Page 1
معادلة الحياة
لم تكن طفولتي تحمل أحزاناً أتأسف عليها. كانت طفولة عادية لكنها أحب فترة إلي، فكثيراً ما أحنّ إليها كحنين المغترب إلى الوطن.
آخر ما ولدت أمي هي أنا، ورثت عنها شدة الخجل وعن أبي شدة الغضب؛ عن كليهما شدة التأثر، فلم أكن كائنا جيداً، إلا أن شكلي اللطيف وحلاوة صباي جعلت معظم من حولي يلاطفني ويمازحني كثيراً، أولهم كان أبي؛ لم يكن يرفض لي طلباً إلا النادر القليل لشدة إلحاحي؛ إذا أخطأت وغضب أشبعني ضرباً وإذا وجدته مسروراً كان نعم الأب. تعلقت به تعلقاً مبالغاً فيه، فلم أكن أطيق الابتعاد عنه، فقد كان مثلي الأعلى في صغري. أشد إخوتي غضباً كان الأكبر؛ كثير الظلم؛ شديد الحب للسيطرة والاستغلال لكن أفضل من يسعى لإرضاء والديّ، والوحيد من إخوتي من كان يلاعبني، وربما هذا السبب الوحيد لتعلقي به في صغري على الرغم من عدم تحملي لطبعه بعد كبري. لم يكن أبي ينصف أمي كثيراًً، كما لم يكن يرفض لها طلباً مادياً لكن دون أن يسلمها المال نقداً، فهو يقول إنّ المرأة لا حاجة لها في المال، ولها أن تطلب ما ينقصها دون المساس بالنقود. أصغر إخوتي لم يميزه شيء بقدر تميزه بالأنانية والحيلة، وبهذه الأخيرة كان سيد الدار؛ فالكلمة الأخيرة تعود إليه بطريقة غير مباشرة لشدة تأثيره على والدي على الرغم من عدم إعارته أدنى اهتمام بوالدي إلا أنه كان أقربنا إليهما لهدوئه وحسن معرفة كسب رضاهما دون أدنى تعب؛ فقد كان ولا يزال أهدأنا وأذكانا وتشابهه في صفاته هذه أختي التي تكبرني بست سنوات؛ كما أنها تحسن الملاحظة ومسايرة الغير دون التنازل عن رأيها، وكنا بذلك نكون عائلة.
كنت التقي به في القطار كل مساء عند عودتي إلى البيت وأينما كان مجلسي كان هو بالقرب منه يظل محدقاً بي، لم يكن يغير اتجاه عينيه إلا إذا وجدني أنظر نحوه، حينها يطأطئ رأسه أو يشيح بوجهه في اتجاه آخر؛ لكن على الرغم من تكرار هذه الصورة يومياً إلا أنه لم يلفت انتباهي لولا أن نبهتني إحدى رفيقاتي، لم يكن لقاء متعمداً كما لم يكن وجوده يضايقني لأنه كان كعدمه على الرغم من كثرة مدح رفيقاتي له، إلا أنني لم أدقق النظر فيه يوماً، إلى أن غاب في أحد الأيام لمدة أسبوعين تقريباً. كنت أسير باتجاه معهدي بعد خروجي من محطة القطار ثم وقفت أنظر واجهة أحد المحلات ولم أحس به إلا وهو يقول:
- أهلاً، لم أرك منذ فترة.. كيف هو القطار؟
استدرت مندهشة لجرأته فوجدته يحمل ابتسامة مشرقة؛ كان صوته مريحاً كما كان يبدو هادئاً وواثقاً من نفسه، أسلوب حديثه كان يوحي أنه مهذب ومن عائلة مرموقة وكذا وقوفه، إذ لم يحاول الاقتراب مني بل باعد بيني وبينه بمسافة دبلوماسية. لم أجبه حينها ومضيت كما لو أنه لم يكلمني. عند وصولي عند باب المعهد نظرت إلى ساعتي فوجدتني متقدمة عن موعد الدخول، لذا اتجهت إلى سوق المحلات مضيعة لبعض من الوقت، وكم كانت دهشتي كبيرة عندما دخلت إلى أحد محلات الصياغة فوجدته يقف مرافقاً لأحد الباعة حينها تراجعت خطاي إلى الوراء تاركة المحل فرفع صوته قائلاً:
- والله قدر.. إنه مجرد قدر.
لحق بي وقال:
- إذا كان وجودي داخل المحل يضايقك فأنا أغادر.
- أبداًً فقد تفاجأت... ثم إنني لم أكن أريد شراء أي شيء.
ابتسم قائلاً:
- صدقيني إن قلت لك إن كل لقاءاتي بك لم تكن متعمدة لكنني في كل مرة كنت أراك فيها أحس بالارتياح والاطمئنان.
- عادة الإنسان إذا التقى أحداًً مراراً إئتلفه، وكل ما تحس به أنت هو مجرد ألفة لا غير... وأرجو أن لا تحاول الحديث معي مرة أخرى فلست أطيق الرجال.
سرت غير آبهة برد فعله والتحقت بمعهدي.
لم تكن طفولتي تحمل أحزاناً أتأسف عليها. كانت طفولة عادية لكنها أحب فترة إلي، فكثيراً ما أحنّ إليها كحنين المغترب إلى الوطن.
آخر ما ولدت أمي هي أنا، ورثت عنها شدة الخجل وعن أبي شدة الغضب؛ عن كليهما شدة التأثر، فلم أكن كائنا جيداً، إلا أن شكلي اللطيف وحلاوة صباي جعلت معظم من حولي يلاطفني ويمازحني كثيراً، أولهم كان أبي؛ لم يكن يرفض لي طلباً إلا النادر القليل لشدة إلحاحي؛ إذا أخطأت وغضب أشبعني ضرباً وإذا وجدته مسروراً كان نعم الأب. تعلقت به تعلقاً مبالغاً فيه، فلم أكن أطيق الابتعاد عنه، فقد كان مثلي الأعلى في صغري. أشد إخوتي غضباً كان الأكبر؛ كثير الظلم؛ شديد الحب للسيطرة والاستغلال لكن أفضل من يسعى لإرضاء والديّ، والوحيد من إخوتي من كان يلاعبني، وربما هذا السبب الوحيد لتعلقي به في صغري على الرغم من عدم تحملي لطبعه بعد كبري. لم يكن أبي ينصف أمي كثيراًً، كما لم يكن يرفض لها طلباً مادياً لكن دون أن يسلمها المال نقداً، فهو يقول إنّ المرأة لا حاجة لها في المال، ولها أن تطلب ما ينقصها دون المساس بالنقود. أصغر إخوتي لم يميزه شيء بقدر تميزه بالأنانية والحيلة، وبهذه الأخيرة كان سيد الدار؛ فالكلمة الأخيرة تعود إليه بطريقة غير مباشرة لشدة تأثيره على والدي على الرغم من عدم إعارته أدنى اهتمام بوالدي إلا أنه كان أقربنا إليهما لهدوئه وحسن معرفة كسب رضاهما دون أدنى تعب؛ فقد كان ولا يزال أهدأنا وأذكانا وتشابهه في صفاته هذه أختي التي تكبرني بست سنوات؛ كما أنها تحسن الملاحظة ومسايرة الغير دون التنازل عن رأيها، وكنا بذلك نكون عائلة.
كنت التقي به في القطار كل مساء عند عودتي إلى البيت وأينما كان مجلسي كان هو بالقرب منه يظل محدقاً بي، لم يكن يغير اتجاه عينيه إلا إذا وجدني أنظر نحوه، حينها يطأطئ رأسه أو يشيح بوجهه في اتجاه آخر؛ لكن على الرغم من تكرار هذه الصورة يومياً إلا أنه لم يلفت انتباهي لولا أن نبهتني إحدى رفيقاتي، لم يكن لقاء متعمداً كما لم يكن وجوده يضايقني لأنه كان كعدمه على الرغم من كثرة مدح رفيقاتي له، إلا أنني لم أدقق النظر فيه يوماً، إلى أن غاب في أحد الأيام لمدة أسبوعين تقريباً. كنت أسير باتجاه معهدي بعد خروجي من محطة القطار ثم وقفت أنظر واجهة أحد المحلات ولم أحس به إلا وهو يقول:
- أهلاً، لم أرك منذ فترة.. كيف هو القطار؟
استدرت مندهشة لجرأته فوجدته يحمل ابتسامة مشرقة؛ كان صوته مريحاً كما كان يبدو هادئاً وواثقاً من نفسه، أسلوب حديثه كان يوحي أنه مهذب ومن عائلة مرموقة وكذا وقوفه، إذ لم يحاول الاقتراب مني بل باعد بيني وبينه بمسافة دبلوماسية. لم أجبه حينها ومضيت كما لو أنه لم يكلمني. عند وصولي عند باب المعهد نظرت إلى ساعتي فوجدتني متقدمة عن موعد الدخول، لذا اتجهت إلى سوق المحلات مضيعة لبعض من الوقت، وكم كانت دهشتي كبيرة عندما دخلت إلى أحد محلات الصياغة فوجدته يقف مرافقاً لأحد الباعة حينها تراجعت خطاي إلى الوراء تاركة المحل فرفع صوته قائلاً:
- والله قدر.. إنه مجرد قدر.
لحق بي وقال:
- إذا كان وجودي داخل المحل يضايقك فأنا أغادر.
- أبداًً فقد تفاجأت... ثم إنني لم أكن أريد شراء أي شيء.
ابتسم قائلاً:
- صدقيني إن قلت لك إن كل لقاءاتي بك لم تكن متعمدة لكنني في كل مرة كنت أراك فيها أحس بالارتياح والاطمئنان.
- عادة الإنسان إذا التقى أحداًً مراراً إئتلفه، وكل ما تحس به أنت هو مجرد ألفة لا غير... وأرجو أن لا تحاول الحديث معي مرة أخرى فلست أطيق الرجال.
سرت غير آبهة برد فعله والتحقت بمعهدي.
Page 2
كان موعد القطار يوصلني دوماًً قبل موعد دخول المعهد، لذلك كثيراًً ما كنت أتباطأ في سيري أو تراني أقف متفحّصةً الواجهات أنزه عيني وإن كانت حالتي المادية متعثرة، ومن بين ما كنت أحب هو دخول المكتبات خصوصاً أنه كانت هناك، بعد خروجنا من المحطة، مكتبة تروقني كنوزها بكل أنواعها فكنت أقف بقدر ما أقف دون كلل أو ملل. كذلك فعلت يومها؛ دخلت وجعلت أبحث إن كانت هناك كتب جديدة فلم أقف طويلاً إلا وأنا أسمعه يقول:
- حقاً هذا كتاب ثري.
فعرفت صوته من دون أن ألتفت إليه وحتى لا يفتح معي حديثاً بدأته:
- إنني متضايقة ولا أريد أن أكلم أحداًً فاتركني وشأني.
لم يكن لحوحاً واستجاب لمطلبي. التحقت بعدها بالمعهد مباشرة وكان لا يزال عن موعد الدخول عشر دقائق جلست فيها أستمع لأحاديث زميلاتي اللواتي كن من طبقات مختلفة، وبذلك فآراؤهن عن أمور الحياة اختلفت إلا عن أمر واحد وهو الرجل، جميعهن يشددن الشكوى منه ومن ظلمه وجبروته لكنهن يردنه رفيق الدرب والسيد.. لم أكن أتجاوب مع هذه الأحاديث لعلمي أنهن شديدات الشغف بالرجل فكنت أكتفي بالابتسامة والتذمر في داخلي، وكم كان احترامهن كبيراً لمن تملك حبيباً أو زوجاً في حين من لا رجل لها في اعتقادهن غير مرغوب فيها، وفور أن يدق الجرس أحس بالانشراح للتخلص من تلك الجلسات.
أدرس تخصصاً معاصراً يشوق طالبه أكثر مما يعطيه، فقد كانت دراستي في قطاع خاص وكم كان أستاذنا بخيلاً، كنا نقضي معه بعض السويعات نخرج منها حاملين معلومات كان بإمكاننا حملها في ساعة واحدة لا أكثر، فأخرج وأنا غير راغبة في الخروج لأن الوقت قصير والبرنامج كان طويلاً. لم يكن ولوجي كرحيلي فالتلهف الذي ألج به القسم سرعان ما يتبخر إذا قيل إن وقت الرحيل قد حان.
قبل توجهي إلى محطة القطار قصدت دكان الحلويات لأشتري كرواسون من ذلك النوع الذي تحبه أمي؛ كنت أسرع الخطى حتى لا يفوتني القطار ووصلت في الوقت المحدد. دخلت البيت متعبة وبعد أن بدّلت ثيابي صلّيت العصر ثم ملأت حوض الحمام وتمددت لمدة ساعة؛ لم أفكر حينها بأي شيء، وعند خروجي وجدت أبي يصرخ بوجهي:
- كان الأحرى قضاء الليلة بالحمام.
لم أكن أعلم سبب غضبه لذا سألت والدتي فقالت:
- أخوك كان يريد الاستحمام.
لم أقل شيئاًً كاظمة غيظي، وكان فور أن دخلت غرفتي انهلت ضرباً على الحائط ثم شرعت في أدائي للحركات الرياضية اليومية فتعمدت إرهاق نفسي أكثر من العادة حتى يزول غضبي وكذلك كان.
إن لي أخوين متزوجين ولكل منهما حمَّامه الخاص لأنهما مستقلان عنا في السكن ولكن سخان الماء عندهما كثير الأعطال، وبدلاً من إصلاحه كثيراًً ما يلجآن إلينا توفيراً لمالهما، بالرغم من أنني الأحق بحمامنا إلا أن أبي دوماًً يغضب لأجلهما فقط كونهما رجلين.. أذكر يوم تعطل سخان حمامنا فقلت مازحة إنني سألجأ إلى حمام أحد أخوي فقام أبي ناهراً إياي من محاولة ذلك كي لا أضايقهما، وأن لا حق لي في ذلك في حين أن يستعمل أحدهما حاجياتنا كل حين فلا بأس، بل المضحك في الأمر أن والدي يومها كاد يطير من الفرح؛ لكن على الرغم من كبر سن والديَّ إلا أنهما يسرعان في تحضير لهما كل مستلزمات الاغتسال وكأنهما لا يزالان صغيرين.. إيه حظوظ. لم أتناول إلا النزر القليل ليلتها من الغداء وكببت أراجع دروسي؛ لا أحب السهر لذلك فنومي مبكر وكذا استيقاظي، وقبل خروجي أكون قد قمت بمعظم أشغال البيت من طبخ وتنظيف حتى لا تتعب أمي ولا يتضور أبي إذا ما جاع. وفي الصباح أستيقظ على صوت أذان الفجر يرافقه صياح الديك فينهض يوم جديد نكابد فيه مصاعب الحياة، ولحسن حظي، وربما هذا الحظ الوحيد الحسن في حياتي أنني كثيراًً ما أقرأ فلا أترك الملل يتسرب إلى نفسي، لا أحدد مجالاً واحداً بل أعشق الإبحار في كل علم، ككل صباح أخرج راكضة حتى لا يفوتني القطار ولكن شاء القدر ذلك اليوم أن يفوتني فعدت إلى محطة الحافلات دافعة 15 ديناراً بدلاً من أربعة دنانير التي أدفعها عادة، ووصلت معهدي عند اللحظة الأخيرة بسبب المواصلات التي ما كنت أعتقد أنها ستمكنني من الوصول في الموعد. عند دخولي القسم لم أتعرف على أستاذنا لأنه حلق شاربيه فأصبح وجهه غير مألوف لي وحتى زميلاتي شاطرنني الرأي نفسه، فكأنما أراد أن يبدو أصغر سناً وقد بلغ، لحسن الحظ أن هذا التغيير الشكلي لم يؤثر على ألفة استيعابي، وككل يوم كان درسنا يحوي جديداً مشوقاً غير مشبع في حين أن رأي زميلاتي يختلف ويتهمنني بالجشع العلمي. خرجت ترافقني إحدى صديقاتي إلى غاية مفترق الطرق حيث تفارقنا وما إن عبرت ممر الراجلين وجدته يقول:
- سلام.. لك عندي هدية ستذهب عنك الضيق الذي كنت تحسينه ذلك اليوم.
- حقاً هذا كتاب ثري.
فعرفت صوته من دون أن ألتفت إليه وحتى لا يفتح معي حديثاً بدأته:
- إنني متضايقة ولا أريد أن أكلم أحداًً فاتركني وشأني.
لم يكن لحوحاً واستجاب لمطلبي. التحقت بعدها بالمعهد مباشرة وكان لا يزال عن موعد الدخول عشر دقائق جلست فيها أستمع لأحاديث زميلاتي اللواتي كن من طبقات مختلفة، وبذلك فآراؤهن عن أمور الحياة اختلفت إلا عن أمر واحد وهو الرجل، جميعهن يشددن الشكوى منه ومن ظلمه وجبروته لكنهن يردنه رفيق الدرب والسيد.. لم أكن أتجاوب مع هذه الأحاديث لعلمي أنهن شديدات الشغف بالرجل فكنت أكتفي بالابتسامة والتذمر في داخلي، وكم كان احترامهن كبيراً لمن تملك حبيباً أو زوجاً في حين من لا رجل لها في اعتقادهن غير مرغوب فيها، وفور أن يدق الجرس أحس بالانشراح للتخلص من تلك الجلسات.
أدرس تخصصاً معاصراً يشوق طالبه أكثر مما يعطيه، فقد كانت دراستي في قطاع خاص وكم كان أستاذنا بخيلاً، كنا نقضي معه بعض السويعات نخرج منها حاملين معلومات كان بإمكاننا حملها في ساعة واحدة لا أكثر، فأخرج وأنا غير راغبة في الخروج لأن الوقت قصير والبرنامج كان طويلاً. لم يكن ولوجي كرحيلي فالتلهف الذي ألج به القسم سرعان ما يتبخر إذا قيل إن وقت الرحيل قد حان.
قبل توجهي إلى محطة القطار قصدت دكان الحلويات لأشتري كرواسون من ذلك النوع الذي تحبه أمي؛ كنت أسرع الخطى حتى لا يفوتني القطار ووصلت في الوقت المحدد. دخلت البيت متعبة وبعد أن بدّلت ثيابي صلّيت العصر ثم ملأت حوض الحمام وتمددت لمدة ساعة؛ لم أفكر حينها بأي شيء، وعند خروجي وجدت أبي يصرخ بوجهي:
- كان الأحرى قضاء الليلة بالحمام.
لم أكن أعلم سبب غضبه لذا سألت والدتي فقالت:
- أخوك كان يريد الاستحمام.
لم أقل شيئاًً كاظمة غيظي، وكان فور أن دخلت غرفتي انهلت ضرباً على الحائط ثم شرعت في أدائي للحركات الرياضية اليومية فتعمدت إرهاق نفسي أكثر من العادة حتى يزول غضبي وكذلك كان.
إن لي أخوين متزوجين ولكل منهما حمَّامه الخاص لأنهما مستقلان عنا في السكن ولكن سخان الماء عندهما كثير الأعطال، وبدلاً من إصلاحه كثيراًً ما يلجآن إلينا توفيراً لمالهما، بالرغم من أنني الأحق بحمامنا إلا أن أبي دوماًً يغضب لأجلهما فقط كونهما رجلين.. أذكر يوم تعطل سخان حمامنا فقلت مازحة إنني سألجأ إلى حمام أحد أخوي فقام أبي ناهراً إياي من محاولة ذلك كي لا أضايقهما، وأن لا حق لي في ذلك في حين أن يستعمل أحدهما حاجياتنا كل حين فلا بأس، بل المضحك في الأمر أن والدي يومها كاد يطير من الفرح؛ لكن على الرغم من كبر سن والديَّ إلا أنهما يسرعان في تحضير لهما كل مستلزمات الاغتسال وكأنهما لا يزالان صغيرين.. إيه حظوظ. لم أتناول إلا النزر القليل ليلتها من الغداء وكببت أراجع دروسي؛ لا أحب السهر لذلك فنومي مبكر وكذا استيقاظي، وقبل خروجي أكون قد قمت بمعظم أشغال البيت من طبخ وتنظيف حتى لا تتعب أمي ولا يتضور أبي إذا ما جاع. وفي الصباح أستيقظ على صوت أذان الفجر يرافقه صياح الديك فينهض يوم جديد نكابد فيه مصاعب الحياة، ولحسن حظي، وربما هذا الحظ الوحيد الحسن في حياتي أنني كثيراًً ما أقرأ فلا أترك الملل يتسرب إلى نفسي، لا أحدد مجالاً واحداً بل أعشق الإبحار في كل علم، ككل صباح أخرج راكضة حتى لا يفوتني القطار ولكن شاء القدر ذلك اليوم أن يفوتني فعدت إلى محطة الحافلات دافعة 15 ديناراً بدلاً من أربعة دنانير التي أدفعها عادة، ووصلت معهدي عند اللحظة الأخيرة بسبب المواصلات التي ما كنت أعتقد أنها ستمكنني من الوصول في الموعد. عند دخولي القسم لم أتعرف على أستاذنا لأنه حلق شاربيه فأصبح وجهه غير مألوف لي وحتى زميلاتي شاطرنني الرأي نفسه، فكأنما أراد أن يبدو أصغر سناً وقد بلغ، لحسن الحظ أن هذا التغيير الشكلي لم يؤثر على ألفة استيعابي، وككل يوم كان درسنا يحوي جديداً مشوقاً غير مشبع في حين أن رأي زميلاتي يختلف ويتهمنني بالجشع العلمي. خرجت ترافقني إحدى صديقاتي إلى غاية مفترق الطرق حيث تفارقنا وما إن عبرت ممر الراجلين وجدته يقول:
- سلام.. لك عندي هدية ستذهب عنك الضيق الذي كنت تحسينه ذلك اليوم.
Page 3
وقفت متعجبة وكانت هديته مصحفاً، واحترت عن أي ضيق يتحدث؛ كان قارئاً للعيون إذ تمكن من معرفة تساؤلي دون النطق به:
- آخر مرة رأيتك فيها قلت إنك متضايقة ولهذا رفضت الحديث معي أم أنه مبرر لا أساس له من الصحة؟
حينها فقط تذكرت:
- لست بحاجة لأي مبرر صحيح أو غيره حتى لا أتحدث معك فأنا حرة في تصرفاتي ولا شأن لك بي... ثم لست بالنسبة لي أي شيء حتى أقبل منك هدية.
- هذا صحيح ولكن اقبلي مني الهدية فقط.
فكرت ملياً ثم أجبته:
- إن قبلت منك الهدية فهل ستتنحى عن طريقي إلى الأبد؟
وكنت أتمنى أن يجيب «سيكون لك ذلك» ولكنه خيب أملي:
- لست قادراً أن أعدك بما لا استطاعة لي فيه.
- بمعنى؟
- يهمني كثيراًً أمرك لا أعلم لما ولكن حقاً يهمني.
- لكن أنا لا، ولن يهمني ولست ولن تكون بالنسبة لي شيئاً فليكن لديك بعض من الكرامة.
حينها غابت الابتسامة عن وجهه وأصاب سهمي الهدف وتخلصت منه.
مر على تلك الحادثة أكثر من شهر لم ألتقه وارتحت لذلك. فكنت أسير من دون أن أشعر أن هناك عيوناً تحرسني أو شخصاً يراقبني.
* * *
المسابقات التلفزيونية كثرت في السنوات الأخيرة لجلب اهتمام المشاهد، وكثيراً ما تكون هداياها قيمة ولكن المشاركة فيها لم تخطر ببالي لعدم اهتمامي بالمادة وليقيني بسوء حظي، لكن هذه المرة وجدتني أشارك في إحدى المسابقات الكبرى حيث تطرح فيها أسئلة متنوعة ويتعب الفكر لإيجاد الأجوبة الصحيحة كاملة وكذلك فعلت فوجدتني فجأة في أوائل قائمة الفائزين فنلت حيالها مبلغاً جيداًً بالنسبة لحالتي المادية المتعثرة وكانت المرة الأولى أرى فيها اهتمام إخوتي وعنايتهم، بادئ ذي بدء لم أكن أعلم نتيجة تلك المسابقة ولهذا استغربت ذلك الاهتمام؛ لأول مرة منذ سنوات طوال حياتي منذ صباي ابتسم في وجهي كل إخوتي وحضنني أبي قائلاًً مبروك. ثم أطلق واحد من إخوتي قهقهة قائلاً:
- لم نكن نعلم أنك محظوظة إلى هذا الحد.. مبروك مبروك.
تكررت عبارات التهنئة دون معرفة السبب إلى أن حضرت أمي وقالت:
- متى شاركت في تلك المسابقة، لست أراك كثيرة التتبع للتلفاز... المهم نجحت وها أنت لأول مرة تنجحين بشيء.
فعرفت حينها وزال الاستغراب؛ فالابتسامة والأحضان لأجل المال أما أمي فيكفي أن يهتم إخوتي بأمر ما حتى يحوز على كل كيانها.
من قوانين البرنامج أن الحائز على أعلى النقاط لديه الفرصة للالتحاق بالبرنامج في مقر التلفزيون بغرض إتمام الجزء الثاني من المسابقة وكان ذلك من نصيبي، لم أكن أدري ما يخفيه لي القدر وتلقيت الدعوة من معدي البرنامج. حدد تاريخ ذلك العمل، وهو يوم خميس والعجيب هو أن أحد أخوي هو من رافقني بسيارة العائلة، خرجنا يومها باكراً كي أتمكن من نيل قسط من الراحة قبل اللقاء وقطعنا الطريق في مدة زمنية قدرها ساعة بالتمام لشدة زحمة السير، ظل شقيقي أثناءها يحلم بجائزة خيالية أجنيها من هذه المسابقة، لم أكن أشاركه الحديث لعدم تفاؤلي ولا حتى اهتمامي بما سيكون، فلولا إلحاح الأهل ما كنت لأقبل على ما أنا مقبلة عليه الآن. وصلنا المقر فتلقينا ترحاباً عربياً مضيافاً من حارس الباب إلى آخر مسؤول، أما فرحة أخي واغتباطه فكانت لا توصف؛ عندما أوهم نفسي أنها لأجلي أفرح وإذا تذكرت أنها لأجل المال أستيقظ من حلمي، تأبط أخي ذراعي متظاهراً بالافتخار بي فسايرته أنا ولم أرد إحراجه، بعدها أدخلونا إلى غرفة لم أكن أعلم ما هي بالتحديد حيث تم تقديم مشروب عصير لنا، وبعد وقت وجيز حضر معد البرنامج وشرع يشرح لنا كيف سيكون الوضع من أوله إلى آخره إلى أن حان وقت الغداء فتفاجأنا بهم يقولون إنّ أحدهم سيرافقنا لتناول غدائنا، لم نكن من طبقة غنية لذا فكل ما وضع على الطاولة رغبت لو كانت أمي وباقي أفراد العائلة يشاركونني وأخي فيه، فطوقت تلك الرغبة يدي عن الأطباق الشهية فلم أتناول إلا النزر القليل. فجأة أحسست بلمسة كف يد على كتفي الأيسر أرجعتني من بيتنا إلى طاولة الغداء:
- سلام.. لست أكولة، ألهذا أنت نحيفة؟
صعقت بمكاني وأنا أتحدث بداخلي:
- يا الهي، إنه هو.
اشتد احمرار وجهي هلعاً:
- ما الذي يفعله هنا؟ .. وأخي.. أجل قد يراه أخي... ولكن لا شيء بيني وبينه... ماذا لو رآه أخي... قد يظن.. لا يهمني فأنا صافية كالبلور... لكنه قد يظن.. أم أن الفرحة قد لا تلفت انتباهه... آه كم أنا خائفة.
ثم اختفى فتنفست الصعداء وعادت دقات قلبي تنتظم من جديد وقلت:
- مجنون، كاد أن يقتلني خوفاً... لكن لما أخاف.. ليس بيني وبينه شيء.
- آخر مرة رأيتك فيها قلت إنك متضايقة ولهذا رفضت الحديث معي أم أنه مبرر لا أساس له من الصحة؟
حينها فقط تذكرت:
- لست بحاجة لأي مبرر صحيح أو غيره حتى لا أتحدث معك فأنا حرة في تصرفاتي ولا شأن لك بي... ثم لست بالنسبة لي أي شيء حتى أقبل منك هدية.
- هذا صحيح ولكن اقبلي مني الهدية فقط.
فكرت ملياً ثم أجبته:
- إن قبلت منك الهدية فهل ستتنحى عن طريقي إلى الأبد؟
وكنت أتمنى أن يجيب «سيكون لك ذلك» ولكنه خيب أملي:
- لست قادراً أن أعدك بما لا استطاعة لي فيه.
- بمعنى؟
- يهمني كثيراًً أمرك لا أعلم لما ولكن حقاً يهمني.
- لكن أنا لا، ولن يهمني ولست ولن تكون بالنسبة لي شيئاً فليكن لديك بعض من الكرامة.
حينها غابت الابتسامة عن وجهه وأصاب سهمي الهدف وتخلصت منه.
مر على تلك الحادثة أكثر من شهر لم ألتقه وارتحت لذلك. فكنت أسير من دون أن أشعر أن هناك عيوناً تحرسني أو شخصاً يراقبني.
* * *
المسابقات التلفزيونية كثرت في السنوات الأخيرة لجلب اهتمام المشاهد، وكثيراً ما تكون هداياها قيمة ولكن المشاركة فيها لم تخطر ببالي لعدم اهتمامي بالمادة وليقيني بسوء حظي، لكن هذه المرة وجدتني أشارك في إحدى المسابقات الكبرى حيث تطرح فيها أسئلة متنوعة ويتعب الفكر لإيجاد الأجوبة الصحيحة كاملة وكذلك فعلت فوجدتني فجأة في أوائل قائمة الفائزين فنلت حيالها مبلغاً جيداًً بالنسبة لحالتي المادية المتعثرة وكانت المرة الأولى أرى فيها اهتمام إخوتي وعنايتهم، بادئ ذي بدء لم أكن أعلم نتيجة تلك المسابقة ولهذا استغربت ذلك الاهتمام؛ لأول مرة منذ سنوات طوال حياتي منذ صباي ابتسم في وجهي كل إخوتي وحضنني أبي قائلاًً مبروك. ثم أطلق واحد من إخوتي قهقهة قائلاً:
- لم نكن نعلم أنك محظوظة إلى هذا الحد.. مبروك مبروك.
تكررت عبارات التهنئة دون معرفة السبب إلى أن حضرت أمي وقالت:
- متى شاركت في تلك المسابقة، لست أراك كثيرة التتبع للتلفاز... المهم نجحت وها أنت لأول مرة تنجحين بشيء.
فعرفت حينها وزال الاستغراب؛ فالابتسامة والأحضان لأجل المال أما أمي فيكفي أن يهتم إخوتي بأمر ما حتى يحوز على كل كيانها.
من قوانين البرنامج أن الحائز على أعلى النقاط لديه الفرصة للالتحاق بالبرنامج في مقر التلفزيون بغرض إتمام الجزء الثاني من المسابقة وكان ذلك من نصيبي، لم أكن أدري ما يخفيه لي القدر وتلقيت الدعوة من معدي البرنامج. حدد تاريخ ذلك العمل، وهو يوم خميس والعجيب هو أن أحد أخوي هو من رافقني بسيارة العائلة، خرجنا يومها باكراً كي أتمكن من نيل قسط من الراحة قبل اللقاء وقطعنا الطريق في مدة زمنية قدرها ساعة بالتمام لشدة زحمة السير، ظل شقيقي أثناءها يحلم بجائزة خيالية أجنيها من هذه المسابقة، لم أكن أشاركه الحديث لعدم تفاؤلي ولا حتى اهتمامي بما سيكون، فلولا إلحاح الأهل ما كنت لأقبل على ما أنا مقبلة عليه الآن. وصلنا المقر فتلقينا ترحاباً عربياً مضيافاً من حارس الباب إلى آخر مسؤول، أما فرحة أخي واغتباطه فكانت لا توصف؛ عندما أوهم نفسي أنها لأجلي أفرح وإذا تذكرت أنها لأجل المال أستيقظ من حلمي، تأبط أخي ذراعي متظاهراً بالافتخار بي فسايرته أنا ولم أرد إحراجه، بعدها أدخلونا إلى غرفة لم أكن أعلم ما هي بالتحديد حيث تم تقديم مشروب عصير لنا، وبعد وقت وجيز حضر معد البرنامج وشرع يشرح لنا كيف سيكون الوضع من أوله إلى آخره إلى أن حان وقت الغداء فتفاجأنا بهم يقولون إنّ أحدهم سيرافقنا لتناول غدائنا، لم نكن من طبقة غنية لذا فكل ما وضع على الطاولة رغبت لو كانت أمي وباقي أفراد العائلة يشاركونني وأخي فيه، فطوقت تلك الرغبة يدي عن الأطباق الشهية فلم أتناول إلا النزر القليل. فجأة أحسست بلمسة كف يد على كتفي الأيسر أرجعتني من بيتنا إلى طاولة الغداء:
- سلام.. لست أكولة، ألهذا أنت نحيفة؟
صعقت بمكاني وأنا أتحدث بداخلي:
- يا الهي، إنه هو.
اشتد احمرار وجهي هلعاً:
- ما الذي يفعله هنا؟ .. وأخي.. أجل قد يراه أخي... ولكن لا شيء بيني وبينه... ماذا لو رآه أخي... قد يظن.. لا يهمني فأنا صافية كالبلور... لكنه قد يظن.. أم أن الفرحة قد لا تلفت انتباهه... آه كم أنا خائفة.
ثم اختفى فتنفست الصعداء وعادت دقات قلبي تنتظم من جديد وقلت:
- مجنون، كاد أن يقتلني خوفاً... لكن لما أخاف.. ليس بيني وبينه شيء.
Page 4
ثم أجيب نفسي:
- ما أدراني؛ إن أخي يتصرف في هذه الأمور كالجاهل دون أن يترك لي فرصة التوضيح.
ويسألني مرافقنا:
- ما بك لا تأكلين.. تفضلي.
- شكراًً شبعت.. نعمة دائمة.
- تبدين شديدة الاحمرار.. ماذا هناك.. تضايقت من شيء؟
- لا إنه فقط الحر.
- الحر؟ إننا في فصل الشتاء.
- هه.. صحيح... لكنني أشعر بالحر في كل فصل.
- لا بأس. ظننت أن شيئاً ما أزعجك.
- لا إنكم في غاية الكرم. شكراً.
لم يلحظ أخي تغير وجهي لعدم اهتمامه بي، فقد كان غارقاً في أكله.
لم أكن أعلم أكانت رؤيته حقيقة أم خيالاً أو ربما أنّ أحداًً ما يشبهه.
مساء عندما قيل لي إن موعد البرنامج قد حان، ارتبكت قليلاً وكانوا قد أشرفوا على التحضيرات الأخيرة فخُيِّل لي مرة أخرى أنني رأيته وسطهم فحدثت نفسي:
- أيعقل أنه يعمل هنا؟
وانقطعت أفكاري بمناداة المخرج لي:
- نقوم بتجربة لملاحظة كيف ستسير الأمور؟
- أجل.. ماذا عليَّ أن أفعل؟
- تصرفي بشكل طبيعي كأننا على المباشر، ستقفين هنا صوب هذه الكاميرا.
وشخص بصري.
فقال المساعد المخرج:
- ماذا هناك؟ ما بك؟
- إنه هو... أجل هو.
- من؟ لماذا شحب وجهك هكذا؟ من رأيت؟!
- لا لا.. لا أحد – ذلك لأنني تذكرت أن أخي معنا فقلت يجب أن لا يلحظ شيئاً –.
وأعاد المخرج السؤال ذاته:
- ماذا هناك؟
- لا شيء، فقط أنا خائفة من المباشر.
وصدّق المخرج ردي فراح يُهون عليّ:
- لا عليك، ليست هناك أي صعوبات لكن لأنها المرة الأولى ستشعرين بالارتباك قليلاً وهذا طبيعي وسرعان ما تتعودين... تنفسي عميقاً وتصرفي بشكل طبيعي.
- أجل الكاميرا.
- ما بها الكاميرا؟
- لا.. لا شيء.. أرغب في خروج أخي لأنه يربكني أكثر.
- ما أدراني؛ إن أخي يتصرف في هذه الأمور كالجاهل دون أن يترك لي فرصة التوضيح.
ويسألني مرافقنا:
- ما بك لا تأكلين.. تفضلي.
- شكراًً شبعت.. نعمة دائمة.
- تبدين شديدة الاحمرار.. ماذا هناك.. تضايقت من شيء؟
- لا إنه فقط الحر.
- الحر؟ إننا في فصل الشتاء.
- هه.. صحيح... لكنني أشعر بالحر في كل فصل.
- لا بأس. ظننت أن شيئاً ما أزعجك.
- لا إنكم في غاية الكرم. شكراً.
لم يلحظ أخي تغير وجهي لعدم اهتمامه بي، فقد كان غارقاً في أكله.
لم أكن أعلم أكانت رؤيته حقيقة أم خيالاً أو ربما أنّ أحداًً ما يشبهه.
مساء عندما قيل لي إن موعد البرنامج قد حان، ارتبكت قليلاً وكانوا قد أشرفوا على التحضيرات الأخيرة فخُيِّل لي مرة أخرى أنني رأيته وسطهم فحدثت نفسي:
- أيعقل أنه يعمل هنا؟
وانقطعت أفكاري بمناداة المخرج لي:
- نقوم بتجربة لملاحظة كيف ستسير الأمور؟
- أجل.. ماذا عليَّ أن أفعل؟
- تصرفي بشكل طبيعي كأننا على المباشر، ستقفين هنا صوب هذه الكاميرا.
وشخص بصري.
فقال المساعد المخرج:
- ماذا هناك؟ ما بك؟
- إنه هو... أجل هو.
- من؟ لماذا شحب وجهك هكذا؟ من رأيت؟!
- لا لا.. لا أحد – ذلك لأنني تذكرت أن أخي معنا فقلت يجب أن لا يلحظ شيئاً –.
وأعاد المخرج السؤال ذاته:
- ماذا هناك؟
- لا شيء، فقط أنا خائفة من المباشر.
وصدّق المخرج ردي فراح يُهون عليّ:
- لا عليك، ليست هناك أي صعوبات لكن لأنها المرة الأولى ستشعرين بالارتباك قليلاً وهذا طبيعي وسرعان ما تتعودين... تنفسي عميقاً وتصرفي بشكل طبيعي.
- أجل الكاميرا.
- ما بها الكاميرا؟
- لا.. لا شيء.. أرغب في خروج أخي لأنه يربكني أكثر.
Page 5
يتفاجأ أخي ويقول:
- أنا لما؟ سأقف هنا هادئاً.
ويقترب منه مساعد المخرج:
- أرجوك فقط أثناء التحضير.
يهم أخي بالخروج وهو يتمتم:
- حاضر مع أنني لست أفهم.
- شكراًً لتفهمك.
هنا اقتربت أنا من ذلك الشبح:
- هل لي أن أعرف ما الذي تفعله هنا؟ كدت أن توقعني في مشكلة مع أخي.
فيجيبني مبتسماً:
- أنا؟ ماذا فعلت؟ أنا أقوم بعملي لا أكثر.
أثار غضبي رده البارد فقلت:
- وأي عمل لك هنا؟
- مصور، ألديك مانع؟
صعقت من إجابته فأخذت بذراعه بعيداً عن الأنظار دون شعور مني وأنا أقول:
- مصور؟
أجابني مستخفاً:
- أجل هل عليّ الاستقالة؟
- يا الهي ألا يمكنك التصوير في مكان آخر؟
- ها ها.. أهذا أمر أم هو طلب؟
- وهل هناك فرق؟
- أجل.
- وما الفرق؟
- إن كان أمراً فسأقول لك إنني لست تحت إمرتك... وإن كان طلباً فلا يمكنني ذلك لأنه عملي؛ خصوصاً وأننا سنبث على المباشر بعد دقائق.
- يا الهي كم أنك غبي، ففي كلتا الحالتين النتيجة واحدة.
- وما هي؟
- أحمق، إنك لن تترك الاستديو.
ينفجر ضاحكاً وهو يقول:
- هذا صحيح.
- يبدو أنني سأغضب.
يستمر بالابتسام:
- أنا لما؟ سأقف هنا هادئاً.
ويقترب منه مساعد المخرج:
- أرجوك فقط أثناء التحضير.
يهم أخي بالخروج وهو يتمتم:
- حاضر مع أنني لست أفهم.
- شكراًً لتفهمك.
هنا اقتربت أنا من ذلك الشبح:
- هل لي أن أعرف ما الذي تفعله هنا؟ كدت أن توقعني في مشكلة مع أخي.
فيجيبني مبتسماً:
- أنا؟ ماذا فعلت؟ أنا أقوم بعملي لا أكثر.
أثار غضبي رده البارد فقلت:
- وأي عمل لك هنا؟
- مصور، ألديك مانع؟
صعقت من إجابته فأخذت بذراعه بعيداً عن الأنظار دون شعور مني وأنا أقول:
- مصور؟
أجابني مستخفاً:
- أجل هل عليّ الاستقالة؟
- يا الهي ألا يمكنك التصوير في مكان آخر؟
- ها ها.. أهذا أمر أم هو طلب؟
- وهل هناك فرق؟
- أجل.
- وما الفرق؟
- إن كان أمراً فسأقول لك إنني لست تحت إمرتك... وإن كان طلباً فلا يمكنني ذلك لأنه عملي؛ خصوصاً وأننا سنبث على المباشر بعد دقائق.
- يا الهي كم أنك غبي، ففي كلتا الحالتين النتيجة واحدة.
- وما هي؟
- أحمق، إنك لن تترك الاستديو.
ينفجر ضاحكاً وهو يقول:
- هذا صحيح.
- يبدو أنني سأغضب.
يستمر بالابتسام:
Page 6
- كل هذا الاحمرار الذي يبدو على وجهك وهذه النظرة المخيفة، وهذه الحدة بصوتك ولم تغضبي بعد؟!
- لو كنت غضبت لضربتك بهذه الكاميرا التي تشبه وجهك.
يقول بهدوء:
- تغارين منها؟
- من من؟
- من هذه الكاميرا.
- ولما أغار؟
يجيب بكل وقاحة:
- لأنني أحضنها ولا أفعل ذلك معك.
- لا أريد أ.
يقترب حينها المخرج:
- ماذا هناك، هل تعرفينه؟ وماذا لا تريدين؟
بعد قطع أنفاسي عند سماع صوت المخرج أطلقتها مجدداً غاضبة:
- لا أريد المشاركة بهذا البرنامج... ثم إنني أريد الخروج من هنا فوراً.
توجهت نحو الباب والمخرج لا يزال يسأل:
- ماذا قلت لها؟ ماذا هناك؟! انتظري.
خرجت ضاربة ورائي كل آمال عائلتي عرض الحائط ناسية أن أخي هنا.
وفور رؤية أخي لي وأنا أخرج من الاستديو قال مندهشاً:
- ماذا هناك.. ماذا حدث.
ويجيبه الكل:
- لسنا ندري.. دار بينها وبين أحد المصورين حديث لا نعلمه ثم ثارت ثائرتها وانسحبت من البرنامج.
غضب أخي وقال محاولاً إيقافي:
- ماذا؟ بعد مشقة الطريق الطويل وثمن البنزين والوقت الضائع إ... انتظري.
أمسك أخي ذراعي بقوة وأمطرني شتماً ثم قال:
- إن كان قد أصابك جنون فليس الآن موعده... لم يبق سوى النزر القليل من الوقت وستعاودين الدخول رغماً عنك.
- أنا حرة.
- لا ليس معي وتعرفين طبعي جيداً... عودتنا إلى البيت دون الربح ستكون غالية، أتفهمين؟ لست حرة... لم أحضر إلى هنا لأجل قطعة لحم مشوية، ستعاودين الدخول دون نقاش أما حديثك مع المصور سنتحدث عنه فيما بعد البرنامج.
- المصور أي مصور؟
يضغط بيده على ذراعي بقوة وهو يقول:
- قيل إنك خرجت غاضبة بعد حديثك معه، هل لي معرفة ما قاله لك؟ ثم من أين لك معرفته حتى تتحدثين إليه؟
- أترك ذراعي إنك تؤلمني.
- لا بأس سأهدأ الآن ريثما تنتهي من البرنامج... هيا أمامي.
عدت وأنا أحدث نفسي: الوقح، كم أكرهه، ليتني أقدر على ضربه مثلما يفعل هو معي، ليتني أقدر على الصراخ في وجهه.. لكنني لن أسلم من أمي وأبي وإن كان ظالماً.. امرأة تضرب رجلاً! وأخاها! والأكبر منها! سيقول الجميع إنها مهزلة العصر وليس دفاعاً شرعياً... كم أكرهه.. كم أكرهه.
فور عودتنا قال الكل:
- ها قد عادت، إنه فقط الخوف من المباشر أليس كذلك؟
اقترب أخي وهمس بحدة:
- أجيبي.
فأجبت:
- أجل هو كذلك.
ثم يستمر مساعد المخرج:
- معقول أن يسكنك كل هذا الرعب وهذا الغضب من المباشر فقط!
أجاب أخي:
- لا عليك، إن طبعها منذ الصغر أنها تبالغ في كل شيء فلا تهتم ستهدأ الآن وكل شيء سيكون على ما يرام.
ثم لاحظت ذلك الشبح يقترب مني فازددت خوفاً:
- لو كنت غضبت لضربتك بهذه الكاميرا التي تشبه وجهك.
يقول بهدوء:
- تغارين منها؟
- من من؟
- من هذه الكاميرا.
- ولما أغار؟
يجيب بكل وقاحة:
- لأنني أحضنها ولا أفعل ذلك معك.
- لا أريد أ.
يقترب حينها المخرج:
- ماذا هناك، هل تعرفينه؟ وماذا لا تريدين؟
بعد قطع أنفاسي عند سماع صوت المخرج أطلقتها مجدداً غاضبة:
- لا أريد المشاركة بهذا البرنامج... ثم إنني أريد الخروج من هنا فوراً.
توجهت نحو الباب والمخرج لا يزال يسأل:
- ماذا قلت لها؟ ماذا هناك؟! انتظري.
خرجت ضاربة ورائي كل آمال عائلتي عرض الحائط ناسية أن أخي هنا.
وفور رؤية أخي لي وأنا أخرج من الاستديو قال مندهشاً:
- ماذا هناك.. ماذا حدث.
ويجيبه الكل:
- لسنا ندري.. دار بينها وبين أحد المصورين حديث لا نعلمه ثم ثارت ثائرتها وانسحبت من البرنامج.
غضب أخي وقال محاولاً إيقافي:
- ماذا؟ بعد مشقة الطريق الطويل وثمن البنزين والوقت الضائع إ... انتظري.
أمسك أخي ذراعي بقوة وأمطرني شتماً ثم قال:
- إن كان قد أصابك جنون فليس الآن موعده... لم يبق سوى النزر القليل من الوقت وستعاودين الدخول رغماً عنك.
- أنا حرة.
- لا ليس معي وتعرفين طبعي جيداً... عودتنا إلى البيت دون الربح ستكون غالية، أتفهمين؟ لست حرة... لم أحضر إلى هنا لأجل قطعة لحم مشوية، ستعاودين الدخول دون نقاش أما حديثك مع المصور سنتحدث عنه فيما بعد البرنامج.
- المصور أي مصور؟
يضغط بيده على ذراعي بقوة وهو يقول:
- قيل إنك خرجت غاضبة بعد حديثك معه، هل لي معرفة ما قاله لك؟ ثم من أين لك معرفته حتى تتحدثين إليه؟
- أترك ذراعي إنك تؤلمني.
- لا بأس سأهدأ الآن ريثما تنتهي من البرنامج... هيا أمامي.
عدت وأنا أحدث نفسي: الوقح، كم أكرهه، ليتني أقدر على ضربه مثلما يفعل هو معي، ليتني أقدر على الصراخ في وجهه.. لكنني لن أسلم من أمي وأبي وإن كان ظالماً.. امرأة تضرب رجلاً! وأخاها! والأكبر منها! سيقول الجميع إنها مهزلة العصر وليس دفاعاً شرعياً... كم أكرهه.. كم أكرهه.
فور عودتنا قال الكل:
- ها قد عادت، إنه فقط الخوف من المباشر أليس كذلك؟
اقترب أخي وهمس بحدة:
- أجيبي.
فأجبت:
- أجل هو كذلك.
ثم يستمر مساعد المخرج:
- معقول أن يسكنك كل هذا الرعب وهذا الغضب من المباشر فقط!
أجاب أخي:
- لا عليك، إن طبعها منذ الصغر أنها تبالغ في كل شيء فلا تهتم ستهدأ الآن وكل شيء سيكون على ما يرام.
ثم لاحظت ذلك الشبح يقترب مني فازددت خوفاً:
Page 7
- يا الهي إنه يقترب مني... وأخي معي.
توجّه بالكلام إلى أخي متظاهراً بعدم معرفته لي:
- يبدو أنني أنا من أخافها فقد قالت إن شكلي يشبه الكاميرا.
ابتسم مساعد المخرج وقال:
- اسمعي إن المباشر ليس هناك ما هو أسهل منه ولا أجمل لأنه يوحي بالطبيعي والتلقائي الذي في داخلنا، فلا تصنّع فيه ولا تمثيل بل علينا فقط الثقة بأنفسنا والتصرف بطريقة عادية، إذن فلا تكلفة فيه وكأننا في الشارع أو في البيت مع أهالينا أما إن كنت تخشين عدم نجاحك فأنا معك في هذا.
يتدخل المصور في هذه الأثناء:
- إذا خشيت عدم النجاح فلتقل لنفسها ماذا سأخسر فلست سأدفع فلساً من جيبي، إنها مجرد لعبة واللعب لا يكون إلا للترفيه وليس للقلق.. وقبل أن يكون هناك التفاح ماذا كان يأكل المريض.. هذا مثل شعبي نقوله نحن في بلدنا ويقوله الإنسان لنفسه حتى يقويها لتقبل الخسائر وإن كنت لست أرى خسارة في حياتك بل مجرد لعبة لا أكثر.
كان رائعاً وهو يتحدث... كان يبدو واثقاً من نفسه وواعياً جداً لما يقول، وكأنه يحفظ ذلك الكلام حفظا مسبقاً... كم كان طلق اللسان جميل الصوت متزن الوقوف كأنني لم أكن أرى غيره ولم يكن في ذلك المكان إلا أنا ورنة صوته، أجل رنة صوته.
وإذ بي أسمع صوت أخي:
- إنك محق ولكن للخسارة تأثيرها أيضاًً فمشقة الطريق وثمن البنزين والوقت الضائع.
فيجيبه:
- ألم يسبق لك مشاهدة مباراة كرة قدم؟
- بلى.
- بعيداً عن مدينتكم مرافقاً لفريقكم؟
- بلى.
- ألم تكن تدفع ثمن التذكرة لدخول الملعب وثمن الحافلة وتضيع وقتاً في المشاهدة مضيفاً مشقة الطريق، وسواء ربح الفريق أم لا فماذا كنت ستستفيد؟
- فرحة النجاح إذا ربحنا وخيبة الأمل إذا خسرنا.
- أرأيت، اليوم ستشاهد مباراة مشابهة، فقط تختلف نسبياً لأنها مباراة فكرية.
- يبدو أنك أستاذ في الإقناع ولست نداً لك.
تمنيته لحظتها لو كان هو أخي بدلاً من هذا المتغطرس ثم تفاجأت بأخي يسأله:
- لكن بماذا تحدثت مع أختي قبل قليل فخرجت غاضبة.
- قلت لك شبهتني بالكاميرا فأخفتها.
ثم استدار إلي معتذراً:
- أنا آسف يا آنسة.
بعدها توجّه بالحديث إلى أخي معرّفاً عن نفسه وكأنه يقدم شخصه لي حتى أعرف اسمه.. أجل فقد كان يتعمد ذلك.
فجأة تدب حركة غريبة في الاستديو قائلين دقيقتين قبل بدء الإرسال، وقبل أخذ مكاني المفترض اقتربت منه خلسة عن أخي وهمست بأذنه:
- أنا وافرة الحظ أن تحضنني أعين هذه الكاميرا لتعكسني في أعين الناس، أنا أثق بقدرات فكرك فستزينني دون زينة أحملها وتكسوني بزهرة الإلهام يا سيد اللسان.
أجاب مندهشاً:
- وأخيراًً رضيت عني... بل أنا الأوفر حظاً بأن أظل محدقاً بك لمدة ساعة ونصف.
مر كل شيء بشكل جيد وطبعاًً خرجت أحمل أفضل مما كان يعتقد أخي، وأحياناًً أقول المهم أن لا يسبب لي مشاكل في البيت لو خسرت؛ فحمداً لله وحده من أعانني ووفقني للتمكن من التركيز بعد كل ما حدث قبل البدء. كنت حقاً سعيدة وظل أخي كعادته يخطط عما سيفعله بذلك المبلغ وكأنه ملك له لكن.
عدنا إلى البيت لكن في غمرة تلك الفرحة لم يلحظ أخي أن المصور أعطاني عنوانه واقترح عليّ تعليمي فن التصوير، وعندما قلت لا أقدر على التكلفة قال بل على حسابي... قد أكون أخطأت بما همست به له قبل التصوير وبقبولي التعلم على حسابه ولكن لم تغب عن ذهني تلك اللحظة التي كان يذود فيها عني صوب أخي فأحسسته الأقرب وإن لم تكن تجمعنا أي قرابة، لكن كثيراً ما أحن إلى شخص يحميني من الظلم الذي ألاقيه من أخوي فيحسسني هذا الخير بالضعف المقيت، فقد كان هو أخي الذي أتمناه وهو أبي الذي أرسمه في خيالي... كنت أعلم أنه غير صحيح ولكن هذا ما حدث.
عند عودتنا أقيم حفل جميل في البيت ولكن أخي كان البطل فهو الرجل، انتهزت أنا الفرصة كي أطلب من أمي موافقتي على تعلم التصوير خصوصاً وأنه سيكون من دون مقابل، ورجوتها أن لا تخبر شقيقيّ هذه المعلومة التي ستدفعهما لفتح باب من الأسئلة الدائمة فوافقت وقالت: مثلما أفرحتِ أخويك سأفرحك أنا أيضاً وأوافق... موافقتها أراحتني كثيراً، فلن أضطر لتبرير أي شيء فيما بعد.
توجّه بالكلام إلى أخي متظاهراً بعدم معرفته لي:
- يبدو أنني أنا من أخافها فقد قالت إن شكلي يشبه الكاميرا.
ابتسم مساعد المخرج وقال:
- اسمعي إن المباشر ليس هناك ما هو أسهل منه ولا أجمل لأنه يوحي بالطبيعي والتلقائي الذي في داخلنا، فلا تصنّع فيه ولا تمثيل بل علينا فقط الثقة بأنفسنا والتصرف بطريقة عادية، إذن فلا تكلفة فيه وكأننا في الشارع أو في البيت مع أهالينا أما إن كنت تخشين عدم نجاحك فأنا معك في هذا.
يتدخل المصور في هذه الأثناء:
- إذا خشيت عدم النجاح فلتقل لنفسها ماذا سأخسر فلست سأدفع فلساً من جيبي، إنها مجرد لعبة واللعب لا يكون إلا للترفيه وليس للقلق.. وقبل أن يكون هناك التفاح ماذا كان يأكل المريض.. هذا مثل شعبي نقوله نحن في بلدنا ويقوله الإنسان لنفسه حتى يقويها لتقبل الخسائر وإن كنت لست أرى خسارة في حياتك بل مجرد لعبة لا أكثر.
كان رائعاً وهو يتحدث... كان يبدو واثقاً من نفسه وواعياً جداً لما يقول، وكأنه يحفظ ذلك الكلام حفظا مسبقاً... كم كان طلق اللسان جميل الصوت متزن الوقوف كأنني لم أكن أرى غيره ولم يكن في ذلك المكان إلا أنا ورنة صوته، أجل رنة صوته.
وإذ بي أسمع صوت أخي:
- إنك محق ولكن للخسارة تأثيرها أيضاًً فمشقة الطريق وثمن البنزين والوقت الضائع.
فيجيبه:
- ألم يسبق لك مشاهدة مباراة كرة قدم؟
- بلى.
- بعيداً عن مدينتكم مرافقاً لفريقكم؟
- بلى.
- ألم تكن تدفع ثمن التذكرة لدخول الملعب وثمن الحافلة وتضيع وقتاً في المشاهدة مضيفاً مشقة الطريق، وسواء ربح الفريق أم لا فماذا كنت ستستفيد؟
- فرحة النجاح إذا ربحنا وخيبة الأمل إذا خسرنا.
- أرأيت، اليوم ستشاهد مباراة مشابهة، فقط تختلف نسبياً لأنها مباراة فكرية.
- يبدو أنك أستاذ في الإقناع ولست نداً لك.
تمنيته لحظتها لو كان هو أخي بدلاً من هذا المتغطرس ثم تفاجأت بأخي يسأله:
- لكن بماذا تحدثت مع أختي قبل قليل فخرجت غاضبة.
- قلت لك شبهتني بالكاميرا فأخفتها.
ثم استدار إلي معتذراً:
- أنا آسف يا آنسة.
بعدها توجّه بالحديث إلى أخي معرّفاً عن نفسه وكأنه يقدم شخصه لي حتى أعرف اسمه.. أجل فقد كان يتعمد ذلك.
فجأة تدب حركة غريبة في الاستديو قائلين دقيقتين قبل بدء الإرسال، وقبل أخذ مكاني المفترض اقتربت منه خلسة عن أخي وهمست بأذنه:
- أنا وافرة الحظ أن تحضنني أعين هذه الكاميرا لتعكسني في أعين الناس، أنا أثق بقدرات فكرك فستزينني دون زينة أحملها وتكسوني بزهرة الإلهام يا سيد اللسان.
أجاب مندهشاً:
- وأخيراًً رضيت عني... بل أنا الأوفر حظاً بأن أظل محدقاً بك لمدة ساعة ونصف.
مر كل شيء بشكل جيد وطبعاًً خرجت أحمل أفضل مما كان يعتقد أخي، وأحياناًً أقول المهم أن لا يسبب لي مشاكل في البيت لو خسرت؛ فحمداً لله وحده من أعانني ووفقني للتمكن من التركيز بعد كل ما حدث قبل البدء. كنت حقاً سعيدة وظل أخي كعادته يخطط عما سيفعله بذلك المبلغ وكأنه ملك له لكن.
عدنا إلى البيت لكن في غمرة تلك الفرحة لم يلحظ أخي أن المصور أعطاني عنوانه واقترح عليّ تعليمي فن التصوير، وعندما قلت لا أقدر على التكلفة قال بل على حسابي... قد أكون أخطأت بما همست به له قبل التصوير وبقبولي التعلم على حسابه ولكن لم تغب عن ذهني تلك اللحظة التي كان يذود فيها عني صوب أخي فأحسسته الأقرب وإن لم تكن تجمعنا أي قرابة، لكن كثيراً ما أحن إلى شخص يحميني من الظلم الذي ألاقيه من أخوي فيحسسني هذا الخير بالضعف المقيت، فقد كان هو أخي الذي أتمناه وهو أبي الذي أرسمه في خيالي... كنت أعلم أنه غير صحيح ولكن هذا ما حدث.
عند عودتنا أقيم حفل جميل في البيت ولكن أخي كان البطل فهو الرجل، انتهزت أنا الفرصة كي أطلب من أمي موافقتي على تعلم التصوير خصوصاً وأنه سيكون من دون مقابل، ورجوتها أن لا تخبر شقيقيّ هذه المعلومة التي ستدفعهما لفتح باب من الأسئلة الدائمة فوافقت وقالت: مثلما أفرحتِ أخويك سأفرحك أنا أيضاً وأوافق... موافقتها أراحتني كثيراً، فلن أضطر لتبرير أي شيء فيما بعد.
Page 8
في الصباح الباكر خرجت أقصد المكان الذي اتفقنا عليه، ولم يكن هذا يمنعني من مواصلة دراستي التي كنت أجريها عن الكمبيوتر، وها أنا أصل بالتوقيت المضبوط.
- صباح الخير.
فيقترب بخده ليسلم عليّ فأبتعد وأقول له:
- عفواًً ما الذي تفعله؟
- أسلم.
- لا داعي لأن تكرر هذا مرة أخرى، وإلا غادرت دون رجعة.
- عفواًً اعتقدت أننا أصبحنا أصحاباً.
- لا أعلم ما الذي تعنيه بأصحاب لكن ليس بيننا سلام بهذه الطريقة فماذا تركت لأخي وأبي والأقرب منك!
- آه الأقرب مني.. فهمت.
قالها بامتعاض ثم اكتفى بإطالة النظر إلي دون النطق ببنت شفة فقطعت هذا الموقف بقولي:
- إذن أين ما وعدتني به أم أنك غيرت رأيك؟
- لا ولما أفعل؟ لمنعك سلاماً عادياً؟ أنت المحقة وأنا المخطئ كان عليّ المصافحة فقط أم أن هذه لا يجب أن تحصل أيضاً؟
- لي مبادئ قد لا تعجبك إن ناقشناها، لذا دع بيننا التصوير فقط أحسن، وإن كنت قد أعجبت بك كثيراً آخر مرة من الموقف الذي وقفته أمام أخي فحقاً أثلجت قلبي.
هنا ظهرت الابتسامة على محيّاه من جديد:
- حقاً.. مع أنني لم أقل شيئاً.
- هذا ما تعتقد أنت، فأنا كنت في موقف حرج وقد أنقذتني وإن كنت أنت السبب في كل ذلك لكن أنا أشكرك في كل الأحوال.
أطلق قهقهة عالية:
- ماذا فعلت أنا؟
- لا داعي لإعادة ذكر ذلك ولا تظن أنني أقبل بمثل ذلك الكلام وأنت مدين لي باعتذار.
- هذا صحيح، أنا آسف، وعد مني لن أكرر ذلك، فأنت أنقى مما تصورت.
نظرت ورائي أبحث عن المدخل:
- والآن ألن نبدأ عملنا.
- تقصدين تدريبك.
أجبته مازحة:
- أجل.. إن كنت ستحاسبني على كل كلمة.
- صباح الخير.
فيقترب بخده ليسلم عليّ فأبتعد وأقول له:
- عفواًً ما الذي تفعله؟
- أسلم.
- لا داعي لأن تكرر هذا مرة أخرى، وإلا غادرت دون رجعة.
- عفواًً اعتقدت أننا أصبحنا أصحاباً.
- لا أعلم ما الذي تعنيه بأصحاب لكن ليس بيننا سلام بهذه الطريقة فماذا تركت لأخي وأبي والأقرب منك!
- آه الأقرب مني.. فهمت.
قالها بامتعاض ثم اكتفى بإطالة النظر إلي دون النطق ببنت شفة فقطعت هذا الموقف بقولي:
- إذن أين ما وعدتني به أم أنك غيرت رأيك؟
- لا ولما أفعل؟ لمنعك سلاماً عادياً؟ أنت المحقة وأنا المخطئ كان عليّ المصافحة فقط أم أن هذه لا يجب أن تحصل أيضاً؟
- لي مبادئ قد لا تعجبك إن ناقشناها، لذا دع بيننا التصوير فقط أحسن، وإن كنت قد أعجبت بك كثيراً آخر مرة من الموقف الذي وقفته أمام أخي فحقاً أثلجت قلبي.
هنا ظهرت الابتسامة على محيّاه من جديد:
- حقاً.. مع أنني لم أقل شيئاً.
- هذا ما تعتقد أنت، فأنا كنت في موقف حرج وقد أنقذتني وإن كنت أنت السبب في كل ذلك لكن أنا أشكرك في كل الأحوال.
أطلق قهقهة عالية:
- ماذا فعلت أنا؟
- لا داعي لإعادة ذكر ذلك ولا تظن أنني أقبل بمثل ذلك الكلام وأنت مدين لي باعتذار.
- هذا صحيح، أنا آسف، وعد مني لن أكرر ذلك، فأنت أنقى مما تصورت.
نظرت ورائي أبحث عن المدخل:
- والآن ألن نبدأ عملنا.
- تقصدين تدريبك.
أجبته مازحة:
- أجل.. إن كنت ستحاسبني على كل كلمة.
Page 9
- مثلما تحاسبين أنت على كل تصرف.
- ها ها أضحكتني وليست لي رغبة في الضحك.
- أم أم.. بمعنى أنني ثقيل الظل... في ثلاثة طلبة فقط وكلهم أقارب وأصحاب حتى تعلمي أنني لا أدرب ولا أقدم دروساً لأي كان.
- شكراً، فضل منك.
- جميل أن تعترفي بهذا ثم إنني بدأت أكتشف فيك شخصية مختلفة فأنت تمزحين وتبتسمين وقد أكتشف الأكثر.
- أجل.. والآن؟
- والآن تفضلي سيكون بينكم تعارف وبعدها ننطلق موافقة؟
- أجل.
* * *.
بعد أشهر عديدة كنت قد بدأت التوفيق بين ما تعلمته في المعهد عن الكمبيوتر وما ساعدني به صاحب الفكر بفن التصوير فأعطاني هذا نتاجاً جيداً؛ ففي العام الواحد والتسعين بعد التسعمائة وألف كان يعد الكمبيوتر يعدّ في بلدنا نكرة لا يعلم عنها الكثير إلا قلة، وإذا مزجت مع فنّ التصوير يصبح صاحبها محظوظاً لضمانه إيجاد العمل أياً كان.
طبعاً بعد إتمام تعليمي كان ذلك الصديق كعادته هو الوفي والأقرب إلي، فهو من ألحقني بميدان العمل فتضاعفت ديونه واحترت في كيفية سدادها وإن كان هو لا يطلب ذلك أبداًً.
كنت أتمنى في أول يوم رأيته لو يبتعد عني ثم بعد وقفته معي يوم مشاركتي في البرنامج مواجهةً لأخي تمنيت لو كان هو أخي، بعدها عندما بدأت أخوض معه غمار الحياة خصوصاً عندما يطلب مني مرافقته في عمل ما بالميدان كي يكسبني خبرة أكثر وثقة أكبر؛ كذا مشاركته لي بكل ما كان يخطر ببالي، وكل ما كنت أعيشه في تلك الأيام تمنيت لو كان هو صديقي بل وأقرب صديق... كنت بحاجة لأخ حقيقي كالذي أسمع عنه من الناس وبحاجة لصديقة حقيقية تقف إلى جانبي في كل الأحوال فلا تتركني إذا علمت بفقري ولا تغدر بي مهما أغراها الإنسان، أو ربما بكلمة أخرى مهما أغراها الشيطان، لكن لم أجد كل هذا إلا مع صاحب الفكر، فما المانع أن يكون أخي وقد اقترح عليّ هذا كثيراً في كل المناسبات؛ ولماذا لا يصبح الصديق الذي تمنيته ولم أجده قط بدلاً من امرأة يكون رجلاً خاصة وأنه كان يحترم الحدود التي كنت أضعها.
كثرة انشغالنا لم تتح لي الفرصة أن أسأله أي شيء عن نفسه أو ربما كنت أخشى ذلك لسبب ما لا أريد مصارحة نفسي به، أما هو فكان يعرف عني ليس الكثير إنما كل ما يخصني وكان هذا أفضل، أحياناً ألوم نفسي لكونه أخاً وصديقاً لي في الوقت الذي لم أكن أنا أختاً وصديقة له وكانت طبعاً هذه أنانية مني؛ لم ألم نفسي قط عليها إلا بعد فوات الأوان.
لم أكن أعرف له عنواناً ولا رقم هاتف ولا أتذكر جيداً اسمه بالكامل غير أنه صاحب الفكر، كثيراً ما كان يناقشني طويلاً بأمور الحياة، ولكن لم أذكر له قط كيف عاملني أخواي وموافقة أبي لهما بصمته إلى حين أن بدأت العمل فأصبحت أزن راتباً شهرياً معتبراً جعلهم يتغيرون معي نسبياً.. لم أذكر له عبارات لا أطيقها لأنها تذكرني بهم وبظلمهم الذي لن تستغني عنه ذاكرتي ما حييت كما في تصرفات لا أحبها، فلا أحب أن يصرخ في وجهي أحدهم، وكلما تعالى صوت أي كان في وجهي سأتذكرهم ولا أحب أن يعطيني شخص أوامر لأنه أيضاً يذكرني بهم، ولا أحب أن يقال لي أنت ملك لي لأنه أيضاً كانت من عباراتهم التي تستفزني، لم أشأ ذكر كل هذا وغيره لأنني اعتبرته عالمي الخاص ثم ما الفائدة من ذكره وإن كنت أحياناً أكاد أضعف وأخبره ثم أتراجع، ربما لأنني كنت أخجل من سرد حياة بائسة وهو الذي كان يرسمني بصور خيالية، ولم أكن أرغب بإفسادها بل وأوهم نفسي أحياناً بها أو ربما لأنني أتألم أكثر كلما تذكرتها، فكيف بالحديث عنها أو ربما كنت أخشى أن يبتعد ويصبح هو الآخر مثلهم أو ربما هناك أسباب هي في داخلي وأنا أجهلها، فمنذ تعرفت عليه اكتشفت أنّ في داخلي الكثير الذي أجهله، وكأنها نفس غريبة عني بدأت أتعرف عليها لأول مرة؛ لهذا لم يكن يفهم سبب تغير مزاجي الدائم والمفاجئ وسبب حدة غضبي بالرغم من رؤيتي لتلك الأسئلة الظاهرة على ملامحه فأسارع إلى المغادرة أو إلى الاحتماء بالقيام بأمر ما على الكاميرا أو التحميض.. كان ملحاحاً في كلّ شيء إلا بهذا الشأن، فقد كان يتوقف عنده ولا يسأل؛ ربما هذا ما ساعدني على أن أخفي الأمر دوماً؛ فقد كنت أحياناً أتمنى لو يسألني، لو يلح عليّ ولو ولو.... لكن ما كان هذا يحدث أبداً.
- ها ها أضحكتني وليست لي رغبة في الضحك.
- أم أم.. بمعنى أنني ثقيل الظل... في ثلاثة طلبة فقط وكلهم أقارب وأصحاب حتى تعلمي أنني لا أدرب ولا أقدم دروساً لأي كان.
- شكراً، فضل منك.
- جميل أن تعترفي بهذا ثم إنني بدأت أكتشف فيك شخصية مختلفة فأنت تمزحين وتبتسمين وقد أكتشف الأكثر.
- أجل.. والآن؟
- والآن تفضلي سيكون بينكم تعارف وبعدها ننطلق موافقة؟
- أجل.
* * *.
بعد أشهر عديدة كنت قد بدأت التوفيق بين ما تعلمته في المعهد عن الكمبيوتر وما ساعدني به صاحب الفكر بفن التصوير فأعطاني هذا نتاجاً جيداً؛ ففي العام الواحد والتسعين بعد التسعمائة وألف كان يعد الكمبيوتر يعدّ في بلدنا نكرة لا يعلم عنها الكثير إلا قلة، وإذا مزجت مع فنّ التصوير يصبح صاحبها محظوظاً لضمانه إيجاد العمل أياً كان.
طبعاً بعد إتمام تعليمي كان ذلك الصديق كعادته هو الوفي والأقرب إلي، فهو من ألحقني بميدان العمل فتضاعفت ديونه واحترت في كيفية سدادها وإن كان هو لا يطلب ذلك أبداًً.
كنت أتمنى في أول يوم رأيته لو يبتعد عني ثم بعد وقفته معي يوم مشاركتي في البرنامج مواجهةً لأخي تمنيت لو كان هو أخي، بعدها عندما بدأت أخوض معه غمار الحياة خصوصاً عندما يطلب مني مرافقته في عمل ما بالميدان كي يكسبني خبرة أكثر وثقة أكبر؛ كذا مشاركته لي بكل ما كان يخطر ببالي، وكل ما كنت أعيشه في تلك الأيام تمنيت لو كان هو صديقي بل وأقرب صديق... كنت بحاجة لأخ حقيقي كالذي أسمع عنه من الناس وبحاجة لصديقة حقيقية تقف إلى جانبي في كل الأحوال فلا تتركني إذا علمت بفقري ولا تغدر بي مهما أغراها الإنسان، أو ربما بكلمة أخرى مهما أغراها الشيطان، لكن لم أجد كل هذا إلا مع صاحب الفكر، فما المانع أن يكون أخي وقد اقترح عليّ هذا كثيراً في كل المناسبات؛ ولماذا لا يصبح الصديق الذي تمنيته ولم أجده قط بدلاً من امرأة يكون رجلاً خاصة وأنه كان يحترم الحدود التي كنت أضعها.
كثرة انشغالنا لم تتح لي الفرصة أن أسأله أي شيء عن نفسه أو ربما كنت أخشى ذلك لسبب ما لا أريد مصارحة نفسي به، أما هو فكان يعرف عني ليس الكثير إنما كل ما يخصني وكان هذا أفضل، أحياناً ألوم نفسي لكونه أخاً وصديقاً لي في الوقت الذي لم أكن أنا أختاً وصديقة له وكانت طبعاً هذه أنانية مني؛ لم ألم نفسي قط عليها إلا بعد فوات الأوان.
لم أكن أعرف له عنواناً ولا رقم هاتف ولا أتذكر جيداً اسمه بالكامل غير أنه صاحب الفكر، كثيراً ما كان يناقشني طويلاً بأمور الحياة، ولكن لم أذكر له قط كيف عاملني أخواي وموافقة أبي لهما بصمته إلى حين أن بدأت العمل فأصبحت أزن راتباً شهرياً معتبراً جعلهم يتغيرون معي نسبياً.. لم أذكر له عبارات لا أطيقها لأنها تذكرني بهم وبظلمهم الذي لن تستغني عنه ذاكرتي ما حييت كما في تصرفات لا أحبها، فلا أحب أن يصرخ في وجهي أحدهم، وكلما تعالى صوت أي كان في وجهي سأتذكرهم ولا أحب أن يعطيني شخص أوامر لأنه أيضاً يذكرني بهم، ولا أحب أن يقال لي أنت ملك لي لأنه أيضاً كانت من عباراتهم التي تستفزني، لم أشأ ذكر كل هذا وغيره لأنني اعتبرته عالمي الخاص ثم ما الفائدة من ذكره وإن كنت أحياناً أكاد أضعف وأخبره ثم أتراجع، ربما لأنني كنت أخجل من سرد حياة بائسة وهو الذي كان يرسمني بصور خيالية، ولم أكن أرغب بإفسادها بل وأوهم نفسي أحياناً بها أو ربما لأنني أتألم أكثر كلما تذكرتها، فكيف بالحديث عنها أو ربما كنت أخشى أن يبتعد ويصبح هو الآخر مثلهم أو ربما هناك أسباب هي في داخلي وأنا أجهلها، فمنذ تعرفت عليه اكتشفت أنّ في داخلي الكثير الذي أجهله، وكأنها نفس غريبة عني بدأت أتعرف عليها لأول مرة؛ لهذا لم يكن يفهم سبب تغير مزاجي الدائم والمفاجئ وسبب حدة غضبي بالرغم من رؤيتي لتلك الأسئلة الظاهرة على ملامحه فأسارع إلى المغادرة أو إلى الاحتماء بالقيام بأمر ما على الكاميرا أو التحميض.. كان ملحاحاً في كلّ شيء إلا بهذا الشأن، فقد كان يتوقف عنده ولا يسأل؛ ربما هذا ما ساعدني على أن أخفي الأمر دوماً؛ فقد كنت أحياناً أتمنى لو يسألني، لو يلح عليّ ولو ولو.... لكن ما كان هذا يحدث أبداً.
Page 10
ذات يوم كنت أجلس إلى الكمبيوتر فلمحت من زجاج النافذة عش عصفور تتأبطه شجرة البرتقال في الشارع الطويل على غصن صغير يتعر شه ثلاثة أفراخ فاتحين أفواههم لالتقاط غذاء الأم الدائبة فحسدتهم بحب وحسرة وقلت معتقدة إنه لا يسمعني لانشغاله:
- ليتنا كنا عائلة كهذه العائلة، فهم طيور وأحسهم أوفر حظّاً مني كم من حنان يعطى لهم وكم من دفء.
إذ بي أسمع صوته:
- إنها تسعى وتواجه المتاعب والمشاق ليشدوا عضدهم وبعدها لكلِ وجهة يسلكها اعتماداً على النفس، إذا تغذى نما ريشه وتكونت جناحاه فيبقى لها أن تعلمه الطيران، وهنا تبدأ رحلة شفائه هو الآخر وهكذا دواليك فلا يغيظه ذلك ولا يلومها.
ابتسم بعدها كعادته ابتسامة مشرقة وطرح أول مسألة عليّ حلها على شاشة الكمبيوتر فشرعت في ذلك من دون النطق ببنت شفة، كنت أحس أنه يعلم أنني سأعلق على كلامه بعد الحل أو على الأكثر بعد مناقشة الحل، لذا وضعت كل تركيزي بالمسألة إلى أن قضيت عليها؛ فجعل بعدها يناقشني ما وفقت فيه وما لم أوفق إلى أن بلغنا حد النقاش، فصرت أتأهب للمغادرة وعند عتبة الباب قلت:
- ليس البشر كالطيور أو كسائر الحيوان، ولي أن أطلب حب الأبوين وإخوتي واهتمامهم ما حييت لأنه حق لا يزول ببلوغ سن معينة فلا القانون ولا الدين يحد من هذا الحق.
اكتفيت بهذا التعليق كي يعلم أن كلامه لم يكن مقنعاً لأن حياة البشر لا يمكنها أن تشابه حياة الطيور أو الحيوان في كثير من الخصائص، فحاجتي إلى حنان أهلي ورعايتهم لا تتوقف عند كبري أو عند دخولي الحياة الاجتماعية بالعمل وغيره، كلا فحاجة الإنسان لأهله تبقى قائمة إلى أن يسلبه الموت روحه.
عند خروجي وجدته يتبعني كي يقول ولأول مرة أسمع منه صوتاً عالياً:
- لماذا لا تمنحين الشخص الفرصة كي يفهم منك ما يحدث، وعن ماذا تتحدثين بالضبط، فأنا لم أعنيك أنت بذلك الكلام إنما تحدثت بصفة عامة وكررت ما يقوله الناس عادة عن الطيور وغيرها من المخلوقات، فَلِمَ الغضب وسرعة المغادرة هكذا دون شرح!
- ومن سمح لك أن ترفع صوتك بوجهي؟
- أعتذر ولكن طريقتك تثير غضبي دوماً لكن هذه المرة.
فقاطعته:
- تثير غضبك؟ ودوماً؟ ومن يجبرك على تحملي، ألست من يتبعني؟
- أنا أتحدث عن أمر وأنت عن أمر بعيد تماماً.
- لا يهمني عمّا تتحدث لكن لا أسمح لك بأن ترفع صوتك مهما كان السبب.
- حقاً إنك امرأة... أنا أريد أن.
عندما سمعت منه تلك العبارة رأيت فيه صورة أخوي وأبي؛ وكل رجل ظالم، لم أعد أرى فيه صورة ذلك الإنسان الذي ملكني فكره بل مجرد رجل ظالم كباقي الرجال، حينها تراجعت إلى الوراء وخرجت أركض، وحتى لا يلحق بي اتجهت إلى المحطة ودون شعور مني وجدتني أركب القطار المتجه إلى العاصمة، لم يكن طبعاً ذلك اتجاهي ولكنني حمدت الله على ذلك لأنني بهذا أكون قد تأكدت من عدم لحاقه بي.
عند وصولنا إلى العاصمة نزلت سائلة عن القطار العائد إلى مدينتي وكان في الانتظار فلم أكلف نفسي حتى شراء التذكرة لشدة حزني وضيقي كما لم يكن ذلك من عادتي. انطلقنا وأنا أرجو عدم رؤيته إلى الأبد خصوصاً عند محطة التوقف الأولى فنزل ركاب وصعد آخرون وبقيت أنا في مكاني شاردة الذهن إلى أن سمعت صفارة الرحيل، تيقنت وقتئذ أنني لن أراه أبداً. منعت نفسي من التفكير حتى لا تتغلب عليّ دموعي وأنا في مكان عام، أذكر أنه كانت هناك عجوز تجلس قبالتي، لم أكن أسمع ما تقول فقد كنت أرمي ببصري من النافذة ألمح اللاشيء إلى أن وجدتها تضع يدها على ركبتي وهي تقول:
- ستفرج مهما ضاقت ستفرج فلا يبدو عليك إلا ملامح الطيبة والخير ومن هم مثلك لهم راع اسمه الله.
حاولت أن أبتسم لكنني لم أستطع فاكتفيت بهز رأسي وتساءلت هل إلى هذه الدرجة الحزن والهم باديان على وجهي، ثم ناولتني قطعة شوكولا كانت قد اشترتها من أحد الباعة المتجولين في القطار قائلة:
- تناولي هذه القطعة الحلوة وليجعل الله كل أيامك حلوة.
فزادني ذلك حزناً لا أدري له سبباً، ولم أجد ما أقوله لها غير كلمة:
- شكراً.
وجود تلك العجوز معي ومحاولاتها اللجوجة لنفض الغم عني لم يغير شيئاً، فعند وصولي إلى البيت اتجهت مباشرة إلى غرفتي وحاولت أن أتخلص من ضيقي وغضبي بالحركات الرياضية كعادتي ولكن هيهات، فعذابي كان أشد لأنها كانت خيبة أمل وأي خيبة، كانت صدمة كدت السقوط إثرها ولكنني تمالكت نفسي لكوني كنت في الشارع وها أنا الآن في غرفتي ووحدي يمكنني أن أبكي، أن أصرخ ولكن لم أفعل أي شيء من كل ذلك، فالدموع ضعف ولم أكن أريد أن أضعف أكثر وإن كانت تُروح عن النفس، فقمت بتحضير الحمام مالئة الحوض واستلقيت فيه... بعدها طردت كل أفكاري وشرعت في الغناء وعاودتني الدموع فاستجبت لها هذه المرة من دون أن أدرك السبب...
- ليتنا كنا عائلة كهذه العائلة، فهم طيور وأحسهم أوفر حظّاً مني كم من حنان يعطى لهم وكم من دفء.
إذ بي أسمع صوته:
- إنها تسعى وتواجه المتاعب والمشاق ليشدوا عضدهم وبعدها لكلِ وجهة يسلكها اعتماداً على النفس، إذا تغذى نما ريشه وتكونت جناحاه فيبقى لها أن تعلمه الطيران، وهنا تبدأ رحلة شفائه هو الآخر وهكذا دواليك فلا يغيظه ذلك ولا يلومها.
ابتسم بعدها كعادته ابتسامة مشرقة وطرح أول مسألة عليّ حلها على شاشة الكمبيوتر فشرعت في ذلك من دون النطق ببنت شفة، كنت أحس أنه يعلم أنني سأعلق على كلامه بعد الحل أو على الأكثر بعد مناقشة الحل، لذا وضعت كل تركيزي بالمسألة إلى أن قضيت عليها؛ فجعل بعدها يناقشني ما وفقت فيه وما لم أوفق إلى أن بلغنا حد النقاش، فصرت أتأهب للمغادرة وعند عتبة الباب قلت:
- ليس البشر كالطيور أو كسائر الحيوان، ولي أن أطلب حب الأبوين وإخوتي واهتمامهم ما حييت لأنه حق لا يزول ببلوغ سن معينة فلا القانون ولا الدين يحد من هذا الحق.
اكتفيت بهذا التعليق كي يعلم أن كلامه لم يكن مقنعاً لأن حياة البشر لا يمكنها أن تشابه حياة الطيور أو الحيوان في كثير من الخصائص، فحاجتي إلى حنان أهلي ورعايتهم لا تتوقف عند كبري أو عند دخولي الحياة الاجتماعية بالعمل وغيره، كلا فحاجة الإنسان لأهله تبقى قائمة إلى أن يسلبه الموت روحه.
عند خروجي وجدته يتبعني كي يقول ولأول مرة أسمع منه صوتاً عالياً:
- لماذا لا تمنحين الشخص الفرصة كي يفهم منك ما يحدث، وعن ماذا تتحدثين بالضبط، فأنا لم أعنيك أنت بذلك الكلام إنما تحدثت بصفة عامة وكررت ما يقوله الناس عادة عن الطيور وغيرها من المخلوقات، فَلِمَ الغضب وسرعة المغادرة هكذا دون شرح!
- ومن سمح لك أن ترفع صوتك بوجهي؟
- أعتذر ولكن طريقتك تثير غضبي دوماً لكن هذه المرة.
فقاطعته:
- تثير غضبك؟ ودوماً؟ ومن يجبرك على تحملي، ألست من يتبعني؟
- أنا أتحدث عن أمر وأنت عن أمر بعيد تماماً.
- لا يهمني عمّا تتحدث لكن لا أسمح لك بأن ترفع صوتك مهما كان السبب.
- حقاً إنك امرأة... أنا أريد أن.
عندما سمعت منه تلك العبارة رأيت فيه صورة أخوي وأبي؛ وكل رجل ظالم، لم أعد أرى فيه صورة ذلك الإنسان الذي ملكني فكره بل مجرد رجل ظالم كباقي الرجال، حينها تراجعت إلى الوراء وخرجت أركض، وحتى لا يلحق بي اتجهت إلى المحطة ودون شعور مني وجدتني أركب القطار المتجه إلى العاصمة، لم يكن طبعاً ذلك اتجاهي ولكنني حمدت الله على ذلك لأنني بهذا أكون قد تأكدت من عدم لحاقه بي.
عند وصولنا إلى العاصمة نزلت سائلة عن القطار العائد إلى مدينتي وكان في الانتظار فلم أكلف نفسي حتى شراء التذكرة لشدة حزني وضيقي كما لم يكن ذلك من عادتي. انطلقنا وأنا أرجو عدم رؤيته إلى الأبد خصوصاً عند محطة التوقف الأولى فنزل ركاب وصعد آخرون وبقيت أنا في مكاني شاردة الذهن إلى أن سمعت صفارة الرحيل، تيقنت وقتئذ أنني لن أراه أبداً. منعت نفسي من التفكير حتى لا تتغلب عليّ دموعي وأنا في مكان عام، أذكر أنه كانت هناك عجوز تجلس قبالتي، لم أكن أسمع ما تقول فقد كنت أرمي ببصري من النافذة ألمح اللاشيء إلى أن وجدتها تضع يدها على ركبتي وهي تقول:
- ستفرج مهما ضاقت ستفرج فلا يبدو عليك إلا ملامح الطيبة والخير ومن هم مثلك لهم راع اسمه الله.
حاولت أن أبتسم لكنني لم أستطع فاكتفيت بهز رأسي وتساءلت هل إلى هذه الدرجة الحزن والهم باديان على وجهي، ثم ناولتني قطعة شوكولا كانت قد اشترتها من أحد الباعة المتجولين في القطار قائلة:
- تناولي هذه القطعة الحلوة وليجعل الله كل أيامك حلوة.
فزادني ذلك حزناً لا أدري له سبباً، ولم أجد ما أقوله لها غير كلمة:
- شكراً.
وجود تلك العجوز معي ومحاولاتها اللجوجة لنفض الغم عني لم يغير شيئاً، فعند وصولي إلى البيت اتجهت مباشرة إلى غرفتي وحاولت أن أتخلص من ضيقي وغضبي بالحركات الرياضية كعادتي ولكن هيهات، فعذابي كان أشد لأنها كانت خيبة أمل وأي خيبة، كانت صدمة كدت السقوط إثرها ولكنني تمالكت نفسي لكوني كنت في الشارع وها أنا الآن في غرفتي ووحدي يمكنني أن أبكي، أن أصرخ ولكن لم أفعل أي شيء من كل ذلك، فالدموع ضعف ولم أكن أريد أن أضعف أكثر وإن كانت تُروح عن النفس، فقمت بتحضير الحمام مالئة الحوض واستلقيت فيه... بعدها طردت كل أفكاري وشرعت في الغناء وعاودتني الدموع فاستجبت لها هذه المرة من دون أن أدرك السبب...