أخذ بيدي في أبهاء العصور الماضيات الخالدات، ليطلعني على مشرق حضارة الغرب، وأنها ما كان لها أن تشرق إلا من المشرق الإسلامي. وإن أفولها سيكون من الغرب، لأن علائم سقوطها لم يعد سرا يذاع، ولا خبرا يلقى، إنما ظاهرة تدرس ويتداعى عقلاء الغرب لمعالجة البناء قبل الانهيار. ولم يدعني أخي فاروق إلا وتجول بي في كل صقع وكل واد مع فن من فنون حضارتنا الإسلامية، بحيث كدت أعتب عليه أنه لم يسر بي في أعظم ما قدمه الإسلام للبشرية، وهي شريعة العدل، والرحمة المهداة للبشرية. لولا أن تدارك الأمر فكانت آخر جولاته مع أثر الحضارة الإسلامية في الحضارة الغربية في مجال القيم والأخلاق، وهي التي تحتاج إلى سفر خاص لعرضها، ومتابعة آثارها في بناء الإنسان الغربي.
 
وقبل أن أودع الأخ محمد فاروق لا بد أن أشير إلى أنه أبدع في مجال الجمع والانتقاء، وهو في رأيي الميزة الكبرى لهذا الكتاب النفيس، حيث قدم أهم المعلومات في أوجز الاختيارات. وكان لتنوع ما يعرض علينا وما ضم الكتاب احترام هذه الجهود الدؤوبة، خاصة وهو يؤرخ لمواضيع عويصة معقدة، فيقدم عليها بشجاعة ومغامرة نادرة، غير هياب ولا وجل.
 
سائلا الله عز وجل أن ينفعنا وينفع الجيل المسلم والأمة المسلمة، بهذا الإنتاج المتنوع، وأن يأخذ بيدنا للبحث عن هويتنا من جديد، وننتقل من التطفل على موائد الغرب إلى موقع العطاء والإبداع، لنكون أساتذة البشرية بحق كما كان أسلافنا كذلك. والله المسؤول أن نرى بأعيننا هذا العطاء الجديد الذي بدأت بواكيره وبوارقه تلمح على الأفق.
 
وإذا رأيت من الهلال نموه … أيقنت أن سيصير بدراً كاملا
 
ويحضرني وأنا أتابع باهتمام هذه اللقطات الممتعة من أخي محمد فاروق ما قاله الرصافي وهو يتحدث عن الفخر للأمة بقوله:
 
وخير الناس ذو حسب قديم … أضاف لمجده حسباً جديدا
 
وشر الناس ذو حسب قديم … إذا فاخرته ذكر الجـدودا
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
Page 2
المقدمة
 
من رحم المعاناة التي نعيشها كمسلمين وعرب، رحت أبحث عن الدوافع التي تجعل الغرب يفعل بنا ما يفعله على مستوى الإنسان والأرض، واستغرق بحثي هذا فترة طويلة عشت نهارها وليلها مع صفحات ما كتب قديماً وحديثاً حول العلاقة التي قامت بين المسلمين العرب وبين الغرب، من بداية الفتح الإسلامي العربي لبلاد الشام ومصر، وحتى خروجهم من الأندلس (إسبانيا حاليا).
 
وركزت خلال مطالعتي على ما كتبه أبناء الغرب عن تلك الفترة من حياة العلاقات بين الأمم، ومن بينها علاقة الحضارة الإسلامية العربية بالغرب، فوجدت العجب العجاب مما قدمه العرب - الذين أفاء الله عليهم بنور الإسلام - من خدمات جُلّى ومن أيادٍ بيضاء أزاحت ظلمة الليل الطويل عن حياة أوروبا بفضل ما قدموه لهم من علوم ومعارف شملت كل مناحي الحياة من إنسانية ورياضية وفلكية وطبية وفنية وخُلقية وفروسية.
 
وراحت أوروبا - بفضل هذه العلوم وهذه المعارف - تنفض عن كواهل شعوبها غبار التخلف والجهل، وتزيل كوابيس ظلم الإنسان للإنسان، وَتفشّي الخُرافة والسحر والشعوذة، وتقف في وجه الصلف الكنسي ورجالاته الذين تبلدت عقولهم عن فهم المعاني العظيمة التي جاء بها السيد المسيح عليه السلام، الذي كان يُحرِّم كتم أنفاس الناس والحجر على عقولهم. ولكن - ويا للأسف الشديد - بدلاً من أن يكافئ الغرب المسلمين العرب على ما قدموه لهم من علوم ومعارف وخدمات ساعدتهم على الخروج من ظلمة النفق الطويل الذي عاشوا فيه لقرون طويلة لينعموا بفوائد هذه العلوم وهذه المعارف ردحاً طويلاً من الزمن.. امتد من بداية القرن السابع الميلادي وحتى أوائل القرن الثامن عشر الميلادي. أقول - ويا للأسف الشديد - كانت مكافأة الغرب للمسلمين على هذه الخدمات الجلى التي قدموها لهم، كمكافأة (النعمان لسنمار).
 
لقد مدَّ الغرب للمسلمين العرب أيدٍ وبها سكاكين مشحوذة يمزقون بها أوصالهم، ويقطّعون بها أرضهم، ويسلبون بها خيرات أوطانهم، ويحيكون بها المؤامرات للفتك بهم أنى استطاعوا إلى ذلك سبيلا، من بداية القرن السادس عشر الميلادي وحتى اليوم عبر محاكم التفتيش التي أقاموها لهم في الأندلس، وحملات الاحتلال البرتغالي والفرنسي والإنكليزي والإسباني لبلادهم، ومن ثم الاستعمار الطويل الذي جثم الأوروبيون من خلاله على صدر هذه الأمة، وأحالوها إلى شذر مذر، يمتصون خيرات أرضها، ويعبثون بعقول أبنائها فساداً، زارعين في صفوفهم النزاعات والشقاقات والخلافات العرقية والإقليمية والقطرية والدينية والمذهبية والطائفية، ولا يزال الغرب يتحكم بهذه الأمة بعد أن زرع في قلبها وطنا مغتصبا لليهود في فلسطين، وتمكن من تمزيق الراية المسلمة الواحدة - عندما تقاسم بموجب اتفاقية (سايكس بيكو) أراضي الدولة العثمانية، فيما قام أحد من تربوا على عيونه (أتاتورك) بإلغاء الخلافة العثمانية - تلك الراية التي قادت مشاعل النور لتزيل دياجير الظلمة عن أوروبا - كما سماها ملك إنكلترا عندما بعث بابنة أخيه على رأس بعثة إلى الأندلس لتنهل من علوم العرب المسلمين - وتبدد عن شعوبها ظلمة التخلف والانحطاط، وتخرجهم من أقبية العبودية والشعوذة إلى فضاء الحرية والعزة والكرامة.
Page 3
وخرجت بعد البحث الطويل والمتعمق بفيض كبير من المعلومات التي تحكي فصول هذه القصة الإنسانية، التي كان أبطالها شموساً تضيء أينما رحلت وحيثما حلت، وهي تحمل أنقى وأطهر المعاني الإنسانية الصافية، ولتنتهي هذه القصة على أيد الغرب اللئيمة الملوثة بقاني الدم المسلم.
 
ووجدت أن من الوفاء لتلك العقول النيرة، صاحبة القلوب الصافية التي احتضنتها نفوس أحبت الخير للبشرية جمعاء، فوهبت بلا ثمن، وأعطت بلا أجر، فتجمّع لدي الكثير من المعلومات القيمة الثمينة، فجعلت منها كتابا كل ما فيه يشير إلى لؤم الغرب الحاقد، ويتغنى بفضل المسلمين عليه، وسميته (علوم المسلمين شموس سطعت في سماء أوروبا). ثم عدلت عن تلك التسمية فيما بعد وسميته (معابر الحضارة الإسلامية إلى أوروبا)، وقسمته إلى ثمانية فصول شملت معابر الحضارة الإسلامية العربية إلى الغرب، والعلوم التي أخذها الغرب عن المسلمين، عبر المؤسسات الثقافية الإسلامية، ومدى تأثر جامعات الغرب بالجامعات الإسلامية.
 
وتوخيت الموضوعية العلمية في استنباط هذه المعلومات من مصادر شتى، طلبا للحقيقة دون مبالغة، وركزت بشكل واضح على ما كتبه الغرب وفلاسفته ومفكروه ومستشرقوه، واعترافاتهم بفضل المسلمين على الغرب بما ينعم به الآن من تقدم وعلوم ومدنية.
 
ولا بد للغرب أن يعترف - وهذا ثابت وموثق في بطون كتب التاريخ العربية والغربية - أن المسلمين هم أول من اكتشف القهوة وجعلها مشروباً عالمياً. حدث ذلك عندما كان عربي اسمه خالد يرعى أغنامه في منطقة بجنوب أثيوبيا حيث اكتشف أن أغنامه صارت أكثر حيوية بعد تناولها نوعاً من الحبوب، فأخذ بعضاً منها وغلاها ليصنع منها أول مشروب للقهوة. وكان الصوفيون أول من استورد القهوة من أثيوبيا إلى اليمن حيث كانوا يشربونها كي يسهروا طويلاً للتعبد والصلاة. وفي نهاية القرن الخامس عشر وصلت القهوة إلى مكة وتركيا ومن ثم إلى البندقية في إيطاليا. وفي منتصف القرن السابع عشر وصلت إلى إنجلترا بواسطة شخص تركي حيث فتح أول محل لبيع القهوة في شارع لامبارد بلندن.ومن ثم أصبح اسم القهوة التركية (كهفي) وبالإيطالية (كافا) وبالإنجليزية (كافي).
 
وأن ابن الهيثم عالم الرياضيات والفلك والفيزياء هو مخترع الكاميرا التي تعتبر عماد الحياة الإعلامية الحديثة، وقد أخذت اسمها من كلمة (قمرة) العربية وتعني الغرفة المظلمة أو الخاصة.
 
وأن الفلكي والشاعر والموسيقي والمهندس عباس بن فرناس كان قد سبق الأخوين رايت بألف عام في صناعة آلة الطيران. وقد طار لأول مرة من على مئذنة في مدينة قرطبة مستخدما عباءة محشوة بمواد خشبية، وقد كانت عباءة بن فرناس أول مظلة في التاريخ، ثم اخترع مظلة أخرى من الحرير وريش النسور وطار فيها من أعلى جبل وبقي في الجو لمدة عشر دقائق ثم سقط، واكتُشف فيما بعد أن سبب سقوطه يعود إلى عدم صنع ذيل لطائرته.
Page 4
وأن المسلمين هم أول من طوّروا الصابون الذي نستخدم اليوم وأضافوا له الزيوت النباتية وهايدروسيد الصوديوم كعطر الزعتر. بينما تفوح من أجساد الصليبيين الذين غزوا الأرض العربية روائح كريهة للغاية حسبما يقول مسلمو ذلك الزمان. وقد جلب الشامبو إلى إنجلترا لأول مرة شخص مسلم وقد عُين فيما بعد في بلاط الملكين جورج وويليام الرابع لشؤون النظافة والشامبو.
 
وأن جابر بن حيان هو مخترع الكيمياء الحديثة وإليه يعود الفضل في صناعة كل أجهزة التقطير والفلترة والتبخير والتطهير والأكسدة المستخدمة هذه الأيام.
 
وأن الفضل يعود إلى المهندس الجزائري في تصميم أهم الاختراعات الميكانيكية في تاريخ الإنسانية، فهو الذي صمم أول صمامات عرفها الإنسان وهو الذي اخترع الساعات الميكانيكية وهو أبو علم الآليات والتسيير الذاتي الذي تقوم عليه الصناعات الحديثة. وللتذكير أيضاً فهو أول من اخترع القفل الرقمي الذي نراه الآن مستخدماً في الحقائب والخزائن.
 
وأن أول من صنع المواد العازلة هم المسلمون، وهم الذين ابتكروا الألبسة المحشوة بمواد عازلة التي كان وما زال يرتديها العسكريون.
 
وأن المهندسين المسلمين هم أولُ من صمموا الأقواس الهندسية التي أخذها عنهم الغرب فيما بعد في علم هندسة البناء، ولولا العلوم الهندسية الإسلامية لما شاهدنا الكثير من القلاع والقصور المنيفة والأبراج الهائلة والكاتدرائيات في بلدان الغرب.
 
وأن كل الأدوات المستخدمة في الجراحة والتشريح اليوم هي نفسها التي اخترعها العالم الزهراوي في القرن العاشر. وأن المئتي أداة التي يستعملها الأطباء اليوم هي من تصميم الزهراوي. وهو أول من اكتشف الخيوط المستخدمة في العمليات الجراحية والتي تذوب في الجسم بعد العملية.
 
وأن ابن النفيس هو الذي اكتشف الدورة الدموية في القرن الثالث عشر قبل هارفي بثلاثمائة سنة.
 
وأن العلماء المسلمين هم أول من اخترع (البنج) أي المخدر الطبي الذي يعطى للمرضى قبل إجراء العمليات الجراحية، وهم الذين مزجوا الأفيون بالكحول للغرض نفسه.
 
وأن المسلمين هم أول من اخترع الطاحونة الهوائية لطحن الذرة والري. ولم تعرفها أوروبا إلا بعد خمسمائة سنة.
 
وأن أول من اكتشف التلقيح والتطعيم الطبي هم المسلمون وليس باستور الفرنسي. وقد أوصلته إلى أوروبا زوجة السفير البريطاني في اسطنبول عام 1724م.
 
وأن الأتراك كانوا يلقحون أطفالهم ضد بعض الأمراض المميتة قبل الأوروبيين بأكثر من خمسين عاماً.
Page 5
وأن الفضل يعود إلى سلطان مصر الذي طلب تصنيع قلم حبر لا يوسخ الأيدي والملابس فجاء اختراع أقلام الحبر الناشف التي تستخدم على نطاق واسع في كل أنحاء العالم الآن.
 
وأن نظام الترقيم وضعه الخوارزمي والكندي. وأن الخوارزمي هو واضع علم الجبر. وأن العالم الإيطالي فيبوناتشي هو الذي نقل علم الحساب العربي إلى أوروبا بعد أكثر من ثلاثمائة سنة على اكتشافه عربيا. والمؤسف أنه معروف في الغرب على أنه مكتشفه لا ناقله.
 
وأن عالماً مسلماً هو مكتشف اللوغاريتمات. وأن مكتشف أصل علم المختصرات عربي.
 
وأن علي بن تافي الملقب بزرياب هو الذي وضع أسس التغذية الحديثة، فهو الذي جاء من العراق إلى قرطبة بفكرة الوجبة الثلاثية التي تتألف من الشوربا والصحن الرئيسي من اللحم أو السمك ثم الفاكهة والمكسرات. وهو الذي طور أيضا كؤوس الكريستال التي عمل على اختراعها في البداية عباس بن فرناس.
 
وأن المسلمين هم أول من وضع علم النسيج والحياكة والسجاد تحديداً، بينما كانت أرض المنازل في أوروبا من التراب والسطوح البدائية. وقد انتشرت السجاجيد فيما بعد في الغرب انتشار النار في الهشيم.
 
وأن كلمة (شيك) الإنجليزية أصلها عربي، فهي مأخوذة عن كلمة صك، أي التعهد بدفع ثمن البضائع عند استلامها وذلك تجنباً لتداول العملة في المناطق الخطرة. وفي القرن التاسع كان رجال الأعمال المسلمون يأخذون الكاش مقابل شيكاتهم في الصين المسحوبة على حساباتهم في بغداد. وهذا يعني أن المسلمين هم أول من وضعوا أسس الاقتصاد المالي.
 
وأن ابن حزم هو أول من اكتشف أن الأرض كوكب يدور قبل العالم الغربي غاليلي بخمسمائة عام، وأن الفلكيين العرب كانوا يحسبون حركة الأفلاك بدقة متناهية. وهل يمكن أن ينسى الغرب العالم الإسلامي الإدريسي الذي قدم للملك روجر في صقلية الإيطالية كرة أرضية مرسوما عليها أقاليم وبلدان العالم في القرن الثاني عشر.
 
وأن العلماء المسلمين هم أول من استخدم البارود للأغراض العسكرية بإضافة البوتاسيوم له، وهم أول من صنع صاروخا ينفجر في سفن الأعداء عند إصابتها.
Page 6
وأن المسلمين هم أول من صمموا الحدائق للتمتع بجمال الطبيعة والاسترخاء بينما كان الغربيون يستخدمونها فقط لزراعة الأعشاب والخضار والبطيخ. وأيضاً هم أول من زرع الزنبق والفل الذي يزين حدائق أوروبا هذه الأيام.
 
هذا غيض من فيض من المآثر العلمية الإسلامية التي يحيا عليها العالم المعاصر والموثّقة غربيا.
 
كل هذه المآثر الحضارية الكبيرة لم تشفع للمسلمين عند الغرب الذي قطف ثمارها وهو يتنعّم بها دون أن يرد بعض الجميل للعرب المسلمين الذين نقلوا لأجدادهم هذه الحضارة العظيمة، بل بعكس ذلك كان جزاء المسلمين شن الحروب عليهم ومحاولة اجتزاز شأفتهم وإبادتهم وتهميشهم ونهب ثرواتهم ومحاولة تجهيلهم، وهل كان المسلمون يستحقون كل هذا التنكر اللئيم الذي يشبه إلى حد بعيد جزاء النعمان لسنمار ؟!!
 
ولا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر لكل الأخوة الذين شجعوني في متابعة كتابة فصول هذا الكتاب من البداية وحتى النهاية، وأخص بالذكر شيخي الفاضل منير الغضبان الذي راجع الكتاب وأبدى ملاحظاته القيمة التي أعانتني في إخراج هذا الكتاب، كما وشرفني في كتابة تقديم له. أيضا أذكر بالعرفان والجميل أخي وصديقي الأستاذ عبد الرزاق بطحيش الذي أمدني بكثير من المراجع والمصادر من مكتبته التي يشرف عليها في كلية المجتمع الإسلامي بالزرقاء، والتي أعانتني وسهلت لي تخطي الكثير من العقبات ليرى كتابي هذا النور.
 
ختاما أرجو من القارئ الكريم أن يكون لي عونا في قابل الأيام عند تقييمه لكتابي هذا وأن يكون منصفا بالنقد، معترفا بقصوري عن الإلمام بكل الحقائق والأحداث والمعلومات، مقراً بعدم العصمة عن الخطأ والوقوع فيه.
 
(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب).
 
محمد فاروق الإمام
Page 7
تمهيد
 
من المؤكد لكل باحث منصف أن يعترف أن المسلمين الذين اندفعوا من شبه الجزيرة العربية في القرن الأول الهجري/السابع الميلادي، ليشيدوا دولة واسعة مترامية الأطراف، امتدت من المحيط الهندي والصين شرقا، إلى حدود المحيط الأطلسي وفرنسا غربا، لم يكونوا كغيرهم من الشعوب الهمجية التي انسابت من جوف القارة الأوروبية (كالفيكنج)( ) أو (الجرمان)( ). أو من جوف القارة الاسيوية (كالمغول)( )، والتي لا ترتبط أسماء هذه الشعوب في التاريخ إلا بالغزو والنهب والوحشية والعنف وسفك الدماء وقهر الشعوب، والقضاء على كل أشكال المدنية، من تخريب للمدن، وحرق للكتب، وتدمير لدور العلم، والقضاء على كل أشكال الحضارة والمدنية والثقافة والمعرفة عند شعوب البلدان التي دخلوها.
 
ولقد تأكد لكل عاقل منصف أن المسلمين لو كانوا مثل هذه الشعوب المتوحشة البدائية لكان العالم قد حُرم من ذلك المعين الصافي الذي أمدَّ أممه وشعوبه بنور المعرفة، في الوقت الذي كان فيه هذا العالم أحوج ما يكون إلى ذلك العلم وتلك المعرفة بعد أن خبت حضارة اليونان واندثرت مدنيتي الرومان والفرس، وانزوت حكمة الهند، وانغلقت معارف الصين وثقافتها خلف سورها العظيم.
 
ولم يفعل الفاتحون المسلمون ما فعله الغزاة المتوحشون في أوروبا عندما دخلوها( ) ، ولم يفعلوا ما فعله المغول في (بغداد) و (حلب) و (دمشق) عندما غزوها، فقد كانت تسير الحضارة في ركاب الفاتحين المسلمين أينما اتجهوا، وتصاحبهم حيثما حلوا.
 
لقد كان الحال التي آل إليه الشرق والغرب قبل أن يبزغ نور الإسلام في سماء الجزيرة العربية يرثى لها من جهل وتخلف، ومنازعات وحروب، فاستحالت بعد الفتح الإسلامي منارات حضارية، يشع منها نور العلم، وبريق المعرفة.
 
لقد كانت أوروبا تعيش حياة شاقة وسيئة، رغم ظهور قوى سياسية متعددة في بعض بلدانها. وقد طفحت أوروبا بالعيوب والآثام، وتحلّلت من النظافة وتهربت من العناية بالإنسان والمكان، وزخرت بالجهل والفوضى والتناحر، وشيوع الظلم والاضطهاد، وعاشت في ظلام وهمجية وقسوة، وفشت فيها الأمية، ونشبت فيما بين شعوبها الحروب الطاحنة الضروس، فلم يُسمع بحرب قامت لمئة عام متواصلة إلا على أرضها. وتغوّل الحكام على الشعوب بما عرف بعهد الإقطاع، وكانت للحروب مسرحا وللاضطهاد ميدانا. وقد أوجز (رينو) ( )حالة أوروبا في تلك العصور قائلا: (قد افترستها الفوضى وطحنتها المحنة، فهي غائصة في فتن كقطع الليل المظلم) ( ).
Page 8
أما حياة الناس في أوروبا فقد كانت تعسة وشاقة وكئيبة، تموج دنياهم بالمناكر والسيئات، وهم عليها مقيمون وبها يتعاملون، بل لعلهم غدوا بذلك يتفاخرون ويتنافسون، وأضحى الحال عاما وعلى كل مستوى وإطار.
 
بدأ هذا الدرك - من الهبوط الإنساني العام - واضحا في جنبات حياتها، وملموسا في غاراتها على الشرق الإسلامي خلال قرنين من الحروب الصليبية. بدت ظواهر هذا الهبوط في الفكر والعلم والثقافة، والخُلق وأسلوب التعامل والتصرف، والنظرة إلى الآخرين وإلى الإنسان والالتزام بالقيم والعهود وكانوا عراة في الفكر والنفس والخُلق.
 
كان حال أوروبا هكذا عامّا، حتى في الطبقات العليا عندهم من الزعماء والحكام والسادة والنبلاء والإقطاعيين والرهبان - محتكري المعرفة القليلة المحدودة - دلَّ على ذلك المصادر الوفيرة المتواترة الأخبار.
 
يقول (لوبون) ( ): (إذا رجعنا إلى القرن التاسع والقرن العاشر من الميلاد، حين كانت الحضارة الإسلامية في إسبانيا ساطعة جدا، رأينا مراكز الثقافة في الغرب كانت أبراجا يسكنها (سنيورات) متوحشون يفخرون بأنهم لا يقرؤون، وأن أكثر رجال النصرانية معرفة كانوا من الرهبان المساكين الجاهلين، الذين يقضون أوقاتهم في أديرتهم ليكشطوا كتب الأقدمين النفيسة بخشوع، وذلك كيما يكون عندهم من الرقوق ما هو ضروري لنسخ كتب العبادة).
 
ويتابع (لوبون) قائلا: (ودامت همجية أوروبا البالغة زمنا طويلا من غير أن تشعر بها. ولم يبد في أوروبا بعض الميل إلى العلم إلا في القرن الحادي عشر وفي القرن الثاني عشر من الميلاد، وذلك حين ظهر فيها أناس رأوا أن يرفعوا أكفان الجهل الثقيل عنهم، فولوا وجوههم شطر العرب الذين كانوا أئمة وحدهم..)( ).
 
أما (ترند) فيقول: (من الثابت أنه بينما كانت أغلب أوروبا ترزح تحت نير الشقاء والعناء، ماديا وروحيا، أقام المسلمون في الأندلس حضارة زاهرة وحياة اقتصادية منظمة. لعب الأندلسيون دورا حاسما في تطور الفن والعلم والفلسفة والشعر، وأثرت حتى في أرفع أعلام الفكر النصراني للقرن الثالث عشر، كما عند (توما الأكويني ودانتي) فكانت إسبانيا - مرة - مشعل أوروبا)( ).
 
ويصف المؤرخ (ول ديورانت)( ) العالم الغربي ما بين عامي 565-1090م بكلمات تنم عن الحزن والإشفاق، فهو يقول: (إذا حولنا الآن نظرنا من الجانب الشرقي للنزاع الدائم بين الشرق والغرب، شعرنا من فورنا بالعطف على دولة عظيمة - يقصد دولة بيزنطة( ) - تنتابها محنتان في وقت واحد، تمزقها الانقسامات في الداخل، ويهاجمها الأعداء من جميع الجهات في الخارج. فقد كان (الآفار) و(الصقالبة) يعبرون (نهر الدانوب) ويستولون على أراضي الإمبراطورية وبلدانها؛ وكان الفرس يستعدون لاجتياح آسيا الغربية، وخسر (القوط) الغربيون إسبانيا، واستولى (اللمبارد) بعد ثلاث سنين من موت (جستنيان)( ) على نصف إيطاليا سنة 568م. وفشا الطاعون في جميع أنحاء الإمبراطورية في عام 542م، وعاد إليها مرة أخرى في عام 566م؛ وعمتها المجاعة في عام 569م، وعطلت الحروب والهمجية، والفقر، وسائل الاتصال ووقفت في سبيل التجارة، وقفت على الآداب والفنون، وعندما أراد الإمبراطور (موريق)( ) - موريس- أن يسعى لوقف التدهور الذي أصاب هذه الإمبراطورية، وأصدر أمرا يمنع الأديرة من قبول أعضاء جدد - كان الشباب يهربون من التجنيد ويلجؤون إلى الأديرة - إلا بعد زوال الخطر عن الدولة، نادى الرهبان بسقوطه. وتزعم (فوقاس) - الذي عمّر مئة عام - ثورة قام بها الجيش والعامة على الأشراف والحكومة سنة 602م، وذبح (فوقاس) أبناء (موريق) الخمسة أمام عينيه، ثم قطع رأسه، وعلقت الرؤوس الستة لتتمتع بها أعين الشعب، وألقيت جثثهم في البحر. وذبحت الإمبراطورة (قسطنطينية) وبناتها الثلاث، وكثير من الأشراف، وكان مقتلهم مصحوبا في العادة بضروب من التعذيب، فسملت أعينهم، واقتلعت ألسنتهم من أفواههم، وبترت أطرافهم، وارتكبت الفظائع التي تكررت فيما بعد أثناء الثورة الفرنسية)( ).
Page 9
إن ما ذكرناه كانت حالة عامة تشمل أوروبا شرقها وغربها وبقية العالم، قبل أن يسطع نور الإسلام، ويعم العالم شرقه وغربه، حيث أخذت خيوط هذا النور تمتد خارج مهبط الوحي (الجزيرة العربية) لتزيل عن تلك البلاد دياجير الظلمات بفضل فيضه الخيّر، بعد أن أشرقت الأرض بنور ربها، وعم فضله بلدانها، وعمّر شرعه أرجاءها.
 
أما بلدان أوروبا التي لم يصلها هذا النور، فقد ختم الله على قلبها، وبقيت تتقلب في أحضان البؤس والجهل تكتنفها مخالب رجال الكنيسة وسطوتهم، وقد حشوا عقول الناس بالأفكار الجامدة والمواقف المفجعة، وإثارتهم للحروب بين الأمم ودعوتهم إلى الحملات الصليبية.
 
وحتى نوثق هذه المعلومات بحقائق لا تقبل الشك فيها، فإننا ننقل بعض ما تركه لنا الرحالة المسلمون من أخبار ذات قيمة تاريخية كبيرة عن تلك الشعوب وأحوالها.
 
فهذا (ابن دحية الكلبي)( ) يقول واصفا حال سكان إحدى البلدان الاسكندنافية (الدانمارك)، التي كان يسكنها (النورمان)( )- وقد عرف هؤلاء في المصادر الأندلسية بالمجوس -: (فيها من المجوس مالا يحصى عددهم، وتقرب من تلك الجزيرة جزائر كثيرة، منها صغار وكبار، أهلها كلهم مجوس، وما يليها من البر أيضا لهم مسيرة أيام، وهم مجوس، وهم اليوم على دين النصرانية وقد تركوا عبادة النار، ودينهم الذي كانوا عليه، ورجعوا نصارى إلا أهل جزائر منقطعة في البحر هم على دينهم الأول من عبادة النار، ونكاح الأم والأخت وغير ذلك من أصناف الشنار. وهؤلاء يقاتلونهم ويسبونهم)( ).
 
ويصف (صاعد الأندلسي)( ) بعض سكان البلاد الأوروبية بقوله: (فهم أشبه بالبهائم منهم بالناس، لأن من كان منهم موغلا في بلاد الشمال ما بين آخر الأقاليم السبعة التي هي نهاية المعمورة في الشمال، فإفراط بعد الشمس عن مساماته رؤوسهم، برد هواءهم وكثف جوهم، فصارت لذلك أفرجتهم باردة، وأخلاقهم فجة، فعظمت أبدانهم، وابيضت ألوانهم، وانسدلت شعورهم، فعدموا بهذه دقة الأفهام، وثقوب الخواطر، وغلب عليهم الجهل والبلادة، وفشا فيهم العمى والغباءة، كالصقالبة، والبلغر، ومن اتصل بهم)( ).
 
أما (البكري)( ) فيذكر نقلا عن عمّا رواه الرحالة الأندلسي - إبراهيم بن يعقوب الطرطوشي - من أهل القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، يصف أهل بلد جليقية( ) بأنهم (أهل غدر ودناءة أخلاق، لا ينظفون ولا يغتسلون في العام إلا مرة أو مرتين بالماء البارد. ولا يغسلون ثيابهم منذ يلبسونها إلى أن تنقطع عليهم، ويزعمون أن الوسخ الذي يعلوها من عرقهم تنعم به أجسامهم وتصح أبدانهم. وثيابهم اضيق الثياب، وهي مفرجة يبدو من تفاريجها أكثر أبدانهم)( ).
 
ويؤكد هذا المعنى المؤرخ الأوروبي (لين بول)، فيقول: (تظهر المقابلة جلية غريبة بين حاضرة الأندلس وغيرها من المدن، إذا ذكرنا أن أوروبا كلها في هذا العهد كانت غارقة في حمأة من الجهل وخشونة الأخلاق)( ).
 
ويصرح هذا المؤرخ أيضا بأن (قرطبة العظيمة)( )، التي كانت أعجوبة العصور الوسطى، غارقة في الجهالة البربرية، فريسة للشقاق والحروب)( ).
 
ويحدثنا البكري عن أهل (روما)( ) قائلا: (يدبر أمرهم برومة البابه - البابا - ويجب على كل ملك من ملوك النصارى إذا اجتمع بالبابه أن ينبطح على الأرض بين يديه، فلا يزال يقبل رجل البابه ولا يرفع رأسه حتى يأمره البابه بالقيام)( ).
Page 10
إن ما سردناه من حقائق هي غيض من فيض مما حوته بطون كتب التاريخ التي اطلعت عليها، وهي تزخر بحقائق مذهلة عن أوضاع أوروبا في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي. في حين قطع العالم الإسلامي مرحلة كبيرة على هدى الإسلام، الذي كرّم الإنسان دون تفريق بين ذكر وأنثى. حيث يقول تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر)( ).
 
ويؤكد عالم النفس والاجتماع الفرنسي (جوستاف لوبون) أن أثر المسلمين الحضاري، لم يقتصر على الشرق، وإنما كان تأثيرهم في الغرب لا يقل خطورة وأهمية. فإذا كان أثر المسلمين قد تجلى في الشرق واضحا في الدين واللغة، فإن أثرهم في الغرب قد تجلى في النواحي العلمية والأدبية والخلقية( ).
 
أما المستشرق الفرنسي (جان جاك سديو)( ) فيقول في كتابه (تاريخ العرب العام): (ومهما يكن الأمر فقد نجح العرب نجاحا باهرا في القيام بدور الوسيط بين مختلف الشعوب من الفرات حتى جبل طارق.. وساعدهم على ذلك ما امتازوا به من نشاط ليس له مثيل وتسامح عظيم، ولا سيما تجاه اليهود..)( ).
 
ولقد أنصف (ديورانت) المسلمين إلى حد بعيد حين ذكر بأمانة فضلهم على أوروبا وتأثر الغرب بالحضارة الإسلامية حيث يقول: (لقد ظل الإسلام خمسة قرون من عام 700م إلى عام 1200م يتزعم العالم كله في القوة، والنظام، وبسطة الملك، وجميل الطباع والأخلاق، وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم، والتسامح الديني، والآداب، والبحث العلمي، والعلوم، والطب والفلسفة). ويقول أيضا: (وكان الفن والثقافة في بلاد الإسلام أعم وأوسع انتشارا بين الناس مما كان في البلاد المسيحية في العصور الوسطى، فقد كان الملوك أنفسهم خطاطين، وتجارا، وكانوا كالأطباء، وكان في مقدورهم أن يكونوا فلاسفة).
 
ويتابع ديورانت قائلا: (وكان المسلمون أكمل من المسيحيين، فقد كانوا أحفظ منهم للعهد، وأكثر منهم رحمة بالمغلوبين، وقلما ارتكبوا في تاريخهم من الوحشية ما ارتكبه المسيحيون عندما استولوا على (بيت المقدس)( )في عام 1099م. ولقد ظل القانون المسيحي يستخدم طريقة التحكيم الإلهي بالقتال، أو الماء، أو النار، في الوقت الذي كانت الشريعة الإسلامية تضع فيه طائفة من المبادئ القانونية الراقية ينفذها قضاة مستنيرون. واحتفظ الدين الإسلامي، وهو أقل غموضا في عقائده من الدين المسيحي، بشعائر أبسط، وأنقى، وأقل اعتمادا على الظاهرة المسرحية من الدين المسيحي)( ). ثم يقول: (لقد كان للعالم الإسلامي على العالم المسيحي أثر بالغ في مختلف الأنواع، فقد تلقت أوروبا من بلاد الإسلام الطعام، والشراب، والعقاقير، والأدوية، والأسلحة، وشارات الدروع ونقوشها، والدوافع الفنية، والتحف، والمصنوعات، والسلع التجارية، وكثيرا من الصناعات، والتشريعات والأساليب البحرية، والعلماء العرب هم الذين احتفظوا بما كان عند اليونان من علوم الرياضة، والطبيعة، والكيمياء، والفلك، والطب، وارتقوا بها، ونقلوا هذا التراث اليوناني بعد أن أضافوا إليه من عندهم ثروة عظيمة جديدة إلى أوروبا. ولا تزال المصطلحات العلمية العربية تملأ اللغات الأوروبية. وظل أطباء العرب يحملون لواء الطب في العالم خمسمائة عام كاملة، وفلاسفة العرب هم الذين
 
احتفظوا لأوروبا بمؤلفات (أرسطو)( ). وكان (ابن سينا)( ) و(ابن رشد)( ) نجمين لاحا من الشرق للفلاسفة المدرسين الذين كانوا ينقلون عنهما، ويعتمدون
 
على كتبهما، ويثقون بها ثقة لا تزيد عليها إلا ثقتهم بالنصوص اليونانية.