Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم
يحتوي كوكبنا الذي نحيا فيه والمسمى بالأرض على مظاهر شتى لا نهاية لها مظاهر مرئية، ملموسة ومحسوسة من الأشكال والأحجام والألوان جماد ونبات وحيوان وإنسان.
فالرمال والحصى والقواقع والأصداف والمحار الأسمال، والصخور والجبال والوديان والمحيطات والأشجار والزهور والطيور والشمس والقمر والنجوم والرياح والمطر والليل والنهار والظلام والنور والحرارة والبرودة، كلها مظاهر تحيط بالإنسان وهي في مجامله تعمل مع بعضها البعض في إحكام وتوافق تام.
هذه المظاهر المختلفة تنبض بالحياة الأمر الذي يميز كوكبنا عن غيره من الكواكب الأخرى. إن الحقيقة التي لا يدركها الكثيرون هي مظاهر الحياة حولهم والتي تتجلى في كل شيء. تتجلى هذه الحياة في السحب الراكضة في الفضاء الرحب، وفي موج البحر المتردد على الشاطئ في إيقاع ونغم، وفي زخات المطر عندما تتساقط على سطح الأرض. وفي نسمات الهواء التي تلقى ببصماتها على سطح بحيرة ساكنة هادئة أو في زقزقة عصفور على أغصان الشجر. وهذا البحث يتضمن عدة مواضيع من علم الجمال والفن والفلسفة والتراث وكل ما يحوي معنى الفن فيها.
فالفن هو سجل مشاعر الإنسان ومواقفه الجمالية العاطفية إزاء الطبيعية والمجتمع.. بل يكمل أحدهما الآخر وأن تكامل الشخصية يستلزمها أيضا تقدم الحضارة. بجانبيها المادي والثقافي وأن حاجة الإنسان للفن قديمة قدم الحياة وهي لا تقل أهميةً وإلحاحاً عن حاجة الإنسان البايولوجية إلى الماء والطعام والسكن والفن ليس حلما وتصوراً وتأملاً بل هو إنتاج وإبداع وتحقيق.
من خلال التعمق الفلسفي وبتجريد المنطق الإبداعي لمعاني التعبير عن الذات والطبيعة نستطيع القول بأن الفن يعني التعبير عن الذات وكذلك ببساطة يعني التعبير عن مجمل الأفكار بالوسائل البصرية والحسية وهي أشبه باستخدام الأشكال المجردة المستقاة من الطبيعة بواسطة الأحاسيس وترجمتها بعلاقات معينة (كالتوازن – الوحدة – الإيقاع – التنظيم).
والفنون هي إيصال فكرة لكي يتمتع أو يستفيد منها الآخرون من خلال الإحساس بجماليات الأشكال الموجودة.
وللفنون أهمية كبيرة في حياة المجتمعات والشعوب في توفير احتياجاتها. من منتجات وسلع ومخاطبة أذواق الآخرين حسب اختلاف ميولهم وأعمارهم ورغباتهم ومستوياتهم الاجتماعية والثقافية.
كما ويهدف الفن إلى هدف سامي وهو تحقيق الرفاهية إلى الآخرين من خلال قدرة الفنان الإبداعية.
والبحث والتدليل المستمرين يهدفان معاً إلى إيجاد حلول مناسبة للمشاكل التي تواجهها البشرية في حياتهم العامة.. فنلاحظ الإبداع عند الفنانين والمكتشفين قد سهل الأمر كثيراً للمجتمعات فأصبحت وظيفة الفنان هي البحث والتفكير بكل ما يناسب الحاجات اليومية فيترك العنان لخياله ليجد الحلول المناسبة باستخدام عناصر وأسس التصميم المختلفة من أشكال وألوان وخطوط ومساحات لإيجاد أشكال جميلة تجذب العين وتسر العقل.
Page 2
فالفنان هو العقل الديناميكي للمجتمع وهو القريب من حياة الناس وهو الذي يجد الحلول لكل همومهم ومشاكلهم. ليعبر عنها ويطلق عنان خطوطه وألوانه للإبداع. وكذلك هو يستمتع بهذا التفاعل مع أبناء مجتمعه وتقديم كل ما هو جديد ومميز لهم.
والاهتمام بالفن أصبح محوراً جدياً من محور الاهتمام بالإنسان منذ عصر فجر السلالات في بلاد الرافدين والتي تعتبر أول الحضارات البشرية التي كانت مصدر إلهام للبشرية وللحضارات اللاحقة..
فقد اكتشفوا العجلة وأبدعوا في الفنون التشكيلية الرسم والنحت والفخار والطب وعلم الفلك والهندسة وغيرها من الفنون التي مدت الإنسانية والتي لعبت دوراً بارزاً في ممارساته العملية.
ومنذ تلك الأزمان أي قبل التاريخ ظل الفن مرتبطاً بشتى الأنشطة الإنسانية حقباً طويلة من حياة وعمر الإنسان. فكان الفن يفي العصور القديمة يرتبط بالدين والأخلاق. والمنفعة والجمال.
لذا فقد أصبح الفن مع تطور الحضارة مرتبطاً مع حياة الإنسان وتحضره إلى جانب سلوكه الاجتماعي. وتقدمه وتطوره العلمي.
ويعتبر دراسة الفن دراسة جانب مهم من جوانب الإنسان الرئيسية وهو دليلاً على تحضر المجتمع وتطوره.. وعلاقتهما بالجمال.
فالفن والجمال في أذهان الكثيرين أدى إلى اختلاط في رؤية تفاصيل الفن وعناصره. مما جعله يحمل معاني إنسانية أدت إلى الإبداع فظهرت لنا تلك المشاهد الملونة الجميلة التي شكلت لنا حالة من الوعي التي تتماشى مع طبيعة المرحلة الحضارية الجديدة.
يتناول هذا الكتاب "معنى الفن" ويتضمن كل المعاني التي تتكون منها الفنون بلا تحديد وكل مشكلة تطرح سؤالاً.. والفن وفلسفته هو الجواب على كل سؤال.. وبالرغم من أن المعاني والتعبيرات قد تختلف باختلاف البيئة والإنسان الفنان وثقافته. لذا يبقى الفن لغزاً تاريخياً قديماً لا يزال لحد الآن موضوع نقاش وجدل.
فالفن هو قديماً وحديثاً قد تميز عن بقية الفنون والموضوعات كالفيزياء والرياضيات.. فالفن المرئي واللامرئي وهو الأنا الآخر وهو القدر وما يخالف القدر.. وهو الغريب والأليف معاً.
ولا يسعنا أن نعطي آراء دقيقة وموضوعية تتضمن كافة المعاني التعبيرية للموضوعات الفنية.. فاللوحة التشكيلية والنحت أو العمارة والقصيدة لا يحتم علينا قراءة المشهد فقط بل يحتم عينا قراءة تاريخ الفنون بلغاته المختلفة العديدة ووحدته المتماسكة.. فلكل نوع من الفنون له مفرداته ولغته تتكون في لحظة الإبداع عند الفنان مجسدة لنا جسد وأفكار الفنان وأحلامه باللغة التي اختارها هو من خلال استخدامه للعناصر والأسس معاً. والفن هو النافذة التي تدخلنا إلى عالم الفنان والطريق هو الجمال الذي يقودنا إليه.
ولقد اختلف المفكرين والمبدعين والنقاد في معنى الفن.
فقد صور لنا "هايدجران" أن الشعر هو في طليعة الفنون فيما اعتبر "أفلاطون" أن الفن الأساسي التي من سماته الإبداع والخلق هو الهندسة. واعتبر "نيتشه" الموسيقى أم الفنون وآخرون قد وصفوا لنا الفن الأصيل هو الفن السابع فن السينما وينبغي لنا أن نعلم جيداً أن لكل فن لغة خاصة فيه وكذلك بقية أنواع الفنون وكلها مرتبطة بالإبداع والجمال.
فلقد أمتعنا "رامبرانت" بلوحاته الجميلة كلوحة "دورية الليل" وما عرفنا "البيركامو" بالغريب وما قرأنا "ستندال" رواية الأحمر والأسود. ونلاحظ في شعر المتنبي "الخيل والليل" نعثر على النغمة والصورة والخيال والإبداع معاً.
كما ونشاهد لوحات "فيلاسكز" و "ديلاكروا" "رامبرنت" "فان كوخ" "وبيكاسو". فنشاهد ونقرأ معاً الشعر والصورة والهندسة والجمال مجتمعين معاً في حيال واحد.. كل ينطق بالإبداع. والإبداع في نظر بورلير "كل جميل غريب" معبراً عن رأيه أنه خروج عن المألوف. فالمألوف هو أن يبقى سجين الإنسان نفسه والعالم معاً.. وعليه أن يخرج من تلك الدائرة ليلاقي اللامرئي.. فالحب والجمال والحرية والحقيقة تكمن في اللامرئي.. وأن القلب والعقل تجتمع مكونة لحظة الخلق والإبداع وهي لحظة الحب والحقيقة والغزل والعشق معاً.
الفن يعبر عن الفن كما الفلسفة هي الفلسفة.. وهما يعلمانا معنى الحرية.. ولحظات الإبداع.. والإبداع كالغيم يحمل مطراً.. وكالصباح عندما تطل بين ثناياه الشمس.
فأصبح الفن هو اللغة والورقة البيضاء. وقدرنا أن نمارس الفن ونبحث عن الجمال.. ونتصل مع الآخرين.. ونختار لغة الإبداع. ونركض وراء الحقيقة...
وكلما تزاحمت الألوان والكلمات.. تتجدد مثل الزمان.. تتجدد فيه الألوان والأنغام والكلمات.. وما علينا إلا أن نعيش بين الأنغام والألوان والكلمات ونقلبها ونعيش معها.. ونغوص بين ثناياها ومن خلال ذلك نكتشف معنى الفن.
المؤلف
د. إياد محمد الصقر
2009
Page 3
الفصل الأول
الفنون والإنسان
الفنون والإنسان
في عالم ملتبس القيم، يعد الفن واقعاً مقبولاً، والتأمل فيه من أعظم الامتيازات الموروثة. بيد أن مظاهره التاريخية، على اختلافها وتعدادها انتابها الوهن جراء ظل الفكر السقيم لقد صرفت الأعوام الطويلة في دراسة بعض المراحل أو الحركات غير المهمة نسبياً. وفي هذه الحالة، فإن تأملاً قصيراً في الموضوع الذي توضحه هذه الصور جدير بإشارة إعجاب المرء بما يتمتع به من عظمة وتعقيد. وإذا كان هذا الموضوع شأنه شأن أية دراسات أخرى مماثلة، محدداً بالزمان والمكان، فإن هذين العاملين يتمتعان بأهمية خاصة في الوضع الحاضر. فالمنطقة الجغرافية التي سنتعامل معها تعطينا صورة عن مغامرات الإنسان الأولى العظيمة في مجال التعبير الفني، كما أن هذه الفترة من عصرنا شهدت معجزات من التطور الثقافي لا توازيها أية معجزة أخرى في تاريخ الإنسان اللاحق.
ليس الفن وحده الذي تعود بداياته في الشرق الأدنى إلى العصور السحيقة هو ما سنقوم بوصفه، فالعلم تلا ذلك بصورة لا تعرف الكلل بعد اختراع الكتابة وحل الدين والفلسفة محل الخرافات. وفي غضون أقل من بضعة قرون اكتسبت الإنسانية قوة التعبير الذاتي. إلا أنه يزال هناك الكثير مما نجهله عن تلك الشعوب القديمة. كما أن عدد فهمها، على الرغم من أن الخلل في هذه الحالة يمكن عموماً في ظروف اكتشافها.
Page 4
تاريــخ كلمــة فــن
لإزالة الغموض الذي يحيط بكلمة "فن" ينبغي بحث تاريخها. والمعنى الاستاطيقي للكلمة، وهو المعنى الذي يعنينا هنا، حديث العهد.
لأن كلمة (ARC) في اللاتينية القديمة ومثلها كلمة (TEXVN) في اليونانية تعني شيئاً مختلفاً تماماً، فهي تعني الصنعة أو أي نوع من التخصص في المهارة مثل النجارة أو الحدادة أو الجراحة. فلم يكن عند اليونانيين والرومانيين تصور لما نعنيه بكلمة فن، الذي يعد شيئاً جد مختلف عن الصنعة. فما ندعوه فناً كانوا يعتبرونه مجرد مجموعة من الصنعات مثل صنعة الشعر.
ومن الصعب علينا إدراك هذه الحقيقة، وأصعب من ذلك إدراك ما تتضمنه. فإذا لم يكن عند الناس كلمة لتحديد أي نوع من الأشياء، فإن هذا يرجع إلى أنهم لا يعرفونه شيئاً متمايزاً. وبما أننا نعجب بفن اليونانيين القدماء لهذا كان من الطبيعي أن نفترض أنهم كانوا يعجبون به بنفس الروح التي تعجب بها. ولكننا نعجب به باعتباره نوعاً من "الفن" بعد أن أصبحت كلمة "فن" محملة بكل ما اشتمل الوعي الأوروبي الاستاطيقي الحديث من مضامين محكمة دقيقة. ونستطيع أن نستيقن تماماً بأن اليونانيين لم يعجبوا به بمثل هذه الطريقة، وأنهم قد طرقوه من وجهة نظر مختلفة.
وكلمة (art) في لاتيني العصر الوسيط مثل كلمة (art) في الإنجليزية الحديثة المبتكرة – التي نقلت عن اللاتينية الكلمة ومعناها – كانت تعني أية صورة خاصة من المعرفة النظرية كالنحو والمنطق والسحر أو التنجيم.
ولقد بقي هذا المعنى على عهد شكسبير أيضا غير أنه في عصر النهضة، في إيطاليا في البداية ثم بعد ذلك في سائر الأنحاء، عاد استخدام المعنى القديم. ولهذا اعتبروا فنانو عصر النهضة – مثل فناني العالم القديم – أنفسهم صناعاً. ولم يبدأ فصل مشكلات الاستاطيقا وتصوراتها عن المشكلات التكنية أو الخاصة بفلسفة الصنعة الافي القرن السابع عشر. وفي أواخر القرن الثامن عشر ازداد هذا الانفصال للغاية، إلى حد ظهور فارق بينا لفنون الرقيقة (Fine arts) والفنون النافعة. ولمي قصد بالفنون الرقيقة الفنون الرقيقة أو التي تحتاج إلى مهارة عالية، بل قصد بها الفنون الجميلة (les beaus art le belle artidie shone knust) وفي القرن التاسع عشر اختصرت هاتان الكلمتان، واستغنى عن الصفة (جميلة) واستبدلت بكلمة الجمع (فنون) كلمة المفرد (الفن). فأصبحت الكلمة ذات معنى عام.
وإننا إذا ما تعمقنا في فكرة الإبداع نكتشف أن العمق والشمول والقوة التي يتمتع بها الفنان تعتمد على قدرته على الاستقراء والمقارنة والتجديد والاستحداث والنفاذ إلى عمق الأشياء من أجل استخراج معانيها ومدلولاتها الغامضة.
Page 5
وكل هذه الملكات العقلية التي توصل أرض الأدب بالفن عامة والتي هي المعرفة بذاتها التي توصل الأفق الفني بالفكر الفلسفي، فالفن هو ضرب من ضروب الخيال يرتبط بالمعرفة الإنسانية. والأدب والفلسفة دون شك باحتوائهما على معطيات الإحساس والرؤية هما معرفة إنسانية و (أن الإحساس هو المصدر الوحيد لمعرفة الأشياء في العالم) (18 – ص 54) وكما يرى (ديمقراطيس) في تعريفه لمصطلح الفلسفة التي أوجزها إلى أنها معرفة إنسانية ذات خصائص معينة وهي معرفة لأنها تطلب بدافع اللذة إلى الذات العقلية المجردة في التعبير عن ما يشعر به الإنسان من دهشة وتعجب.
وأن الصفة الغالبة والتي تجمع الفنان بالفيلسوف أو الفن بالفلسفة هي في غاية القرابة وتتمثل بالجانب العبقري لما يمتلكه كل منهما في الأداء والتعبير في استخلاص المفردات والرموز وتنقيحها وحبكتها معاً لتصبح كل متجانس وبالتالي تؤدي إلى الإمتاع والشعور باللذة.
ومن هنا لابد أن نؤكد أن الرؤية بمعناها الشامل الرؤية البصرية والفكرية "البصرية" ممتزجة مع التطلع الإنساني للوصول إلى أعماق المجهول لاستكشافه وقدرة الإبداع عند الفنان والأديب إلى إضافة مواقف وتجارب جديدة ومستمرة والتي تتطلب قدرة نافذة وديناميكية.
فالفن والفكر والفلسفة يتطلبان وجود حالة جديدة باستمرار وأن عالمهما عالم يكتشف ويتطور ويبحث في المجهول، وإن عالم الفن والأدب يجب أن يكون عالماً يحتفي بتجدده واستمراريه فالشاعر والفيلسوف كل منهما يمتلك أدواته في التعبير من خلالهما، وبأسلوبه الفريد عن أفكاره كما يفعلا لرسام والمصمم والمزخرف بأدواته اللونية وخاماته، فالشاعر والأديب مبتكر لغة ومصور أفكار، واللغة عنده هي البحر الذي يعوم فيه ويصور أفكاره وأشعاره وكذلك الفيلسوف يعد الشعر من أدواته الفلسفية إلى درجة قد يصل الكثير من الفلسفة الميتافيزيقيين إلى أني طلقوا عليه وهماً أدبياً.
وعلى الأديب أن يرتكز على فلسفة عميقة وأصلية وغنية لتبعده من التعبيرات السمجة إلى الأقوال والأشعار المعبرة والخالدة.
ولابد أن نذكر أيضا أن هنالك العديد من العوامل المشتركة ما بين الفنان والشاعر وهي الأرض الخصبة وهي هموم الحياة البشرية والتي هي مناراً للإبداع والتألق الإنساني الخلاق.
فالفنان عبر التاريخ درس الإنسان كشكل وبحيث أنه يمتاز عن الطبيعة بحيث أنه يجمع بين الجمال الجسدي من ناحية والعواطف والتعبيرات المتغيرة حسب موقف الحياة نفسها والطبيعة ذاتها ولم تكن النظرة محصورة بالشكل فقط لا بل أحياناً بالمعنى وغالباً ما يتضامن الشكل والمعنى معاً.
وفي الأرض الخصبة تلتقي عليها الفنون والآداب والفلسفة وهي الهموم الإنسانية التي أصبحت أرضاً مشتركة للهموم الإنسانية والإبداع الإنساني الخلاق.
فالموت احتل جانباً كبيراً من إشكالية الوجود عبر أجوائه وشجنه وانفعاله وأطلق الأديب والشاعر قصائده بذلك الجانب في أجواء يدخلنا فيه عالم الموت... وكذلك الفنان له ممارسات عديدة في التعبير عن إشكالية الموت عبر طقوس جنائزية تقود إلى انطفاء الحياة.
والحياة هي من الموضوعات التي استلهمت النبؤة وخلود الإنسان وعبث الحياة وجوهر الوجود.
وبين الجمال والقبح البشري، الفرح والحزن الإنساني وكل تلك المتناقضات من الهموم الإنسانية انطلقت فرشة الفنان وقلم الأديب للتعبير عن تلك الهموم، ولكن كلاً بطريقته وبأسلوبه وبتصوره. ومن هنا لابد من الإشادة إلى أن الصورة الفاصلة بين الحلم والواقع.. وبين المستحيل والممكن هي أرض للفلسفة كما هي أرض للفن وهنا نجد (جاستون باشلار) في جدلية الزمن قد جمع في فلسفته بين العلم والحلم، والعقل والمخيلة، الواقع والخيال. وبهذا نكون قد وقفنا على أرض مشتركة بين الفن والفلسفة والفكر وكل في حدوده. فلكل عالمه ووسيلته ومهمته فالفلسفة (بحث عقلي صرف قوامه الحجة والمنطق والاستدلال الحر).
أما الفن هو ما يخرجه الفنان من عالم الخيال إلى عالم الواقع ليحدث طرباً أو إعجاباً بالنفس وهو أفضل طريقة للتعبير التي توصل إليها الجنس البشري.
فالفن هو معنى لتبليغ رسالة أساسية وهمة في حياة الإنسان وهو طريق للمعرفة وذو قيمة للإنسان شأنه شأن عالم الفلسفة والعلوم. وهو مواز للمعرفة التي بواسطتها يتوصل الإنسان إلى فهم بيئته وعندها يتاح لنا تقدير أهميته من خلال وجوده في المجتمع واكتشاف ذاته. وإن اكتشاف الذات ليس وسيلة تنهي فعلاً من خلال وجوده في المجتمع، لأن الثورة الاجتماعية ليست هدفاً في نفسها ولأنها شرطاً للتجديد الإنساني.
Page 6
الفن وفلسفة المدارس الفنية
الفنان حاز على حريته، من التقاليد نتيجة لبعض المبادئ والحركات التحررية.
فاندفع بجرأة وإقدام للبحث عن الجديد والمفاهيم الحديثة.
فلم يلبث على أسلوب معين وعلى مدرسة معينة بل هل يبحث للوصول إلى فلسفة جديدة ترتبط بعصره، فاستمر الفنان يتنقل من أسلوب إلى آخر. فمستخدماً المفردات الفنية والعناصر للتعبير عن عبقرية الإبداعية.
فالفلسفة: كما توصف (هي بحث عقلي صرف قوي الحجة والمنطق والاستدلال الحر) والفلسفة والفن معاً يرتكزا معاً في معطياتهما الأولية على صياغة نموذج مجتمعات متكاملة البنية من الناحية السياسية والاقتصادية والأخلاقية. ومن هنا لابد من معالجة النقاط التالية التي تتعلق بالعملية الفنية.
1. طبيعة العمل الفني.
2. عقلية الفنان.
3. اتجاه المتلقي لكي يستمتع بالعمل الفني.
فطبيعة العمل الفني تتعلق بالنتيجة التي يصل إليها الفنان والتي تعد مقياساً لما عاناه (15 – 19 ص) فالعمل الفني ما هو إلا تعبير عن معنى أو انفعال أو إثارة يحسها الفنان في العالم الخارجي فيترجمها إلى أسلوب تتوفر فيه عملية البحث المترابطة في علاقات الخطوط والمساحات والألوان والأشكال والكتل، تترابط جميعها في صيغ جمالية لها طابعها المميز.
ورغم ذلك لابد أن نركز على المضمون مهما يكن الفنان المبدع له القدرة على رؤية التفاصيل والمشاكل الخاصة، فالمضمون هو العنصر الاجتماعي في نهاية الأمر – وهو الأمر الحاسم في الفن وهو الذي يحدد الأسلوب.