eKtab
EN ع
مدائن الأرجوان
Read free sample

مدائن الأرجوان

by نبيل سليمان

Page 1
خابيــــــــــــــة الأرجـــــــــــوان تندلــــــــقعلى الإسفلت:
 
في الشرفة لبث واصف عمران يتفرج بحياد على باص الحضانة وهو يبتعد بثريا: أليست ابنتك أيها الوغد؟
 
ما كاد الباص يختفي حتى أسرعت رمزية في الاتجاه المعاكس الذي يقودها إلى مديرية الصحة. وما كادت رمزية تختفي حتى عبّ واصف الهواء عبّاً، ثم أسرع ينهب الدرج العريض العتيق الذي يصل الأرض بالسماء: أليست امرأتك أيها الوغد؟
 
على السفح، أي على خد القلعة ـ كما تعوّد واصف أن يقول ـ تستلقي أربع وخمسون درجة لتصل بين الشارع وبين البيت العريق الفسيح الذي ورثته رمزية عن أبيها، وانتقلت إليه مع واصف ليلة الدخلة.
 
من البيت فصاعداً، يُسرع السفح معشباً حتى يبلغ مقام المغربي وجامعه ومقبرته. ثمة، تعوّد واصف أن يصير خذروفاً كل صباح، ليدور حول نفسه، معانقاً البحر من سائر الجهات، كما تعانقه التلة والثكنة وما تبقى من الشجر والشوك والعصافير. غير أن واصف بدّل عادته منذ صدّق أن اللاذقية باتت غير آمنة، أي منذ رآها تتخضّب بالأرجوان أول مرة ذات صباح من شهر منسيّ ـ ربما كان نيسان ـ من سنة منسية، ربما كانت سنة 1981.
 
كانت المدينة قد أفاقت على المطر يدفق دفقاً، والدرب الذي على واصف أن يتسلقه إلى تلّة المغربي أو تلّة القلعة، كان موحلاً، لذلك تأخر في الخروج. ومن وسط شارع المالكي انحرف إلى ساحة أوغاريت، ورأى الأعمدة الرومانية تغتسل جذلى، وخبط جذلان على باب بيت الدكتور عبد الرحمن هلال. وفوجئ بزوجة صديقه البلغارية تنبئ بذهاب الدكتور إلى العيادة منذ ساعة: شو شايفها بالمنام!
 
قرر واصف أن يتابع تسكعه تحت المطر، فلا أحد يأبه إن وصل إلى الثانوية الصناعية في بداية الدوام أم في نهايته. وحين صحا على أنه قبالة مديرية الصحة ـ وكان المطر قد أخذ يهدأ ـ التجأ إلى رمزية التي هالها بلله كما هال زميلاتها. ولما ذكر عبد الرحمن قالت إنها لمحته خارجاً من مكتبة عريف، فلوحت له، لكنه لم يرها. ولما لوّح واصف لها مودعاً في نهاية الكوريدور، صاح صوت مذعور: قتلوا الدكتور عبد الرحمن هلال.
 
قتلوا من يا مجنونة؟
 
ربما كان واصف آخر من صاح، مثلما كان آخر من صدّق أن شاباً ـ أو اثنين، ما الفرق حتى لو كانوا عشرة؟ ـ لحق بالدكتور الذي سبق الممرضة وفتح العيادة، وفجأة دوّى الرصاص، فما الفرق إن كانت رصاصة أم مائة، ما دام القاتل قد خرج يتهادى، وعبد الرحمن ظل ينزف حتى مات قبل أن تصل الممرضة؟
 
* * *
 
صباح الأرجوان أو صباح عبد الرحمن: كذلك سمّى واصف ذلك الصباح. ومن صباح إلى صباح، أدمن أن يستعيد ما ظلّ عبد الرحمن يعلمه لأصدقائه وصديقاته منذ كانوا صغاراً يتحلقون حوله على مشهد من أوغاريت، يعتلي حجراً في أية زاوية من زواياها، أو يغمس قدميه العاريتين في الرمل البليل، ويرخّم صوته حتى يصير مثل هسيس موجة: هنا كانت معصرة العنب، وهناك كانت معصرة الزيتون. هنا كان الحداد وهناك كان السباك. أما هنالك ـ وتذهب ذراعه إلى أبعد موجة ـ فكان الصياد والشبكة والطعم: سلطعون يا واصف.
 
هكذا تعلم واصف أن يفتح غدة السلطعون ويلتقط جزيئاتها الحديدية. لكن عبد الرحمن انتظر حتى مات، ليعلّم واصف وحده من بين أصدقائه جميعاً، كيف يبحر من راس ابن هاني مع من يصادف من الصيادين، وكيف يصبر حتى يؤوبوا بأحمال الرخويات من كل صنف، وكيف لا يفارق الفعلة وهم يعصرون الأحمال، ثم يملحون العصير ثلاثة أيام بلياليها، ويتركونه فوق نار هادئة عشرة أيام بلياليها، ثم يعهدون لواصف بالخابية الطافحة بالأرجوان، فلا يصبغ فستاناً من الحرير لرمزية، ولا غطاء من الصوف لأرملة عبد الرحمن، بل يرش صباح اللاذقية بالدم، فتنطوي المدينة خوف الاغتيال، وتنفلش إلى طوائف ومذاهب، وتودع الأمان، بينما يتوحد الدم والأرجوان.
Page 2
عبر ذلك كان واصف قد بات لا يطاق: صامت دوماً وغاضب دوماً. وكانت رمزية قد أدمنت أن تعيّره بالخوف وأن تلومه على الانزواء، إذ ما عاد يغادر غرفته إلا في الصباح، ولكن ليس ليتسلق إلى ذروة التلة ويعانق البحر، بل ليعدّ الخطى من رأس شارع المالكي، كما يفعل الآن، ثم ينسى العدّ ما إن يحاذي الباب المتهالك المقبب الذي يخفي المدرسة الأرمنية. ومن أمام الفرن الذي لا زال يخبز على الحطب، يعود واصف إلى العدّ حتى يبلغ الكنيسة، فيتذكر ـ ربما كان كل صباح يتذكر ـ أنه لاقى ورمزية رأس السنة فيها، وكانا لا يزالان عاشقين، وقد صادفا عبد الرحمن عند باب الكنيسة، فتبادلوا العناق والقبلات والصخب، وبارك عبد الرحمن اختيار العاشقين المسلمين للكنيسة مطرحاً للقاء، وسأل رمزية:
 
ـ كنيسة من هذه يا شاطرة؟
 
فأسرعت باعتداد:
 
ـ كنيسة اللاتين يا دكتور.
 
ـ غلطانة يا شاطرة.
 
قال عبد الرحمن وهو يدعك أذنها عقاباً، ثم خاطب واصف:
 
ـ وانت يا شاطر: كنيسة من هذه؟
 
ـ كنيسة مارنيقولاوس يا دكتور.
 
ـ عفارم يا شاطر.
 
قال عبد الرحمن، وكافأ واصف بدعك أذنه أيضاً، ثم اختفى في زحام العيد، وترك عيني واصف تبحثان عنه كما تفعلان الآن وقد بلغ سينما الأهرام. ولما تجدد يأسه من العثور على عبد الرحمن حياً أو ميتاً، انتقل إلى رصيف سينما الكندي، وأحسّ بالحصار بين ما تعلن عنه هذه السينما وتلك السينما، فاندفع قُدُماً إلى أن أسلمه شارع المالكي إلى الحديقة: لماذا هي قاحلة؟
 
الكورنيش أيضاَ بات قاحلاً صباح مساء، ليس فقط لأن المدينة لم تعد آمنة ليل نهار، بل لأن مذبحة توسيع المرفأ نأت بالبحر عن الكورنيش. من رشّو إلى اللاكابان ومن فينيسيا إلى المنتزه، كل ذلك صار من الماضي، ولم ينجُ من المذبحة إلا العصافيري. ما عادت أسراب الصبايا تملأ الكورنيش عصر كل يوم، صيف شتاء. ولم يكن الكورنيش ليعدم من يهربون أو يهربن من المدارس والجامعة الناشئة، ليتسكعوا هنا كما يتسكع واصف الآن حتى تستوقفه واحدة من السيارات التي تكاثرت في المدينة إثر اغتيال الدكتور عبد الرحمن هلال، وبات واصف يحفظها عن ظهر قلب: صالون لاندروفر، أي دورية، فما الفرق إن كانت للأمن العسكري أو الأمن السياسي أو أمن الدولة أو سواه، ما دام واصف سيغادر الكورنيش عجلان، وسيتوه من زقاق إلى زقاق، متحاشياً الشوارع، إلى أن يكون عليه أن يقطع آخرها قبل أن يرى نفسه قبالة مقبرة الفاروس، أي تحت الشرفة التي كانت رمزية تطل منها على عشاقها: كيف ظفرت بها وحدك أيها الوغد؟
 
* * *
 
بوغت العجوز شوقي المعروف بالأثرم ـ أي والد رمزية ـ بواصف الذي ندر أن حضر إلى بيت حميه، وبخاصة بعد موت والدة رمزية. وعلى العكس مما توقع واصف، لم يشك العجوز من الوحدة أو من عقوق الأبناء والبنات، وعلى رأسهم رمزية. ولعل ذلك ما جعل واصف يسترخي في الصالون المفتوح على المقبرة. وعلى الرغم من أنه أغمض عينيه، فقد كان قادراً على أن يرى إشارات العجوز تتنقل فوق شواهد القبور، بينما صوته يتأسّى، متابعاً حديثاً لا أحد يدري متى بدأ ولا متى انقطع:
 
ـ ما بقي من دير الفاروس حجر على حجر. هذا صحيح. لكن الناس عمّروا الدير بعد التحرير. عسكر صلاح الدين الأيوبي أيضاً عمّروه.
Page 3
قال واصف مناكداً:
 
ـ العسكر دمّروا اللاذقية كلها. شو عمّروا وما عمّروا؟
 
عندئذ تراخت ذراع العجوز، وزمّ شفتيه، فأشفق واصف عليه. ولكي يستلّ غضبه، راح يمجّد البطل الكردي الذي حرر اللاذقية من الفرنجة، وغفر للعسكر الذين حطموا ما حطموه من الأعمدة الرومانية ومن الألواح والأحجار الرخامية، وحملوا ما لم يحطموه إلى الشام.
 
كان الرجلان متقابلين ملء الأريكتين الوحيدتين العتيقتين. وبمشقة باعد واصف أجفانه، بينما سأل العجوز بازدراء:
 
ـ هل تعرف أين تعلم المعري الفلسفة اليونانية يا أستاذ واصف؟ هنا يا صهري العزيز. هنا في دير الفاروس. هذه المقبرة تشهد. ماذا تعرف أنت؟
 
قال واصف ساخراً:
 
ـ أعرف أن مدينتك جنّنت المعري: هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يصيح.
 
انتفض العجوز وصاح:
 
ـ عمرها اللاذقية ما عرفت الشقاق إلا على أيامكم.
 
أطبق واصف أجفانه ممتعضاً. وكأنما أصابت الأجفان عدوى العجوز بالشتات، إذ راحت تلاعب الأخيلة: تطير بوالد رمزية من هذه الأريكة إلى المقبرة، تحشر العجوز إلى جانب زوجته، تنبش القبور جميعاً وترسل ساكنيها إلى البحر، تعود بالمقبرة فضاء حراً وملوناً، كما كانت قبل أن يحرر صلاح الدين الأيوبي المدينة أو قبل أن يطمرها بركان. وحلا لأخيلة واصف أن تجمع والد رمزية بأبي العلاء المعري يوماً في كازينو السياحة والاصطياف، وبالمتنبي يوماً في منتجع الشاطئ الأزرق، وأن تشيد بيوتاً صغيرة وحلوة حول الدير، فينهض حي الفاروس، وتطلّ رمزية من هذه الشرفة على عشاقها، ويكاد واصف أن يظفر بها، لولا أن الأرض يزلزل زلزالها، فيأتي صوت العجوز الأثرم متأسياً ومتابعاً حديثاً، لا أحد يدري متى بدأ ولا متى انقطع:
 
ـ ما بقي في اللاذقية حجر على حجر. تحولت البيوت إلى قبور. ومن نجا لجأ إلى البساتين.
 
تساءل واصف بصمت: متى كان ذلك؟ ولأن للعجوز سمع الخلد، قال:
 
ـ في مثل هذه الأيام. أواخر نيسان قبل مئتي سنة.
 
فتمتم واصف ساخراً:
 
ـ أقلّ.
 
قال العجوز غير آبه:
 
ـ أقل بقليل. وفي البساتين سرى أن زلازل أكبر سوف تتوالى، فأسرع الناس إلى الأنقاض، وجاءوا بما نجا من البهائم والأشياء، ثم أسرعوا بعيداً.
 
ـ إلى البحر؟
 
سأل واصف مصطنعاً البلاهة، فتابع العجوز ساخراً:
 
ـ إلى القرى يا فهيم. نصبوا الخيام في البراري يا فهيم، وانتظروا. لكن الله لطف بهم ولم يقع زلزال جديد.
 
ـ بعد ثلاثين سنة وقع.
 
قال واصف متعالماً.
 
ـ أقل بقليل. لكن الطاعون فشا بعد ثلاثين سنة من الزلزال. هذا صحيح.
 
تمتم العجوز بصوت ناعس. وبعد قليل سكن تماماً، كأنه أغفى عميقاً، أو مات بسلام كما خمّن واصف، وربما كما تمنى وهو يتسلل.
Page 4
عندما عاد واصف إلى البيت كانت السماء قد صحت تماماً، كأنها لم تمطر منذ شهر. وزيّن الغروبُ الصحوَ بألوان فاتنة، لكن واصف كان منهكاً ومنقبضاً.
 
كان قد قضى بقية نهاره كأنه يتفقد المدينة أو يودعها. وبدت له المدينة مرة على أهبة كارثة، ومرة كأنها خارجة لتوها من كارثة. ولعل ذلك ما جعل استراحاته تبدأ بمسجد جعفر الصادق وتتثنى بكنيسة البروتستانت، ثم تتوزع بين مسجد أبي الدرداء وجامع العوينة وكنيسة الأرمن وجامع الأمشاطي وكنيسة الموارنة وجامع الميناء: هنا طالت استراحة واصف كما طالت قرب ضريح أم السلطان. ومن استراحة إلى استراحة كان يزداد تشوشاً. وقد يكون الجوع ضاعف ما به، وقد يكون الإحساس المبهم بالغربة، على الرغم من التحيات التي تبادلها مع بعضهم ومع بعضهن. وأخيراً تخلى عن عناده وتناول سندويشة الفلافل من عند الحموي كما كان عبد الرحمن هلال يفعل كلما تسنى له، حتى بعد ما صار الطبيب الأول للأمراض العصبية في اللاذقية.
 
بعد الحموي توحد ظلاّ واصف وعبد الرحمن: ميت يُبْعَثُ حياً وحيّ يُبْعَث ميتاً. ولكي يصحّ ذلك، اشتبه على الصديقين كل شيء، فحسب كل منهما الآخر تلك الأضحية التي سوف تُنحر ها هنا، على مرمى حجر، في أي ركن من أوغاريت. وليكن أحدهما طفلاً والآخر طفلة: ما الفرق ما دامت الأضحية ستطلى بالجبس وَتُلَفُّ بالديماس؟
 
غير أن واصف تمنّى ألاّ يوضع في الناووس. وما دام ذلك مستحيلاً، فقد تمنى ألاّ يُنْزَلَ الناووس إلى القبر. فليكن ذلك من نصيب عبد الرحمن، ليس فقط لأنه سبق إلى الموت، بل لأنه كان يتباهى بجده الفينيقي، وذلك الجد هو من استنّ للأضاحي تلك السنن. وقد يكون من قتل عبد الرحمن، إنما قتله جزاء على فينيقيته أيضاً، وليس فقط لأنه شيوعي أو علوي كما رددت اللاذقية في صباح الأرجوان أو في صباح عبد الرحمن: شو رأيك يا رمزية؟
 
* * *
 
لم ينبس واصف بغير ذلك السؤال منذ أوى إلى البيت، فنظرت إليه رمزية باستهجان، وأسرعت إلى غرفة ثريا. وللمرة الأولى أغفى واصف مبكراً، ربما قبل أن تغفو ثريا. وللمرة الأولى يسبق واصف الفجر: خفق قلبه سريعاً، أفاق مجفلاً، هدأ القلب سريعاً وخلّف لصاحبه أثر دغدغة. تبسم الرجل بينما تسللت إلى جفنيه أصابع غليظة وراحت تدعك بقسوة. غارت الابتسامة، وحاص رأس الرجل فراراً من الأصابع التي ازدادت غلظةً وقسوة. وفجأة اخترقت سمعه رصاصة، بل ثلاث، بل زخّة. زخّة من الرصاص مثل زخّة من المطر. وفجأة تفرقت الرصاصات، ثم أطبق السكون، بينما كان السرير قد كوّر واصف وسمّره ونشّف ريقه. وربما كان سيظل كذلك إلى يوم القيامة، لولا أن رمزية اقتحمت الغرفة بصوت هلوع:
 
ـ نايم والدنيا خربانة؟!
 
ـ شو صاير؟
 
تساءل بصوت أكبر هلعاً، ولغط بما لم يتبينه مثلما لم يتبين ما لغطت رمزية به، حتى إذا اقتحمت الشرفة، ورفرفت في الغرفة نسائم الفجر الباردة، أدرك الرجل أن الرصاص قد عاد يزخّ، ولكن مثل البَرَد هذه المرة، وبعيداً عن هذا البيت الآمن في هذا الحي الآمن في هذه المدينة ال...
 
هل باتت اللاذقية غير آمنة؟
 
تساءل وهو يجر قدميه إلى الشرفة. ولما التصق كتفه بكتف رمزية، تمنى لو أن سريرها يعود إلى الغرفة. وسرى الدفء في الساعدين اللذين تماسّا مصادفة. وأحسّ واصف برجفة مبهمة سرعان ما أسفرت عن الخوف، بينما أخذ الرصاص يتلاشى. لكن جذع رمزية الذي مسّ جذع واصف مصادفة أيضاً، بدّل الخوف بالشهوة. وانتظرت الشهوة حتى أطبق الصمت، عندئذٍ طوق ذراع واصف خصر رمزية وهو يهمس:
 
ـ خايفة؟
 
ـ وأنت؟
 
همست رمزية باشتهاء أكبر جعل ذراعيها تطوقان عنق واصف، ثم تدفنان وجهه بين ثدييها. وللمرة الأولى منذ تزوجا قبل عشر سنوات سبقت شفتاها شفتيه، وللمرة الأولى أيضاً منذ تزوجا، لم تستح أصابعها منه، بل طاب لها أن تبالغ في الدعك. ولعل ذلك لم يكن سخرية أو انتقاماً، بل فضولاً وحسب. ومهما يكن، فقد جعل الدعك أسنان واصف تصرّ، وأنفاسه تتوجّع.
Page 5
وما إن عاد الرصاص يلعلع في فجر المدينة الآمنة حتى غدا واصف كالخرقة. وكانت رمزية قد غادرت الشرفة، وكان واصف قد شيعها بحمد الله على أنها تركت له وحده هذه الغرفة، ونقلت سريرها إلى غرفة ثريا التي لم تكن مشيتها قد استقامت بعد: لماذا تمنى إذن أن يعود سريرها إلى الغرفة التي أخذت لعلعة الرصاص ترجّها رجّاً؟
 
لا لا. هذا ليس رصاصاً. هذا ـ على الأقل ـ قنابل تدك دكاً فجر المدينة التي لم تعد آمنة: فكّر واصف وهو ينقذف إلى الغرفة التي قذفته إلى الصالون، وإذا بثريا تدعك جفنيها، ثم تتثاءب، ثم ترمق أباها بحياد مثلما سترمقه رمزية حين تظهر حاملة حقيبة صغيرة وكيساً أصغر، معلنة بجهامة:
 
ـ أنا وثريا ببيت أهلي.
 
وكل ذلك إذن قد جرى البارحة. أما الآن، فقد صحا واصف على السكون الصافي والضياء الساطع والوحدة النبيلة: بلا زوجة، بلا بنت، بلا رصاصة، بلا قنبلة، بلا اللاذقية كلها.
 
نفض الرجل يده من كل شيء، وراح يتقافز بين السرير والحمام وفنجان القهوة ونافذة المطبخ والخزانة والدرج ومدخل البناية الذي فغر كأنه قبر طري يلفظ حمله التافه، أي يرمي هذا الرجل في شارع المالكي كما رماه البارحة، ولكن ليس في مثل هذه الساعة المبكرة، وليس بمثل هذه الخفة: هل أنت فرح حقاً برحيل ثريا ورمزية أيها الوغد؟
 
يا سيدي فرحان ونص: انتفضت خطواته مؤكدة، وأضافت قبضته وهي تتكور أن الأمان في بيت أهل رمزية أكبر، حي الفاروس أكبر أماناً من حي القلعة، وحي القلعة أكبر أماناً من حي الرمل، بل حي الرمل أكبر أماناً من حي الصليبة، وما دامت اللاذقية كلها ترفل بالأمان، فما كان البارحة إذن لم يكن: بماذا تهرف أيها الوغد؟
 
* * *
 
ظل السؤال يضعضع واصف وينعطف به من شارع المالكي يميناً ويساراً، ليقطع الزقاق تلو الزقاق حتى تطلع له ثانوية جول جمال. ومن خلل صخب الطلاب تراءى لواصف أن صوت حميه العجوز الأثرم يقترب مباهياً:
 
ـ هنا درست. كنت في البروفيه، هذه التي تسمونها اليوم الشهادة الإعدادية، عندما كان حافظ الأسد وأدونيس في البكالوريا.
 
وصار صوت العجوز صدى حنوناً بعدما تذكر أن هذه الثانوية حملت اسم جول جمال عندما صار هو عريساً، ولكن في الأربعين.
 
جول جمال بطل وبيستاهل: تمتم واصف بما كان عبد الرحمن هلال يردده كلما تذكر جول جمال. كان عبد الرحمن يردد أيضاً أن جول جمال تخضب بالأرجوان كما يليق بالفينيقي. وكرمى لواصف كان يضيف أحياناً: كما يليق باللاذقيّ. وفكر واصف وهو يتقدم نحو مقهى الاسكندرية أن الدم هو ما تخضّب به جول وعبد الرحمن: الأول في البحر والثاني في عيادته، الأول ليرد البارجة الفرنسية عن مصر والثاني ليرّد.. ليرد من عن سورية؟
 
أسهد السؤال واصف ليالي بطولها منذ ذلك الصباح الذي سماه صباح الأرجوان أو صباح عبد الرحمن. كان الجواب يصدعه مرة: الإخوان المسلمون، ومرة: المخابرات، ومرة: عملاء صدام حسين، ثم باتت للجواب أخيراً صيغة واحدة: عبد الرحمن هلال يرد عن سورية من قتلوه. وعندئذٍ غط السؤال في بيات عميق، مثله مثل واصف الذي كان يغط في نوم عميق حين أيقظته ثريا بعيد التاسعة باكية، في صباح تائه بين ربيع يودعه وصيف يلاقيه:
 
ـ بابا: ما إجا الباص.
 
وثريا إذن لن تذهب إلى الحضانة. وسوف يكون على واصف أن يرعاها حتى تعود رمزية من المديرية ـ مديرية الصحة ـ بعد ست ساعات. لكن رمزية عادت بعد ست دقائق تهدر:
 
ـ الطرقات مقطوعة يا واصف. لا تكسي ولا باص. خفت أن يأخذوا ثريا إلى الحضانة. لو رحتِ يا ماما كيف كنتِ سترجعين؟ حاولتُ الوصول إلى المديرية. عجزت يا واصف. يقولون: الشيخ يوسف صارم بسلامتك.
Page 6
سأل واصف بضيق:
 
ـ إيه وشو يعني؟
 
فنظرت إليه بحنق، ثم تابعت الهدير:
 
ـ شو يعني؟ يعني قتلوه. يعني خلص، خربت اللاذقية، مثلها مثل حماة ومثل حلب. صارت سوريا كلها مثل لبنان. لا تنس أن الشيخ يوسف علوي. قالوا: هو الإمام، وقالوا: هو المؤذن، والجامع جامع جعفر الصادق، جامع العلويين. بتعرفْ شو يعني أم أزيدكم شرحاً؟
 
تجاهل واصف السخرية، ولبد حتى غادرت رمزية وثريا. عندئذٍ اندفع مثل ثور هائج من باب البيت إلى مدخل البناية الذي لم يكن قد أشبه فم القبر بعد. ومن المدخل إلى أربع وخمسين درجة لن يعدها هذه المرة، فإلى الشارع الذي ما كاد يتوسطه حتى أحس بأن أحدهم يلاحقه، وسيقبض عليه بعد خطوة أو خطوتين، كأن واصف عمران هو من قتل الشيخ يوسف صارم. وأخذت الوساوس تتناهبه:
 
أطلقت الرصاص على المغدور أم طعنته بالسكين؟
 
بالاثنين يا سيدي.
 
صف لنا ما فعلت.
 
كمنت للشيخ أمام بيته يا سيدي، ولما خرج ليرفع الأذان، صحت به: خذ، وأخذ رصاصة في الجبهة، والثانية إلى الأسفل قليلاً، والثالثة في السرة.
 
ثم أيها المجرم: ماذا فعلت؟
 
ثم نصبنا الكمين أمام الجامع يا سيدي. وكالعادة، بكّر الشيخ خوفاً من أن يؤم بالمصلين غيره. صحت به: خذ، وأخذ، أخذ طعنة نجلاء واحدة كانت كافية يا سيدي.
 
لماذا أيها المجرم؟
 
شقت الصيحة سمع واصف، فنطّ عالياً مثل القرد، ونجا من الحجر الذي هشّم زجاج السيارة الرابضة إلى اليمين، واندفع مع من اندفعوا شرقاً. وحين رأى نفسه يكاد يخرج من المدينة تنبه إلى أنه يبدو نشازاً بين أولاء الشباب، فتباطأ، وفجأة هشمت عصاة أحدهم زجاج السيارة الرابضة فوق الرصيف المقابل. وما كاد واصف يصحو من ذهوله حتى تدافع الشبان الغاضبون نحو الدوّار الذي بدا من بعيد يغص بالسيارات.
 
بحذر تقدم هو أيضاً من الدوّار. ولما بلغه التفت خلفاً كأنه يودع المدينة، وإذا بكتف تدفعه وصوت يبربر: يلعن أبو أشرف طايفة ليلحق أبو أرذل طايفة. ولكْ استحوا. ولكْ خافوا ألله. ولك رجعتونا لورا مية سنة. الله يرحم أيام فرنسا. الله يرحم أيام تركيا. واختفى الصوت وصاحبه فيما تفجر به الدوّار: مئات الأذرع تلوح عالياً بعصيّ وسواطير وسكاكين وأسواط وقبضات، والحناجر تنشق منادية بالثأر، وصدر واصف ينشق: أي ثأر هذا يا مجانين؟
 
كان الحشد قد غدا سوراً منيعاً، وإلى اليمين كانت الطريق الخارجة من الدوّار تضيق بالسيارات، مثلما كانت السيارات تضيق بمن فيها، فالكراجات انتقلت إلى هنا: تطوع أحدهم بالشرح لواصف عندما رأى ذهوله. وهمّ واصف بأن يؤكد لرجل أن ما يذهله هو هؤلاء الذين ملأوا السيارات. لكن الرجل اختفى، ففكر واصف بأن المدينة قد هانت على هؤلاء جميعاً، ولعلهم لم يحبوها يوماً. لعلها لم تكن يوماً لواحدهم غير لقمة يزدردها، أو فرجاً يولغ فيه، أو رصيداً، أو دماً يشخب من رأس هذا الشاب الذي لن يقدر واصف على أن ينساه: رأس مدور وحليق وضخم، عينان واسعتان وأذنان أكبر، وسيف ذو شعبتين كأنه ذو الفقار الذي ينادي الشابُ صاحبه. وأعشى سطوع السيف عيني واصف، ثم أعماهما عندما بدأ يتمرى على جلدة رأس الشاب. واصطبغت الجلدة بالأحمر القاني، وطرطش الدم وجوهاً ورؤوساً وقمصاناً. وفي الأصداغ راحت عروق تطق كما تطق الحناجر ثأراً مجيداً: لمن ممّن يا مجانين؟
 
صاح واصف، لكن الخوف حبس صيحته في صدره. وبفضل الخوف زحفت قدماه خلفاً حتى ابتعدتا عن الحشد. وحين تلمستا الأمان أسرعتا نحو دوّار بوقا الذي تشكله الأعمدة المدورة الشاهقة. وهفت عينا واصف إلى ما تحفظان منذ عهد الصبا من كسور الأعمدة في تاج أو خاصرة، لكن سيارة جيب لاندروفر اخترقت الدوّار وربضت أمام العمود السليم الوحيد.
 
من نوافذ الجيب أطلت فوهات الكلاشينات، فتنحى واصف، وإذا بفوهات أخرى تطل من الباب الخلفي للجيب. ويبدو أن خطأ ما قد وقع، فقد يكون خوف واصف انقلب شجاعة عندما أخذ الحشد يملأ الدوار، فتقدم متحدياً الدورية أو متحدياً الحشد. وقد يكون الخوف أدرك الدورية نفسها، أو قد تكون شجاعة أكبر من شجاعة واصف هي ما جعل أحداً من الحشد يتحدى الدورية. ومهما يكن فقد اخترقت سمع واصف رصاصة، بل ثلاث، بل زخة من الرصاص مثل زخة من المطر، وربما مثل زخّة من البَرَد، فتلفت معاتباً ومتأثراً، وإذا بوجه مشرق يقبل من جهة البحر. وكلما اقترب كان يزداد شبهاً بوجه عبد الرحمن. وعندما صار قبالة واصف تماماً، تراءى صاحب الوجه لكثيرين يحمل خابية طافحة بالأرجوان، ويدلقها فوق واصف الذي كان قد ارتمى على الإسفلت يتقيأ دماً، وعندئذٍ خُيّل إليه أن الزمن قد بدأ يخرف فيصير هو النسيان والنسيان هو، كي يستوي يومٌ اغتيل في فجره الشيخ يوسف صارم عام 1979، مع يومٍ سوف يُغتال في ضحاه الدكتور عبد الرحمن هلال عام 1981، مع ظهيرة يومٍ مثل هذا اليوم التائه بين صيف يودعه وخريف يلاقيه ـ وربما بين الفصول جميعاً ـ سوف تستوي فيه حياة واصف عمران مع موته.
Page 7
ـ 1 ـ
 
كان على الصوت المشؤوم أن يخرس حتى أصدق أذنيّ وأتسمّر خلف النافذة الوحيدة في غرفة المدرسين والمدرسات.
 
في الخارج كانت أقدام الطالبات تتدافر وتتسابق نحو البوابة. وخُيِّل لي أن عراكاً نشب ثمة، فاستدرت، وإذا بالغرفة قد خلت، فجررت قدميّ إلى الممر الذي كان يضيق بذعر الطالبات.
 
بعد خطوات توقفت وقد عاد الصوت المشؤوم يتفجر بقتيل على الأقل، وبما لا يمكن عدّه من الجرحى، في مدخل المدينة من جهة جبلة، مرة، ومرة على الكورنيش، ومرة في رأسي الذي تركني لبلاهتي، وصدّق أن الأستاذ واصف عمران بين الضحايا!
 
هل كنت وحدي من سمع نعيق البومة؟!
 
على الصمت الذي غلّنا فجأة، مثل الرعب، صحوت، وإذا بنا نتكوم خلف البوابة الموصدة: المديرة الست جميلة تتصدر لمّة من الطالبات، إلى اليمين لمّة أصغر تنبق فيها رؤوس عدد من الزميلات والزملاء، إلى اليسار أمينة المخبر وأنا والبواب الذي تمتم حاسداً من سبقونا في الخروج. ومثل لحنٍ مرتبك أخذت أصداء الرصاص تتموج وتتصاعد وتتقطع، كأنها تلوّح لنا من بعيد.
 
تلفتت أعناقنا متوسلة مثل همهماتنا وخرسنا، وراعني أنْ خُيِّل لي أنّ العيون تتعلق بي. وما كادت الهدأة تعود حتى تعالى الخبط على البوابة الحديدية، فتدافعت الطالبات، واختفت الست جميلة وأمينة المخبر وزميل أو زميلة على الأقل، وحشرج البواب بالسؤال عمّن يكون الطارق، ودوّت الصيحات خارج البوابة:
 
ـ افتح يا حمار.
 
فحشرجتُ بالأمر وأنا أدفع البواب:
 
ـ يا أخي افتحْ وخلّصنا.
 
وفجأة وجدت نفسي وحيداً وسط الشارع العريض، تماماً مثلما وجدت نفسي وحيداً على رصيفه الضيق هذا الصباح.
Page 8
ـ 2 ـ
 
كنت قد خرجت من البيت مبكراً فجبهوني بمصرع الشيخ يوسف صارم: جار من الطابق الأول، جار من البناية المجاورة، الفوّال، وكل من صادفت بعدئذٍ من الوجوه العابسة والسيارات النادرة، طوال الطريق من أقصى شرق المدينة حيث أسكن: خمسون دقيقة تستغرقها رحلتي الصباحية عادة، لكنها تطاولت اليوم حتى نافت على سبعين دقيقة، فتأخرت عن الدرس الأول لأول مرة، منذ عملت في دار المعلمات قبل أربعة أشهر تقريباً.
 
عندما بلغت حيّ المشروع الأول فكرت بالعودة إلى البيت، فتباطأت، بينما تعلقت عيناي بما يظهر من المقبرة، ثم زحفنا إلى ذروة التلّة التي يلطو على جانبها المخفي بيت واصف.
 
ولما عجزتا عن أن تسبرا التلة، اكتشفتُ أنني أقابل نادي حطين، وجهاً لوجه، فزهدت في العودة، وتابعت السير أسرعَ فأسرعَ. وقبل أن أبلغ دار المعلمات كانت الشوارع قد أخذت تخلو، وبالطبع، ما كان يسيراً من بعد، أن تنتظم الدروس، ولا أن ينتظم الجلوس بين درس ودرس في غرفة المدرسين والمدرسات، ولا في غرفة الست جميلة، إلى أن جلجل الصوت المشؤوم.
 
لم أكن وحدي من سمع نعيق البومة. لا بد أن هؤلاء الشبان الذين كادوا أن يحطموا البوابة الحديدية الموصدة الهائلة، قد سمعوا أيضاً، ولولا ذلك لما كانت وجوههم تتفجر بالألوان: الحمرة المدماة والصفرة المسممة والسمرة الحارقة وملوحة النسائم البحرية. كانت ألوانهم أكبر غضباً من أصواتهم. ولعل ذلك ما جعلني أستنجد بواصف، وأنغرس في حفرة البلاطة المنهوبة من الرصيف، بانتظار صوته أو طلّته، حتى باغتني اختفاء الجميع، فانقذفت إلى وسط الشارع الذي راح يقذفني يمنةً ويسرةً. ولما استطعت أن ألتفت خلفاً، كانت دار المعلمات قد باتت بعيدة: إذن باتت ساحة السمك قريبة.
 
على الرغم من ابتهاجي بالاسم الجديد للساحة (ساحة أوغاريت)، إلا أنني لم آلف الاسم الجديد الجليل. ولكن ماذا يعني ذلك إزاء الأصوات التي تصخب وتشتبك أمام الفرن، مثلما تصخب وتشتبك أصوات الرصاص في السماء الزرقاء الصافية، كأن ليس من أمر يجري تحتها؟
 
لم يكن للسمك من أثر في الساحة، سوى بقية من رائحة. ولم يكن من أثر للحياة في الساحة لولا من اندسست بينهم أمام الفرن.
 
بدلاً من الخبز البارد أو البائت الذي تحضره صفا من دكان سامي في آخر الحارة، سأحضر لها الخبز الطازج والساخن. سأشتري كيلوين إضافيين لواصف، فكل ما جلجل به الصوت المشؤوم، وكل ما نعقت به البومة، كذب في كذب. لكن هذا العجوز الأخرق الذي وقفت خلفه يصيح بالذي يقف أمامه:
 
ـ الرجل كان يبصق دماً.
 
ـ يا أخي: قتيل نام فوق قتيل.
 
صاح صوت من أول الطابور، فلاقاه صوت من خلفي:
 
ـ الرصاصة خردقت واحد ثاني، والثاني ارتمى على الأستاذ.
Page 9
أجفلني ذكر الأستاذ، فالتفتّ إلى صاحب الصوت، لا لأسأله عمن يقصد، بل لأسأله بالضبط عما إن كان يقصد الاستاذ واصف عمران. لكن صاحب الصوت خاطب الآخرين من فوقي:
 
ـ يا شباب أعطوا الدور للأستاذ.
 
ولا بد إذن أن أكون من ارتمى عليه القتيل، لولا أنّ شفتي تمتمتا بالشكر، وساقيّ حملتاني إلى رأس الطابور. لكنني لم أشتر لواصف رغيفاً، بل اكتفيت بعشر أرغفة لصفا ثم غادرت الساحة مهرولاً، بل غادرتها عَدْوَاً، نادماً على أني لم أصحح للطابور خطأه، فأنا لم ألجأ إليه كرمى للخبز. ربما نشدت الأمان، ولا بد أني كنت أنشد خبراً عن واصف، ولكن لماذا هذا كله وبيت واصف صار قريباً؟
 
لعل صفا تكون قد عادت الآن من المكتبة، وعرجت على الروضة لتحضر منها وحيدنا الملعون: عمرو. ولكن أنّى للمكتبة أن تفتح بابها، أو للروضة أن تفتح بابها، مادام الرصاص يدوي ملء المدينة! أما أنا، فلن أنتظر حتى أفاجئ صفا بالخبز الساخن الطازج. لا بد أن أعرج أولاً على بيت واصف، ولتكن هذه الأرغفة له. هل يعقل أن أدخل إلى بيته لأول مرة منذ شهور، فارغ اليدين؟ سوف يزداد قلق صفا كلما تأخرت في العودة. لكنها ستسامحني عندما تعلم بزيارتي لبيت واصف. صفا لم تقاطع رمزية كما قاطعتُ أخي. ورمزية لم تقاطع صفا كما قاطعني أخي. والآن، ما بقي عليّ إلا أن أنعطف لأتابع السير في شارع المالكي حتى أبلغ الدرج الذي سيحملني إلى بيت واصف.
 
بعد قليل، بعد قليل جداً، سأتيقن من خبره. ولأنه سليم ومعافى ـ ما من ريب ـ فلا أثر للقلق في خطواتي. لست قلقاً على الرغم من الارتياب بخلو الشارع تماماً. هذا هو مدخل المدرسة الأرمنية. حسناً. وهناك، على الرصيف المقابل دكان الحلاقة الذي عمل فيه حنا مينه، ولذلك صرت وواصف من زبائنه قبل أن يحمل واحدنا البكالوريا. وفجأة خرج من مدخل المدرسة الأرمنية قسّ في مثل سنّي، ويحمل حقيبة مثل حقيبتي، وفجأة سقطت الأرغفة مني، وأنا أسأل يدي عن حقيبتي: هل تركتها في غرفة المدرسين والمدرسات أم في غرفة الست جميلة؟ هل تركتها على الأرض عندما ناولني الفرّان الأرغفة؟ إلى جهنم.
 
إلى جهنّم بالحقيبة، وما تكتنز من أوراق الطالبات، ودفتر درجاتهن، وهذه الأرغفة: دعوت واندفعت صعداً وعيناي كأنفاسي ترجمان كل ما تصادفان: الدكاكين المغلقة، خشب النوافذ المتهالكة، الخضرة الهاجمة من سفح التلة، مئذنة المغربي، خزان المياه، شجرة الأكاسيا، الشرفة المطلة على الدرج العريض: ها هنا كانت جلستي الأخيرة مع واصف قبل سبعة أشهر تقريباً.
Page 10
ـ 3 ـ
 
لأول مرة، ومنذ سنوات، سوف نقضي معاً كل هذا الوقت المترامي من المغيب الوشيك إلى الصباح البعيد، قل: إلى الضحى البعيد، قبل أن يحضر أحد.
 
لن تكون رمزية أول الحاضرين. اطمئنْ. لكني أظن أن حبيب قلبك الأثرم سيبكر ليطمئن على صهره الغالي. أظن أنه سوف يحضر معه ثريا، اطمئن. كان حموك آخر من غادر. لا يهم، لكن رمزية كانت أول من غادر. هذا أيضاً ليس مهماً. ما المهم يا أخي؟
 
حكمت الدكتورة السمراء العبلاء ـ ماذا كان اسمها؟ ـ بأن عينيك سوف تظلان مغمضتين، وشفتيك سوف تظلان ملتحمتين، ربما حتى الصباح. بالأحرى، حكمت الدكتورة عليّ بالصمت والكلام معاً، وبالسهر والنوم معاً. لماذا لا أعترف بأنني نادم الآن على إصراري على البقاء معك هذه الليلة؟ يكفي ما قضيته مرابطاً أمام باب غرفتك المغلقة منذ الظهر. لماذا انتفختُ وتنافخت وأقسمت على ألا أفارقك حتى تخرج من هذا المستشفى مثل الحصان؟
 
منذ متى تستثار حميتك يا يزن عمران؟
 
كان على إدارة المستشفى ألا تستجيب لرغبتي، فلا تسمح لي بالمرابطة قبالتك، لا يفصلنا إلا جدار أبيض، وباب أبيض، وأنفاس بيضاء، ونظرات بيضاء، تملأ هذا الممر الأبيض الذي ما عاد يظهر فيه إلا أخوك ابن أبيك ـ وليس ابن أمك وأبيك ـ وهذه الكراسي الجلدية السوداء المرشوشة زوجاً زوجاً.
 
لن ينجو زوج منها من جلوسي. لن أجلس متخشباً كما فعلت منذ الظهر حتى اختفى حبيب قلبك الأثرم وهو يوصيني بك. سوف أجلس مسترخياً. حتى أنفاسي سأجعلها مسترخية، كي يكون بوسعي أن أصبر عليك خمس عشرة ساعة على الأقل. بعد ذلك ـ مباشرةً ـ سيكون عليك أن تستعيد وعيك، وأن تبصر وتسمع وتتكلم وتتحرك وتكذّب الدكتورة السمراء العبلاء، فالخطر لن يلازمك ثمانٍ وأربعين ساعة. ينبغي أن تغادر هذه الغرفة. دعنا من العناية المشددة وما أدراك ما العناية المشددة. عليك أن تنتقل إلى أي من غرف المرضى المحتشدة هناك، حيث يتعامد هذا الممر مع الممر الأقل بياضاً وطولاً وعرضاً. وهناك، ستكون في منجاة من الخطر. سيكون بوسعي أن أستنطقك: ما الذي جرى يا واصف؟
 
ما الذي حملك إلى ذلك الدوّار؟
 
ما الذي حشرك في المظاهرة.
 
لا لا، ليس هذا ما عليك أن تحدثني به.
 
سوف تحدثني عن الرصاص. من أطلق الرصاص عليك يا أخي؟ سوف تحدثني عن رصاصة بعينها: هل رأيتها وهي تنقذف إليك؟ هل رأيت البندقية التي قذفتها؟ الإصبع؟ الوجه؟ العين؟ الطعم؟ الرائحة؟ أم إنها غدرتك وغافلتك واخترقت صدرك فجأة؟ سوف تحدثني عن الألم، الثقب، الدم، الإغماء، الخوف، لا تقل لي إنك لم تخف. أنا أعترف الآن، كما اعترفت دوماً، أنك أشجع مني، وأني أجبن منك، ولكن من لا يخاف من الرصاص يا واصف؟
 
دعني أكرر عليك حكايتي مع الرصاص، الوقت أمامنا طويل. الآن أفكر أنها حكايتي مع السلاح. لا تنسَ أنني خدمت العسكرية، وأنني قضيت في مدرسة المشاة في المسلمية ـ قريباً من حلب ـ تسعة أشهر من التدريب قبل أن أصبح ضابطاً مجنداً كما كنت أنت في الإدارة السياسية: دبّورة على كل كتف، تماماً مثل عمر الشريف في فيلم (في بيتنا رجل). رحم الله إحسان عبد القدوس وزمن الأبيض والأسود.