Page 1
المقدمة
عندما قال ربنا تبارك وتعالى عن أمة محمد : (ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ..) [آل عمران: 110]، فإنه عنى بذلك الأمة التي أخذت بأوامره، وانتهت عن نواهيه، وأخذت بسننه الكونية، لكن حالنا اليوم لا يدل على إننا خير امة أخرجت للناس، لأننا تنكبنا الطريق واتبعنا منهجا آخر غير منهج محمد فقادتنا مناهج الباطل من وهن الى ضعف، ومن هزيمة الى انكسار، وها نحن نقبع في آخر السلم الحضاري، تستأسد علينا شرذمة صغيرة من بني إسرائيل.
فأين سبيل الخلاص وكيف نرتقي مع الأمم المتقدمة؟
لقد كانت أول صحيفة كتبها الرسول في المدينة تتعلق بفقه الأمة حيث وضع فيها القواعد الأساسية لإنشاء الأمة الجديدة، الأمة بالمعنى السياسي التي تضم مواطنين من أديان مختلفة وعرقيات متعددة.
علينا أن نفهم ديننا كما فهمه محمد وأصحابه، إيمان وعمل، فلا دين بلا عمل، ولا عمل بلا إتباع لسنن الله وقوانينه في الكون، ولن تقوى امتنا ولن ترسخ دولتنا الا اذا أخذنا بأسباب القوة، وعملنا وفق قواعد فقه الأمة، لقد انشغلنا طويلا بفقه الأفراد ونسينا الفقه الذي يخص الأمة كلها، وأضعنا زمنا هائلا في الإعادة والتكرار، فيذهب أحد فقهائنا لكتابة متن فقهي في الطهارة، ويأتي آخر لشرحه، وثالث ليوجز الشرح، والرابع ليفصّل الموجز، وخامس وسادس و.. و..الخ حتى ضاعت منا جهود هائلة كان من الممكن أن تدفع عجلة الأمة خطوات واسعة الى الأمام، وبالرغم من أن كثيرا من الحكام أذقوا أمتنا صنوف القهر والتعسف والإذلال، إلا إننا وجدنا من علمائنا وفقهائنا من يدعو للحاكم الظالم بطول العمر والبقاء، مخافة وقوع الفتنة، ناسين أن وجود الحاكم الظالم هو الفتنة بكل ماتعنيه الكلمة من معنى، لاينقص من معناها شيء.
إن أمتنا اليوم بحاجة الى إعادة النظر في كل أوضاعها، كما إنها بحاجة الى كتابة فقه جديد يعنى بقضاياها المصيرية كأمة تريد أن يكون لها مكان بين الأمم الحية، لكي تعود أيامنا البيضاء كما كانت في عهد النبي وعهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، أياما مشرقة كضوء الشمس الساطع الذي يخلب الأبصار، ويهب الحياة لهذه الأرض الطيبة التي إستعمرنا الله فيها لينظر كيف نعمل، ومن الله التوفيق.
المؤلف
بغداد الحبيبة
السابع من شعبان، 1432هـ
9/ 7/2011
Page 2
المبحث الأول
فقه تشكيل الأمة والدولة
• ما هو مضمون نظرية بناء الأمة والدولة في الإسلام؟
• لماذا كتب النبي صحيفة المدينة، والقرآن يتنزل؟
• هل يقبل الإسلام أمة متعددة الأديان؟
• الأمة والدولة،من يشّكل من؟
• ماذا يحدث إذا حصل الإنفصام بين الأمة والدولة؟
• من هو مونتغمري وات؟ وما البند الذي يعدّ الأكثر ثورية بنظره في صحيفة المدينة؟
• كم بنداً إحتوته صحيفة المدينة؟
نظرية بناء الأمة والدولة في الإسلام:
يمثل موضوع بناء الأمة نقطة أساسية ترتكز عليها الحضارات عبر التاريخ، فالأمة القوية تقدم حضارة مزدهرة، والأمة الضعيفة تقبع في ذيل الركب الحضاري، وإذا تتبعنا السيرة النبوية الشريفة، نجد نظرية متكاملة لأنشاء امة على أسس رصينة، تعبر على كل التناقضات والخلافات العرقية والدينية، حيث كانت الصحيفة التي كتبها الرسول عند قدومه إلى المدينة خطوة متقدمة في كتابة دستور أمة ناشئة، وربما فعل الرسول مالم يفعله احد، وهو كتابة دستور الأمة حتى قبل أن تتحدد ملامح الدولة، وفي هذه الدراسة استجلاء لنظرية بناء أمة ودولة كما تعبر عنها صحيفة المدينة.
Page 3
إشكالية الأمة والدولة: من يشّكل من؟
هناك الكثير من الجدال بين علماء علم الاجتماع السياسي حول السؤال الشهير، هل إن الأمة هي التي تشّكل الدولة، أم إن الدولة هي التي تشّكل الأمة؟، يمكن أن نقول إن الدولة التي تؤسس على امة متماسكة قوية، ستأخذ نفس هذه الصفات، بينما إذا شكلت الدولة من امة منقسمة متشظية، لا يمكن أن تستمر في البقاء، ولا بد لها أن تتعرض إلى هزات تعصف بكيانها فتضعفها، وربما تقضي عليها تماما، وهذا ماحصل في التاريخ البشري كثيرا، حيث سقطت الدولة العثمانية مثلا وذلك لأنها لم تستطع أن تشكل امة واحدة من الشعوب التي كانت تنضوي تحت مظلة الدولة آنذاك.في تاريخ العراق المعاصر كانت تجربة الملك فيصل الأول (1883- 1933) تجربة مرّة، حيث كان يشكو دائما من عدم وجود أمة عراقية متماسكة، يمكن أن تقوم على أساسها دولة قوية، لذلك كان جهده منصبا على محاولة تشكيل هذه الأمة، لكن عمره القصير لم يفسح له المجال للقيام بهذه المهمة العسيرة، لأن الأمم لا تتكون في سنوات قليلة، بل إنها تحتاج إلى عقود من الزمان، لتنصهر فيها كل الأديان والطوائف والإثنيات والمذاهب في بوتقة واحدة هي بوتقة الأمة الجديدة، وهذا الإنصهار يقتضي سنوات طويلة من التعايش، وبناء الثقة، والشعور بالمصير المشترك، لكي تتكون الهوية الجديدة. إن الإنفصام الذي يحصل في بعض الحالات بين الأمة والدولة يقود إلى كوارث مفزعة، تنتهي بالتأكيد بإنهيار الدولة،كما حصل مع الدولة العثمانية، وكما حدث في العراق في عهد النظام السابق، وما ثورة الشعبين التونسي والمصري إلا حصيلة هذا الفصام النكد.
دستور المدينة: الأساس التاريخي
تجمع أهم كتب السيرة على رواية قصة الصحيفة التي كتبها رسول الله ، عندما قدم يثرب مهاجرا من مكة، وذلك لتأسيس مجتمع جديد قائم على أسس جديدة، تتجاوز الأسس القبلية التي كان مجتمع يثرب قائما عليها حيث كان منقسما إلى قبيلتين كبيرتين هما الأوس والخزرج، بالإضافة إلى اليهود الذين كانوا يمثلون الطرف الآخر في ذلك المجتمع، وبما إن الديانة اليهودية هي ديانة منغلقة تخص بني إسرائيل وذراريهم، لذلك لم يكن يهود يثرب يحاولون إنشاء امة جديدة مع الأوس والخزرج، لأن هاتين القبيلتين ليستا من نسل بني إسرائيل، كما هو معروف. لقد استخدمت كتب السيرة مصطلح (الصحيفة) لوصف هذا الدستور، الذي كتبه النبي ، فيما استخدمت مصادر أخرى مصطلح (الكتاب)، كما كان يطلق على كل ما يتعاهد عليه القوم في ذلك الوقت، بينما استخدمت المصادر الحديثة لفظة (الوثيقة) و(الدستور)، لتسمية هذا العقد الذي وضعه رسول الله للتعبير عن مواصفات المجتمع الجديد الذي أسسه في يثرب، والحقوق والواجبات المترتبة على هذه التشكيلة المجتمعية الجديدة التي كانت إيذانا بإنشاء امة جديدة يقودها النبي ، وتضم طرفين رئيسين في تكوينها هما المسلمون واليهود، وايا كانت التسمية، فإن ذلك ليس له أثر على أهمية هذه الوثيقة، التي كانت - بحق- دستور الدولة المدنية، التي تجاوزت النظام القبلي الذي كان حاكما قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى يثرب.
Page 4
ما هو شكل الدولة التي يريدها الإسلام؟
كثيرون لديهم اعتراضات على مصطلح الدولة الإسلامية، وهذه الاعتراضات بنيت على أوهام، ليس لها من الواقع التاريخي أو العقائدي أي نصيب، لذلك تثار الشكوك حول أسئلة كثيرة في هذا المجال، منها إن الدولة التي يدعو إليها الإسلام هي دولة إقصائية، فيها المسلمون مواطنون من الدرجة الأولى، بينما باقي الملل والأديان مواطنون من درجات ثانية أوثالثة وربما أدنى، والذي يقرأ السيرة النبوية قراءة منصفة، يصل إلى قناعة أكيدة، أن هذا الوهم لا أساس له من الصحة، لأننا يمكن أن نقول ببساطة: إن الدولة التي يدعو لها الإسلام هي دولة مدنية، وليست دولة دينية والدليل عل ذلك هو صحيفة المدينة التي حددت الملامح الأساسية لهذه الدولة من خلال النصوص الآتية التي وردت في هذه الصحيفة التي تضمنت ستة وأربعين بنداً، ينص البندان الأول والثاني على ما يأتي:
1- هذا كتاب من محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش (وأهل يثرب) ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم.
2- أنهم امة واحدة من دون الناس.
وينص البند السادس عشر على:
16- وأنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم.
أما البند الرابع والعشرون فينص على:
24- وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين، ما داموا محاربين.
وينص البند الخامس والعشرون على:
25- وأن يهود بني عوف امة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم نفسه وإثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
أما البند السابع والثلاثون فينص على:
37- وان على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وان بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وان بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم.
ان الذي يقرأ هذه البنود،يجد أن النبي العظيم قد وضع قواعد أمة تقوم على أساسها دولة مدنية رصينة، حيث يأتي البندان (25، 37) برهانا قاطعا على أن تلك الدولة كانت دولة مدنية بامتياز، ولم تكن دولة دينية أبداً.
Page 5
وهنا ننقل التعليقات الأربعة الآتية على بنود الصحيفة من كتاب: (نشوء الفكر السياسي الإسلامي من خلال صحيفة المدينة( لخالد بن صالح الحميدي( ):
• (بما إن الرسول قد راوده الأمل في انضمام اليهود إلى أمة الإجابة، حين قدم يثرب، ولأن الإسلام دعوة عامة، لا تقتصر على يثرب، أمكن إدخال اليهود باعتبارهم جزءا من امة الدعوة، ضمن موضوعة الأمة، فإذا هم مع المؤمنين من قريش ويثرب امة من دون الناس (البند 16).
• أما بالنسبة إلى عبارة (على ربعتهم....) والتي يأتي ذكرها في كل بند من هذه البنود من البند 3 حتى البند 11، فإنها تفيد بقاء الوضع الذي كان سائدا قبل الإسلام في التركيب الداخلي للقبيلة من ناحية الزعامة، والعادات والملكية وشبكة العلاقات، كذلك من حيث الديانات، وتسوية المنازعات، حيث بقي العرف هنا هو المحدّد، وهذا ما أوضحته عبارة (يتعاقلون معاقلهم الأولى).
• لاحلف جزئيا بين مكونات الأمة في الإسلام، وايما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة، فالعلاقات الداخلية بين فئات الأمة وعصبياتها يجب أن تكون علاقات تحاب وتعاون، لذلك رفض الإسلام الحلف الجزئي لأنه ينافي التضامن العام داخل الأمة ولأنه يفترض عدم كفاية الحماية التي تؤمنها الأمة لأفرادها ومواليها. (بتصرف قليل)
• يعد مونتغمري وات في كتابه (الفكر السياسي الإسلامي)، البند 13 الذي ينص على: (وأن المؤمنين المتقين، أيديهم على كل من بغى منهم، أو إبتغى دسيعة ظلم، أو إثما، أو عدوانا، أو فسادا بين المؤمنين،،وأن أيديهم عليه جميعا، ولوكان ولد أحدهم.) من أكثر البنود ثورية، إذ انه نص على عقوبة الباغي من قبل انسبائه، بدلا من حمايتهم له، وهذا يعد نقضا لما كان متعارفا عليه قبل الإسلام، إذ إن مبدأ الأخذ بالثأر تحول إلى مبدأ القصاص والأخذ بالعقاب، ويعتبر تفويض (حق التأديب إلى الجماعة) بدلا من الفرد انتقالا حاسما، له دلالته في المجتمع العربي الجديد،وهو مرحلة متوسطة في قانون العقوبات، بين العقوبة على المستوى الفردي في المجتمع القبلي إلى العقوبة على مستوى التشريعات والقوانين في مجتمع الدولة، وكان لذلك التنظيم أعظم الأثر في تفادي الحروب الداخلية والاضطرابات.
والصحيفة تضمنت مبدأين في القتال:احدهما يعالج النفقات البند 37، (وان على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم....)، والآخر الصلح إلا من حارب الدين في البند 45 (وإذا دعوا إلى الصلح يصالحونه ويلبسونه....فانه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين)، فيكون المجتمع الجديد امة واحدة بالمعنى السياسي، وأمتين بالمعنى العقيدي، فالأمة هنا لم تعد امة دينية خالصة، كما بدأت في مكة.
Page 6
من قراءة النصوص السابقة ومن تعليقات الدكتور الحميدي، يتجلى لنا أن مفاهيم جديدة ثبتتها صحيفة المدينة في الطريق لتشكيل أمة جديدة بمواصفات حضارية متقدمة. ان الدولة الجديدة التي أنشأها هذا الدستور الجديد ليست دولة دينية بالمفهوم العلمي لهذا المصطلح، لأن مصطلح الدولة الدينية religious state
لا يعني اعتماد الدين مصدرا رئيسيا للتشريع وانما يعني ان يكون رجال الدين هم الذين يحكمون الدولة كما يحصل الآن في ايران وفق نظرية ولاية الفقيه التي تعطي لرجل الدين الفقيه ولاية عامة على الأمة، وتبعا لذلك فلا يحق لأحد منازعته في حكم الشعب.
يقول الدكتور إرحيل الغرايبة نائب الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي سابقا في الأردن: (الإسلام لايعرف الدولة الدينية، ولم تكن هناك دولة دينية إسلامية في التاريخ منذ وجد الإسلام، وإنما الدولة في الإسلام تقوم على أساس مدني،يستند الى إطار مرجعي قيمي مستمد من الإسلام) ( ). ويقول:
(الإسلام يرفض ظاهرة رجال الدين، ويرفض فكرة إحتكار الوصاية على الدين لفرد أو مجموعة أو حزب أو عائلة قومية محددة، بل ماهو محل الإجماع الذي لاخلاف فيه أن الوصاية للأمة جميعها، أي لجميع أفرادها وبالتعبير الفقهي «لمجموعة المكلفين» والمكلفون جمع مكلف، والمكلف هو كل إنسان بلغ السن المعهود عاقلا راشدا، بمعنى أن كل العقلاء الراشدين يشكلون «الأمة» وهم جميعا متساوون في الحقوق والواجبات،كما جاء في الحديث: «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم»)( )
دعوة إلى إستبدال مصطلح (الدولة الإسلامية)
بسبب الطبيعة المعقدة للعلاقات الدولية المعاصرة، اعتقد، إن فقهاء المسلمين اليوم بحاجة إلى إستبدال مصطلح الدولة الإسلامية، الذي يمكن إن يسبب مخاوف وإشكالات كثيرة، تقف عائقا إمام دعوة الإسلام العالمية، لأن الدول ذات الأغلبية المسلمة تضم أقليات من أديان أخرى يمكن أن تشعر بالتمييز بسبب هذا العنوان، علما بان هذا المصطلح لم يرد أصلا في القرآن والسنة، كما أن أيا من الدول التي كانت ذات مرجعية إسلامية في التاريخ لم تكن تحمل هذا الاسم، وهذا ينطبق على الدولة الأموية والدولة العباسية والدولة العثمانية.. الخ، والمصطلح هو من اختراع بعض فقهاء المسلمين، ولم يقصد منه قطعا إقصاء أو تهميش كل ما هو غير إسلامي في هذه الدولة، وإنما كان القصد منه التمييز بين الدول في تلك العصور، وإنا اقترح هنا مصطلح (الدولة التي يريدها الإسلام ) بدلا من مصطلح الدولة الإسلامية. إن الصفة العالمية (الأممية) للإسلام تتطلب أن يرسل رسائل تطمين إلى كل الأديان والقوميات والطوائف، لتقبل الدولة المدنية التي تستند إلى مرجعية إسلامية دون خوف من أن تتحول الدولة إلى دولة دينية، أي ثيوقراطية Theocracy)) بالمصطلح الغربي، مما يبعث بإيحاءات غاية في السلبية عند العقل الغربي، الذي لم ينس ما فعلته الكنيسة، عندما حاربت العلم حربا شعواء، حتى وصل الحال إلى إحراق بعض العلماء بتهمة الهرطقة، وقصة ما فعلته الكنيسة مع العالم غاليلو معروفة، عندما ألقت به من قمة برج بسبب نظريته، التي كانت تقول إن الشمس هي مركز الكون وليس الأرض، وهو ما كانت تقول به الكنيسة،حتى وصل الأمر بالجماهير التي قامت بالثورة الفرنسية أن تهتف: (اعدموا آخر قسيس بأمعاء آخر ملك).
Page 7
إننا بحاجة اليوم إلى تجاوز المصطلحات، فإنه (لا مشاحة في الاصطلاح) كما يقول العلماء، والعبرة في ديننا ليست للشكليات، بل للمضمون والجوهر، فقد كان القرآن الكريم والسنة الشريفة يعيبان دائما على من يتمسكون بالقشور، ويغفلون الحقيقة، قال : (إن الله لاينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم). ولدينا قاعدة فقهية تقول: (العبرة في العقود للنيات والمعاني، لا للألفاظ والمباني).، فإذا كانت العقود التي تشكل جانبا مهما من حياة الناس تنضبط بمثل هذه الضوابط، فكيف بمصطلحات لم ترد لا في القرآن المجيد أو السنة النبوية الشريفة، بل هي محض اجتهاد، اقتضته ظروف تاريخية معينة، وقد تغيرت هذه الظروف الآن، والقاعدة الفقهية تقول: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان والأماكن والأحوال).
إن القشريين يهدرون الأصول، ويهتمون بالفروع والشكليات، ومثل هؤلاء لا يمكن أن يعول عليهم في بناء الأمم والدول والحضارات. هنا نريد أن ننبه بأن دعوتنا هذه لاتنطبق على مؤسسات تحمل الصفة الإسلامية، مثل المؤتمر الإسلامي، والجمعية الإسلامية..الخ وذلك لأن الأقليات لاحساسية لها ضد هذه المؤسسات، لأنها تمتلك نظائر لها سواءا بسواء، ولاتشبه هذه الحالة حالة الدولة متعددة الأديان.
الإسلام يدعو الى المدنية:
جاء في صحيح البخاري إن الصحابي سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أراد الخروج ليسكن البادية في أيام الحجاج بن يوسف الثقفي، فقال له الحجاج: (يا سلمة، إرتددت على عقبيك،تعرّبت؟!) فقال سلمة: (لا، ولكن رسول الله أذن لي في البدو).، لذلك عد الفقهاء الإعرابية بعد الهجرة نقصا في دين الرجل يصل الى درجة الإرتداد عن الإسلام. من الواضح إن الإسلام بهذا التوجيه الشديد الجدية يحاول نقل الأعراب الى مجتمع المدينة الذي يعني الإستقرار والتمدن والحضارة والرقي، ولم يكن يقبل أن يبقى الناس يعيشون حياة غير مستقرة، كالتي يعيشها البدو حيث لاإستقرار ولاتعليم ولاحياة كريمة تليق بالإنسان الذي كرّمه الله، قال تعالى: (ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ) [الإسراء: 70].
إن الدعوة الى المدنية التي أرادها الإسلام كانت أحد اللبنات الأساسية في بناء الأمة والدولة الجديدتين، فبعد أن كان العرب قبائل متناحرة لاتعرف من الحضارة شيئا ولو كان يسيرا، أصبحوا أمة ودولة لهما مقومات الأمة والدولة كأفضل مايكون، حتى إنهم أسقطوا أكبر إمبراطوريتين في مدة قياسية بما يقارب عقدين من الزمن وهذه معجزة كبيرة تبين مدى قوة ورسوخ الدولة الإسلامية الناشئة.
من الجدير بالذكر إن تسمية المدينة المنورة بهذا الإسم جاء بعد هجرة الرسول إليها فقد كان إسمها قبل الهجرة (يثرب)، إلا إن النبي سماها (المدينة) بعد هجرته إليها، وفي هذا دلالات عميقة دعت المسلمين الى الإنتقال الى المدنية في وقت مبكر، لذلك لايمكن لأحد أن يجادل في مدنية دين الإسلام وحرصه على بناء الأمة والدولة بكل مقوماتهما التي تفرز أمة ودولة قويتين.
منهج محمد في بناء الأمة:
من المعروف إن آيات القران الكريم بدأت بالنزول في مكة، وان هناك سورا مكية وسورا مدنية،أي إن النبي عندما قدم المدينة وكتب الصحيفة، كان القرآن لا زال يتنزل عليه دون انقطاع، لكنه عندما كتب هذا الدستور لم يقل: إن لدي قرآنا يتنزل عليّ يكفيني، وهو صحيفتي ودستوري، ولا حاجة لي بكتابة شيء جديد، لأن الرسول يعلم أن لوائح إنشاء الأمم وتنظيم المجتمعات أمر قابل للتغير، لذلك فسح القرآن المجال واسعا للمسلمين لتنظيم حياتهم، بطريقة تناسب زمانهم وأحوالهم، ومما هو لافت للأنتباه بشكل كبير، هو إن القرآن تحدث عن موضوع الأحوال الشخصية بعشرات الآيات وفصلها تفصيلا دقيقا، وذلك لأنها أمور ثابتة لايمكن أن تتغير، يقول تعالى في الآية11من سورة النساء: (ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ) . وهكذا تستمر عشرات الآيات في التفصيل الذي لايبقي أي غموض أو شك، فالعبادات والأخلاق والقيم من الثوابت التي لاتتغير، بينما لم تذكر الشورى إلا في آيتين، الأولى: الآية 159 في سورة آل عمران: (ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ). والثانية هي الآية 38 من سورة الشورى: (ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ). وذلك لأن آليات الشورى تدخل ضمن مساحة المتغيرات، التي تتغير بتطور الحياة وتغير الظروف، فالبرلمانات والمجالس التشريعية ومجالس الشورى وغيرها، كل ذلك من آليات الشورى، ومافعله الرسول الكريم يدفعنا إلى الإقتداء بفعله وتكييف الدساتير واللوائح بما يناسب طبيعة الحياة من دون تجاوز ثوابت الدين.