eKtab
EN ع
مبادئ الإرشاد النفسي في المجال العسكري
Read free sample

مبادئ الإرشاد النفسي في المجال العسكري

by محمد نواف البلوي

Page 1

مدخل إلى الإرشاد النفسي

تعددت تعريفات الإرشاد النفسي؛ تبعاً لاختلاف المدارس النفسية، فمنها ما يركز على الإرشاد بهدف إيجاد التلاؤم والتوافق النفسي والاجتماعي والتربوي والمهني لأفراد المجتمع بشكل عام، ومنها ما يركز على الإرشاد باعتباره مفهوماً قائماً على تنمية الدوافع، واتخاذ القرارات لتحقيق حياة أفضل لهم.

Page 2

تعريفات الإرشاد النفسي

- الإرشاد النفسي: هو مساعدة الفرد في فهم ذاته ومعرفة قدراته، واستعداداته وتنمية خبراته، وميوله واتجاهاته، للوصول إلى تحقيق التوافق بين مطالبه الشخصية، ومطالب البيئة التي يعيش فيها، لتحقيق الصحة النفسية والتوافق النفسي، وهو عملية تقوم مباشرة بين شخص، وآخر يساعد أحدهما الآخر على زيادة فهمه لمشكلاته وقدرته على حلها ، وقد وضع الخبراء والمختصون بعلم النفس تعريفات متعددة للإرشاد النفسي، ومنها:-

- يعرفه حامد زهران (1980) : بأنه عملية بناءة، تهدف إلى مساعدة الفرد؛ كي يفهم ذاته ويدرس شخصيته، ويعرف خبراته ويحدد مشكلاته، وينمي إمكانياته ويحل مشكلاته في ضوء معرفته، ورغبته وتعليمه وتدريبه، حتى يصل إلى تحديد أهدافه، وتحقيق الصحة النفسية، والتوافق شخصياً وتربوياً، ومهنياً وزواجياً وأسرياً.

- ويعرفه طه عبد العظيم (2004): بأنه عملية نفسية تساعد الفرد على أن يفهم نفسه، ويتعرف إلى ما لديه من إمكانيات وقدرات، ويعمل على استخدامها، وتوظيفها بشكل أفضل بمساعدة المرشد، مما يسهم في تحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق النفسي.

- ويعرفه تايلور : بأنه نوع من المساعدة في المجال النفسي، يهتم بتنمية الهوية الذاتية، ومساعدة العميل على اتخاذ القرارات، والالتزام بما توصل إليه فيها.

- ويعرفه روجرز (1951) : بأنه العملية التي يحدث فيها تعديل لجوهر الذات لدى المسترشد في إطار الأمن الذي توفره العلاقة مع المرشد، والتي يتم فيها إدراك الخبرات المستبعدة في ذات جديدة .

- ويعرفه بيبنسكي (1954): بأنه عملية تشتمل على تفاعل بين مرشد ومسترشد في موقف خاص، بهدف مساعدة المسترشد على تغيير سلوكه؛ للوصول إلى حل مناسب لتلبية حاجاته.

- ويعرفه ( إنجليش ): بأنه علاقة يعمل فيها شخص ما على مساعدة آخر في فهم مشاكله، والسعي إلى حلها .

- وتعرفه جماعة مينوسوتا: بأنه خدمة مهنية متخصصة هدفها مساعدة الفرد على الاختيار، ومواصلة النمو والتطور؛ لتحقيق أهدافه الشخصية إلى أقصى حد يمكن الوصول إليه ، وذلك عن طريق اختيار أسلوب حياة يرضيه، ويتوافق مع مركزه كمواطن في مجتمع ديمقراطي .

Page 3

مميزات الإرشاد النفسي عن سائرالتخصصات النفسية

يمتاز الإرشاد النفسي عن باقي التخصصات النفسية بعدة مميزات ، ومنها:-

1- إن الإرشاد النفسي في المجال العسكري هو فرع من فروع علم النفس التطبيقي، وله مجال مميز، وله فلسفته وأصوله وأساليبه، ولا يمارس إلا من قبل متخصص قادر على مساعدة الفرد في حل مشكلاته، وتحقيق الصحة النفسية .

2- إن الإرشاد النفسي في المجال العسكري هو علاقة مهنية، تتم من خلال تفاعُلٍ بين شخص مُدَرَّب ومتخصص في مجال علم النفس بشكل عام، والإرشاد النفسي بشكل خاص، وفرد آخر يحتاج إلى مساعدة؛ لفهم سلوكه، وحل مشكلاته، وتحقيق الصحة النفسية له.

3- إن الإرشاد النفسي هو خدمة مهنية تخصصية تمثل محور العملية الإرشادية، وتهتم بالجوانب النفسية والانفعالية، وتسعى لتحقيق التوافق والصحة النفسية، وزيادة قدرة الفرد ووعيه، واستبصاره لحل مشاكله، واختيار أنسب الحلول التي توافق ميوله، وقدراته واستعداداته .

4- الإرشاد النفسي هو خدمة مهنية تهدف إلى زيادة قدرة الذات على الاندماج، وإحداث تغيرات إيجابية في شخصية الفرد .

5- الإرشاد النفسي هو عملية تساعد الفرد للتعرف إلى ذاته، وتحمل مسؤولياته تجاه السلوك الذي يقوم به، والاعتماد على فهمه في التعامل مع أهدافه الواقعية والمحدودة، وتهدف هذه العملية إلى جعل الفرد أكثر توافقاً وتلاؤماً، من خلال تحقيق الصحة النفسية، ثم تحقيق السعادة في الحياة، والقدرة على الإنتاج والعطاء.

6- يمتاز الإرشاد النفسي باتباعه خطوات أساسية في الحصول على المعلومات والبيانات الكافية عن الفرد والموقف، وذلك بالتعرُّف إلى المشكلة، ومساعدة الفرد في تنمية شخصيته، من خلال استبصاره بأفكاره، والوصول بها إلى الحل الملائم .

7- الإرشاد النفسي: مجموعة من الخدمات النفسية والمهنية التي تُقدَّم إلى الفرد؛ بُغية تحقيق ذاته وتحسين قدراته بما يتوافق مع استعداداته العقلية والجسمية، وبالتالي تحقيق أكبر قدر ممكن من الصحة النفسية .

Page 4

تاريخ الإرشاد النفسيومراحل تطوره

يمتاز الإنسان بأنه اجتماعي بطبعه ، فهو يحتاج إلى اناس للتعامل معهم، إذ لا يستطيع أن يحقق كل حاجاته بمفرده، ولا بد من آخرين يقدمون له المساعدة المادية كالجهد العضلي، أو المال، أو المساعدة المعنوية كالتوجيه والإرشاد، وقد احتاج الإنسان مثل هذه المساعدات منذ القدم ، فمن الطبيعة الإنسانية أن يجد الفرد أخاً، أو صديقاً يحكي له عن همومه ومشاكله، ويتقبل منه النصيحة، وبهذا كانت البدايات الأولى لعملية الإرشاد، لكنه لم يكن مبنياً على أساس علمي على الرغم من أنه كان يستخدم طرائق علاجية تفيد أحياناً في حل مشكلة ما، لذا كان لا بد للإنسان من أن يطور هذه العلمية (عملية الإرشاد) حتى تصبح أكثر فاعلية في حل المشكلات التي يواجهها الفرد .

دور الفلاسفةفي الإرشاد النفسي

ولا بد من الرجوع إلى الوراء قليلا لمعرفة دور الفلاسفة قبل ظهور علم النفس وانفصاله عن علم الفلسفة ،ولا بد من معرفة البدايات الحقيقية لعلم النفس قبل الحديث عن الإرشاد النفسي ،والذي يمثل فرعا من فروع علم النفس التطبيقي ،فكما ذكرنا سابقا بأن الإنسان يحتاج إلى من يقف بجانبه ويستمع له ويرشده ويشبع حاجاته وذلك من خلال تعامله مع الآخرين فكل هذه الأنشطة جعلت الإنسان يتأمل ويفكر ومن هنا بدأت حياة التفكير والتأمل بشكل أكثر منطقية ،الأمر الذي أوجد بما يسمى بعلم الفلسفة. فأول ما ظهر هذا العلم(علم النفس) كان على يد الفلاسفة الشرقيين ( الهند، مصر،الصين) ثم انتقل بعد ذلك إلى الفلاسفة اليونانيون(أرسطو،سقراط،أفلاطون)،فقبل ذكر هؤلاء الفلاسفة لا بد من ذكر الفيلسوف اليوناني أرسطو والذي كانت له البصمة الواضحة بأفكاره النيرة في الجوانب الانفعالية والاجتماعية للسلوك.

ثم أتت صيحة الفيلسوف اليوناني سقراط بمصطلحه الشهير اعرف نفسك حيث كانت البدايات القوية للتفكير الإنساني من منظور نفسي.

أما أفلاطون والذي يعد تلميذا لسقراط حيث كان يرى أن حياة الإنسان يسيطر عليها ثلاثة قوى وهي كالتالي:

1- القوة العاقلة: مركزها العقل- وهم الأشخاص الذين يحكمون الدولة عن طريق التفكير العقلاني والمنطقي.

2- القوة الغضبية: مركزها القلب- وهم الجنود والحراس الذي توكل لهم مهمة الدفاع عن الدولة، حيث يغلب عليهم الحماس والقوة والشجاعة.

3- القوة الشهوية:مركزها البطن – وهم الأشخاص الذين يعملون وينتجون وذلك من اجل إشباع حاجاتهم.

وبدأ بشكل ملحوظ بعد ذلك ظهور الفلاسفة، وكان منهم ( أرسطو ) وفلسفته هي القاعدة التي انطلق منها المفكرون المسلمون ومنهم على سبيل المثال ابن سينا ورأيه في الإدراك الحسي والمتمثل في انتقال صورة الأشياء إلى الذهن.وكذلك رأي الفارابي وابن خلدون في السلوك الاجتماعي للطفل حينما ذكروا اثر المعاملة القاسية للأطفال .

وترجع البداية الحقيقية لعلم النفس عندما انفصل عن أحضان الفلسفة منذ أواخر القرن التاسع عشر ، وذلك حينما أنشأ ( فونت 1879م ) أول معمل لعلم النفس التجريبي بألمانيا، حيث بدأ بدراسة الظواهر النفسية معتمدا على المنهج العلاجي الذي كان معروفاً باسم الاستبطان التحليلي، والذي يقوم على مبدأ الحدس والتخمين ، وملاحظة الذات وتأملها. وبعد ذلك أنشأ ويتمر أول عيادة نفسية بأمريكا وكان ذلك سنة (1896م).

ومنذ ذلك الحين بدأت الدراسات العلمية بالظهور بشكل واضح، إذ ظهر علم النفس التطبيقي، الأمر الذي جعل العلماء يطورون، ويتوسعون في دراسة الجوانب المختلفة لسلوك الإنسان، لتشمل جميع جوانب الإنسان السلوكية والنفسية، والعقلية والجسمية، وغيرها.

وظهرت البدايات الفعلية للإرشاد النفسي عندما بدأت حركة التوجيه المهني عام (1908) على يد العالم الأمريكي ( فرانك بارسونز)، وكان هذا التوجيه يهدف إلى مساعدة الفرد على اختيار المهنة التي تلائم ميوله، وتتناسب مع قدراته وفق ما يمتلك من إمكانيات، واستعدادات عقلية وجسمية ، ودرايةٍ وقدرةٍ ؛ لوضع الرجل المناسب في المكان المناسب .

وأسهمت حركة الاختبارات، والمقاييس العقلية والنفسية في تطوير حركة الإرشاد النفسي، وفي سنة (1890) برز العالم جيمس كاتل الذي يعد أول من ذكر مصطلح الاختبارات العقلية، وكان للقياس النفسي أثره في تطور حركة الإرشاد النفسي، وفي عام (1905) أعد بينيه في فرنسا أول مقياس للذكاء في العالم، وبعد ذلك ازدهرت حركة القياس النفسي، وبدأ هذا العلم في الانتشار إلى أن وصل مراحل متقدمة، بحيث أصبح هناك مقاييس متعددة منها: ما يقيس الذكاء ، ومنها ما يقيس القدرات المهنية، أو العقلية، وغيرها من المقاييس المهمة، التي أسهمت في تطور حركة الإرشاد النفسي إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن من تطور وتوسع.

Page 5

تأثير الحرب العالمية الأولى والثانية

في تطور الإرشاد النفسيفي المجال العسكري

أدت الحرب العالمية الأولى والثانية (1917-1940م) إلى تطور الإرشاد النفسي، فعندما قامت الحرب العالمية الأولى كان على الجيوش أن تحارب وتقاتل للانتصار، وأدرك القادة أن هناك مشاكل وضغوطا نفسية، وأزمات اقتصادية تواجه الجنود، ولابد من اكتشاف طرائق جديدة تساعد في مواجهة هذه الضغوط والمشاكل النفسية، وبالفعل تمت الاستعانة بعلماء النفس والإرشاد، الذين كان لهم الدور الكبير في تطور الخدمات النفسية، وعلى رأسها الإرشاد النفسي، فظهرت مفاهيم جديدة مثل: الاختبارات النفسية للجنود، وتشخيص الاضطرابات النفسية مثل: عصاب الحرب، والقلق وتهديد الذات ، والخوف من الموت وغيرها من المشاكل النفسية التي كان يعانيها هؤلاء الجنود.

وفي الحرب العالمية الثانية ظهرت اختبارات ومقاييس كان لها الدور الإيجابي في تطور الإرشاد النفسي، وبالتالي برزت الأهمية الكبرى لهذه الاختبارات، ففي عام (1939) تأسس في الجيش الأمريكي "قسم اختبار الجنود" ، وظهر اختبار "ألفا" الذي سمي اختبار التصنيف العام للجيش، والذي أُعِدَّ لقياس الأفراد المتعلمين، أو الذين يجيدون القراءة والكتابة، إذ يختبر القدرات العقلية للمفحوص، كقياس سرعة البديهة لدى الشخص، وقدرته على إجراء عمليات حسابية.

وفي الوقت ذاته ظهر اختبار يُسمى اختبار "بيتا"، وقد أعد للأفراد الأُمِّيّين، وغير الناطقين بالإنجليزية، وهو اختبار يقيس العمليات العقلية للفرد مثل: الاستدلال والتفكير والذكاء، ويعتمد على الأشكال والصور، وبعد ذلك تطورت الخدمات النفسية، وأصبحت تهتم بمواضيع أخرى لا تقل أهمية عن الاختبارات والمقاييس، ومنها اختبار القادة المناسبين لقيادة الحرب، وفرز الأفراد المؤهلين، ثم توزيعهم وتصنيفهم وفق مؤهلاتهم، وقدراتهم النفسية والجسمية في شتى المجالات.

Page 6

مبررات الإرشاد النفسي

والحاجة له

إن الفرد والجماعة في عصرنا الحاضر بحاجة ماسّة للإرشاد النفسي، فالفرد يعيش في عالم متغير على الدوام، وعصرنا الذي نعيش فيه يطلق عليه "عصر القلق"، نتيجة الثورة الصناعية، وتطور العلم والتكنولوجيا، والحياة العصرية التي أفرزت كثيراً من أسباب الانشغال والقلق والاضطراب؛ بسبب التغيرات السريعة والضغوطات الحياتية، التي تُصاحب التغيرات الانتقالية التي تحدث للفرد في مراحل نموه المختلفة، إذ ينتقل الفرد من الطفولة إلى المراهقة إلى الرشد، ثم إلى الشيخوخة، ويصاحب هذا الانتقال تغيرات جسمية وعقلية، واجتماعية وأسرية ومهنية، وتقدم علمي وتكنولوجي، وكل هذا يؤكد الحاجة الماسة للإرشاد النفسي.

ويعرض المؤلف في هذا الفصل أهمية الحاجة للإرشاد النفسي في هذا العصر، وذلك من خلال ما يلي :-

1 – تغير مطالب الفرد في كل مرحلة من مراحل العمر المتعددة :-

يمر الفرد في كل مرحلة من مراحل نموه بفترة انتقالية حرجة, مثل الانتقال من المنزل إلى المدرسة, ومن مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة، ثم الانتقال إلى مرحلة الرشد، ثم إلى مرحلة الشيخوخة, وكل مرحلة من هذه المراحل تحتاج إلى وقفة إرشادية نفسية؛ ليستطيع الفرد أن يبدأ كل مرحلة بنجاح، إذ تتطلب كل منها مهارات معرفية واجتماعية، وتحتاج إلى تزويد الفرد بالمعلومات وتهيئته؛ للتكيف مع المرحلة التي تليها، وما تنطوي عليه من مطالب دون أن يختل تكيفه الشخصي والاجتماعي .

2– التغيرات الأسرية :

يعد هذا العامل من العوامل المهمة التي تستدعي حاجة الفرد للإرشاد , نظراً لتطور هذا العامل مقارنة مع ما كان عليه في السابق , فلقد ظهرت تغيرات في الأسر من حيث تكوينها ووظائفها وواجباتها ، إذ كانت الأسرة في الماضي كبيرة تضمُّ الأجداد والآباء، والأبناء والزوجات، ويعيشون كلهم في بيت واحد، وتحكمهم وتجمعهم علاقات قوية ، بعكس ما نراه في هذا العصر إذ أصبحت الأسر نووية صغيرة، لا تربط بين أفرادها علاقة قوية كما كان في السابق، ويمكن القول: ان أهم التغيرات التي طرأت على الأسرة هي: التحول من الأسر الممتدة إلى الأسر النووية، وضعف العلاقات بين أفرادها، وازدياد المشكلات الأسرية، مثل: الطلاق , وتعدد الزوجات , وخروج المرأة للعمل، وتأخير الزواج , والعنوسة , وحالات الأب أو الأم الأرامل مبكراً , وأزمة السكن، وتنظيم الأسرة وغيرها من المشاكل المتعلقة بالأسرة.

3 – التغير في المجال الاجتماعي :-

إن هذه المظاهر والتغيرات تزيد من مستوى القلق والضغوط لدى الفرد؛ وبالتالي دعت الحاجة إلى وجود الإرشاد النفسي لحل مثل هذه المشكلات، وتشمل هذا التغيرات جميع جوانب الحياة الاجتماعية، والشخصية والأسرية للفرد، ومن أهم ملامح التغير الاجتماعي ما يلي : -

- تغير بعض مظاهر السلوك، إذ أصبح ما هو مقبول في السابق مرفوضاً حاليا، وما هو مرفوض سابقا مقبولاً حاليا.

- بروز مظاهر الصراع بين الأجيال، إذ أصبحت تبدو أكثر وضوحاً، وازدياد سعة الفجوة بين القيم والفروق الثقافية والفكرية، وتغير بعض أنماط السلوك؛ مما أدى إلى وجود صراع بين الجيلين: السابق والحالي .

- التوسع في تعليم المرأة إلى جانب الرجل في التعليم الجامعي، ومنافستها له في العمل .

- ارتفاع مستوى طموح الفرد، فأصبح يريد مواكبة العصر في كل شيء؛ مما أدى إلى زيادة الضغوط النفسية، والهموم على الأفراد .

4 – التقدم في مجال التعليم وزيادة الإقبال عليه :-

لقد تطور التعليم تطوراً ملحوظاً , وتعددت أساليبه وطرائقه ومناهجه , ففي السابق كان التعليم يعتمد على التلقين والاستماع، وكانت المراجع محدودة، وقليلة مقارنة بما نشهده في هذا العصر من تقدم وتطور، إذ أصبح التعليم يواكب عصرنا هذا في شتى مجالاته، وفيما يلي أهم مظاهر هذا التطور :-

- ظهور تخصصات جديدة مثل تكنولوجيا التعليم، واكتشاف أساليب جديدة تعتمد على الآلة كالتعليم المبرمج والتعليم عن بعد، وظهور تكنولوجيا حديثة تسهل عملية التعليم، وتوفر الوقت والجهد .

- تعدد المصادر والمراجع العلمية وتوافرها أدى إلى التطور في عملية التعليم .

- ازدياد الإقبال على العلم من قبل الجنسين الذكور والإناث ، والمنافسة في الالتحاق بالتعليم الجامعي .

- ازدياد التعاون بين البيت والمدرسة في العملية التربوية .

- ازدياد الاهتمام بالنواحي التربوية والنفسية، ودخول خدمات الإرشاد النفسي والأكاديمي إلى المدارس والجامعات .

5- التقدم التكنولوجي والعلمي :-

يشهد عصرنا الحديث تقدماً معرفياً هائلاً ، إذ تظهر في كل يوم حقائق وظواهر جديدة ، والتطور الصناعي والتقدم في مجال التكنولوجيا يسير بسرعة هائلة، وتصنع آلات وماكينات متطورة في عالم الصناعة ، ويشهد أيضا ثورة في عالم الاتصالات ، وتطورا في صناعة الأسلحة البيلوجية والنووية ، وكل هذه الأمور تحتاج من الفرد أن يواكب هذا التغير ويتكيف معه، الأمر الذي يجعله بحاجة ماسة للإرشاد النفسي حتى يستطيع أن يتوافق مع هذا التقدم والتغير، لكي يحقق الصحة النفسية .

6- التغير في مجال العمل والإنتاج :-

تركت التغيرات في مجال العمل أثاراً واضحة في طبيعة العمل والعمال، اذ نشأت مهن جديدة، وانقرضت مهن كانت موجودة، ومن أهم التغيرات التي طرأت في مجال العمل ما يلي :-

- ظهور أنواع جديدة من العمل والمهن؛ الأمر الذي يتطلب التخصص في مجال العمل.

- تطور الآلات التي أصبحت تقوم بالعمل بسرعة فائقة، وبدقة متناهية الأمر الذي يَسّر الاستغناء عن أعداد غير قليلة من العمال .

- أصبحت هناك زيادة في أوقات الفراغ لدى العمال؛ نتيجة وجود واختراع آلات وماكينات تحل محل الإنسان؛ الأمر الذي يجعل العمال يشعرون بالقلق والخوف من فقدان العمل ، مما يؤكِّد أهمية الإرشاد النفسي لهم .

Page 7
أهداف الإرشاد النفسيفي المجال العسكري
 
يهدف الإرشاد النفسي في المجال العسكري إلى تحقيق أهداف عديدة تعمل على مساعدة الفرد العسكري، وتنمية مفهوم الذات الإيجابي لديه، وتحقيق الصحة النفسية له، وحل ما يعترضه من مشكلات، وفيما يلي أهم أهداف الإرشاد النفسي العسكري:-
 
1- بناء مفهوم إيجابي للذات وتحقيق الذات :-
 
يهدف الإرشاد النفسي إلى مساعدة الفرد العسكري في تنمية مفهوم الذات الإيجابي، ولا يمكن أن نحقق فهماً واضحاً لشخصية الفرد دون أن نعرف مفهوم الذات، وهي الصورة التي يراها الفرد عن نفسه ، فالذات هي حجر الزاوية في الشخصية، وهي تكوين معرفي منظم للمدركات الشعورية، والتصورات والتقسيمات الخاصة بالذات، يبلوره الفرد ويعده تعريفاً نفسياً لذاته .
 
ويعبر عن المفهوم الإيجابي للذات من خلال تطابق الذات الواقعي ( أي المفهوم المدرك للذات الواقعية كما يعبر عنه الشخص )، وبالتالي يبدأ الفرد العسكري في تكوين هوية ناجحة عن ذاته ، بحيث ينظر إلى نفسه فيرضى عنها.
 
2- تحقيق التوافق :-
 
- من أهم أهداف الإرشاد النفسي مساعدة الفرد العسكري في الوصول إلى توافق ما بين السلوك الذي يقوم به، والبيئة والطبيعة الاجتماعية التي يعيش فيها ، وبالتالي يحدث من خلاله التوازن مع ذاته، ومع مجتمعه الذي يعيش فيه ،ومن أهم مجالات تحقيق التوافق :-
 
- تحقيق توافق الفرد العسكري مع ذاته : أي تحقيق الرضا عن إشباع الذات، والحاجات الأساسية ، وبالتالي السعادة مع نفسه، ومع الآخرين .
 
- تحقيق التوافق الاجتماعي: ويتضمن هذا التوافق القدرة على التعايش مع البيئة الاجتماعية المحيطة بالفرد العسكري، وتكوين علاقة ثقة وانسجام؛ وذلك من خلال الالتزام بأخلاقيات المجتمع، ومسايرة المعايير الاجتماعية وتقبلها، والقدرة على مواجهة المشكلات، والعمل بتفاعل مع هذه الجماعة؛ مما يؤدي إلى تحقيق الصحة النفسية، والاجتماعية له وللمجتمع .
 
- تحقيق التوافق المهني والتربوي : ويتحقق التوافق المهني بوضع الفرد العسكري المناسب في المكان المناسب ، بالاستعداد لهذه المهنة وملاءمة الخصائص الشخصية والنفسية معها، ليشعر الفرد بالرضا، ويسعى دائماً إلى النجاح ، ويتحقق التوافق التربوي باختيار الفرد العسكري أنسب المواد الدراسية التي توافق ميوله وقدراته ورغباته ، مما يساعده على تحقيق النجاح فيها .
 
3- تحقيق الصحة النفسية :-
 
يهدف الإرشاد النفسي إلى تحقيق الصحة النفسية للفرد العسكري؛ وذلك من خلال مساعدته في التعرف إلى أسباب المشكلات وأعراضها، وبالتالي إزالة هذه الأعراض من خلال تبصيره بهذه المشكلات التي يواجهها، واستغلال قدراته وإمكانياته؛ ليكون قادراً على مواجهة هذه الصعوبات، وإيجاد الحل الملائم الذي يساعده على تحقيق الصحة النفسية والشعور بالسعادة .
Page 8

مناهج الإرشاد النفسي

في المجال العسكري واستراتيجياته

يعتمد الإرشاد النفسي في تحقيق أهدافه على ثلاثة مناهج رئيسية، وهي: المنهج الإنمائي , والمنهج الوقائي , والمنهج العلاجي .

1 – المنهج الإنمائي : ويتضمن هذا المنهج التعرف إلى الجوانب الإنمائية للفرد العسكري التي تشمل الجوانب: الانفعالية , والعقلية ، والجسمية ، والاجتماعية، ثم تنمية هذه الجوانب وزيادة كفاءتها، والوصول بها إلى أعلى مستوى ممكن من النجاح، والرضا والتوافق النفسي، وبالتالي تحقيق الصحة النفسية والسعادة ، وذلك بمتابعتها خلال مراحل النمو ومتطلبات كل مرحلة .

2- المنهج الوقائي : يهدف هذا المنهج إلى منع حدوث المشكلة، من خلال استراتيجية التحصين النفسي ، وهي استراتيجية لتعليم الأفراد العسكريين مهارات التكيف الجسمية والمعرفية في مواجهة المشاكل، والمواقف الضاغطة، وتقديم الحماية السيكولوجية بطريقة تشبه التطعيم الطبي، و يتّضح بان هذا المنهج يهتم بالأصحاء قبل المرضى حتى لا يقعوا في المشاكل المتوقعة .

ولهذا المنهج ثلاثة مستويات : -

1- الوقاية الأولية: ويهدف هذا المستوى إلى وقاية الأفراد العسكريين قبل وقوعهم في الاضطرابات النفسية؛ وذلك من خلال تثقيفهم بطبيعة المشاكل، وكيفية مواجهتها .

2- الوقاية الثانوية: ويهدف هذا المستوى الى العمل لاكتشاف المشكلة في أول مراحلها، وقبل أن تتفاقم ، والسيطرة عليها، ووضع الحلول المناسبة لها.

ج- الوقاية من الدرجة الثالثة: ويهدف هذا المستوى إلى التقليل من الأعراض والاضطرابات، بوضع حلول مناسبة لها؛ ثم السيطرة عليها، والخروج بأقل الخسائر .

3- المنهج العلاجي: يقوم هذا الجانب بمعالجة المشكلات والاضطرابات النفسية التي يتعرض لها الفرد العسكري، ليتمكن من استعادة حالة التوافق، وتحقيق الصحة النفسية لديه.

Page 9

أهمية النظريةفي الإرشاد

تعرف النظرية في الإرشاد النفسي بأنها: عرف أو اصطلاح إنساني، يستعمل في حفظ المعرفة بشكل منتظم .

ويعد تعريف ببنسكي وببنسكي من أكثر التعريفات شيوعاً للإرشاد النفسي، والذي يشير فيه إلى أن النظرية هي عالم محتمل يمكن التحقق منه عن طريق مقارنته بالعالم الحقيقي. أما بيركس وستفلر فيشبهان النظرية بالخريطة التي عليها بعض النقاط المعروفة، والتي يمكن استنتاج الطريق بين هذه النقاط ، ويمكن لهذه الخريطة أن تملأ بتفاصيل كثيرة من خلال ما نتعلمه عن العالم الذي نعيش فيه، وعلى هذا يمكن القول:" إن النظرية هي عبارة عن إطار عام يضم مجموعة منظمة متناسقة متكاملة من المبادئ العامة التي تفسر ظاهرة ما".

خصائص النظرية الجيدة : -

- الوضوح: يجب أن تكون النظرية مفهومة وسهلة الفهم، وخالية من الغموض، وأن تصاغ فرضياتها بشكل واضح ودون تناقض .

- الإيجاز والاختصار: أي تفسير الظاهرة بشكل مختصر وموجز، يحوي عدداً قليلاً من الافتراضات .

- الشمول: أن تشمل النظرية على مجموعة من المسلمات أو الافتراضات، وأن تغطي مجالات واسعة من السلوك .

- أن تحمل المصطلحات أو المفاهيم علاقات معينة مع بعضها بعضا، وتبين هذه المصطلحات العلاقة بين السبب والنتيجة .

- القدرة على التنبؤ بحقائق أو علاقات جديدة: بمعنى أنها تساعد في التنبؤ بأحداث مستقبلية يمكن التحقق من صحتها ، وبالتالي يمكن أن تؤدي هذه النظرية إلى تطور معرفة جديدة تولد التفكير، وتؤدي إلى تطوير أفكار جديدة .

- التطبيق العملي: أي أن تكون النظرية عمليّة تساعد الباحث في التطبيق والممارسة ، وتساعده في التطبيق المنطقي لقواعدها، وأسسها العلمية الواضحة .

وعلى هذا يمكن القول: إن النظرية في الإرشاد النفسي هي الأساس الذي ينطلق منه الواقع العملي ، وإن النظرية الجيدة تعمل كخريطة تساعدنا على معرفة ما نبحث عنه ، وكيف نستدل على فهم العلاقات، ومعرفة الظواهر وتفسيرها، والتنبؤ بما سيحدث في المستقبل.

Page 10

نظرية التحليل النفسي :

تعد نظرية التحليل النفسي من أولى نظريات علم النفس ، ومؤسسها هو العالم النمساوي سيجموند فرويد ( 1856- 1939م )، الذي ولد في تشيكوسلوفاكيا، وتعتمد هذه النظرية على الفلسفة القائلة: بإمكانية الشفاء عن طريق الكلام .

كانت حياة فرويد صعبة في بداية شبابه ، إذ أدمن تناول الكوكايين وتورط في بعض القضايا، وفي عام( 1880 م) عمل طبيبا مع أحد الأطباء المشهورين في فيينا، ويعد فرويد أول من وضع افتراضات علم النفس وأسسه ، وكان ذلك عام 1891 ، وفي عام (1900 م) أصدر فرويد كتابه الشهير ( تفسير الأحلام ) .

· فلسفة النظرية :-

- النظرة إلى الإنسان نظرة تشاؤمية .

- الإنسان إما عدواني أو شهواني .

- الاعتماد على مفاهيم ذات صلة مباشرة بالطبيعة الإنسانية، مثل: التداعي الحر ، التنفيس الانفعالي ، التنويم المغناطيسي.

- تقسيم الحياة العقلية إلى شعور ولا شعور، وما قبل الشعور .

المفاهيم الأساسية في النظرية التحليلية :-

- الغرائز: تقوم فلسفة الغريزة عند فرويد على أساس بيولوجي ، وهي غير مشاهدة، وتمثل تحويل الطاقة البدنية إلى طاقة نفسية, وتعد أصل التوتر والاضطراب, فالفرد شأنه شأن المخلوقات الأخرى، إذا لم يشبع حاجاته، فإنه يشعر بالألم ويعيش بضيق، وهناك نوعان رئيسيان للغرائز:-

( أ ) – غريزة الحياة : الممثلة بطاقة الليبدو الجنسية ( الحب والجنس ) .

(ب) – غريزة الموت: الممثلة بالتدمير والعدوان .

- السنوات الخمس الأولى: تعد السنوات الخمس الأولى من عمر الإنسان ذات دور مهم في بناء الشخصية سواء في الاتجاه نحو الشخصية السوية، أو المرض النفسي .

- الشعور واللاشعور وما قبل الشعور ، يرى فرويد أن خبرات الفرد تقع في ثلاثة مستويات :-

- مستوى الخبرات الشعورية: وهو منطقة الوعي الكامل والاتصال بالعالم الخارجي، وهو الجزء السطحي من الجهاز النفسي فقط ، ويعد العقل الواعي ، وتكون الخبرات الشعورية فيه جاهزة وسهلة الاسترجاع .

- مستوى الخبرات اللاشعورية: ويكون معظم الجهاز النفسي، وهو يحوي ما هو كامن، وليس متاحاً ( مكبوت)، ويصعب استدعاؤه، مثل ( زلات اللسان ) .

ويقول فرويد: إن المكبوتات تسعى إلى الخروج من اللاشعور إلى الشعور في الأحلام وفي الأمراض النفسية " المرتبطة بخبرات الحرمان والرغبات الجنسية والخبرات المؤلمة".

- مستوى خبرات ما قبل الشعور: ويحتوي ما هو كامن، وليس في الشعور، ولكنه متاح ويسهل استدعاؤه إلى الشعور، مثل (الذكريات) .