عن الكتاب
شغلت مسألة الدولة–ولا تزال- محور النقاشات الدائرة في الفكرين العربي والإسلامي؛ ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن أصحاب المشاريع المختلفة أو الأيديولوجيات المختلفة، يعلِّقون مشاريعهم على الدولة التي يُعطونها هذه الأهمية الاستثنائية والخاصة التي تجعل منها المعبود الحقيقي للمجتمع كما لدى القوميين، أو دولة الخلاص واستعادة الإسلام وحماية الشريعة كما لدى الإسلاميين، أو دولة الديمقراطية والحريات الفردية كما لدى الليبراليين.
ويأتي هذا الكتاب (مأزق الدولة بين الإسلاميين والليبراليين) ليثير النقاش والحوار حول مسألة الدولة، والجدالات التي تكتنفها، بما يعكس مختلف وجهات النظر حولها، واعتراضات كل ناظر على الآخر.
الكتاب يحاول تشخيص مأزق الدولة في عالمنا العربي وفكرنا الإسلامي، من مواقع مختلفة، يجمعها الهمّ النقدي، ونُشدان الدولة التي تحقق مصالح الأمة، وتحفظ حقوقهم، وإن اختلفت التصورات وتَفَرَّقت السبل.
فالفصل الأول "الدولة.. معضلة المفهوم والتطبيق" يؤكد التعقيدات التي تكتنف مصطلح "الدولة"، سواءٌ على مستوى المفهوم أم على مستوى الكيانات القائمة والشاخصة في عالم اليوم. ويخلص إلى أن جزءًا مهمًّا من الصراع الدائر حول الدولة في فكرنا العربي منذ أكثر من ثلاثة عقود، يرجع إلى غموض مفهوم الدولة ذاته أو تشوشه في الوعي العربي العام، وعند معظم الأطراف.
الفصل الثاني "أطروحة الدولة الإسلامية"، يعرض لثلاث مقاربات لفكرة الدولة الإسلامية: واحدة تبحث في مبادئ السلطة والحكم في الإسلام، وتتضمن مقايسة فكرة الدولة الإسلامية على فكرة الدولة الديمقراطية الحديثة، من خلال بحث أهم مفاهيمها التي تقوم عليها وهو "الشرعية"، والمقاربة الثانية في هذا الفصل يحاول كاتبها التأسيس للدولة المدنية من خلال مسألة "تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة"، ويسعى من المنطلق ذاته – وهو المقايسة على الدولة الحديثة- إلى البحث عن انسجام مجتمع الإسلام مع دولة مدنية تنبني فيها الشرعية على إرادة الشعب، وتصدر فيها القوانين من قبل مؤسسات خُوِّل لها ذلك بالانتخاب، وفق مصلحة المجتمع.
وتأتي المقاربة الثالثة لتنقد الكتابات الحديثة في النظام السياسي الإسلامي أو في الفكر السياسي الإسلامي التي تستبطن النموذج المعرفي الغربي في علم السياسة وفي التفكير السياسي، وتحاول أن تنسج على منواله في محاولة لتقديم أسس نظرية عامة لملامح النظم السياسية الإسلامية، وأهم ملامح هذا النموذج الإسلامي المقترح، أنه يتخذ من المجتمع مركزًا له، بينما يهمش - إلى حد كبير - دور الدولة.
الفصل الثالث "إشكالات الدولة الإسلامية"، ينصبّ في الأساس على محاولة تحديد معالم الدولة الإسلامية عند القائلين بها، ودراسة علاقة الدين بالدولة والدولة بالدين، بدءًا من التراث السياسي الإسلامي وصولاً إلى حركات الإسلام المعاصر، ليقدّم رؤى نقدية في أطروحة الدولة الإسلامية ويبلور بعض إشكالاتها، بالاستناد إلى قراءة التجربة التاريخية في محاولة لإزالة اللبس الذي وقع فيه القائلون بأطروحة الدولة الإسلامية.
إن الإضافة التي يقدمها هذا الكتاب هي أن قارئه يحيط علمًا بمفاهيم الدولة لدى جميع الأطراف، ومشكلات كل مفهوم، كما أن النقاشات التي يتضمنها تتجاوز الأبعاد الأيديولوجية نحو معالجة معرفية، ذات بعد نقدي واضح. فقارئه سيقف على تصورات الدولة في التراث السياسي الإسلامي الكلاسيكي، وفي الحركة الإسلامية، خاصة الإخوان المسلمين، وفي الأفكار الليبرالية، وكذلك الاتجاهات الناقدة لأطروحة الدولة الإسلامية من داخل المرجعية الإسلامية نفسها، كل هذا إلى جانب الوقوف على بعض تنظيرات الإسلاميين للدولة ونظامها السياسي ومسائل الشرعية والدولة المدنية.
وساهم في الكتاب أسماء مهمة من الليبراليين والإسلاميين، بل من بعض قيادات الحركة الإسلامية أيضًا، وهم: د. برهان غليون والمستشار طارق البشري ود. رضوان السيد والشيخ راشد الغنوشي ود. سعد الدين العثماني ود. أنور أبو طه ود. معتز الخطيب، ود. نصر عارف والسيد هاني فحص وعبد الرحمن الحاج.
موقع الإسلاميون.نت
أحد مواقع شبكة إسلام أون لاين.نت
5/1/2010
مقدمة المحرر
ليس من المبالغة القول: إن معضلة الدولة شكلت –ولا تزال- محور النقاشات الدائرة في الفكرين العربي والإسلامي؛ فقد شكّلت همومُ الدولة وطبائعها وأدوارها مساحة مركزية من التفكير، سواءٌ في زمن أطروحة الدولة الوطنية التي انشغل بها الإصلاحيون الإسلاميون، أم في زمن الدولة القومية التي سعى إليها القوميون، أو في زمن الخلافة التي أمل كثير من الإسلاميين بإقامتها أو استعادتها، ولا يزالون، وصولاً إلى الدولة الإسلامية التي ظهرت كرد فعل على سقوط الخلافة الإسلامية سنة 1924م، والدولة الدينية كما نجد مع أفكار الحاكمية وولاية الفقيه.
ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن أصحاب المشاريع المختلفة أو الأيديولوجيات المختلفة، يعلِّقون مشاريعهم على الدولة التي يُعطونها هذه الأهمية الاستثنائية والخاصة التي تجعل منها المعبود الحقيقي للمجتمع كما لدى القوميين، أو دولة الخلاص واستعادة الإسلام وحماية الشريعة كما لدى الإسلاميين، أو دولة الديمقراطية والحريات الفردية كما لدى الليبراليين. بل قبل ذلك أيضًا، ساد اعتقاد لدى الإصلاحيين في القرن التاسع عشر أن الخلل الذي أصاب المجتمعات الإسلامية ومدنيتها إنما يرجع إلى تخلف نظمها السياسية التقليدية، في حين تقدمت أوروبا وتفوقت بسبب قوة نظمها السياسية (بما تشمله من جيوش ومؤسسات قوية وإدارة فعالة وتنظيم مالي متقدم.. إلخ)، فكان أنْ لجؤوا إلى فكرة الدولة الوطنية.
ولعله من المفيد أن نشير هنا إلى مفارقتين في الحديث عن الصراع على الدولة، تتعلق الأولى منهما بأن كثيرًا من الإسلاميين يُقرّون بعدم وجود نص على الدولة، وأنها ليست مسألة تعبدية، ومع ذلك خاضوا – ولا يزالون - صراعات عديدة في سبيلها، ربما دفع إليها الاستقطاب الأيديولوجي الذي كان سائدًا منذ السبعينيات مع العلمانيين في هذا الخصوص.
والمفارقة الثانية أن النزاع والسجال الذي يدور حول الدولة بين الإسلاميين والعلمانيين، يقع خارج حدود السلطة الفعلية القائمة وعلى هامشها، التي تارة تنزع إلى هذا ضد ذاك، وتارة تتمسح بذلك ضد هذا، فتأخذ من العلمانية ضِغْثا، ومن الإسلامية مثله!. فالدولة القائمة لا هي إسلامية بالمعنى الذي يريده العديدون بمعنى تطبيق الشريعة كاملة، ولا هي علمانية - بالمعنى المعروف للكلمة – التي تفصل الدين عن الدولة وتُلزِمه الحياد فلا هو يهيمن عليها ولا هي تستغله لمآربها وتدعيم نفسها!.
وفي الواقع ثمة مشكلة في التفكير العربي والإسلامي بخصوص الدولة، شخّصه البعض بأنه يعود - في جوهره - إلى أن الدولة القائمة في عالمنا اليوم دولة "مستورَدة" - على حد تعبير نزيه نصيف الأيوبي، وبرتران بادي - فُرضت على عالمنا فرضاً من الإمبريالية الغربية، وتضخمت تضخماً شديداً تحت رعايتها حتى تحقق مصالحها وتحافظ على هيمنتها. ثم جاءت الاستقطابات الأيديولوجية فزادتها تعقيدًا واتسعت الهوة، فظهر سيل من الأفكار والنقاشات، يمكن أن يتم النظر إليه من زوايا مختلفة أو متعددة، بعضها سياسي وبعضها معرفي، وبعضها قانوني، إلى غير ذلك.
ومساهمة منا في هذا النقاش حول الدولة، كان هذا الكتاب الذي يحاول تشخيص مأزق الدولة في عالمنا العربي وفكرنا الإسلامي، من مواقع مختلفة، يجمعها الهم النقدي، ونُشدان الدولة التي تحقق مصالح الأمة، وتحفظ حقوقهم، وإن اختلفت التصورات وتَفَرَّقت السبل.
فالفصل الأول "الدولة .. معضلة المفهوم والتطبيق" يؤكد التعقيدات التي تكتنف مصطلح "الدولة"، سواءٌ على مستوى المفهوم أم على مستوى الكيانات القائمة والشاخصة في عالم اليوم.
لكن ثمة اتفاق تقريبًا - في هذا الفصل - على أن الدولة "هي آلية لتنظيم الشؤون الاجتماعية المشتركة"، و"هي التعبير عن نجاح المجتمع في الوصول إلى توافقات وبناء مؤسسات تعكس تجاوز تجربة العنف، وتضمن استمرار السلام، ومن ثم الاستقرار والتعايش المديد بين السكان. فكل دولة هي مشروع بناء أمة أو مجتمع متفاهم مع نفسه ومع السلطة المركزية التي يخضع لها طواعية، وتقوم بمهام تنظيم شؤونه وإدارة مصالحه" - بتعبير د. برهان غليون –، وهي "تعبير عن جماعة وأداة للحكم بين الناس"، فالدولة ممثلة للجماعة الوطنية، ترعى الشأن العام للمواطن والشعب، أما نظامها السياسي والاقتصادي "فنظام قانوني يناط به الفصل بين الناس بالعدل وإدارة دولاب الحكم" - بتعبير المستشار طارق البشري -.
وإن كان البشري يعالج معضلة الدولة القائمة وليس دولة المفهوم والفكرة، ويبحث في سبل الخروج من حالة الشخصنة التي آلت إليها الدولة اليوم والسبل التي تنمّي الفعل الشعبي الذي من شأنه أن يَرِد من خارج الإطار الرسمي المرسوم من غير توقع ولا حساب.
وإذا أردنا ألا نناقش في فراغ فلا بد أن نميز - عند النقاش في موضوع الدولة - النموذج الذي نتحدث عنه، أو نصطرع عليه؛ فكل طائفة أو تيار يَصدُر عن مفهوم وتصور للدولة، كما يصدر عن مرجعية مغايرة لمرجعية الآخر.
فثمة خلط بين مفاهيم متعددة للدولة، وبين مفهوم الدولة والجماعة السياسية، بل إن نصاب السياسة ليس واحدا، وليست ماهية السياسي متطابقة في كل العصور والأقطار. كما أن علاقة الدولة بالجماعة السياسية ليست واحدة في كل الأنماط السياسية، فإذا أضفنا إلى هذا كله ذلك التصور الذي يرى أن التمييز بين السياسة والدين أمر مبتدع لا يجوز القبول به أو الارتهان إليه تفاقم المأزق واستحكمت المعضلة!.
وعليه، يتطلب تحديد مفهوم الجماعة التدقيق في الدلالات المختلفة لمصطلح الدولة، السلطانية والديمقراطية، وكذلك يتطلب تحديد مفهوم الدولة التدقيق في استخدام مصطلح الأمة الذي يقضي بالتفريق بين المعنى الديني والمعنى السياسي، إذا ما احتكمنا إلى الفكر السياسي الحديث، الذي يحتكم إليه برهان غليون.
إن جزءًا مهمًّا من الصراع الدائر حول الدولة في فكرنا العربي منذ أكثر من ثلاثة عقود، يرجع إلى غموض مفهوم الدولة ذاته أو تشوشه في الوعي العربي العام، وعند معظم الأطراف. وليس من الاستطراد هنا الإشارة إلى أن عبد الإله بلقزيز حينما كتب عن "الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر" (ط. 2002م) لم يتعرض لمفهوم الدولة أصلاً!.
فمصطلح "دولة" يُطلق على نماذج لا حصر لها من الدول، كاملة التكوين أو مُنجزة، وناقصة التكوين، أو غير مستكملة لشروطها، بل ومجهضة كالمولود السّقط. ويُطلق كذلك على أصناف من الدول ذات أشكال من التنظيم للسلطة العامة، وللمجتمع ككل، ووظائف عسكرية أو اقتصادية أو ثقافية واجتماعية، وغايات يمكن أن تتباين من النقيض إلى النقيض.
ولهذا استعرض غليون أنماط وأشكال الدولة في ذهنيات وتصورات الأطراف المختلفة من إسلاميين وليبراليين وماركسيين، وحتى أولئك الذين لا يؤمنون بالدولة!. كما شخّص الصراع الدائر، وحلل انعكاساته ودلائله، ورأى فيه انعكاسًا للطلب الاجتماعي المتزايد على الدولة من حيث هي مؤسسة لمصالح عامة وطنية مقابل المصالح الخاصة، كما رأى فيه انعكاسًا لانحلال النظم الوطنية بشعاراتها وأفكارها وقيمها وأهدافها وغاياتها وسياساتها ومناهج عملها وتسييرها.
إن مقالة غليون تساعدنا على فهم أعمق لأساس المعضلة ووجوهها، وفيها يرى أننا لن نخرج من الطريق المسدود الذي أوصلنا إليه الصراع على الدولة إلا بالانتقال من النقاش في الدولة الإسلامية أو الديمقراطية إلى النقاش في المجتمع السياسي الذي نريد إقامته. وعليه فإن الدولة الاسلامية مفهوم يمكن أن يستقيم إذا كانت الجماعة السياسية التي نريد تكوينها ونعتقد بصلاحها هي جماعة إسلامية، في حين أن الأمر سيتغير إذا كانت الجماعة السياسية التي نريد تكوينها أو ندافع عن فكرة تكوينها، جماعة سياسية من النوع الوطني/المواطني.
وفي هذا السياق تتأكد مقولة هاني فحص عن "امتناع تنميط الدولة"، على معنى اقتراح نمط واحد لها من كل التيارات المتصارعة، لكن هذا الامتناع عنده قد يكون تمهيدًا للقول بخصوصية أو بنمط مغاير للدولة "الغربية" –وهو ما سيتضح أكثر في الفصل الثاني من الكتاب-، فهذا الخطاب يحاول أن يخرج من مأزق عدم وجود "دولة إسلامية" محددة المعالم، فيُقرُّ بأن شكل الدولة وطريقة تشكيلها ليسا شأنَ الدين، لا الاسلام ولا غيره، فلا توجد وصفة دينية ملزمة للدولة، وإنما شأن الدين - بما هو معرفة وسلوك وثقافة وقيم وعلائق وتقوى - هو أداء الدولة، أي عدالتها.
إن هاني فحص يسعى هنا إلى القول بنوع من التمييز بين الدين والدولة وليس الفصل، فهو تمييز يحدد ملامح الوظيفة الفقهية حتى لا تختلط بالوظيفة السياسية، تمييز يسحب من الفقه أو من الفقيه صلاحيات تحديد شكل الدولة أو اقتراح طريقة تشكيلها، إلا في حدود كونه شريكا متكافئا مع الآخرين من أهل المعرفة بهذا الشأن وأهل الخبرة. وهي فكرة ستزداد وضوحًا في الفصل الثالث من هذا الكتاب، مع بحثي لمسألة "الفقه والفقيه ومتغيرات السلطة" التي تقرر أن فكرة الدولة الحديثة أو القائمة في عالمنا قضمت كثيرًا من صلاحيات الفقيه لصالح أدوار جديدة فرضتها طبيعة المتغيرات والتراكمات المعرفية ونشأة حقول معرفية جديدة ونشأة أدوار ووظائف اجتماعية لم تكن من قبل.
إن التمييز الذي يقترحه فحص يجعل من الفقه ثقافة معيارية، معيارها الحرية والعدالة، الحق والقانون، أي ديمقراطية تحث على العدل، وتحرض على الجور، وتتعاطى مع مضمون الدولة ومعناها لا مع شكلها ومبناها، ومن موقع إرشادي حاضن، لا من موقع الولاية والوصاية القابضة على زمام الأمور؛ لأن المولى هو الله سبحانه في المطلق وفي التاريخ، أما الولاية على الأمة فهي للأمة نفسها، وهذا من شأنه أن يعكر صفو الأطروحات السياسية التراثية والحركية المعاصرة التي تجعل من الدولة هي الحاضن للشريعة وليس الأمة.
إلى ذلك ثمة مسألة شديدة الأهمية في الحديث عن الدولة وضرورتها، فالدولة كما يتضح من الفصل الأول وخاصة في ورقتي فحص وغليون، ضرورةُ اجتماع، يقتضيها الاجتماع ويبنيها، لا تبنيه، معنى ذلك أن الاجتماع متغير ومتطور تبعًا للأزمنة والأحوال وتطورات انتظامه وتكويناته ومعارفه، فإذا تغيّر وعي الاجتماع لذاته وعلائقه، وتغير وعي الفرد لموقعه في المجتمع ومسؤولياته وحقوقه وواجباته، وتغيرت الأدوار تبعًا لذلك، فلا بد أن يؤثر ذلك في شكل الدولة، وأدائها، ودورها، ومصدر شرعيتها، وآليات تحقيقها، طبقا للتغيرات الحاصلة في بنيان المجتمع.
وهذا المعنى سيصادفنا كذلك في مطلع الفصل الثاني "أطروحة الدولة الإسلامية"، حين يقرر راشد الغنوشي أن التصور الديني التراثي يجعل الدولة (نصب الإمام الذي هو رأس الدولة) "واجبًا دينيًّا لإقامة الشريعة وضرورة اجتماعية إنسانية لا بديل عنها في توفير شروط بقاء الجماعة"، وأن الخوارج هم وحدهم الذين شذوا – في القديم- فجعلوها ضرورة اجتماعية فقط، لكنه لا يلبث أن يقرر أن التصور الوسطي الذي عليه جمهور الإسلاميين يتمثل في اعتبار السلطة ضرورة اجتماعية وأداة من أدوات الأمة في إقامة عدل الإسلام، وأنها مجرد أداة اجتماعية توظفها الأمة لحراسة الدين والدنيا، وأن القائمين بها ليسوا سوى خدام عند الأمة؛ إذ هي المخاطب الحقيقي بإقامة الشريعة، بما يجعل شرعيتهم موقوفة على إنفاذهم للشريعة والتوافق مع توجيهاتها كما يرتضيها جمهور المسلمين.
وهذا المسلك كان مدخلاً لقول الغنوشي بضرورة الدولة الإسلامية، ما دام الإنسان اجتماعيًّا بطبعه، وما دام الإسلام نظامًا شاملاً، وهي دولة الرسالة، ولا تختلف عن الديمقراطيات المعاصرة إلا من حيث علوية المبدأ الخلقي في إقامة العدل وفق ما جاءت به الشريعة أو وفق ما لا يخالفها، وهو ما أسست له مدرسة الإصلاح كما جاء بيّنًا في فكر كل رموزها مثل الأفغاني وعبده ورشيد رضا وحسن البنا وحسن الترابي والمرجع الشيعي المعتبر المرحوم آية الله محمد مهدي شمس الدين.
هذا التصور الإصلاحي لمدنية لدولة الذي قرره محمد عبده وغيره من الإصلاحيين، وحافظ عليه رواد الحركة الإسلامية من بعده حين قالوا بالدولة الإسلامية، دفع إلى اعتبار الدولة ضرورة اجتماعٍ لا ضرورة دينٍ.
ويحاول الغنوشي مقايسة فكرة الدولة الإسلامية على فكرة الدولة الديمقراطية الحديثة، من خلال بحث أهم مفاهيمها التي تقوم عليها وهو "الشرعية"، فيقرر أن شرعية الدولة الإسلامية تنبع من المرجعية القانونية القيمية العليا المحكومة بالشريعة، والشورى التي تجعل الحاكم المسلم نائبا عن الأمة في إقامة الشريعة وإنفاذها وفق العقد الذي بينه وبين الأمة، وهذه الدولة يتمتع فيها العلماء وقادة الرأي العام وزعماء العشائر والطوائف وكل ممثلي الشعب بمكانة عظيمة باعتبارهم أهل الحل والعقد، بما يجعل سلطان الحاكم سلطانًا تنفيذيًّا محدودًا جدًّا لصالح سلطان الشريعة والمجتمع وسائر المؤسسات الممثلة لهما.
ودولة الإسلام هذه موكول إليها ومعلّق بها الأمل أن تقوم –وفق تصور الغنوشي- بإنقاذ مركب الحضارة الإنسانية واستعادة المعنى والروح والقيمة.
وإذا كان الغنوشي يقايِس على الدولة الحديثة ويحاكيها في رسم مبادئ السلطة والحكم في الإسلام، فإن سعد الدين العثماني يؤكد مجدَّدًا مدنية الدولة الإسلامية، لكنه يسعى من المنطلق ذاته – وهو المقايسة على الدولة الحديثة- إلى البحث عن انسجام مجتمع الإسلام مع دولة مدنية تنبني فيها الشرعية على إرادة الشعب، وتصدر فيها القوانين من قبل مؤسسات خُوِّل لها ذلك بالانتخاب، وفق مصلحة المجتمع، وهي أشبه بعملية توطين لإحدى أفكار الدولة الحديثة في بيئة الفكر الإسلامي أو تأصيل كما يُعبّر عنها أحيانًا، مدخلُها مسألة أصولية معروفة في أصول الفقه تقوم على مبدأ التمييز بين تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بحسب الوظائف التي اضطلع بها، والوظيفة التي يتم استدعاؤها هنا هي "الإمامة"، رأى فيها العثماني أساسًا منهجيًّا يلقي الضوء على جوانب لم يُهتم بها بما يكفي لتطوير التجربة السياسية المعاصرة للمسلمين، وللخروج من سجن الكثير من التجارب التاريخية التي ربما تكبل انطلاقة كثير من المسلمين للاستفادة بقوة من التجربة الإنسانية المعاصرة.
فالدولة الإسلامية هنا دولة مدنية، ذات مشروعية شعبية، مكلفة بحماية دين الأمة، كما أن الدولة الوطنية الحديثة، دولة مكلفة بحماية الوطن والدفاع عن مصالحه.
إن محاولة العثماني تأصيل "مدنية الدولة الإسلامية" تصبّ مجدَّدًا في صالح الفكرة القائلة بالتمييز بين الدين والدولة، أو الدين والدنيا، وإبعاد الممارسة السياسية عن الممارسة الدينية المباشرة، للقول في محصلة الأمر: إن الدولة في الإسلام دولة دنيوية قراراتها بشرية. وقد يُعتَبر هذا تطورًا داخل الفكر الحركي الإسلامي الذي خاض صراعًا حادًّا مع العلمانية في الثمانينيات، دفعه إلى الرفض المطلق والكلي للفصل بين الدين والدولة، بل ربما أخرج القائلين به من دائرة الإسلام كليةً، لكننا وجدنا فيما بعد أطروحات متطورة لا تقول بالفصل العلماني، لكن تقول بالتمييز بين الشأنين، وهي مقولة لمحمد عمارة أيضًا وآخرين.
لكن نصر عارف انتقد تلك الكتابات الحديثة في النظام السياسي الإسلامي أو في الفكر السياسي الإسلامي التي تستبطن النموذج المعرفي الغربي في علم السياسة وفي التفكير السياسي، وتحاول أن تنسج على منواله. وهو مع ذلك يُقرُّ بأنه لا يمكن الادعاء بأن هناك نظامًا سياسيًّا إسلاميًّا واحدًا محدد المعالم والخصائص والمكونات، بل هناك منظومة معرفية إسلامية تعالج الشأن السياسي وتحدد له الأسس والمنطلقات والمقومات والمقاصد، وعن هذه المنظومة ومنها تنبثق نظم سياسية عديدة مختلفة المكونات والأشكال والوسائل والصيغ.
وعليه فهو يحاول تقديم أسس نظرية عامة لملامح النظم السياسية الإسلامية، وأهم ملامح هذا النموذج الإسلامي المقترح، أنه يتخذ من المجتمع مركزًا له، بينما يهمش - إلى حد كبير - دور الدولة، بالاستناد إلى أن النموذج النبوي يشهد على أسبقية المجتمع على الدولة في الأهمية والاهتمام، كما أن الجدل الكلامي المبكر الذي أسهم في تكوين الفرق الاعتقادية انطلق - في أساسه - من اختلاف بين تيارين أحدهما يرى أولوية الدولة، وكيف أنها أصل من أصول الدين وواجب عليه تعتمد باقي الواجبات. وثانيهما يرى أنها وسيلة لا أصل، وأن الدين يحتضنه ويعبر عنه المجتمع وليس الدولة، وقد كانت السيادة التاريخية من حيث الأغلبية والنفوذ للتيار الثاني. ثم إن مفهوم السياسة في الإسلام كمنظومة فكرية يجعل معظم الفعل السياسي فعلاً مجتمعيًّا غير قاصر على الدولة أو على أجهزتها السلطوية، فجوهر هذا المفهوم هو الإصلاح أو المصلحة، تأسيسًا على معناه اللغوي.
الفصل الثالث "إشكالات الدولة الإسلامية"، ينصبّ في الأساس على محاولة تحديد معالم الدولة الإسلامية عند القائلين بها، ودراسة علاقة الدين بالدولة والدولة بالدين، بدءًا من التراث السياسي الإسلامي وصولاً إلى حركات الإسلام المعاصر، ليقدّم رؤى نقدية في أطروحة الدولة الإسلامية ويبلور بعض إشكالاتها، بالاستناد إلى قراءة التجربة التاريخية في محاولة لإزالة اللبس الذي وقع فيه القائلون بأطروحة الدولة الإسلامية.
وفي هذا الفصل، يعيدنا د. رضوان السيد إلى ناحية استعراض التجربة التاريخية للدولة الإسلامية بعد زمن النبوة؛ لأن هذا الاستعراض سيُفيدنا مع الإسلاميين بأنْ يضعَ الأمورَ في سياقِها المعتبر لدى المسلمين في أزمنة الخلافة والسلطنة وعلى مدى عدة قرونٍ استقرتْ فيها المفاهيمُ والآليات، مفاهيمُ علاقة الدين بالدولة، والآليات التطبيقية للنصوص وللاجتهادات وللأفهام. يبدأ السيد من تعريف الإمامة لدى الماوردي وغيره بأنها "موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا"، وهو تعريف محشوّ بالإيديولوجيات، وبصراعات العقائد والمذاهب والسياسات حتى أيامه. وبالرغم من أن الماوردي يَعتبر منصب الإمامة أو السلطة الإسلامية يستند إلى "الوضع" وليس النص؛ ما يعني أنها منصب مدني "وضع" بإجماع الصحابة، إلا أنه باعتباره الإمامة أداة أو وسيلة أو سلطة لحراسة الدين – بالإضافة إلى الوظيفة المتعارف عليها للسلطة – يكون قد أعطى الخلافة صلاحيات وطابعًا دينيًّا؛ فهي إمامة وخلافة "عن النبوة"، وهي تقوم بالإضافة إلى سياسة الدنيا (وهي المهمة المتعارف عليها لأي سلطة)، بمهمة دينية كبرى هي حراسة الدين. وحين ذكر الماوردي وأبو يعلى الحنبلي المؤسسات الفرعية التي تشرف عليها الخلافة؛ كان من بينها ولايات دينية بحتة: الولاية على إمامة الصلوات، والولاية على الحج، وولاية الصدقات، وأحكام الحسبة، وولاية النقابة على الأنساب.
لكن رضوان السيد لاحظ أمرين أثنين: الأول صراع طبقة العلماء والفقهاء مع السلطة السياسية طوال القرن الثاني الهجري على المرجعية في الدين، وتجلى الصراع الثاني مع المحدثين أو أهل الحديث والسنة في (المحنة)، أي الخلاف بين المأمون العباسي من جهة، وأحمد بن حنبل وزملائه من جهة ثانية، حول من يتولى تحديد طبيعة التعامل مع القرآن، وهل هو الخليفة (الذي قال: إن القرآن مخلوق) أم أهل السنة والجماعة (أصحاب الحديث) الذين قالوا: إن القرآن كلام الله غير مخلوق! ومما له دلالته أن أهل السنة هؤلاء كانوا يقولون بوجوب الطاعة للسلطان في الشأن السياسي، ولا يرون طاعته في الشأن الديني (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
إن وقوف الفقهاء في وجه الصلاحيات التشريعية للسلطة، ووقوف المحدثين في وجه المرجعية الدينية للسلطة السياسية، هذان الموقفان يتصل أحدهما بالآخر، لكن موقف المحدثين كان أكثر جذرية، وأوضح لجهة التمييز بين المجالين الديني والسياسي. وقد كان من نتائج هذا الصراع، أن استقل المجال الديني عن المجال السياسي بعد منتصف القرن الثالث الهجري، فتولى العلماء (ورثة الأنبياء) الشأن الديني، وانفردت السلطة بالشأن السياسي، وبقيت المرجعية العليا للإسلام، كما بقيت المرجعية القانونية والمؤسسات للسلطة السياسية، كما في كل دولة.
وبالعودة إلى الدولة أو الإمامة ذات الطبيعة الدينية نجد أن المقايسة بين علاقة الدين (الزرادشتي) بالدولـة وعلاقة الإسلام بالدولة، هو الذي أفضى إلى تلك الصياغة (حراسة الدين وسياسة الدنيا)، وهي صياغة يراها رضوان السيد "وهمية".
استمرت الخلافة حتى مطلع القرن الرابع الهجري، إلى أن فوجئ الفقهاء بظهور الدولة السلطانية، وهذه الظاهرة الجديدة، التي بلغت ذِروتها عام 333هـ/334هـ بدخول البويهيين إلى بغداد، دفعت الفقهاء وكتاب الآداب السلطانية، والفلاسفة وغيرهم إلى كتابة قراءات لأوضاع الخلافة فظهرت ثلاثة كتب في "الأحكام السلطانية" ما بين 440هـ و470هـ: كتاب الماوردي، وكتاب أبي يعلى الحنبلي، وكتاب إمام الحرمين الجويني. أما الماوردي وأبو يعلى فيعترفان بالتغير وبالوقائع الجديدة، ويعتبران أن الحل المؤقت الذي جرى التوصل إليه (أن لا يباشر الخليفة الأمور بنفسه، بل من خلال تفويض أمير الاستيلاء) هو الوحيد الممكن والمعقول، لأنه يحافظ على وحدة الدولة (لا على وحدة السلطة)، ويترك الأمل والباب مفتوحًا لتصحيح الأوضاع باتجاه توحد السلطة (الدستورية) والقوة من جديد. لكن الجويني يختلف معهما، بل ويهاجم معاصرَه الماوردي دون أن يسميه. فالخليفة العباسي صار عبئًا ولم يعد ميزة، ولا حاجة لهذه الازدواجية السلطوية، ولا حاجة أيضًا لبقاء الخليفة لسبب ديني، فالشأن الديني يتولاه الفقهاء والعلماء. أما السياسة (تدبير الشأن الداخلي)، والشوكة (الجهاد والدفاع عن دار الإسلام)، فيتولاها السلطان، سواء أسميناه خليفة أم لا.
لكن الاتجاه التقليدي المؤسسي هو الذي انتصر في الظاهر، فقد بقي الخليفة، وحَكَم السلاطين، وظلوا يطلبون التكليف منه مهما بعدت أقطارهم.
واستنادا إلى هذا الإدراك للمتغيرات، تشبث الفقهاء بالأمر الديني والشعائري وما يتصل بهما، ولجؤوا في المجال العام إلى تطوير ما اعتبروه "سياسة شرعية" للخروج من الضروري والطارئ إلى الصالح والشرعي. فجرى - بعد انتصار القوة والشوكة في الدولة - الانتقال من "الأحكام السلطانية" إلى "السياسة الشرعية"، أي أن المصلحة صارت مصدرًا شرعيًّا، كان على الفقهاء الانصراف إلى تقنينه وضبطه بالقدر الذي تسمح به السلطة والظروف.
فاضطر الفقهاء إذن لشرعنة إمارة الاستيلاء وسلطنة التغلب، حفـظًا للوحدة، ودرءًا للانقسام، واعتبروا أنه ما دامت الخلافة قائمة فإن المشروعية التأسيسية متحققة، والخلل إنما داخل شرعية المصالح؛ وهذا يمكن تلافيه بالإصرار على العدالة. وهذه النزعة يجعلها د. القرضاوي معبِّرًا عن واقعية الفقه الإسلامي، وأنه لا يعيش في الهواء بل في الواقع ويتفاعل معه.
وبقي الأمر على هذا الحال حتى مشارف العصور الحديثة، إذ أُعيد القول في الفقه والفكر السياسيين، مع صدمة الغرب وظهور الدول الحديثة، ثم مع سقوط الخلافة الإسلامية سنة 1924م، فقد طوَّر الشيخ محمد عبده أُطروحة الدولة المدنية في الإسلام في سياق الجدال مع فرح أنطون حول العلمانية، ثم تأسَّست الحركات الإسلامية العاملة لاستعادة الدولة الإسلامية التاريخية، والتي تطورت لديها في خمسينيات وستينيات القرن العشرين مقولةُ (الدولة الإسلامية) التي تكتسبُ اسمَها هذا من (تطبيق الشريعة)، في مقابل تيارين آخرين، يرى أحدهما ضرورة إعادة الخلافة، ويرى الآخر ضرورة القول بالعلمانية. والصراع إنما قام ويقوم بين هذه التوجهات الثلاثة.
لكن أنور أبو طه يركز تحليله على دولة الإخوان المسلمين تحديدًا؛ لكونها كبرى الحركات الإسلامية، وهي الحاضرة بقوة في ساحة الفكر والعمل السياسي، فيرى أن ولادة جماعة الإخوان المسلمين كان مبعث ظهورها أنها ردّ فعل على غياب النظام السياسي الإسلامي، فكانت تتويجًا عمليًّا ذا مَنْحى نضالي لدفاعات الفكر الإسلامي منذ عصر النهضة ضد الفكر "التغريبي". ويقرر أن حسن البنا لم يكن امتداداً خالصًا للاتجاه السلفي التقليدي لعصر النهضة ممثَّلاً بمحمد رشيد رضا الداعي إلى نظام الخلافة، فالبنّا أضاف تصوّراً جديداً أَدخل العقلَ الإسلامي في مساحات التفكُّر الفعَّال، كما أَدخل تعديلاً مهمًّا في مفهوم "الجماعة المسلمة" التي عصفت بها التحولات في دول ما بعد الاستقلال، وتحديداً مفارقات التفارق والتحوُّل بين مفهومي "المجتمع الإسلامي"، و"الجماعة المسلمة".
الفكرة المركزية التي انطلق منها البنا –كما هو معروف- هي أن الإسلام نظام شامل، دين ودولة، وانطلاقاً من شمولية الإسلام اعتبر البنّا أن علاقة الدين بالسياسة هي بمنزلة "الأصل الأساسي" الذي تمَّ تضييعه، بل إنه يقفز قفزة نوعية في النظر إلى مكانة الحكم في الإسلام فيقول: «والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر». وهذا النص – بحسب أبو طه – يُعتبر تأسيسًا أوليًّا لقداسة السلطة، فهو قد وضع بذور فكرة "الحاكمية" التي تبنّتها كافة تيارات وجماعات السلفيّة الحركية لاحقاً، التي اعتبرت أن الدولة الإسلامية مسألة عَقَدِيّة من مسائل أصول الدين، ولذلك نرى الخطاب الإسلامي السياسي الحركي أسبغ طابعًا قدسيًّا على تلك العلاقة بين الدولة والدين، مُشابِهًا الموقف الفقهي الشيعي في مسألة الإمامة التي تتحول إلى أصل من أصول الاعتقاد!.
هكذا تمّ مَرْكَزَة المسألة السياسية لدى الحركة الإسلامية "الأم"، مما أدى إلى بروز نزعة التسييس، وإعلاء الشأن السياسي العملي في عموم الفكر الإسلامي وتياراته وحركاته، حتى إن الفكر الإسلامي الحديث ربط قوام "الأمة" وتحقُّق وجودها التام بالدولة، ونقل المرجعية من الأمة إلى الدولة التي تطبق الشريعة، وهذه إحدى مشكلاته الكبرى بحسب الكثيرين.
لم يغادر البنا تصور الخلافة كليةً، فهو قد جعل من «فكرة الخلافة والعمل لإعادتها»، على رأس أولويات الإخوان المسلمين، ولكنـه يعتقد أن الأمر يحتاج إلى «كثير من التمهيدات التي لا بـد منهـا، وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لا بد لها أن تسبقها خطوات».
إنه بالرغم من كثرة الحديث عن نظام إسلامي، ودولة إسلامية، نجد إقرارًا مستمرًّا بأن الكلام يتعلق بالمضمون والمرجعية لا بالشكل أو المسمّيات؛ لأن الإسلام – حسب البنا وغيره - لا يتدخل في تفاصيل وجزئيات الحياة الدنيوية البحتة، وإنما في المسألة السياسية بما هي اشتغال في القيام على الدنيا بما يصلحها، لكنهم مع ذلك حين يرسمون وظيفة الدولة أو مهماتها نجدهم يتحدثون عن "وظيفة عقدية للدولة الإسلامية" كما هو عنوان كتاب لحامد عبد الماجد، بل إن البنا والغنوشي يتحدثان عن وظيفة الدولة في نشر الإسلام وتبليغ دعوته الحكيمة للناس، وهداية الناس جميعاً، وهذا يتجاوز مسألة وجود الدولة لضرورات اجتماعية لتحقيق النظام وتسيير المعاش وتحقيق إجماع الحد الأدنى في الجماعة السياسية وغير ذلك.
وفي الواقع ثمة شبه اتفاق بين العديد من مقالات هذا الكتاب على أن مفهوم الدولة الإسلامية يلفّه غموض شديد، والتباس بمفاهيم الدولة الحديثة، والخلافة، وقد سبق لنزيه نصيف الأيوبي أن أكد في كتابه "العرب ومشكلة الدولة" (ط1، 1992م) أنه ليس في الفكر السياسي الإسلامي مفهوم محدد للدولة، وأن عشرات الكتب التي تتحدث عن مفهوم "الدولة في الإسلام" وتستمد مادتها من الأدبيات الإسلامية التقليدية إنما تتحدث عن "الحكم" أو عن "السياسة"، وليس عن "الدولة" بالمفهوم النوعيّ والمعنى المتكامل؛ ذلك أن تصنيف "الدولة" في الفكر السياسي التقليدي هو تصنيف لضروب الصَّنعة السياسية، وليس لأنواع "الدولة".
إلى ذلك، إن مفهوم الدولة الإسلامية تُحيط به إشكالات عديدة، أهمها التباس العلاقة بين الدين والسياسة، وهو جوهر المعضلة. وفي هذا المعنى يأتي مقال عبد الرحمن الحاج ليقدم قراءة تاريخية للفكر الإسلامي السياسي تلحظ تحولات الوعي بمفهوم الدولة تحديداً، وتأثيرات الميراث السياسي الفقهي والتاريخي عليه، ويرى فيه أن مفهوم الدولة الإسلامية مفهوم هجين يختزن مضمونًا نضاليًّا لاستعادة الإسلام عبر استعادة الخلافة، أو لاستعادة الخلافة من أجل استعادة الإسلام، وأن ظل الخلافة لم يفارق تصورات الدولة الإسلامية، فلاهوت الخلافة الثاوي في عبارة "الدولة الإسلامية" يمثِّل القاسم المشترك لكل الحركات الإسلامية، والفارق بينها أن بعضها يُعيد مفهوم "الدولة الإسلامية" إلى أساسه (الخلافة)، مثل حزب التحرير والحركات الجهادية، فيما يفسر البعض الآخر الدولة الإسلامية بمنطق تلفيقي بالدولة المدنية. وقد عزز ظل الخلافة ومكّن للاهوتها في الوعي الإسلامي الصراع الإيديولوجي ومساعي الحفاظ على الهوية في مواجهة ما سمي بـ"التغريب" و"الغزو الفكري" و"الاستلاب" وغير ذلك، حتى كاد يصبح مفهوم "الدولة الإسلامية" مسلَّمة من مسلمات الوعي الإسلامي برمته في نهاية السبعينيات، وخصوصاً بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م. لكن الحاج لا ينفي أن ثمة بوادر لإعادة التفكير في مفهوم الدولة الإسلامية خارج إطار لاهوت الخلافة، بشكل يقترب أكثر من مفهوم الدولة الحديثة خارج الأيديولوجيا.
ثمة إشكالات عديدة تحيط بمفهوم الدولة الإسلامية في أعين نقادها، كما يتضح في الفصل الثالث، فرضوان السيد يقول ناقدًا: صحيح أن الحاكم في الدولة الإسلامية غير معصوم، لكنّ غير المعصوم هذا يقوم على تطبيق الشريعة المعصومة، فما الفائدةُ من التأكيد على (مدنية) الحاكم ما دامت (مدنية) الدولة منكورةً أو غير مصونة؟! ويستدلُّ دُعاةٌ كبارٌ على ضرورة إقامة الدولة الإسلامية بأنّ الإسلامَ عقيدةٌ وشريعة، والقائلُ بذلك لا بد أن يُقرَّ أنَّ الإسلامَ دينٌ ودولة! بيد أنّ (الشريعة) لا تعني المشروعَ السياسيَّ، كما أنها في الحقيقة لا تنفصلُ عن العقيدة، بل هما شيءٌ واحدٌ، ذلك أنّ الشريعة تملكُ جوانب اعتقادية أيضاً، وكذلك أورد برهان غليون في الفصل الأول جملة إشكالات على أطروحة الدولة الإسلامية في الفصل الأول، منها أنه يرى فيها شكلاً من أشكال الدولة الدينية التي تجاوزها الجميع باتجاه الدولة الديمقراطية التي تكفل قيام الحق والقانون، وترسخ مبدأ المواطنية كأساس للتعامل بين الجميع، وإن كان العديد من المفكرين الإسلاميين ينفون هذه الصيغة عن الدولة الإسلامية، وقاموا بتوطين فكرة المواطنة داخل الفكر السياسي الإسلامي، بما يكفل مبدأي المساواة والعدل.
والواقعُ أنّ منظّري الإسلاميين بعد أن صاروا أحزاباً سياسيةً، ومارسوا المشاركة، سيطر في أوساطهم أحدُ منزعين: إمّا تصوير "الدولة الإسلامية" الموعودة بصورةٍ تقرُبُ بها من "الدولة المدنية"، أو العكس، أي تصوير الدولة المدنية باعتبارها اختراعًا من اختراعات المسلمين في العصور الوسطى، قلَّدهم فيها الغربيون المُحْدَثون.
لكن المقال الأخير في الفصل الأخير من الكتاب، يخطو خطوة متقدمة في إدراك مشكلة الدولة الإسلامية من داخل التفكير الإسلامي نفسه، إذ يوضح أن هناك تفريقًا وتمييزًا بين شمولية الإسلام ووظيفة الفقه والفقهاء، كما أن هناك تمايزًا بين الفقه والسياسة، إلا أن متغيرات الواقع السياسي أدت إلى اضطراب كبير في "الأدوار" طاول وظيفة الفتوى ومجالها وحدودها، بل وظيفة الفقه والفقيه، والذي لم يتم الانتباه إليه أن شمولية الإسلام لم تعنِ شمولية الفقيه في ذاته بحيث يصبح هو - وحده - المتحكم بالمجال العام.
لكن التطور الذي حدث في العصر الحديث هو ذلك الانفصال بين الشريعة والسياسة في بناء تصور ومرجعية الدولة الحديثة، بما هي مهيمنة على تفاصيل حياة البشر، وفي هذا السياق حدثت تحولات كبيرة في وعي تلك الفكرة المركزية في الإسلام، وهي "النظام الشامل"، فتحولت من إطار دولة مجسدة لها وقائمة بها، إلى إطار جماعة أو تنظيمات إسلامية، فجرى الدمج بين الإسلام بوصفه نظامًا شاملاً، وبين ما سمي لاحقًا بـ"الإسلام السياسي" على معنى المشاركة في السلطة، أو السعي إليها.
فاشتمال الشريعة الإسلامية على مسائل السياسة أمر لا مفرّ من الإقرار به، وهو ما يشهد به ذلك النتاج الفقهي الضخم، والتاريخ الإسلامي أيضًا، بل ويشهد به التحليل المنطقي عن تعريف الفقه الإسلامي وبناء تصوراته، لكن الجديد والطارئ هو مَنْ يمارس تلك السلطة، ويقوم على تطبيق تلك التصورات. هنا حدث - ويحدث - الكثير من الاضطراب منذ نشأة الدولة الوطنية الحديثة والصراع على السلطة والمرجعية أيضًا.
د. معتز الخطيب
الدوحة 5-1-2010
الفصل الأول: الدولة .. معضلة المفهوم والتطبيق
الصراع على الدولة
حول شخصنة الدولة
امتناع تنميط الدولة
الصراع على الدولة
د. برهان غليون
أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون
- 1 -
وصل النقاش الدائر في العالم العربي بين الاسلاميين والعلمانيين حول الدولة - منذ أكثر من ثلاثة عقود - إلى طريق مسدود، أولاً بسبب غموض مفهوم الدولة ذاته أو تشوشه في الوعي العربي العام، وعند معظم الأطراف، وثانيًا بسبب السياق التاريخي الخاص الذي تعيشه المجتمعات العربية والذي يتميز من جهةٍ بفساد الدولة كمؤسسة عامة وجامعة، ومن جهة ثانية بالتناقض المتزايد بين أغلبية ثقافية تنظر إلى الدولة كتعبير عن هويتها المضيّعة، أو المهددة بالضياع، وأقلية ثقافية تحتكر وسائل السلطة العامة، المادية والسياسية معا1. والنتيجة اتجاه متزايد عندنا لتصنيم مفهوم الدولة، وتحويلها إلى أسطورة مقدسة، كما يزداد التمركز حول موضوعها ووسائل السيطرة عليها كما لو كانت خشبة الخلاص الوحيدة لمجتمع فقد سيطرته على أوضاعه ومقاليد أموره.
وهكذا يكمل الاستلاب الفكريّ الاستلابَ العملي المقيم والمستفحل لها، فهي بالنسبة للاسلاميين طريق الخروج من التيه الذي دام لأكثر من قرنين، تيه الحداثة وما بعدها، ورمز المصالحة بين الدين والدنيا، العبد وربه، وإطار إعادة تحقيق العهد الذي ربط - ولا يزال - المؤمنين بإلههم ومصدر خلاصهم، ومن وراء ذلك إشارة الانطلاق لمسيرة استعادة أمجاد الامة الاسلامية بما تعنيه من وحدة وقوة، كما توحي بها أو ترجع صداها صورة الخلافة الاسلامية التاريخية التي امتد نفوذها من الصين إلى قلب أوروبا. وهي بالنسبة لقطاعات واسعة من الرأي العام العربي والاسلامي الذي تَشَرب قسطًا من الثقافة السياسية الحديثة، بمعانيها القانونية والوطنية، البديلُ الوحيد عن استفحال النزاعات الطائفية والمذهبية والعشائرية والإتنية.
وبينما يرى المخيال الإسلامي المعاصر في الدولة المنشودة مثال العدالة والسيادة والاتساق الأخلاقي والفكري، بمقدار ما تشير إلى إحلال دولة العدل الإلهي محل دولة الظلم المدنية أو العلمانية أو الوضعية ( وهي في نظر معظم أتباعه بمعنى واحد) التابعة أو الخاضعة للهيمنة الاستعمارية، ينظر المخيال العلماني أكثر فأكثر إلى الدولة بوصفها رديفا للنظام والأمن مقابل الفوضى وانتشار العنف والفساد والمحسوبية. وبالنسبة للطرفين، يشكل الصراع على الدولة رهانا أولا، ليس لِمَا تقدمه السيطرة عليها من إمكانات ووسائل لتحقيق الغايات المثلى: التوافق مع الايمان والمطالب الإلهية عند البعض، وضمان النظام بما يعنيه من حكم القانون واحترام الحريات والحقوق المدنية والسياسية عند البعض الآخر، وإنما أكثر من ذلك وقبل ذلك، للتعويض عن نقائص مجتمع يفتقر في ذاته، أو يبدو وكأنه يفتقر لأسس التضامن والوحدة والنظام والتفاهم والغايات المشتركة.
هكذا أصبحت الدولة محور التفكير والصراع معا في عالم العرب الراهن. وكل النقاشات والصراعات الأخرى مرتبطة بصورة أو أخرى بالصراع على الدولة، سواء على مستوى تحديد المفهوم والمضمون، أم على مستوى التحكم بأجهزة القوة والقهر، أو بعبارة أخرى، حيازة الحق في احتكار العنف الذي يكاد مفهومه يتطابق اليوم، في الدولة القائمة، إلى حد كبير مع مفهومها.
يعكس هذا الصراع نفسه الطلب الاجتماعي المتزايد على الدولة، ليس من حيث هي جهاز عنف وقهر وإخضاع، وإنما بالعكس من حيث هي نظام، وقانون، وسلطة عمومية، أي مؤسسة لمصالح عامة وطنية مقابل المصالح الخصوصية، قانونية ومساواتية، ومن حيث هي مركز إنضاج رؤى وتطبيق قرارات وخطط ضامنة لوحدة الجماعة ومستقبلها معًا. بيد أن الصراع الراهن على الدولة يعكس هنا مشكلة أكبر من الدولة نفسها، هي انحلال نظم المجتمعات العربية لحقبة ما بعد الاستعمار، أي النظم القومية أو الوطنية بشعاراتها وأفكارها وقيمها وأهدافها وغاياتها وسياساتها ومناهج عملها وتسييرها. فالمجتمعات التي لا تستطيع أن تتماسك من دون الدولة وخارجها هي مجتمعات مفككة بالأصل، ولا تنجح الدولة غالبا في توحيدها، اللهم إلا إذا كان معنى الدولة فرض النظام بالقهر والقوة. فالأصل أن الدولة بوصفها القوة الناظمة للمجتمع الكلي، أي المنتجة لاجتماع سياسي يشمل جميع الأفراد المستقرين على الرقعة الجغرافية التي تبسط سيادتها عليها، هي من إفراز الأمة أو الجماعة، والتعبير المكثف عن وحدتها الفكرية والأخلاقية والاجتماعية العميقة. فهي تنبثق من المجتمع بمقدار ما تتبلور داخل هذا المجتمع شروط بروز سلطة مركزية واحدة وموحدة معا، ولا تفرض عليها من الخارج. والدولة تلخص - في مبادئ التنظيم التي تستند إليها - المشترك بين أفراد المجتمع الذي تهيمن عليه. وما لم ينجح هذا المجتمع في التوصل إلى حد أدنى من الإجماع، أي من وحدة الفكر والهدف والغاية والمعايير الأخلاقية، لن يكون بإمكان الدولة الحديثة، بوصفها دولة المجتمع أو الدولة الأمة التي تعكس إرادة المجتمع وتجسدها، أن تقوم، وستتحول أي سيطرة مركزية إلى سيطرة آلية، أي إلى سلطة قهرية مفروضة بقوة الإرادة والسطوة والعنف الذي تتمتع به النخبة الحاكمة، التي كثيرا ما تتحول، لهذا السبب نفسه، إلى نخبة عسكرية أو - كما هو سائد الآن في معظم الدول العربية- إلى نخبة أمنية (أي مرتبطة بأجهزة الامن السرية وشبه السرية والعلنية أو التابعة لها) بامتياز.
والسؤال الذي يُطرح عندئذ: كيف يمكن أن تنشأ دول لا تكون المجتمعات فيها قد حققت الحد الأدنى من الإجماع حول المبادئ والقيم والغايات؟ الجواب هو أن تاريخ الدول ليس من النمط الخطي الذي يقدم لنا نماذج متماثلة وسيرورات منمذجة للدول. فمقابل صنف الدول التي تنبثق من نضج الشروط الذاتية لتكوين مجتمعات سياسية، أي أمم بالمعنى الحديث، والنضج لا يعني غياب النزاع والعنف وإنما بالعكس أخذ عِبَره والسعي إلى تجاوزه، هناك صنف آخر من دول، ربما كانت الأكثر عددا، تنشأ من دون وصول هذه الشروط إلى مرحلة النضج، إما بفعل الاقتداء وتَمَثل النماذج السياسية الجديدة من قِبَل نخب طَموحة وحيّة، أو بفعل الإكراه من قبل دول ومجتمعات أخرى، كما كان الحال مع الدول التي نشأت بعد انحسار السلطة الاستعمارية. وفي هذه الحالة لا تمثل الدولة خلاصة حياة المجتمع الأخلاقية والسياسية أو نضجهما الدافع إلى تعميق التجربة المشتركة والحياة العامة بتعزيز قاعدتها أو بُعدها القانوني السياسي، وإنما أداة في يد النخب التي استقرت مقاليد الامور في يديها لبناء المجتمعات السياسية أو إعادة بنائها. وحسب طبيعة هذه النخب واختياراتها يمكن أن ينتج عن هذه العملية نماذج متفاوتة ومتباينة للدولة لا تماثل بالضرورة النموذج الأصلي ولا تقوم بوظائفه ولا تخدم الغايات ذاتها. بل إن منها من لا ينجح حتى في إنتاج مجتمع سياسي ويستمر بفعل العطالة وسيطرة عصبية قبلية أو طائفية، ومنها ما ينحل نهائيًّا ويزول، ومنها من يدخل في تجرية من الصراع والعنف، ولو في سياق وجود الدولة وليس قبل ظهورها، تقوده إلى النضج، أي إلى العثور على قواسم مشتركة تسمح للجميع بالعيش معا. مما يعني في الواقع أن كل دولة كاملة، أي تجسد إرادة مجتمعها، وبالتالي تكون دولة أمة، هي ثمرة معاناة أصلية متميزة، وربما حروب أهلية دامية.
الدولة هي التعبير عن نجاح المجتمع في الوصول إلى توافقات وبناء مؤسسات تعكس تجاوز تجربة العنف وتضمن استمرار السلام ومن ثم الاستقرار والتعايش المديد بين السكان. وهذا التعايش المديد في مناخ السلام الأهلي والاستقرار هو الذي يسمح بنمو المشترك الثقافي والسياسي والاجتماعي بين الأفراد، ويحول إجماع الحد الأدنى إلى إجماع أعلى، ويضمن للمجتمع والدولة التناغم والانسجام وطول البقاء والاستقرار. فكل دولة هي مشروع بناء أمة أو مجتمع متفاهم مع نفسه ومع السلطة المركزية التي يخضع لها طواعية وتقوم بمهام تنظيم شؤونه وإدارة مصالحه.
-2-
من هنا يُطلق مصطلح دولة في الواقع على نماذج لا حصر لها من الدول، كاملة التكوين أو مُنجزة، وناقصة التكوين، او غير مستكملة لشروطها، بل ومجهضة كالمولود السقط أو الطرح. ويطلق كذلك على أصناف من الدول ذات أشكال من التنظيم للسلطة العامة، وللمجتمع ككل، ووظائف عسكرية أو اقتصادية أو ثقافية واجتماعية، وغايات يمكن أن تتباين من النقيض إلى النقيض. ونخلط غالبا - في تصوراتنا المبسطة - بين الدولة بالمعنى الذي كان سائدا في التاريخ القديم (كالدول والممالك القديمة) والذي ساد في القرون الوسطى وأطلقت الأدبيات التاريخية عليه اسم الامبرطورية أو الخلافة أو السلطنة، وذاك الذي تسميه الأدبيات الحديثة بالدولة وتعني به الدولةَ الأمة، أي نموذجًا خاصًّا من الدول لا تستكمل شروطه وجود سلطة مركزية سيدة تخضع جماعة من الناس لسلطتها بأي وسيلة كانت وعلى رقعة محددة من الأرض، وإنما نوع من الإدارة السياسية المركزية المرتبطة بمشاركة المجتمع نفسه وتحت إشرافه وسيطرته الدائمة، وهذا ما يفسر نزوع هذا الصنف من الدول إلى تثمين الأصول الإجرائية الديمقراطية، بل والتماهي معها.
لذلك، إذا لم نشأ أن نناقش في الفراغ، لا بد أن نميز - عند النقاش في موضوع الدولة - النموذج الذي نتحدث عنه، وماذا نقصد بالدولة. فالاسلامي المعاصر عندما يتحدث عن دولة يقصد في الواقع ما تسميه الأدبيات الفقهية الاسلامية الكلاسيكة الإمامة، وهي تُعنى بتنصيب قيادة الجماعة المسلمة وترتيب السلطات داخل هذه القيادة، وتعيين حقوق القادة على المؤمنين وحقوق المؤمنين على القادة. وليس لهذه الدولة المجسِّدة لنظرية الإمامة أيُّ علاقة - في الواقع - بالدولة التي يتحدث عنها الليبرالي أو المتأثر بالفكر الليبرالي في عصرنا. فهو يعني بها الدولة الحديثة بما تمثله من ارتباط وثيق بين السلطة العامة المنظِّمة للمجتمع ككل وهذا المجتمع نفسه، أو ما تسميه النظرية الحديثة الدولة الأمة التي تستمد السلطة المركزية سيادتها من الشعب ولا تستمر إلا بفضل الشرعية التي تؤمنها لها الانتخابات أو الاستشارات الدورية. وبمقدار ما تجسد الدولة هنا إرادة المجتمع، وتعبر عن خياراته الممثلة في الأغلبية، فهي تنظر إلى نفسها على أنها دولة المجتمع، والمسؤولة الأولى عن تنظيم شؤونه وضمان حقوقه، وتحقيق غاياته لا غايات الدين أو الغايات التي ينشدها الدين أو الهيئة الدينية، ولا غايات النخبة الارستقراطية أو عصبية القبيلة أو الطائفة الحاكمة2.
أما بالنسبة لأصحاب النظرية الماركسية فليست الدولة التي يتحدثون عنها غالبا سوى الأداة المنفصلة عن المجتمع والقائمة فوقه، التي تستخدمها الطبقة المسيطرة لإخضاع الطبقات الدنيا. وهي بالتالي التعبير الساطع عن الاستلاب السياسي الذي تعيشه المجتمعات ما قبل الشيوعية، الناجم هو نفسه عن الانقسام الطبقي الذي يمثل البنية الأساسية للمجتمعات حتى وقتنا الراهن. والسياسة ليست في هذا المنظور شيئا آخر سوى تحقيق الدولة لوظيفتها، أي عمل الدولة من أجل إخضاع الطبقات المنتجة وتكريس هذا الخضوع بالسيف وبالايديولوجية الهادفة إلى تزييف الوعي. ولذلك ارتبط التحرر الانساني - في نظر الماركسيين - بتلاشي الدولة أو انطفائها بموازاة اختفاء الانقسام الطبقي مع اكتمال نموذج المجتمع الشيوعي الخالي من الطبقات. وقد عبر ماركس عن اختفاء السياسة والدولة المنتجة لها والمنظمة لممارستها - من دون أن يعني ذلك غياب وظيفة التنظيم والإدارة التي لا وجود لمجتمع من دونهما - بجملة مشهورة يقول فيها: إن نهاية حقبة الانقسام الطبقي داخل المجتمعات سوف تشهد ولادة تنظيم اجتماعي تحلّ فيه إدارة الأشياء محل حكم الأشخاص. فالإدارة ترتبط بتنظيم شؤون المجتمعات المادية أما الحكومة فهي تعمل على إعادة إنتاج انقساماتهم الطبقية، أي سيطرة طبقة على طبقة أخرى، من خلال تنظيمات تتجاوز الأشياء وتدخل في شؤون الأفراد والأشخاص العيانيين3.
والنتيجة التي نريد أن نصل إليها من استعراض بعض محمولات مفهوم الدولة، وهي تتجاوز بكثير ما ذكرنا، حتى لَنَكاد نعتبر أن لكل دولة حقيقتها وتجربتها الخاصة التي تميزها عن غيرها، هي أن ما يجمع بينها أو أن العنصر الوحيد المشترك الذي يبرر الحديث عن دولة، مهما كانت، قديمة أو حديثة، كاملة أم ناقصة، مركزية أم طرفية، هو وجود سلطة مركزية تعنى بتنظيم المجتمع الكلي وتتمتع هي نفسها بنصيب ما، كبير أو صغير، من التنظيم الداخلي، كما تتمتع بدرجة من السيادة، أي من هامش يسمح لها باتخاذ قرار مستقل في قسم كبير من الشؤون العامة الخاصة بالمجتمع الذي تسيطر عليه أو تحكمه، وليس بالضرورة السيادة الكاملة كما تؤكد عليها النظرية الحديثة، وتحظى أيضا بقسط من القبول العام أو الشرعية الذي لا بد منه لضمان حد أدنى من الديمومة التاريخية.
لكن حتى على هذا المستوى، هناك من بين علماء الاجتماع من يرفض الربط بين السياسة ووجود الدولة. وهذا ما سعى إلى إبرازه بيير كلاستر في كتابه عن الاسكيمو حيث لا يمنع غياب الدولة - من حيث هي سلطة مركزية وتراتب للسلطات - وجود سياسة، بمعنى تنظيم المجتمع شؤونه بصورة كلية4. وهناك أيضا من يعتقد أن من الممكن تجاوز الدولة الراهنة تماما واستبدالها بوكالات خاصة تقدم خدماتها للأفراد، تماما كما يحصل في الخدمات والمنتجات الأخرى التي يتعامل بها السوق. فهي ليست - كما يرى ديفيد فريدمان - ضرورية من أجل قيام مجتمعات إنسانية منظمة ومتسقة ومنتجة. ومن المؤكد أن فريدمان هذا يشارك أطروحات اليمين النيوليبرالي مع دفع أطروحاته إلى مداه الأقصى، أعني تلك الاطروحات الجديدة التي تنزع إلى تجريد الدولة من وظائفها الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وتعميم علاقات السوق على جميع أنواع الخدمات من قضاء وبريد وشرطة وأمن إلخ5.
والقصد أننا عندما نتحدث عن الدولة ينبغي أن نبين عن أي نموذج نحن نتحدث، عن الدولة المدنية، أم الدولة الامبرطورية أم الدولة السلطنة أم الدولة الحديثة التي نطلق عليها اسم الدولة الأمة نظرا لكونها توحد في مفهومها بين السلطة العمومية والمجتمع السياسي بوصفه مكوَّنًا من أفراد مواطنين أحرار يشاركون فرديا في ممارسة السلطة وتكوين السياسة، ولا تكون الدولة التي تجمع فيما بينهم ذات سيادة أو سيدة إلا بمقدار ما هي تعبير عن سيادة كل واحد منهم.
3-
والحقيقة أن النموذج الحديث للدولة قد جَبَّ جميع ما قبله عمليا ونظريا أيضا. ولم يعد هناك في العالم كله من يدافع عن نظرية الدولة الامبرطورية التي تحقق غايات الارستقراطية الحاكمة وتلبي مطالبها، ولا عن الدولة الدينية التي تحتكر الهيئة الدينية - كنيسةً كانت أم جماعة منظمة - حق السيادة فيها من دون الأمة أو الشعب، ولا عن الدولة السلطنة التي يفرض فيها القادة العسكريون غالبا أنفسهم على البلدان والمجتمعات بقوة السلاح والقهر، ولا عن الدولة القبلية التي تنتظم شؤون أعضائها حسب الأعراف والتقاليد الموروثة.
عندما نتحدث عن الدولة اليوم فنحن نقصد في الواقع المجتمعات المنظمة في إطار دولة أو قوة مركزية تتحلى بحد ما من السيادة واحتكار العنف وتستند في وجودها وتجددها إلى إرادة أعضائها ومشاركتهم الفعلية، ولا تحظى بالاستقرار والسلام والديمومة إلا بفضل ما تتمتع به من شرعية قانونية وسياسية. ومن الواضح أن الدولة، من حيث هي جهاز أو مؤسسات، ليست هي العنصر المهم في الدولة الحديثة وإنما المهم هو الأمة؛ فهي لا توجد من دونها، فإذا انحلت الأمة أو تفككت زالت الدولة من حيث هي مشروع لبناء أمة أو لضمان استمرارها، أي تنظيم لفعل السياسة المكون لها، وفقدت معنى وجودها وغاياتها كدولة الأمة، وتحولت إلى دولة أمة معلقة كما تمثل ذلك الديكتاتورية، أو إلى دولة سلطانية أو عصبوية قائمة بفعل القهر والسيطرة بالقوة، أو بالتفاهم مع البيئة الجيوسياسية أو بكليهما.
بماذا تفيدنا هذه المقاربة السريعة لمفهوم الدولة؟ إنها تساعدنا على إعادة تصويب محور النقاش الدائر بيننا حول الدولة. وفي نظري لن نخرج من الطريق المسدود إلا بالانتقال من النقاش في الدولة الإسلامية أو الديمقراطية - بوصفها نماذج جاهزة تستدعي الولاء أو تأكيد الأسبقية - إلى النقاش في المجتمع السياسي الذي نريد إقامته. وعندما نتحدث عن مجتمع سياسي أو جماعة سياسية فنحن نقصد في الواقع نوعية العقد الذي ستقوم عليه الرابطة بين الأفراد والقيم التي توجههم والغايات التي تبرر اجتماعهم بل تسمح بتحقيق هذا الاجتماع واستمراره.
فالدولة الاسلامية مفهوم يمكن أن يستقيم إذا كانت الجماعة السياسية التي نريد تكوينها ونعتقد بصلاحها هي جماعة إسلامية يشكل الإخلاص لدينها وإيمانها ومطابقة سلوك كل فرد فيها مع المطالب الدينية غايتها الرئيسية. وفي هذه الحالة يكون السعي نحو الخلاص الأخروي هدفًا مسبقًا على غيره من الأهداف، ويصبح تأمين الدولة شروط تلبية الفرائض الدينية وتطبيق مبادئ الدين وظيفة السلطة العمومية الأساسية.
وبالمقابل يتغير الأمر إذا كانت الجماعة السياسية التي نريد تكوينها أو ندافع عن فكرة تكوينها، جماعة سياسية من النوع الوطني/المواطني الذي يتيح تعاضد أفراد ينتمون إلى مذاهب وأديان مختلفة، يجمع بينهم البحث المشترك عن مصالح مشتركة، كالارتقاء بشروط حياتهم العقلية والبدنية، أي بنظام مجتمعاتهم ومنظوماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتقنية والعلمية، ومن وراء ذلك بشروط اندماجهم في حضارة عصرهم والمشاركة الايجابية والفعالة فيها، مع ترك شؤون العقيدة الدينية لضمير الأفراد المؤمنين، وتحويل الدين من قاعدة للعمل السياسي أو لعمل السلطة العمومية، إلى إطار للحياة الخاصة الحرة التي تنتظم شؤونها باختيار أعضائها وتفاهمهم، من دون وصاية عليهم لكنيسة أو دولة.
وفي اعتقادي يشكل الخلط التلقائي وغير الواعي غالبا - عند المفكرين الذين يطلقون على أنفسهم اسم الاسلاميين - بين مفهوم الجماعة عموما ومفهوم الجماعة السياسية السببَ الرئيسي لسوء الفهم والتفاهم مع المفكرين الذين يسمون أنفسهم حداثيين أو عصرانيين. هكذا لا يلحظ معظمهم أي تمييز بين أنماط الجماعات السياسية، تلك التي تقوم على أساس رابطة الدين وتعطي مفهوم الأخ المؤمن، وتلك التي تقوم على رابطة السياسة وتعطي مفهوم المواطنية. والحال، ليس جميع الجماعات جماعات سياسية، وليست كلها مؤهلة لتوليد جماعة سياسية، وليست الجماعات السياسية الناجمة عنها متشابهة في معناها ومضمون سياسياتها. والقصد أن نصاب السياسة ليس واحدا، وليست ماهية السياسي متطابقة في كل العصور والأقطار. نصاب السياسة في العصر الوسيط ليس هو في العصر الحديث. وهو ليس في العصر الوسيط بالمضمون ذاته في القطر الأثيني والقطر المصري أو العراقي. بمعنى آخر، لا تتأسس الدولة، محور السياسة وغايتها، على الأركان ذاتها في كل حقبة وكل مكان. فقد تقوم الدولة على الدين، كما يمكن أن تقوم على القومية، كما يمكن أن تقوم على القانون، وتكون دولة ديمقراطية قانونية. ونصاب السياسة، أي مشمولاتها من مجالات وطرائق ووسائل وغايات، ليست واحدة في كل الحالات. وما نسميه دولة في الحضارة الإسلامية الكلاسيكية ليس له علاقة بمفهوم الدولة الحديثة، كما نعرفه في العصر الراهن، وإن كان يشكل نمطا من أنماط الكيانات السياسية.
قد تكون الرابطة الدينية أساسا لرابطة سياسية، وقد تتطابق جماعة الدين مع جماعة الدولة، أو الجماعة السياسية، لكن هذا ليس شرطا، ولا يمثل الحالة السائدة في التاريخ. وهو في العصر الحديث أكثر ندرة من أي فترة سابقة. فلا توجد اليوم جماعة دينية متطابقة تماما مع الجماعة السياسية، ولا يستثنى من ذلك الدول القائمة صراحة على الرابطة الدينية، مثل إسرائيل وباكستان. وبالعكس لا تقوم السياسة اليوم، من حيث هي تحقيق لسلطة ودولة، من خارج الرابطة السياسية. ذلك أن السلطة والدولة الحديثتين تستدعيان - كشرط لهما - تراجع أسبقية علاقات العصبية الطبيعية أو شبه الطبيعية لصالح نشوء علاقة مواطنية قائمة على وحدة القانون ومساواة المواطنين أمامه معا.
وليست العلاقة بين الجماعة السياسية والدولة واحدة في كل الأنماط السياسية. فعلاقة الدولة بالجماعة الدينية في الحقبة الاسلامية ليست من النوع ذاته الذي يحكم علاقة الدولة الحديثة بالأمة. فالدولة في النمط الأول مضافة إلى الجماعة من خارجها، أو آلة قهر خاصة تسندها شرعية دينية مستمدة من مطابقة تشريعاتها، فعليا أو شكليا، لأحكام الشريعة الدينية أو ما يُعتقد أنه كذلك. أما الدولة الحديثة، في شكلها المكتمل الديمقراطي، فهي دولة الجماعة ومنبثقة عنها. بل هي الجماعة ذاتها وقد تجسدت في شكل مؤسسي منظم. وهي تستمد شرعيتها من نفسها، أي من آلية التمثيل الديمقراطي نفسه المعبر عنه في مجلس تشريعي منتخب.
في الحالة الأولى تكون الدولة سلطانية، خاضعة للعصبية التي تستبد بسلطتها وتسيطر عليها، وتخضع من خلالها المجتمع لنظام ثابت. وفي الحالة الثانية تكون دولة أمة، تعكس نشوء رابطة سياسية تجمع بين مواطنين، وتترجم إرادتهم في العيش المشترك، وترجع إليهم في كل ما يتعلق بمصالحهم العامة والخاصة، وتعمل من خلال مبادئ دستورية وقانونية واضحة ومضبوطة، من حيث أسلوب التشريع وضبط أصوله وقواعد عمله وتعديله.
وكما يتطلب تحديد مفهوم الجماعة التدقيق في الدلالات المختلفة لمصطلح الدولة، السلطانية والديمقراطية، يتطلب تحديد مفهوم الدولة التدقيق في استخدام مصطلح الأمة. فالأمة بالمعنى الديني، وهنا الأمة الاسلامية، ليست هي نفسها المقصودة بالمعنى الوضعي، أي الأمة الحديثة المواطنية. فعندما نتحدث عن الأمة أو الجماعة السياسية اليوم فنحن لا نشير إلى الجماعة الدينية، أو إلى الجماعة الدينية بوصفها جماعة سياسية، ولكن إلى رابطة سياسية مختلفة كليا عن الرابطة الدينية، من دون أن تكون نقيضا لها أو في صراع معها. وهذا التمييز مهم جدا في نقاشنا حول الأوضاع العربية الراهنة التي لا تتطابق الدول القائمة فيها مع الجماعة الدينية بأي شكل.
وعلى سبيل المثال، عندما نتحدث عن إجماع الأمة، من منظور الفقه الاسلامي، ونعني به إجماع الأكثرية الإسلامية في هذا البلد أو ذاك، فنحن ننفي وجود الأمة بالمعنى السياسي، ونرد الرابطة السياسية الجديدة، ربما من دون أن ندري، إلى الرابطة الدينية، ونجعل من غير المسلمين حتما مواطنين مختلفين أو مغايرين، يمكن أن نفكر بأفضل السبل لمعالجة مشكلتهم وضمان العدالة تجاههم، وحتى المساواة، إلا أننا ندمر معنى الأمة بالمعنى الحديث الذي يعني الرابطة السياسية المستندة إلى وجود دولة وسلطة مركزية موحدة وقانون، تتعامل مع المجتمع كأفراد لهم حقوق وعليهم واجبات، أي كأفراد متساوين أمام القانون، ولا تنظر في اعتقاداتهم سواء أكانت دينية أو غير دينية، ولا يهمها إصلاح هذه الاعتقادات أو التدخل في شؤونها. هذا مفهوم آخر للأمة يشير إلى رابطة سياسية قانونية تجمع بين الأفراد بصرف النظر عن اعتقاداتهم، يختلف كليا عن مفهوم الأمة بمعنى الجماعة الدينية التي تؤلف بين أفراد ينتمون إلى عقيدة واحدة هي محور ائتلافهم، وبالتالي وبالضرورة مرجعهم في كل ما يصدر عنهم ويؤسس لوجودهم، بما في ذلك الدولة التي ينضوون تحت جناحها.
- 4-
وربما كان من الأنسب - لإزالة الالتباس - استخدام مصطلح الرابطة السياسية التي تمر حتمًا عبر الدولة، سواء أكانت قائمة فعلاً أو في مسار التكوين، كما هو الحال لدى الحركات القومية الحديثة. فكما ذكرت ليست سياسية أو منتجة لنصاب سياسي وبالتالي لدولة أيُّ جماعة أو رابطة بين الأفراد. رابطة الدين والعقيدة والعصبية القبلية والعائلية ليست رابطة سياسية، وليست منتجة - تلقائيًّا، ومهما توسعت دائرة نفوذها وانتشارها - لرابطة سياسية. وحتى تتحول كل منها أو بعضها إلى رابطة سياسية لا بد أن تطرأ عليها، أو تكون قد طرأت عليها، تحولات عميقة، أي حصلت فيها طفرة، تنتقل بموجبها روح التكافل من إطار العصبية المرتبطة بمشاعر القرابة العضوية، العقيدية أو الدموية، إلى إطار الوعي السياسي بمصير مشترك مرتبط بوجود الدولة، وبالوجود معا داخل الدولة، وبالمسؤولية عنها. لذلك لا تنفصل الأمة - بالمعنى السياسي الحديث - عن وجود الدولة، ولا يمكن التفكير فيها خارجها. وحتى عندما يكون الوعي السياسي مرتبطا بمشروع أمة تتجاوز حدود الكيانات السياسية القائمة، كما هو الحال بالنسبة للقومية العربية، فإن فكرة الأمة لا تستقيم من دون التفكير بدولة الوحدة. بل إن مبرر وجود القومية العربية وهدفها هو تكوين الدولة الواحدة. فالأمة بالمعنى السياسي، أي كرابطة بين أفراد يوحدهم الولاء للدولة القائمة والخضوع لقوانينها، لا تنفصل عن الدولة بالمعنى الوضعي، أي كنتاج إرادة الأفراد واختياراتهم، بما في ذلك، بل في مقدمة ذلك المبادئ والقوانين التي تقوم عليها.
وعدم التمييز بين مفهوم الأمة بالمعنى الديني والمعنى السياسي هو الذي يمنع من إدراك أن الحديث عن أكثرية وأقلية دينيتين، حتى في إطار الدفاع عن مبدأ المساواة، لا معنى له في إطار المفهوم الوطني للدولة. إذ متى ما طبقت فكرة الأمة بالمعنى الحديث الذي يجعل منها التجسيد السياسي لإرادة أعضائها، بصرف النظر عن أصلهم ودينهم، تساوى أفرادها امام القانون، وأصبحوا شركاء متساوين في مشروع أو شركة واحدة هي الدولة، ومنتمين لقانون هو ثمرة اختيارهم وإرادتهم الحرة، ولم تعد الاعتقادات الدينية مكانا للتعريف داخل الدولة وعلى مستواها، حتى إن استمرت محدِّدًا أساسيًّا على مستوى الحياة المدنية والأهلية. وتنتفي في هذه الحالة الحاجة إلى التذكير بالنسبة العددية لهذه الجماعة أو تلك إلى مجموع السكان، ولا يعود لهذه النسبة أيضا أي قيمة في تحديد العلاقة بين الفرد المواطن والدولة.
فليس للمسلم أو لا ينبغي أن يكون له، في منظور الدولة الديمقراطية القائمة على المساواة في المواطنية، مزايا خاصة في علاقته بالدولة تترتب على انتمائه إلى جماعة تشكل أكثرية دينية، ولا للمسيحي واجبات مختلفة أو أكثر لأنه ينتمي إلى جماعة تمثل أقلية دينية. بمعنى آخر ليس للحديث عن أقليات وأكثريات دينية أي معنى في ميدان العلاقة بين الدولة والمواطن الفرد، ولا بالتالي للكلام في المساواة بين الجماعات الدينية أو إنصاف جماعة ضد أخرى، بسبب حجمها أو موقعها، اللهم إلا على سبيل احترام خصوصية بعض الجماعات الثقافية.