eKtab
EN ع
معاناة جوليان - ضحية التنصير
Read free sample

معاناة جوليان - ضحية التنصير

by ساعد قويسم

Page 1
الحياة الدنيا.. الكثير من سكان المعمورة يحاول أن يجد تعريفاً لهذه الكلمة التي طالما أتعبت ابن آدم، وإن كل من يحاول فهمها وتعريفها هو إنسان تلقى الكثير من العذاب من عندها، وإنها قد أتعبته أو بالأحرى ذبحته.

فأنا شخصياً أراها شبيهة بمعادلات

جوليان... أو... سمير... هذا الإنسان البريء روى لي قصته التي أعتبرها أغرب من الخيال، وما شرفني كثيراً هو أنه سمح لي أن أتكلم عن معاناته وأن أترجم أحاسيسه، شرفني كثيراً عندما طلب مني أن أعبّر عن تجربته المريرة بلساني، وكأني أنا من عاش المعاناة، ولكن الذي لا يعرفه سمير هو أنني بالفعل عشت أوجاعه وتعذبت لعذابه وبكيت لبكائه وحزنت لحزنه....

سمير هذا هو

17 عاماً هذا هو عمري، حياة هادئة جميلة هذا هو عنوان مساري في الحياة الدنيا،... الأب، الأم، الأخت هذه هي عائلتي الفرانكوفونية ذات العقل الغربي؛ فكل تفكيرها وطريقة عيشها بعيدان كثيراً عن الحياة العربية وعاداتها.. فقد كانت حياتنا شبه غربية وبعيدة حتى عن التفكير الإسلامي...،... في مثل هذه الظروف، وفي مثل هذه الأيام وهذا العمر كنت أعتبر حالي ممسكاً بالحياة الدنيا من جهة الزهرة، وكان كل يوم يمر يفوح فيه عطرها وتزيّن ألوانها دربي بكل ما كان يعطيني الحماس لعيش حياة أجمل من الجمال.. فكيف لا تكون حياتي بهية وعائلتي من حولي تصونني وترعاني.. لقد كانت هي منبع الأمل، بل الآمال في دنيا كنت أسمع الكثير عن آهاتها وألوانها القاتمة.. كنت كل يوم أسمع فيه عن مثل هذه الأوصاف ينتابني شعور رهيب.. كنت أخاف كثيراً، وأستغرب أكثر لما كان يحدث للناس.. وكانت أسئلة كثيرة تشغل بالي، ويا ليتني لقيت الجواب الشافي حيث كنت أضيع كلما حاولت البحث عن أجوبة لأسئلتي... لكن أختي... رانيا... التي كنت أعتبرها معلمتي في مدرسة الحياة كانت هي مصدر الأجوبة، لأنها الوحيدة في حياتي بعد والدي... رانيا أجمل ما رأت عين ابن آدم.. كان فارق السن بيننا كبيراً

كان يومها حزيناً جداً بالنسبة لي يوم صارحتني أنها تعرفت على شاب في الفترة الأخيرة، وأنهما يخططان للزواج، وقد لمحت في عينيها البريئتين شرارة الفرحة، أشعة السعادة.. فرحت لفرحتها ولكن سرعان ما تذكرت أن هذا المشروع سوف يبعدها عني.. أتذكر جيداً أني بكيت يومها وما أحزنني هي أنها ظنت أني بكيت من فرحتي لها، ولكن لم أبكِ لذلك بل لخوفي من فقدانها وبعدها.. حضنتها وأنا أقول في وجداني: «كلا يا رانيا لا تتركيني....». لقد شعرت أن كل الأحاسيس تجمعت، إحساس الخوف على الملاك رانيا، إحساس فراقها وفقدانها وإحساس فرحتي لها؛ فيومها لم أفهم ما هو شعوري وما هي حالة قلبي؟؟! والمفاجأة الأكبر من كل هذا، هي أنها صارحتني كي تطلب مني أن أتكلم مع أمي وأقول لها إنّ هناك رجلاً في حياة الملاك «رانيا»، وإنه سوف يتقدم لخطبتها فعلاً... فوجئت من هذا الخبر، ولكن في الأخير فهمت إحساسي وهو أني كنت حزيناً جداً خوفاً من فراقها... صراحة لم أرتح يوماً لهذا الزواج

ظلت على هذه الحالة لمدة أسبوع كامل، وبعدها تحسنت حالتها نوعاً ما، وسمح لنا بالجلوس معها والتحدث إليها ولكن كانت كصخرة في هيئة إنسان.. لم تنطق حتى ولو بحرف واحد، حاولت معها كثيراً، وفرحت

رحلت الملكة رانيا واختارت أن تلبس الثوب الأبيض للذهاب إلى الله لا لتذهب إلى بيت زوجها كما تمنينا نحن؛ كلا بل انتقلت إلى بيت جد متواضع عرضه «شبر واحد» وطوله لا يتعدى المترين ولونه بني لأنه من تراب، واختارت أن يكون الدود هو شريك دربها. كذلك وجدت صديقة جديدة وهي الظلمة، وهناك رفيقة أخرى وهي الوحدة.. وقتها لم أعرف ما هو شعوري، لم ولن أصدق أنها رحلت إلى الأبد. وحتى يومنا هذا أنا لم ولن أؤمن بمغادرتها لحياتنا.. أنت لم ترحلي، أنت تعيشين في وجداني، رانيا عندما وضعت تحت التراب هذا لا يعني أنك انتهيت، أنت لم ولن تنتهي يا عمري، رانيا أنا اليوم أخاطبك فاسمعيني، يا ملكتي، تركت فراغاً أرهب من الرهيب، فراغاً لن يملأه شيء في الحياة، ولكنك سوف تظلين معنا، فأنا أحضّر لك يومياً على طاولة الأكل صحنك وملعقتك وكرسيك. وبالرغم من أنك لا تأتين جسدياً إلا أني أحس بقدوم روحك الطاهرة، أشعر أنها في مكانها، وتأكل من الصحن الذي حضرته وبالملعقة التي أحضرتها، وتجلس فوق الكرسي الذي أختاره لكِ... رانيا أود أن أقول لك شيئاً تعرفينه جيداً: «أنا أحبك وحتى الموت لن يفرّق بيننا».... وهنا بالذات بدأت معاناتي الحقيقية، فبعد الإعلان عن رحيل روح القلب رانيا كانت هذه إشارة خضراء لبداية هموم وأوجاع ليس منها مفر... كان هذا بداية العذاب الروحي الذي ليس له نهاية، فكل يوم كنت أدخل فيه البيت، أذبح نفسي ووالدي بالسؤال عن رانيا، وعندما تبكي أمي أعرف الجواب، وأنا والله لم أتعمد يوماً طرح تلك الأسئلة، فقلبي وعقلي لم ولن يتقبلا رحيلها... كنت أنسى أنها ليست في الوجود لكن جسدياً فقط، لأنك يا رانيا لم ترحلي عنا روحياً.. كنت أعيش هذا الذبح الروحي كل يوم وأموت في اللحظة مئة مرة، ولكن مع مرور الأيام الضائعة بدأت أتعود على غيابها الجسدي، فكل يوم أخرج من الثانوية أتوجه مباشرة إلى مرقدها وأتكلم معها، أفتح لها قلبي وأحكي لها كل ما جرى لي في اليوم، ولكن في الأخير تصفعني الدنيا وتقول لي: «أنت تكلم التراب ولا أحد يسمعك فكفاك كذباً على نفسك»، ولكن كنت أجيبها دوماً بأن هذا الكذب أرحم من حقيقة، لو طلبنا من جبل أن يتحملها لصار تراباً... ومرت الأيام وجرت العادة أن أزور رانيا يومياً، وما كان يجرحني أنني لم ألق صديقاً واحداً يحس بعذابي ويحاول أن يخفف من آلامي.. وفي إحدى المرات وأنا متكئ على مرقد رانيا وأبكي بدموع لهيبها كالبركان المنفجر أحسست بيد أمسكت بي من كتفي، ظننت أنها يد أبي أو أمي، ولكن عندما نظرت إلى

ففي الأيام الأولى من التعارف كنا نلتقي في الحديقة العمومية لبلدتي، وكل مرة كنت أشكو له وأعبر عن عذابي كان يعجبني فيه إحساسه بطائر مكسور مثلي، وأحببته كثيراً عندما قال لي:
Page 2
ونحن نجلس إلى طاولة العشاء أحرجني وللمرة الرابعة، فعندما شربت الماء قال لي: «أليس في الإسلام مبدأ ينص على شرب الماء وفق ثلاث مرات وليس جرعة واحدة كما فعلت يا سمير». فعلاً كدت أنفجر من الخجل ولو انشقت الأرض لتركتها تبتلعني، فهذا أفضل من تلك المواقف المحرجة، ولكن سرعان ما تذكرت حادثة مشابهة لحادثتي جرت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بين مسيحي ومسلم، وكان جوابي مشابهاً لجواب ذلك المسلم فقلت له: «ومن قال لك إنني توقفت عن شرب الماء فأنا سأشرب كأسين آخرين»، وقد فعلتها كي لا أحرج أكثر... وبعدما تأكدت أنه يعرف الإسلام جيداً قررت، أنه مع الأيام سوف أطلب منه أن يعرفني أكثر على دينه لنكون متساويين في معرفتنا لديانة كل منا، ولكن ما لاحظته هو أني لم أسأله عن شيء كوني أردت التعرّف عليه أكثر، المهم، وبعد العشاء الذي يمكن وصفه بأنه أكثر من رائع، ونحن في طريقنا إلى البيت، كان ميشال مسرعاً نوعاً ما، وفجأة ظهر قط في الطريق فصرخ ميشال وأوقف السيارة مرة واحدة، فكادت أن تنقلب بنا يومها أحسست أني سوف ألحق رانيا. كان موقفاً رهيباً جداً، وبعد ذلك رأيت ابتسامة عريضة على وجهه، فوجئت كثيراً وقلت له: «من أين لك هذه الشجاعة؟ أوتضحك أيضاً؟»، فقال لي: «الحمد لله كدت أن أقتل هذا القط البريء، وأحمد الله أني لم أرتكب جريمة في حقه». ثم قلت له: «لكنك كنت ستقتلنا» فقال لي «الموت في مثل هذه الحالة رحمة من الله، وأن تموت في سبيل إنقاذ حياة كائن آخر هذه هي الجنة الحقيقية...».

صراحة لم أكن أتوقع إجابة بهذه الروعة.. وصلنا بعدها إلى المنزل سالمين ولكن الدهشة لم تفارقني، حتى أمي لاحظت ذلك على وجهي وسألتني عن سبب هذا كله، فلم أتردد في إخبار الأهل عن الصديق الجديد الذي عرفته ولكن لم أعلمهم أنه مسيحي لأن هذا الأمر كان سيخلق لي مشاكل كثيرة لأننا في الجزائر لا نتقبل إطلاقاً المسيحية ومعتنقيها؛ فخوفاً من الوقوع في ورطات لا مخرج منها لم أخبرهم عن ذلك لكني لم أتردد في إخبارهم عن شخصيته ومبادئه الرائعة وعن الحادثة الأخيرة، ولقد أعجب والدي كثيراً به وحمدنا الله كلنا على أنه في هذا العالم أناس بهذه المبادئ وهذه الأخلاق العالية، خصوصاً أمي التي رفعت يديها إلى السماء شاكرة الله، ولكن سرعان ما تحولت هذه الفرحة البسيطة إلى دموع جارحة وقالت: «هناك أناس تضحي بنفسها من أجل إنقاذ حياة حيوان وآخرون يفعلون المستحيل لقتل إنسان بأكمله...». فبكت بحرقة، ففهمت قولها الغامض، وأدركت أنها كانت تقصد ذلك اللعين جمال الذي أدى تصرفه إلى رحيل الغالية رانيا...

وبعد الحادثة بيومين التقيت بميشال وأخبرته أن والديّ أعجبا كثيراً بما فعله فقال لي: «هذه مبادئي وهذا ديني والحياة غالية جداً ولا تقدر بثمن».. وبينما نحن نتمشى في الطريق وجدنا متسولاً عجوزاً، حالته كانت مزرية ولا يحسد عليها، نظر إليه ميشال نظرة تأثر وجلس إلى جانبه وحاول معرفة سبب تسوله في مثل هذه السن، فلم يتردد هذا الأخير في رواية همومه والدمع ينهمر على خده، تأثرت كثيراً وأحزنني جداً حال هذا العجوز، بعدها قام ميشال وأعطاه مبلغاً معتبراً من المال، ثم قال لي: «ألا تريد أن نزيد في رتبتنا عند خالقنا»، فقلت له كيف هذا، فطلب مني أن أتبعه وأني سأفهم كل شيء... ركبنا السيارة وذهبنا، وفي طريقنا اشترى أشياء كثيرة فتعجبت لمن كل هذا، وعند وصولنا إلى دار العجزة علمت لمن كل تلك الأشياء... وعند دخولنا الدار كان وجداني يتمزق عندما أرى أي مسن أو عاجز عن الحركة وخصوصاً دموع أولئك الأولياء الذين غدرت بهم الحياة.. كانت تلك الدموع تقهرني، لم أتحمل رؤية كل ذلك ولكن تحملت رؤية ميشال يعانق كل واحد منهم ويقدم لهم الهدايا، وبعد تلك الجولة السريعة اتجهنا إلى إدارة الدار وقد استقبلنا المدير بحفاوة كبيرة، فطلب منه ميشال نقل أحد العجزة إلى الدار؛ فقد كلمه عن ذلك المتسول العجوز، فلم يتردد المدير في قبول الطلب.. في تلك اللحظة شعرت بفرحة عميقة في داخلي وبارتياح أعمق لوجود أمثال ميشال في الحياة الدنيا، وكم اطمأننت وقتها وحمدت الله على وجود الناس الأخيار فوق أرض طغى عليها الخونة والخيانة و... بعدها ذهبنا وأحضرنا ذلك المتسول العجوز

كم كان كل ذلك عظيماً في نظري، ولأول مرة عبرت لميشال عما كنت أكنه له من تقدير. أحسست عندها أنه أعجب بكلامي وقال لي: «أنا أيضاً يا سمير أحببتك كثيراً وأنت أخي الصغير الذي لم تلده أمي». وبعد ذلك طلب مني مرافقته إلى بيته لكي يعرفني به فلبيت دعوته، وفي طريقنا شغل الموسيقى، وكانت إحدى روائع الفنانة اللبنانية الكبيرة صباح وقد أحببتها كثيراً، وحتى ميشال لاحظ انسجامي العميق مع نغماتها، فأنا أبجل كثيراً الفن العربي والموسيقى الشرقية ومبادئها الراقية، فهذا ما قلته لميشال وقد دهش يومها وقال لي: وهل تحب الموسيقى الشرقية إلى هذا الحد؟ ودون تردد أجبته بنعم، وقلت له إني أمجد فنانينا العظماء وأفتخر بعروبتي لأنهم عرب وقد قرأت الدهشة في عيونه حيث قال لي إنه لم يكن يتوقع مني هذا الحب الكبير للموسيقى الشرقية.. وقد كان حوارنا قصيراً جداً في هذا المجال عند قيام ميشال بإطفاء المذياع لحظة مرورنا بمقبرة للمسلمين، فهذا ما جعلني أبحث عن أجوبة لأسئلتي التي أمطرت على رأسي.. صراحة شعرت أن عقلي توقف عن التفكير لأن العديد من الشباب المسلمين يمرّون أمام المقابر وأصوات المذياع تسمع من على بعد مائة متر؛ أغلبهم لا يحترم المقابر ولا حتى الأذان الذي يدعونا للوقوف بين يدي خالقنا وبارئنا «الله»، لكن قلت في نفسي لعله لم يفعل ذلك لهذا السبب فتجاهلت نفسي وقلت له: لماذا أطفأت المذياع، إنها أغنية جميلة جداً» فأجابني بما كنت أتوقع وقال لي: «المقبرة يا سمير» يجب أن نحترم الموتى وحتى وإن لم يكونوا من ديننا فيجب علينا احترامهم. «فعلاً عشت آنذاك صدمة عجيبة من نوعها ولم أعلم أبداً ماذا أفعل وماذا أقول بعد الذي سمعته.. وبعد تجاوزنا المقبرة سألني ثانية عن الفن وما إذا كنت أهتم بالموسيقى والفن والنجوم الكبار مثل «وديع الصافي»، وقال لي أيضاً «هل فعلاً تحب الفن؟ وإن كنت فناناً هل ستغني للفن أو من أجل الأموال؟؟! فقلت له إني أحب الفن لذاته، أحب معناه الراقي، أحب الرسالة التي يحاول إيصالها لمتتبعيه، أحب التسامح والحب الذي يعمل على زرعه في قلوب البشر، وأخبرته أيضاً أن من يحب الفن لكسب المال فهذا لن ينجح أبداً لأن حبه مثل المال يأتي ويذهب، أعجب ميشال كثيراً بجوابي وقال لي :هذا ليس جواب ابن 71 عاماً حتى إنك تعرف قيمة الفن أكثر من الفنانين أنفسهم... في هذه الأثناء وصلنا إلى بيته في إحدى عمارات العاصمة.. عندما دخلت تفاجأت لأول وهلة عندما رأيت صليباً كبيراً معلقاً على الجدار، ثم تذكرت أن ميشال مسيحي وقد رحب بي كثيراً، وكان كريماً جداً معي ولطيفاً، أحببت كثيراً معاملته لي، وقد رأيت في منزله ما نال إعجابي وهو كلب صغير، كان اسمه «black»، وهذا الاسم يطابق شكله أو بالأحرى لونه الأسود الداكن ولكن كان الكلب رائعاً جداً وكم أعجبت بالمعاملة الجيدة التي يوليها له ميشال فقد كان «black» بمثابة ابنه يطعمه ويشربه، وأحببت كثيراً ميشال عندما رأيته يضع الدواء في طعام Black فسألته لماذا فقال لي: «لأن BLACK مرض كثيراً في الآونة الأخيرة ويجب عليّ الاعتناء به لأنه غال جداً على قلبي...». من خلال كل هذه التصرفات رسمت في قلبي صورة من أروع ما يكون، صورة تعبر عن إعجابي ومحبتي لهذا الشاب المسيحي الرائع والذي كان يعطي أحسن صورة لدينه الذي اعتبره المتطرفون في كل البلاد الإسلامية كعدو لدود لهم وأخذوا يحاربونه بشتى الطرق...

في هذا اليوم بالذات عشت حزناً كبيراً عندما قال لي ميشال: «هل تعلم لما أحضرتك معي إلى المنزل، لأنني أردت أن نكون مرتاحين جداً وأن نقضي هده الساعات المتبقية في راحة لأن الأجواء في الخارج مزعجة نوعاً ما» فقلت له: «الساعات المتبقية؟!! ماذا تقصد بكلامك؟» فقال لي إنه بعد غد سوف يسافر إلى لبنان لقضاء شهر إجازته هناك، لأنه يحب كثيراً هذا البلد المعجزة، بالرغم من أنه ليس لبنانياً وحتى أنا شخصياً فرحت كثيراً عند سماعي أنه سوف يزور بلد العظمة لبنان لأنني من ممجدي هذا البلد العظيم الراقي، وقلت له: «لماذا لا تذهب إلى بلدك وترى أهلك؟» فأحزنني كثيراً عندما علمت ولأول مرة، أنه ليس لديه أهل وأنه ابن «الكنيسة» فقد عاش يتيماً والكنيسة هي أمه بل هي أهله.. يومها لم أرد معرفة المزيد لأني شعرت بحزن كبير

لقد كان كل يوم يمر أزداد تعلقاً بمبادئ ميشال أو بالأحرى ازداد إعجابي بالدين الذي يتبعه وكانت نفسي تقوم بمقارنات عديدة بين المسلمين الذين أعيش في وسطهم والمسيحي ميشال.. كنت أقارن بين كل الأشياء حتى أبسطها وكيف لا أقارن وميشال يتصل بي من لبنان، وعلى الرغم من بعد المسافة الكبير بيني وبينه يسأل عن حالتي وعن نفسيتي المنهارة، وكان يلح عليّ أن أحافظ عليهما وأن أحاول تجنب الزيارات المتكررة لمرقد رانيا...

في أحد الأيام جرحني نوعاً ما ميشال، وكانت أول مرة يجرحني فيها، عندما طلب مني أن أخرج مع الأصدقاء، وأن أفتح لهم قلبي عندما يطلبون مني ذلك، وأن أحكي وأعبر ولو قليلاً عما يعذب وجداني، فعلاً ذبحت يومها وانفجرت باكياً أثناء حديثنا عبر الهاتف، وقلت له: أين هم هؤلاء الأصدقاء الذين تتحدث عنهم وهل تظن أن هذا النوع من العلاقات موجود في مثل هذا الزمن.. وكم كنت محطماً يومها ولم أجد الكلمات المناسبة التي تعبر عن حالتي، ولكن حاولت أن آخذ بنصيحته وقلت هو أدرى وأعلم بما يقول، وفي اليوم الموالي عندما ذهبت إلى الثانوية كنت في أشد حالاتي ومخنوقاً جداً، وعندما كنت في القسم كنت جسداً فقط أما عقلي وقلبي فكانا يسبحان في بحر الهموم.

ولم أتكلم يومها مع أحد وكنت منطوياً على نفسي، وقررت أن أحكي عن جروحي لأول إنسان يقترب مني ويسألني عن حالتي، ولكن بعد ساعات قليلة، وعندما انتهى اليوم الدراسي اصطدمت بصخرة الواقع وكم كانت الصدمة مدمرة، هذا الواقع الذي قال لي بالحرف الواحد: أنت تحلم يا سمير وعذابك ستعيش فيه وحدك، ولا أحد سيحس بك فلا تحاول مرة ثانية أرجوك.. حتى الواقع أحسست أنه كلمني بصوت المشفق عليّ لأنه لم يقترب أحد مني ليسألني عن حالي المهموم، وكم هو صعب جداً أن نعيش العذاب ونشرب من كأس المر لوحدنا.. صعب جداً أن لا نجد من يتقاسم معنا هذه الآهات الذابحة للنفس، المعكرة لصفو الحياة الجميلة...
Page 3
ظللت على هذه الحال حتى اليوم الموالي، وأتذكر جيداً أنه كان يومها درس في الفلسفة، وعندما دخل الأستاذ وبدأ في شرح الدرس خرج عن الموضوع قليلاً وأخذ يتحدث عن الفرق بين الديانة المسيحية والإسلام، وقال إن الإسلام هو دين الحب والتسامح فهو يحثنا على الطيبة والإحساس بالغير، هنا قاطعته وقلت له «ماذا يا أستاذ... الإحساس بالغير... وهل تظن أن هذا صحيح.. وليس الإسلام وحده من يدعو إلى هذا، بل أظن أن المسيحية تحث على الإحساس بالغير أكثر من الإسلام...». لقد كان الدمع يملأ عينيّ، فدهش الأستاذ لردي الغاضب، وحتى زملائي في القسم أخذوا ينظرون إلي نظرة المستغرب الحائر والسائل عن سبب دفاعي عن المسيحية ولكنهم لم ينتبهوا لأنني قلت كلمة «الإحساس بالغير» فلو انتبهوا لعلموا أنهم هم أنفسهم لا دين لهم.. وبعد انتهاء الحصة حاول الكل التحدث معي، وقالوا لي كيف تدافع عن المسيحية فثرت يومها وقلت لهم: «أجل أدافع عن المسيحية وحتى عن المسيحيين لأنكم أيها المسلمون لم تشرفوا دينكم ولو لدقيقة واحدة... فهل أنتم مسلمون؟». فقال لي أحدهم: «بالطبع نحن مسلمون، وأنا شخصياً من مطبقي تعاليم هذا الدين ولا أسمح لك بالتكلم عنا بهذه الطريقة».. فلم أرد عليه وشعرت لحظتها بإحساس غريب، وقلت في نفسي هذا من الملتزمين بالدين!! وحتى خطيب رانيا مطبق لتعاليم الإسلام!! وبقيت هذه الأسئلة تدور في نفسي لمدة طويلة.. ومع كل يوم يمر كانت نفسي تلقى بعض الأجوبة لكنها

BLACK» كلب ميشال، وكيف كان يعامله هذا الأخير، وكيف كان قلقاً عندما مرض.. فعلاً كنت كل يوم ألاحظ العديد من الأشياء والأمور والتصرّفات التي تثيرني وتزرع في داخلي أحاسيس غريبة نحو الناس، فكنت أعيش إحساس الكره نحوهم والبغض وكذا الاستغراب وكان يتردد دوماً في داخلي سؤال وهو: «هؤلاء الناس يقومون بهذه التصرفات بالرغم من أنهم ملتزمون ومحافظون؟!! وهل التزامهم يدفعهم إلى القيام بهكذا أشياء»، ولكن كالعادة كنت أتلقى إجابات غير مفهومة..

وفي أحد الأيام كنت ذاهباً برفقة أحد الأقارب في مشوار، وفي الطريق شغل الموسيقى فاستمتعت نوعاً ما بتلك الأغاني، ولكن ما حيرني هو أنه لم يحترم الأذان الذي كان يدعوني ويدعو كل المسلمين لتلبية نداء خالق السماوات والأرض في ستة أيام، فلم أحبذ أبداً ما فعله، فمرة كنت برفقة ميشال وكنا في الوضعية ذاتها لكنه أوقف الموسيقى لما سمع الأذان وقال لي: «يجب أن أحترم دين الآخرين».. فقد أعجبت كثيراً بتصرفه الجد متحضر... فعلاً تصرفات كانت ترسم في داخلي صورة جميلة عن المسيحية والمسيحيين... وفي تلك الأيام كنت أعيش ما يشبه الثورة النفسية، وكنت ضائعاً جداً وفي أعماقي أشعر بانجذاب كبير نحو المسيحيين ونفور شديد من المسلمين؛ وحتى المسلمين الذين كنت معجباً بهم أحياناً أجدهم غير مطبقين لتعاليم الدين الإسلامي، وحتى الصلاة لا يؤدونها بل لا يعرفون أداءها؛ فهؤلاء الناس أجدهم مثلاً يعيرون اهتماماً كبيراً للحيوانات ويصرفون ما لا يصرف الأب على أبنائه، وكنت أحس فيهم أنهم مرغمون على الدين الإسلامي؛ فتصرفاتهم وحياتهم وشخصيتهم أكثر من المسيحيين أنفسهم... وبقيت نفسي الصغيرة تائهة بين أحاسيس غريبة كنت أعيشها يومياً، أحاسيس كانت تدفعني لمقارنة شديدة بين المسلمين الذين أعرفهم وبين ميشال، ولكن كل يوم كان يمر كنت أزداد نفوراً من المسلمين، فكيف لا أهرب منهم وأنا أسمع كل يوم عن ذلك المسلم كيف يغتاب أخاه المسلم وكيف ينعته بأبشع الصفات.. فمرة كنت في الثانوية، ولم ندرس يومها لساعتين كاملتين وبقينا مع بعضنا نتبادل أطراف الحديث، كانت جلسة لا بأس بها ولكن سرعان ما غادر أحد الزملاء الذي كان معنا فبدأ آخر في هتك عرضه، وقال كلاماً تقشعر له الأبدان.. يومها لم أحبذ أبداً ما فعله ذلك الإنسان ونهضت مسرعاً من ذاك المكان وأنا أتذمر وقلت في نفسي، عرفت ميشال لأكثر من شهرين فلم أسمعه يوماً واحداً يتحدث عن مخلوق بالرغم من أنه أجنبي البلد والدين وحتى إذا تحدث بسوء فلم أكن لأندهش وأتذمر كسماعي لمسلم يأكل لحم أخيه المسلم.. وما كان يحيرني هو أن الإسلام ينهى عن كل هذا، وعندما أقول لهم إن الإسلام ينبذ ما تفعلون، يقولون لي «إنهم يعرفون الدين جيداً وإنهم من مطبقي تعاليمه وهذا ما كان يدخلني في دوامة الحيرة والاستغراب التي لم أجد لها مخرجاً، وكيف السبيل إلى الخروج وأنا أعيش بعد هذه الحادثة الغريبة حادثة أغرب منها وأقسى بكثير خصوصاً تلك التجربة التي مرت بها إحدى القريبات بل تلك الخيانة التي تعرضت لها من طرف أعز صديقاتها حيث قامت بفعل أقل ما يقال عنه إنه شنيع حين اتصلت بخطيب قريبتي وقالت له إنها ستمر إلى محل المجوهرات الذي يملكه لأنها تريد شراء خاتماً، وبعدها عاودت الاتصال به وقالت له: «أنا قريبة نوعاً ما من المحل ولا أستطيع أن آتي إليك لأن سيارتي تعطلت فهل تستطيع أن تأتي لمساعدتي...»، فلم يتردد هذا الأخير فذهب لمساعدتها فوجد السيارة لكنه وجد فتاة أخرى، وبينما هو يتحدث إليها كانت صديقة قريبتي تأخذ صوراً لهما وذهبت مسرعة إلى قريبتي وأعطتها الصور، وهذه الأخيرة لم تتحمل ما رأته وأقامت الدنيا ولم تقعدها وكادت تنتهي العلاقة بينها وبين من أحبته واختارته شريكاً لحياتها؛ فهذا المشكل عندما عشته مع قريبتي أحسست أني أريد قتل هذه الإنسانة التي فعلت هذا.. عندها زرع في داخلي شعور غريب مليء بالحقد والضغينة تجاهها خاصة عندما علمت أن هذه الصديقة كانت من الملتزمات المتحجبات، ولكن ما فجرني وجعلني أنطق هو حادثة أخرى لكن أحداثها لم أعشها كسابقتها بل حكاية سمعتها من عجوز لا أعرفها جلست بجانبي في الحافلة، وكانت تبدو حزينة وعيناها تعبران عن قهر كبير تعيشه، وعندما سألتها عن سبب اكتئابها أجابتني إنها سوف تطرد من منزلها الذي اشتراه زوجها قبل وفاته، والظاهر أنه دفع ثمنه ولكنه لم يكمل إجراءات الشراء من أوراق وغير ذلك قبل أن يموت، فاستغل صاحب المنزل الفرصة الذهبية بالنسبة إلى عقله الصغير وأراد طردها من بيتها.

وما فجرني كما سبق وذكرت عندما قالت لي إنه «حاج» ووقف أمام بيت الله وصلى في المسجد النبوي... هنا أحسست بأجوبة واضحة كانت تتلقاها نفسي وفهمتها أنا جيداً، فهمت أن المسلمين طبعهم الغدر والخيانة، وفهمت أن كل مطبقي تعاليم الدين الإسلامي أناس أشبه بالوحوش، وكيف لا يسعني وصفهم بهذه الصفة وخطيب رانيا الذي كان سبباً في وفاتها، كان من أشد الناس حرصاً على تطبيق تعاليم الدين الإسلامي، وهذا الحاج الذي يعرف جيداً الدين الإسلامي هو اليوم يطرد امرأة عاجزة من بيتها مستغلاً ضعفها... شعرت يومها بثورة غريبة في وجداني، ثورة أجابت عن كل الأسئلة التي كانت ترسم في رأسي، ووضحت لي كل الأجوبة التي لم أفهمها يوماً واحداً. لقد فهمت جيداً لما تخلى عني أصدقائي في أصعب حالاتي وتركوني أتعذب لوحدي، فهمت أن إسلامهم هو سبب ذلك، وفهمت أيضاً أن مسيحية ميشال هي من كانت تدفعه للوقوف إلى جنبي ومواساتي ومحاولته زرع الفرحة في فؤادي المحطم، وفي هذه الفترة كنت محطماً وأيامي قررت أن تلبس اللون الأسود فكنت أعيش مرحلة صعبة جدا،ً ولم أكن أدرك ما تريده نفسي، وبقيت على درب الضياع إلى أن اتصل بي مرة صديقي المقرب ميشال وكم فرحت بل عشت غبطة لا مثيل لها عندما علمت أنه سيعود إلى الجزائر في اليوم الموالي وقضيت ليلة بيضاء، وكان الوقت لا يمر وعند شروق الشمس حضرت نفسي وذهبت إلى المطار انتظرت يومها كثيراً، لأن الطائرة التي أتى فيها ميشال وصلت متأخرة...
Page 4
أخيراً وصل ميشال فما إن لمحته حتى ذهبت إليه مهرولاً وعانقته بشدة، وحتى أن الدمع كان أسرع مني بكثير وسارع في النزول من عيني لأني رأيت

وبعد مرور ثلاثة أيام على عودته طلب ميشال لقائي والخروج سوية فذهبنا، إلى أحد شواطئ العاصمة وكم كان البحر جميلاً يومها، لكنّ ميشال بدأ يلاحظ بعض الحيرة في عيني، كلا بل في داخلي.. كلا بل.... لا أعلم، فقد كانت كل الأحاسيس في داخلي، فلم أفهم أبداً أي إحساس كنت أعيش وقد حاول التقرب مني وبدأ يسألني عن سبب كل هذا... كنت متردداً جداً في جوابي ولكن في الأخير قلت له: «لماذا يا ميشال» فلم يفهم قصدي وحاول الاستفسار أكثر فقلت له: «لِمَ كل هذا الشر من الناس، ما الذي يدفعهم إلى كل هذا...» فقال لي: «إلى ماذا؟»، فقلت: «إلى الغدر، إلى الخيانة إلى التخلي عن بعضهم بعضاً في أصعب الأوقات وأشدّها، و.. و..». وقلت له إن ما يؤرقني هو أنهم جميعهم يعرفون الدين الإسلامي بل أغلبهم من مطبقي تعاليمه السامية كما يقولون وطرحت عليه السؤال الذي سرعان ما أجابني عنه فقلت له: «هل الإسلام هو من يدفعهم إلى هذا؟؟!! وهل المسيحية هي من تدفعك إلى الوقوف إلى جانبي؟»، فأحسست أنه سيطير من الفرحة وأخذني في حضنه وقال لي: «أجل يا سمير» أجل يا أخي» فاستغربت كثيراً من جوابه، وحاولت فهم ما يعنيه بأجل، فأجابني بدون تردد إنه لو كان مسلماً لما كان أحس بي ووقف إلى جانبي، وما جعلني أصدقه أكثر هو عندما قال لي إن رانيا المسلمة لو لم تكن فرانكوفونية أي أنها ذات تفكير غربي لما كانت ذلك الملاك الرائع المحب لكل الناس؛ فعقليتها وتفكيرها البعيدان عن العروبة والإسلام هما ما جعلاها بشراً غير البشر الذين أعرفهم. وقال لي أيضاً إنه حتى والديّ لو لم يكونا يمتلكان مثل هذا التفكير الغربي لما كانا بكل ذلك الرقي والتألق في حياتها، وبعدها أخذ يقنعني أن المسيحية هي من دفعته إلى فعل كل هذا معي، وقال لي أيضاً» يا سمير أنت صغير ولا تعرف جيداً الإسلام ومبادئه الحقيقية أي الباطنية، فأنت تعرفه ظاهرياً فقط...». وقد طلب مني أن أجتهد في معرفة المسيحية بدل تضييع الوقت والبحث في باطن الإسلام، وقال لي إني سأجد الإسلام كما وصفه لي، أما أنا فقد انصدمت من كلامه واستغربت لكل ذلك الحماس الذي كان يكلمني به وقلت ما الذي تقصده بكلامك يا صديقي، فقال لي وبكل صراحة في كلمتين: «لماذا لا تعتنق المسيحية؟» فبمجرد أن نطقها شعرت أنني دخلت عالماً آخر؛ أحسست ظلمة شديدة من حولي بل إنني ذلك التائه في ظلام لا نور له وبقيت صامتاً، مصدوماً، وبدأت أرى صورة «رانيا» وهي توارى التراب وسبب ذلك خطيبها «المتدين»، ورأيت صورة أصدقائي وهم يتخلون عني في أشد حالات انهياري، وصورة الناس المسلمين المصلين وهم يغتابون بعضهم بعضاً وهم يخدعون بعضهم بعضاً وهم... ولم أفق إلا على صوت ميشال وهو يقول لي: «أين ذهبت يا سمير؟»، ما بك فقلت له إنني الآن في أسوأ حالاتي، وطلبت منه أن نعود إلى البيت.

وفي الطريق لم يتحدث معي ولو كلمة واحدة، وأحسست أنه واثق من نفسه كثيراً وأنه سوف يقنعني بكلامه وكأنه بذلك يقول: «ما دمت انصدمت ولم تقل لا لأول وهلة فهذا يبشر بأنك في قبضتي»، أما أنا فلم تفارقني صورة المغدورة رانيا. وفي ذلك اليوم بالذات اقتنعت أنها رحلت عني إلى الأبد، وتقبلت غيابها عن حياتي بشكل نهائي، وكأنها كانت تكلمني وتقول لي: «إني رحلت وسبب رحيلي هو خطيبي». وبعدها تذكرت أن خطيبها متدين... وبعد ذلك وصلت إلى البيت، كنت يومها مصدوماً جداً حتى أني لم أتناول عشائي وحاولت الجلوس في غرفتي لوحدي، وأتذكر جيداً أنني نمت في وقت متأخر جداً من الليل، وكان كلام ميشال يدور في ذهني، وبقيت على هذا الحال لفترة طويلة قاربت الشهر. وخلال هذه المدة لم ألتق ميشال، ولكن كان يكلمني بالهاتف ويسأل عني ولكن أنا دخلت في دوامة لم أعرف لها مخرجاً أبداً، وأخذت أسأل نفسي عن سبب تصرفات المسلمين غير اللائقة وهل فعلاً كما قال لي ميشال إن الإسلام هو من يدفعهم إلى هذا، وهل صحيح أن المسيحية هي من دفعته إلى الوقوف إلى جانبي، ولكن من له أن يجيب عقل مراهق دمرته الحياة.

لقد حاولت أن أعرف الأجوبة من خلال معاشرتي للمسلمين من جانب ولميشال الذي يمثل المسيحيين من جانب آخر.. وفي هذه الفترة بالذات ترسمت بوادر علاقة جديدة مع إحدى المسلمات، بدأت أتقرّب من إحدى الفتيات اللاتي كن يدرسن معي، فقد كانت تلفت اهتمامي بتفهمها غير الملحوظ من بقية الزملاء، وكانت تشدني إليها بتحضرها وكلامها الراقي وبإحساسها العالي، فهنا قلت في نفسي هذه فتاة مسلمة ولكنها تتمتع بأغلب صفات ميشال.. وللتأكد من هذا الحكم تقربت منها أكثر فأكثر وحاولت أن أوطد معرفتي بها... وهل أنّ تلك المميزات التي تتسم بها.. هي حقيقية لديها أم هي مجرد أوهام أعيشها فقط؟ ولكن مع مرور الأيام بدأت علاقتنا تتطور أكثر فأكثر وقد تعلقت بها كثيراً خصوصاً عندما كانت تسأل عني وعن والدي! وبعد رحيل الغالية رانيا قالت لي: «اعذرني لأني لم أقف إلى جانبك في الأيام الأولى لأني لم أكن أعرفك ولم أعلم عن رحيل أختك»، وأخبرتني أنها علمت بهذا مؤخراً من إحدى زميلاتها وكانت يومها تحاول رفع معنوياتي وإقناعي أن كل هذا مكتوب من عند الله وقدره وعلينا تقبله.. وكان يعجبني كثيراً فيها هذا الاهتمام وقد أخبرت ميشال عنها وقلت له: «يا صديقي لقد وجدت إنساناً مسلماً ولكن بصفاتك أنت»، فقال لي: «أكمل معها وأعلم ماذا تريد أولاً فأنا لن أجيبك عن سؤالك هذا إلا بعد أن تعلم ما تريده منك». وفعلاً في أحد الأيام أخبرتني صديقتها أنها معجبة بي وتريد إقامة علاقة معي وقد خجلت أن تخبرني بهذا.

فرحت يومها كثيراً وقلت: «لعل هذه الفتاة سوف تجعلني آخذ نظرة إيجابية عن المسلمين ولعل ما يقوله ميشال لا أساس له من الصحة»، وقررت أن يكون «الحب» عنوان حياتي الجديد الذي أردت من خلاله أن أرى الحياة حلوة، هذه الحياة التي صارت بالنسبة لي سواداً لا أكثر ولا أقل، وبدأت أعيش حياة أخرى وشعرت أني في عالم غير عالم التعاسة الذي أعرفه، وما جعل الفرحة تسكنني هو حبها الشديد لي واهتمامها الكبير بي، فكان كل يوم يمر يقربني منها أكثر بل ويعلقني بها، وكم أتعبتها؛ فقد كنت مدمراً كلياً وكانت تفعل كل شيء في سبيل أن تبني ولو جزءاً صغيراً مني.. وكم كانت تسعد عندما ترى ابتسامتي، فهي تعلم جيداً أن من يعاني مما أعانيه ليس هينا عليه أن يبتسم أو حتى أن ينظر إلى الحياة نظرة متفائل..

فعلاً أنَّ «إلهام» قد بنت في داخلي الكثير وجعلتني أتفاءل من جديد بل أتنفس من جديد، فلم تتركني ولو لدقيقة واحدة، وما كان يعجبني فيها هو تضحيتها... فواحدة بمثل عمرها لا تحتمل كل ذلك وهي بالرغم من صغر سنها الذي يدفعها إلى حب الحياة حباً مجنوناً والتمتع بكامل وقتها وعمرها إلا أنها لم تتخل عني بل قطعت وعداً على نفسها أن تجعلني سعيداً، وأن تمحو الدمع من عيني، وأن ترسم الابتسامة في وجهي، وقد وفت بما وعدت خصوصاً

وعندما سمعت تلك الكلمات لا أقول إني انصدمت بل انذبحت.. لقد تعذبت وما دمّرني كلياً هو عندما قال لي إنه لو كانت إلهام ملتزمة فلماذا أقامت علاقة معي؟! وقال لي إن علاقتنا غير شرعية وإن كانت وفية كما تدعي فكيف تخفي هذا عن والديها؟! وأضاف قائلاً: «كما تخون والديها يا سمير فإنه سوف يأتي اليوم الذي تخونك فيه لأن والديها اللذين يضحيان من أجلها خانتهما فماذا عنك أنت؟؟.