eKtab
EN ع
ماذا بعد
Read free sample

ماذا بعد

by ميشال الشماعي

Page 1

الإهـــداء

إلى سمائي..

إلى أخي البحر...

وأختيَّ: الشمسُ ونجمةُ القمرِ...

وإلى أمّي الطبيعةِ الّتي لم تَرحَلْ...

وأبي الكونُ الّذي لم يَرجِعْ بَعْد.

Page 2

شكر

أشكرُ كلَّ الذين ساهموا في إيصالِ النّورِ إلى حروفي، وأخصّ منهم الدّكتور جورج شكيب سعاده الذي يبلغ عمر مسيرتي معه أكثر من سبعة عـشر عاماً فيها من النّضال بالحروف والفكر أثماناً باهظةً، ومن التّضحية ما لا يقدّر بالأثمانٍ، كلّلها معي ذارفاً حروفه في مقدّمة كتابي نبيذاً يسكرُ النبيذ.

الأخ والصّديق أحمد فواز، صاحب مؤسسة الرحاب الحديثة الذي لم يوفّر أي جهد في سبيل إصدار هذا العمل وما سبقه أيضاً.

صديقة الأمس واليوم والغد، إبنة مغدوشة و"المنطرة"، الرّسّامة صونيا الحايك خوري، لإضفائها تلك اللمسة السّحريّة بلوحات رصاصيّة ميّزت هذا العمل.

الزّميلة نورا مرعي لقراءتها وتدقيقها هذا العمل حيث تركت عبقاً أدبياً ولغويّاً مثمراً.

Page 3

المقدّمة

لقد أفلت الشعر الحديث من القيد وزناً وقافية، ومن الأصول التي اتُبعت قديماً، وخرج عن درب النظام، فدخل غابة الذات، وعبّر عن جميع مواسمها بفوضى لا يدرك كنهها إلا البارعين بعلم النفس، وعالم الذات في معارجه الضيقة والمتشابكة والتي تبدأ طريقها بالوعي وصولاً إلى اللاوعي في جميع مراحله ومظاهره.

ومثلما نجد في الغابة كمَّاً من الزهر والشجر على غير نسيق أو نظام، كذلك في القصيدة الحديثة حيث النفس تقول على هواها، وتتحرك كما تشتهي بطريقة شحّ انضباطها، تقطف غصناً أو زهرةً من هنا أو هناك، فالباقة التي تحملها تتخذ صورة عشوائية الغابة. وقد يكون الشعر على هذا الوجه صادقاً ومعبراً تعبيراً سليماً عن ميول في أعماق الذات. امّا قيمته فتقدّر بمقدار سلامة قوى الذات وقدرتها على الربط بين الفكر والعاطفة والخيال برباط اللغة، ربطاً لا يجانب الفكر، ولا يطفئ العاطفة، ولا يكبح جموح الخيال.

ميشال الشمّاعي في ديوانه الجديد

مـاذا بعد؟

غدا واحداً من الشعراء المحدثين الذين تضطرب ذواتهم بشعور غامض، وعاطفة متعددة المصادر والوجوه، تلح عليهم فيسطرون شعراً حُرّاً، أو شعراً يتجلى بالبعد والصورة معاً، ويظل خارجاً على طاعة الأوزان والقوافي.

مزج الشمّاعي في مطبخه الفكري والنفـسي مجموعة من العناصر الموروثة وبعض الثقافة المكتسبة فكتب.

ونلاحظ في منحاه الشعري سمات من الرومنسية، ومن الرمزية التي تلامس حدود السريالية دون أن تطأ أرض وعورتها. فهو يرحل في قصيدته من مكان ما، ولكنه لا يلبث أن ينـسى مدارج الإقلاع. فيختبئ وراء غمامة من الغموض الرمزي تشفّ حيناً وتتكاثف حيناً آخر.

وفي الطريق بين شفافيتها وكثافتها ترتسم صور وأشكال وأفكار. ومنها يلتقط القارئ بعض أنفاس لهاثه، ولكنّه لا يظفر بكل شيء. فثمّة معانٍ كثيرة لا يتمّ توليدها بسهولة، فتبقى في قلب الشاعر.

ويحن الشمّاعي أحياناً إلى ما يشبه القافية ولكنّه يستمر مجافياً ما كان منها في القصائد الكلاسيكية.

ويلاحظ القارئ ان للشمّاعي، في شعره، قلقاً، وقد تكون هذه الحالة داء العصر القائم، وداء الشعراء فيه. والقلق ميزة أساسية في أي إبداع، فهو لا يدعك ترتاح أو تطمئن... لأنه يدعوك إلى ما يماثل حالته، كأنه يدفع بك إلى فعل شراكة. لا بأس، والقارئ مبدعٌ آخر...

والشمّاعي، في قلقه، يمضي على مركبة القصيدة... في بحرٍ من الذات الموصولة بالآخر وبالوجود، بحر لا تعرف أمواجه الاستكانة، ومركبه يظل ماخراً العباب متعباً من عصف الرياح وثورة الأنواء...

بورك عملك، يا عزيزي، فأنت لا تزال في بداية الطريق، والطريق وعرة ومحفوفة بالمخاطر والمعاثر.

وفقك الله إلى المزيد ودائماً إلى الأجود.

والله وليّ التوفيق

د. جورج شكيب سعاده

Page 4

أبحثُ عنكِ

أبْحَثُ عَنكِ...
بينَ أصَابِعِ موسيقى عِشْقي،
على أنغامٍ تاهَتْ

أبحَثُ عنكِ...
أنظُرُ ذاتي،
فأجِدُكِ تُلَمْلمِينَ ذواتي...

تملئينَ دَوَاتي،
فتَفِيضُ حُروفي أرِيجاً لا يَنطَفِئ.

كَبَّلتُ يديكِ بحروفي
وعلى خَشَبةِ صَليبي،
وردةً رفعتُك...
فلا تنامي يا حَبِيبةَ حروفي،
انهلي مِنْ مُعيني الغَزلَ لابتِسَامَتِكِ
وفي عَينيكِ المغرَوْرِقتين،

بَحَّارٌ أنا...

أجوبُ حتّى اﻷفُقِ،
وألملمُ عطرَكِ ﻷنثرهُ في كتاباتي
كي تكوني القصيدةَ المكبّلة.
ونرحلُ...

Page 5

الإمارة والملك

رَحَلَتْ ككلِّ كَلِمَةٍ...

في أعماقِه غارَتْ،

ولنْ تَكُونَ ذِكرى

ﻷنّها ستَعُودُ.

سَتعودُ كلَّ يومٍ،

سَتعودُ لتَبكي ندًى

دموعُ اﻷزهارِ

ندى على غيابِها.

لنْ أنسى يومَ تاهَتْ فُلُكي
فأشَعَّ نُورُهَا في فَلَكي،
وفي لحظةٍ صارَت مُلْكي،
فتَحَتْ عرْشَها وهَمَسَتْ:

أهلا بِكَ يا... مَلَكي.

وهلْ تكونُ الإمارةُ بلا الملكِ؟

حتماً... ستعودُ.

Page 6

أولغا... العاصفة

أنا في موجةٍ طاهرةٍ...

أُلملمُ ذَاتي، من ذَاتي بذَاتي.

الخمرَ مِنْ دواليَ قلبي عَصَرْتُ،

والكأسَ ملأتُ مِنْ دُموعِ الجَبَلِ،

فاسْتحَالَتْ بَيضاءَ بَيضاءَ...

نديّةً كثلْجِ كانونَ،

على عُرْي يدَيكِ الدّافئتين مَطَرُ الجَسَدِ.

والحانةُ بين أَرْزٍ فَتِيٍّ ووزّالٍ عتيقٍ تزوّجا،

مولودُهُمَا مَرْقَصٌ مَليءٌ برَملٍ مُلتَهبٍ.

مَوجُ البحرِ ودفءُ الثّلجِ تعانقا،

وذلك اليومُ كانَ يَوماً مَجيداً،

حَفَرَ جليدهُ جَليدَ كلّ القلوبِ

وغَسَلَ بدموعِهِ بيلساناتِ الحقولِ المتجمّدةِ

فبَكَتْ على معطَفِ الأرضِ مُطفِئةً نارَ العَطَشِ.

وما إن هَطَلَ المساءُ بنبيذهِ الأحمرِ،

لَوَّنَ الشّراشفَ الرّطبةَ،

والأسرّةُ مشتعلةٌ

فدَارَتْ معاركُ الهوى.

بين وِسَاداتٍ ضجَّ الكونُ بصُراخِها،

وشراشفُ أمطرتْ لهيبَ قُبل.

من جَسَدِها، عناقيدُ تدلَّتْ

والموجُ سُرِقَ رَذَاذهُ من جيدِها،

أمّا النّارُ فخَجِلَ لهيبُها من شَفَتَيها.

ماتَتْ أولغا...

والدّفءُ الّذي لم يَرحَلْ،

عادَ...

دوراتُ الحياةِ فينا من جديدٍ،

دارتْ...

ننتظرُ أولغا لتعودَ.

وعندها...

السّريرُ والفوضى عاشقان،

الكرمةُ والكأسُ على شفتين تذوبان،

ومهما طالَ رَحِيلُ أولغا...

أولغا كلَّ يومٍ سَتعودُ.

Page 7

كيف ذلك؟

من دُوني، تَرقبينَ الغروبَ،
كيفَ ذلكَ، وأنا اسْتوطَنْتُ في عينيكِ؟
تتلذّذينَ برذاذِ الموجِ مع ذاتِكِ،
كيفَ ذلكَ، وجسدي بعْثَرْتُهُ في ثناياكِ ثِنيةً ثِنيةً؟
تَتَسَمّعينَ إلى موسيقاهُ وليسَ إلى عَزْفي،
كيف ذلكَ، وأناملي رَصَفْتُها خَلْفَ أذُنيكِ؟
تَتَنشَّقِينَ عَبَقَ شَذاهُ وليسَ بخورَ عِطري،
كيف ذلكَ، ومَسَامَاتُك رويتُها مِنْ قارورتي قطرةً قطرةً؟
تتذوقينَ مِلْحَهُ وتنتَشِينَ وليسَ مِلحي،
كيف ذلكَ، ولساني زَرَعْتُهُ بينَ أتْلامِ شَفَتيكِ؟

باللهِ عليكِ، قولي لي:
هل ستشعرينَ بعدَ اليومِ بأيِّ حاسّةٍ مِنْ دوني؟

Page 8

القصيدةُ المكبّلةُ

يا أسْواقَ بَيْروتَ تَلوَّني
اليومَ زارَكِ حَبيبي وتَعَطَّرَ
وبينَ أعْمِدَتِكِ المشتَعِلةِ تَبَخْتَرَ،
تَرنَّحَ سَكرانَ مِنْ عَنْبَرِ قُبلاتي،
فلا تدَعيهِ يَعودُ إليكِ
إلا باحثاً عنّي...

فقدْ كبَّلتُ يديكِ بحروفي،
وعلى خَشَبَةِ صليبي النَّاخِرِ
وردةً رفعتُكِ وأنا ثائرٌ...
حملتُكِ غُصْنَ غَارٍ في ثَوراتي،

أقواسُ النّخيلِ من أناملِ شِعْري رَفَعْتُها؛

كوني قصيدةً مُكَبَلةً بسلاسلِ عالمي
لنرْحلَ...

Page 9

الوداع الأخير

كَياني مَسْكونٌ بالأحْزانِ،

سَاعةُ الوداعِ دَقَّتْ.

والخوفُ خَيَالاتٌ تَسْكُنُ قلبي...

ضوءٌ وَحِيدٌ في ظلمتي...

بَريْقُ الدُّمُوعِ في عَينَيَّ.

سَيِّدُ أحْلامي وأمِيرُ حياتي،

زَيَّنْتُ يدَيَّ بأغْلالِ قَلبِكِ.

رَعْشَةٌ اسْتَوْطَنَتْ في جَسدي

فرحَلَتْ أشباحُ الموتِ،

ماتَ الذّعرُ ماتَ...

والليلُ ثَلْجِيٌّ ضَوؤهُ،

والرّوحُ في الجسدِ تَرثي أفراحَه.

صراخٌ في قلبِها.

لا تَرحلْ...

أنا جَسَدٌ بِلا رُوحٍ،

وقلبي عَريْنٌ لحبّكَ.

ها أنا أمَامَكِ تُمطِرُ عُيوني

أنتَظِرُ اللّحْظَةَ الأخِيرَةَ.

سَتولَدُ روحي من جَديدٍ.

هيَ الولادةُ التي انتَظَرْتُ،

وداعاً حبيبي... وداعاً حياتي

سأموتُ يومَ تَرحَلُ،

لكنْ... ستعودُ،

وعُنواني عُنفُواني

قلبي يَنتَظِرُ سُكْناكَ،

وحبّي يَتِيْمٌ عندَ وَداعِكَ الأخيرِ.

Page 10

أين ستولد يا يسوع؟

السَّماءُ أثْلَجَتْ دِفْأَها حِرَاباً

والنّارُ أمْطَرَتِ الصَّقِيعَ نِبَالاً نِبَالاً

النُّجومُ في سَفَرٍ بِعِيْدٍ بَعِيْدٍ

لا ضَوْءَ فيها... لا اتّْجَاهَ،

ومَنْ تَبِعَهَا مَصِيرهُ اليومَ تَاهَ.

مَفروضٌ أنْ يُولَدَ يَسوعُ،

وفي قَلبِنا المِذْودُ والمغارَةُ.

هكذا نَقَشُوا فينا في الصِّغَرِ.

سَيولَدُ بينَ البَشرِ،

حيثُ الخَيرُ نُورٌ والبركةُ مَطَرٌ.

اليومَ يا يَسُوع... لا بَشَرَ، لا حَجَرَ، لا مَطَرَ

لا قِيثارَةَ، لا مَغارَةَ لا مَنارَةَ،

والقلبُ المليءُ بالخيرِ... دُفِنَ في فَيءِ الشَّجَرِ.

النّاسُ كلُّهَا صَارَتْ صُوراً

أرقامٌ وأقْزامٌ تَعْشَقُ الخَطَرَ،

لا قُلوبَ بَريئةٌ

فالطِّفلُ صَارَ كَهلاً يُحْتضَرُ،

والكهلُ لا يَرتوي مِنَ العِبَرِ.

حُروبٌ ودمارٌ، قَتلٌ وانْحِدَارٌ

أخلاقٌ وقِيَمٌ كلُّهَا في رُقَادٍ،

والجُرْمُ باتَ ذنباً يُغْتَفَرُ.

سؤالٌ يُدَغْدِغُ شعوري،

أين سَتُولَدُ يا يسوع؟

المِذْوَدُ انْكَسَرَ... والحُبُّ انْدَحَرَ،

والشّرُ غَيْثٌ وانْهمَرَ.

أهديكَ قلبي مَغارَةً،

فيه الثلجُ دَافِئٌ، والمَطَرُ تُرابٌ.

تعالَ فالمِذْوَدُ من لهيبِ الدُّمُوعِ،

وَطنَي، عَلَمي، قَلَمي... كُلُّها جَسَدٌ مَفْجُوعٌ،

يَنتَظِرُكَ هذهِ المرّةَ لِتُطفِئَ البردَ بالنّارِ

فتَتَطهَّرَ كلُّ القلوبِ والجليدُ عنها يَذوبُ؛

تعالَ يا يسوعُ ميلادُك مُنتَظَرٌ.

تعالَ إلى كلِّ القلوبِ؛

إلى قلبِ الأمِّ الثَّكْلى،

إلى قلبِ الأرملةِ المفْجُوعَةِ،

إلى قلبِ الطفلِ البريءِ،

تعالَ يا يسوعُ فميلادُك مُنتَظَرٌ.

وَطَنِي أَنِينُهُ أزِيْزٌ على الصَّلِيْبِ،

بميلادِكَ يا يسوعُ... انْزِلْهُ،

فالنّاسُ مَغْمُودَةٌ، باتَتْ كالسُّيوفِ

تَقْطَعُ متى اسْتُلَّت كُلّمَا لاحَ النُّورُ،

ونحنُ نَحيا نَحُوكُ نَحِيبَنا نُجوماً،

نَزرَعُها في فَلَكٍ بالأسودِ لوَّنَّاهُ

لا قَمَرَ فيهِ لا سَمَاءَ،

نرجوكَ أنْ تولدَ يا يسوعُ.

في قلبِ الأطفالِ والفقراءِ،

نَرجوكَ أنْ تُولَدَ يا يسوعُ.

أنْتَ علّمْتَنا أنْ نَنْضَحَ تواضُعاً،

نَحَرْنا أنوفَنَا شوكاً في قلبِ سمائِكَ،

سِالَتْ دِمَاؤكَ ... سامحنا، إليكَ أخطَأنَا،

وبِعُرْيِ يَدَيْنَا البارِدَةِ، رُوحَكَ قَتَلْنَا

نرجوكَ أنْ تُولَدَ يا يَسوعُ.

لا تَنْظُرْ إلى ماضي آثامِنا،

أطفَأنَا النُّجُومَ البَرْقَاءَ

والكونُ صَارَ نُعُوشاً

تَحضُنُ عهرَنا وتَهوَاهُ،

أينَ سَتولَدُ يا يَسوعُ؟

اقْتَتَلْنا وَرَفَضْنَا بَعضَنَا

ولُبنانُنَا ما عادَ الرّسَالةَ الّتي كَتَبْتَ.

حُرُوفُها مِنْ دَمٍ أسْوَدِ،

والأرزُ فيهِ انْحَنَى خَجلانَ؛

أينَ ستولَدُ يا يَسوعُ؟

نرجوكَ لا تَسَلْ أينَ؟

قلوبُنَا لكَ نَفْرِشُهَا مَذَاوِدَ.

سَامِحنَا، لكَ وللبنانَنَا أسَأنَا،

عَمِّدْنَا بنارِ روحِكَ من جديدٍ

نرجوكَ أنْ تولدَ يا يسوعُ.