eKtab
EN ع
مضيق هرمز والصراع الأمريكي الإيراني
Read free sample

مضيق هرمز والصراع الأمريكي الإيراني

by علي ناصر ناصر

Page 1
الفصل الأول

أهمية مضيق هرمز في الاقتصاد الدولي وأثره على المصالح الإيرانية والأميركية

سيُعنى هذا الفصل بالجغرافيا السياسية لمضيق هرمز، ليشمل الأهمية التاريخية للموقع- على الرغم من المتغيرات السياسية والعمليات العسكرية التي حدثت في المنطقة-والدور على مر العصور حتى وقتنا الحاضر، مركزاً بشكل أساسي على مرحلتين: المرحلة الأولى أثناء الاحتلال البريطاني للمنطقة حتى عام 1971، والمرحلة الثانية تبدأ مع الانسحاب البريطاني، وسيطرة إيران على جزر هرمز الثلاث (أبو موسى، طنب الكبرى، وطنب الصغرى).

سيعتمد كذلك وصفاً دقيقاً للموقع الجغرافي للمضيق من حيث الطول والعرض والجزر المنتشرة فيه، ثم ستكون كلمة عن وضعه القانوني حسب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والنظام الذي يحكم حركة الملاحة خلاله عارضاً لآراء دول الخليج كافة حوله من الناحية القانونية.

سنتناول أيضاً الحركة الاقتصادية في المضيق من خلال استعراض الكميات النفطية المتدفقة عبره إلى الدول الغربية والدول الصناعية الكبرى، والمصالح الاقتصادية لهذه الدول في منطقة الخليج بالإضافة إلى المصالح الإيرانية ومصالح دول الخليج العربية التي تمر عبره لتأخذ شكل صادرات نفطية، وشكل وارداتٍ أساسيةٍ تؤمن الإحتياجات الضرورية لهذه الدول.

ستتمّ معالجة مسألة إغلاق المضيق والخيارات البديلة بالنسبة إلى دول الخليج العربي وإيران، وهل أنّ هذه الخيارات، سواء عبر تمديد أنابيب نفط تمر في البحر الأحمر، أو في خليج عُمان، يمكن أن تؤمن بدائل عن إغلاق المضيق.

بناءً لما تقدم قُسّم الفصل إلى أربعة مباحث: المبحث الأول: الجغرافيا السياسية لمضيق هرمز. والمبحث الثاني: الوضع القانوني لمضيق هرمز. والمبحث الثالث: المصالح الدولية في مضيق هرمز. والمبحث الرابع: إغلاق المضيق والخيارات البديلة.
Page 2
المبحث الأول

الجغرافيا السياسية لمضيق هرمز

الجغرافيا السياسية هي حقل الدراسة الذي تتواجد فيه السياسة والجغرافيا، فيتداخلان ويؤثران في بعضهما بعضاً؛ هي العلم الذي يبحث تأثير الجغرافيا على السياسة أي الطريقة التي تؤثر بها المساحة، التضاريس، والمناخ على أحوال الدول والناس.

بسبب الجغرافيا كانت أثينا إمبراطورية بحرية، وبسبب الجغرافيا أيضاً تمتعت الجزيرة البريطانية في القرن الثامن عشر بحُرية الملاحة في البحار(1)، وبسبب الجغرافيا أصبح مضيق هرمز المركز الذي يغير سياسات دول، ويؤسس لتحالفاتٍ جديدةٍ، وينذر بتهديدات حروب مستقبلية، وتحوم حوله التحالفات والرؤى الإستراتيجية، فتقترب الدول المتخاصمة أيديولوجياً لالتقاء مصالحها فيه، وتبتعد الدول المتقاربة أيديولوجياً لابتعاد مصالحها في المضيق.

الفقرة الأولى: الموقع الجغرافي لمضيق هرمز

يقع مضيق هرمز بين دائرتي عرض 25 و 27 درجة شمالاً وبين خطي طول 55 و 57 درجة شرقاً، ويصل ما بين الخليج العربي، وهو بحرٌ شبه مغلقٍ، وخليج عُمان، وهو بحرٌ مفتوح، وكلاهما يشكل لساناً بحرياً متصلاً بالمحيط الهندي، تُشرف إيران على ساحله الشمالي والشرقي، بينما تشرف سلطنة عُمان على ساحله الجنوبي والغربي، بالإضافة إلى الإمارات العربية المتحدة التي تشرف على جزء بسيط من ساحله الجنوبي.
Page 3
أولاً: حدود المضيق وعمقه

تبدأ الحدود الشمالية الغربية لمضيق هرمز من الخط الذي يصل رأس الشيخ مسعود في شبه جزيرة مسند العُمانية بجزيرة هنجام الإيرانية، مروراً بجزيرة قشم حتى الساحل الإيراني، وهذا الخط هو الذي يفصل مضيق هرمز عن الخليج العربي، ويبلغ طول هذه المسافة 28 ميلاً بحرياً.

تمتد الحدود الجنوبية الشرقية لمضيق هرمز من رأس دبا على ساحل الإمارات العربية المتحدة إلى دماجة على الساحل الإيراني، وهذا الخط الذي يصل طوله إلى 52.5 ميلاً بحرياً هو الذي يفصل المضيق عن خليج عُمان(2).

يبلغ طول مضيق هرمز 104 أميال بحرية إذا قيس من منتصف المسافة بين الشاطئين، أمّا عرض المضيق فيصل إلى 525 ميلاً بحريّاً عند الخط الذي يصل رأس دبا بمنطقة دماجة، وهذا أقصى عرض له، وتقع أضيق نقطة في المضيق بين جزيرة سلامة الكبرى العُمانية وجزيرة لاراك الإيرانية حيث تصل إلى 20.75 (3) (أنظر الشكل رقم 1 ص 23).

يتراوح العمق في المضيق ما بين 40 و 50 قامة مع عمق يبلغ 80 قامة عند جزيرة مسندم العُمانية(4) وعمق المياه عند الجانب العربي هي أكبر منها عند الجانب الإيراني وهذا على خلاف ما هو الحال في الخليج العربي حيث المياه على الجانب الإيراني أكثر عمقاً منها على الجانب العربي.

ثانياً: أهم الجزر التي يضمها المضيق

يحتوي المضيق على العديد من الجزر التابعة لكل من دولتي عُمان وإيران (أنظر شكل رقم 2 ص24) وهناك عدد من الجزر الواقعة على جانبي المضيق، وهي صغيرة الحجم بحيث لا يتجاوز ارتفاعها عن سطح البحر بضع أقدام.

أ-الجزر التابعة لسلطنة عُمان

أهم الجزر التابعة لسلطنة عُمان هي جزيرة سلامة وبناتها، التي تسمى بالمراجع الأجنبية (The Great and litlle quoins)؛ والتي تقع في وسط المضيق إلى الشمال الشرقي من جزيرة مسندم، وتكمن أهمية جزر سلامة وبناتها في كون المسافة التي تفصلها عن جزيرة لاراك الإيرانية هي الأضيق اتساعاً في المضيق، التي على السفن جميعها الداخلة والخارجة منه أن تمر خلالها.

ب- الجزر التابعة لإيران

أهم الجزر على الجانب الإيراني هي جزيرة قشم أكبر جزر الخليج العربي، تقع إلى الشمال الشرقي منها جزيرة لاراك وهي في وسط المضيق تماماً، أمّا جزيرة هرمز فتقع إلى الشمال من قشم وهي الجزيرة التي قامت عليها مملكة هرمز.
Page 4
ثالثاً: مضيق هرمز والخليج العربي

يشكل المضيق المنفذ البحري الوحيد لدول الخليج العربي، عن طريقه تتصل هذه البلدان بأعالي البحار، حيث تعبره يومياً عشرات ناقلات البترول المتجهة إلى مختلف دول العالم، ومن خلاله أيضاً تؤمن النسبة الأعلى من احتياجاتها المختلفة. تتباين الأقطار الساحلية الثمانية الواقعة على الخليج العربي،-العراق، المملكة العربية السعودية، الكويت، البحرين، قطر، الإمارات العربية المتحدة، عُمان، وإيران-، تبايناً كبيراً فيما تملكه من سواحل مطلةٍ عليه.

أ-المنافذ البحرية للدول العربية

تملك الإمارات العربية المتحدة ساحلاً هو الأطول بين الدول العربية المطلة على الخليج العربي، يبلغ 420 ميلاً بحرياً، ثم المملكة العربية السعودية، وتطل على 296 ميلاً بحرياً، ثم قطر ويبلغ طول ساحلها 204 أميال بحرية، والكويت 115 ميلاً بحرياً، والبحرين 68 ميلاً بحرياً، ثم عُمان 51 ميلاً. يملك العراق أقصر ساحل على الخليج العربي حيث يبلغ طول ساحله البحري 10 أميال بحرية، وهو في الوقت نفسه أقصى أقطار الخليج العربي موقعاً بالنسبة إلى مضيق هرمز(5).



شكل 1 حدود مضيق هرمز(6)

تحدّ إيران الخليج العربي من الشمال والشرق، بينما تحده من الجنوب والجنوب الشرقي كل من عُمان والإمارات العربية المتحدة، و من الغرب والجنوب الغربي كل من المملكة العربية السعودية وقطر، وتقع كل من الكويت والعراق على أطرافه الشمالية الغربية، بينما تقع البحرين ضمن مياه الخليج العربي شمال قطر.

لطالما كان الخليج العربي، وبالتبعية مضيق هرمز يشكل أهمية حيوية بالنسبة إلى سائر البلدان المطلة على سواحله، فإن هذه الأهمية تتفاوت من قُطر إلى آخر، بالنسبة إلى العراق-الذي لا يملك منفذاً بحرياً إلى الخليج سوى الأميال العشرة عبر شط العرب-أهميته أكثر حيوية مقارنة بالسعودية التي تملك ساحلاً على البحر الأحمر يبلغ طوله 1020 ميلاً بحرياً.

أما أهميته بالنسبة إلى الكويت-التي لا تملك ساحلاً على أي بحر سوى الخليج العربي-فهي غير أهميته بالنسبة إلى عُمان التي تملك 1005 أميال بحرية على خليج عُمان بالإضافة إلى قطر والبحرين اللتين تقتصر سواحلهما على منطقة الخليج العربي.



شكل 2 أهم الجزر في مضيق هرمز(7)

ب-المنافذ البحرية لإيران

تملك إيران أطول السواحل المطلة على الخليج العربي وتبلغ 635 ميلاً بحرياً، بالإضافة إلى ذلك لديها أيضاً ساحل مطل على خليج عُمان. تقع على مدخل الخليج العربي من جهة مضيق هرمز ثلاث جزر هي جزيرة طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبو موسى ويطلق عليها اسم جزر هرمز لموقعها الهام والإستراتيجي في القدرة على التحكم بالملاحة في المضيق المذكور.

تقع جزيرة أبو موسى في الجانب العربي من الخط الفاصل بين الساحل الإيراني والساحل العربي على بعد نحو 50 كيلومتراً من بر شبه الجزيرة العربية و65 كيلو متراً من إيران، أما طنب الكبرى فهي أقرب إلى الساحل الإيراني منها إلى الساحل العربي حيث تقع على بعد نحو 25 كيلومتراً من قشم ونحو 65 كيلومتراً من سواحل شبه الجزيرة العربية، أما طنب الصغرى فتقع على بعد 32 كيلومتراً من جزيرة قشم ونحو 72 كيلومتراً عن برِّ شبه الجزيرة العربية(8).

تشكل الجزر الثلاث موضع نزاع قانوني بين الإمارات العربية المتحدة التي تدعي ملكيتها لهذه الجزر وإيران التي تسيطر علىها منذ عام 1971، ذلك بعد الانسحاب البريطاني مباشرة من منطقة الخليج.

ج-النفط في الخليج العربي

يضم الخليج العربي حوالى 60 % من الاحتياط العالمي للبترول ويغطي 70 % من احتياجات العالم الغربي وحوالى 90 % من الاستهلاك الياباني ، فهو يعتبر بحق مستودعاً للنفط، وأكثر مناطق العالم خطراً(9) بفعل هذه الكمية النفطية التي يحتويها، والتي تمر عبر مضيق هرمز لتشكل الوقود الرئيسي المحرك للنسبة الأكبر من اقتصادات العالم.
Page 5
الفقرة الثانية: أهمية مضيق هرمز عبر التاريخ

منذ القدم، أي منذ ما قبل الميلاد بسبعة قرون لعب مضيق هرمز دوراً تجارياً وسياسياً هاماً كممر تجاري وبحري رابح للقوى التي تسيطر عليه، وكان موضع صراع عنيف بين قوى الاستعمار الأجنبي والقوى المحلية التي تحيط بشواطئه.

أولاً: الأهمية التاريخية للمضيق

يتوسط المضيق شبكة من الطرق البحرية التي تصل الشرق بالغرب- تصل الهند ودول شرق آسيا في الشرق بالبحر الأبيض المتوسط ودوله في الغرب- ويشكل معبراً للقوافل التي تجتاز الخليج العربي، وشط العرب، ثم براً نحو البحر الأبيض المتوسط، ثم بواسطة السفن إلى الدول الأوروبية؛ واستمرت أهمية المضيق كممر تجاري يصل الشرق بالغرب حتى القرن الأول قبل الميلاد حينما سيطر الرومان على سوريا ومصر ونجحوا في تحويل التجارة إلى طريق البحر الأحمر(10).

أ- المضيق في العهد الروماني والفارسي

يحدثنا التاريخ أن الحركة التجارية ما بين منطقة الخليج وإمبراطوريتي الهند والصين قد نشطت في العهد الروماني بحيث أن الإتجار بالمنتوجات الزراعية والتمور والحلي والمجوهرات والتوابل كانت مزدهرة على طول الموانئ في الخليج.

لكن مع تضعضع الإمبراطورية الرومانية، وانشطارها إلى دولتين شرقية وغربية، وبروز الإمبراطورية الفارسية الساسانية واشتداد شوكتها، حيث فرضت سيطرتها البرية والبحرية، فقد شجعت الملاحة في الخليج، وأسست موانئ بحرية وازدهرت التجارة في منطقة هرمز طوال القرون الأولى للميلاد وحتى مجيء الإسلام في القرن السابع الميلادي.

ب- المضيق في العصر الإسلامي

مع الدولة العربية الإسلامية التي امتدت من شواطىء المحيط الأطلسي في الغرب حتى آسيا الوسطى في الشرق مروراً بالمحيط الهندي، عاد الازدهار إلى منطقة المضيق خصوصاً في فترة الحكم العباسي.

عندما أصاب الوهن الخلافة العباسية في القرن العاشر الميلادي، نشأت العديد من الحركات الانفصالية على امتداد هذه الإمبراطورية التي ارتبطت ارتباطاً اسمياً ببغداد- كانت في الواقع أقرب إلى كيانات سياسية مستقلة-واستمرت تعاني من التجزئة في القرون الثلاثة اللاحقة حتى قضى هولاكو عليها وقتل المعتصم بالله سنة 1258م، حيث كانت سلطنة هرمز إحدى الدول التي نشأت عن تقسيم الخلافة العباسية(11).
Page 6
ثانياً: مملكة هرمز قلب العالم

بالنسبة إلى مملكة هرمز ينبغي التمييز بين هرمز القديمة وهرمز الحديثة، فهرمز القديمة تقع في البر الأصلي على الساحل الشرقي للخليج العربي، وكانت من أهم وأقوى التنظيمات السياسية والتجارية في تلك الحقبة، أمّا هرمز الجديدة فقد تأسست على جزيرة هرمز في الخليج العربي.

أ-مملكة هرمز القديمة

تأسست المملكة الأولى في القرن العاشر وأصبحت مع بداية القرن الحادي عشر مركزاً ريادياً على صعيد الاقتصاد والتجارة البحرية حتى سقوط الدولة العباسية على يد المغول، فلم تسلم هذه المملكة من الدمار، فتمكن المغول عام 1301 من تدميرها والاستيلاء عليها بعد غارات متواصلة ومستمرة.

هذه المملكة زارها الرحالة الإيطالي الشهير ماركو بولو عام 1292، وقدم وصفاً عنها وعن حركتها التجارية حيث ذكر «أن التجار يأتون من الهند بسفن محملة بالتوابل والأحجار الكريمة واللؤلؤ وأقمشة الحرير والذهب والعاج وبضائع أخرى كثيرة حيث يبيعونها لتجار هرمز، وهؤلاء بدورهم يحملون هذه الأشياء إلى جميع أنحاء العالم لبيعها».

ب-مملكة هرمز الجديدة

دفعت غارات المغول المدمرة سكان مملكة هرمز إلى أن يتركوا مدينتهم في البر الأصلي إلى جزيرة قشم وأخيراً إلى جزيرة جيرون وهو الاسم القديم لجزيرة هرمز.

أخذت هذه المدينة، مع مرور الزمن، تنتعش وتستعيد مجد هرمز القديمة، ونمت هرمز الجديدة وأصبحت عاصمة لأكبر تنظيم سياسي وتجاري شهدته منطقة الخليج العربي، وشملت أجزاء من السواحل الشرقية للخليج العربي، وكذلك سواحلها الغربية وامتد نفوذها الإداري حتى البصرة في بعض الفترات، واستمرت حوالى مائتي عام إلى أن استولى عليها الاستعمار البرتغالي(12).

ج- المضيق وازدهار مملكة هرمز

يعود ازدهار مملكة هرمز القديمة التي تأسست على البر الأصلي،- وأيضاً ازدهار مملكة هرمز الجديدة التي تأسست على جزيرة هرمز في المضيق-، إلى الموقع الإستراتيجي للمضيق في حركة التجارة الدولية.

هذا الازدهار والمكانة التجارية، كتب عنهما الرحالة ابن بطوطة حيث قال: «ثم سافرت من بلاد عُمان إلى بلاد هرمز، وهرمز مدينة على ساحل البحر، وتسمى أيضاً موغ أستان، وتقابلها في البحر هرمز الجديدة وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ، ووصلنا إلى هرمز الجديدة وهي جزيرة مدينتها تسمى جرون، وهي مدينة حسنة كبيرة لها أسواق حافلة وهي فرس الهند والسند ومنها تحمل سلع الهند إلى العراقيين وفارس وخرسان»(13).

يستفيض إبن بطوطة بوصف أهل المملكة وملكهم وطريقة حياتهم وأوضاعهم الاقتصادية، حيث زارها عندما كانت في أوج انتعاشها وأعلى مراحل ازدهارها في الفترة من 1325 إلى 1349.
Page 7
ثالثاً: التنافس الدولي للسيطرة على هرمز

عندما وصل البرتغاليون مطلع القرن السادس عشر إلى منطقة الخليج العربي كانت مملكة هرمز من أهم وأقوى التنظيمات السياسية والتجارية، بحيث تسيطر على بعض المدن في سواحل عُمان والبحرين وتعج بالثروات التجارية، لذلك أصبحت هدفاً للبرتغاليين.

كانت هرمز قد ذاع صيتها وأصبح يضرب فيها المثل على الثراء، ويعرفها رجل الشارع الأوروبي باعتبارها جوهرة العالم، وأن من يمتلكها يمتلك العالم، هذه الشهرة دفعت الشاعر البريطاني المعروف جون ميلتون أن يصفها في بيت من الشعر قال فيه: إذا كان العالم مجرد خاتم فإن هرمز هي جوهرته(14).

أ-السيطرة البرتغالية على الخليج

أدرك البرتغاليون أهمية هذه الجزيرة وأدركوا أهمية المضيق باعتباره المصدر الرئيسي لازدهارها وازدهار منطقة الخليج بشكل عام. استولى البرتغاليون على جزيرة هرمز في عام 1507 وأحكموا سيطرتهم الاقتصادية والسياسية على منطقة الخليج، وبنوا القلاع على طول الشواطئ وحصنوها، وسيطروا بشكل مطلق على خطوط الملاحة حتى عام 1622.

تعرض البرتغاليون إلى العديد من الثورات المتنقلة على امتداد الخليج العربي بالإضافة إلى المقاومة المحلية من قبل مسقط وهرمز، وكذلك حاول العثمانيون السيطرة على منطقة الخليج وحاصروا هرمز إلا أنهم عجزوا عن إسقاطها وهُزموا على يد البرتغاليين، فتركوا شؤون الخليج وأوضاعه.

لقد حاولت الدولة الصفوية في إيران أكثر من مرة السيطرة على هرمز وجردت لذلك الأساطيل لكنها لم تنجح إلا بعد التحالف مع البريطانيين الذين قرروا مقاومة البرتغاليين حتى تخلص لهم تجارة الخليج، فعقدوا حلفاً مع إيران وهاجموا هرمز – بعد أن اتفقوا على اقتسام عوائدها بينهما - وانتهت المعركة باستسلام البرتغاليين في 21 نيسان/أبريل 1622 وأقاموا وكالة لهم في كوبخ على الساحل الفارسي.

كما تولّى سلطان بن سيف اليعربي طرد البرتغاليين من مسقط في 23 كانون الثاني/يناير عام 1650 (15). إن سقوط البرتغاليين على أيدي الفرس والبريطانيين في هرمز كان نتيجة لسلسلة من العمليات البحرية والعسكرية التي قامت بها بريطانيا على مدار سنوات عديدة وفي مناطق مختلفة على امتداد المحيط الهندي مدعومة بذلك من الهولنديين الذين هاجموا مواقع عديدة للبرتغاليين واستطاعوا أن يلحقوا الهزيمة بهم في مياه الخليج.

ب- الهولنديون يتنازعون السيطرة مع البريطانيين

شهد القرن السابع عشر سيطرة هولندية على التجارة والطرق البحرية واتخذوا مركزاً تجارياً لهم في بندر عباس، وأقصوا البريطانيين والفرس، واتسمت سياستهم بالعدائية، واستخدام القوة في حل النزاعات.

اندلعت صراعات عديدة بينهم وبين البريطانيين على فترات متفاوتة من القرن السابع عشر، إلا أن ذلك لم يحل دون بقائهم في الخليج وسيطرتهم على تجارة الحرير والتوابل واللؤلؤ الخليجي، لكن بعد العديد من الضربات التي وجهت إليهم من أبناء المنطقة، خرج الهولنديون من الخليج عام 1765 كقوة أساسية، لكن بقيت لهم بعض الصلات التجارية مع أبناء المنطقة.

ج- الصراع الفرنسي البريطاني في الخليج

مع خروج الهولنديين من الخليج صفا الجو السياسي لبريطانيا صاحبة القوة والسيادة البحرية، تحركت فرنسا المنافس التقليدي لبريطانيا في محاولة أن تجد لها موقع قدم في الخليج.

إن الطموحات الفرنسية البحرية في موانئ الخليج تبلورت بعقد اتفاقيات مع القوى الإقليمية والمحلية، كانت تهدف إستراتيجياً إلى قطع الطريق البحري على بريطانيا الهادفة إلى السيطرة على الهند. وممّّا زاد من مستوى القلق البريطاني سيطرة فرنسا بقيادة نابليون بونابرت على مصر فتوجست بريطانيا من أن يكمل نابليون طريقه من مصر إلى سوريا ثم بغداد فالبصرة فيصل إلى الخليج العربي مهدداً الطريق من الهند.

بدأت بريطانيا تتحرك ووقعت عدة اتفاقيات مع القوى المحلية خصوصاً مع سلطان مسقط وذلك في عام 1798، ثم أعقبتها معاهدة مع شاه إيران عام 1801 أكدت ميل الشاه نحو بريطانيا، ثم أقدمت بريطانيا على انتزاع جزيرة موريشوس من أيدي الفرنسيين عام 1811، بذلك أصبح واضحاً منذ أواخر العقد الأول من القرن التاسع عشر أن الإنكليز سوف تنعقد لهم السيادة البحرية في المحيط الهندي(16).
Page 8
رابعاً: بريطانيا تفرض نفسها في الخليج

فرضت المكانة التجارية للهند نفسها في صنع السياسة البريطانية في منطقة الخليج؛ فالهند أمنت الموارد البشرية للجيش البريطاني وزودت الأمبراطورية البريطانية بما تحتاجه اقتصادياً، وقد شكل الخليج ومن ضمنه مضيق هرمز المعبر الأساسي لهذه الموارد وأحد الطرق الملاحية الأهم التي تغذي الأسواق البريطانية بالسلع الضرورية.

أ-بريطانيا وشركات الهند الشرقية

أخذت السياسة البريطانية في الخليج اتجاهين: الحملات العسكرية على القوى المحلية في الخليج من جهة والاتفاقيات والمعاهدات معها من جهة أخرى، هذا ما ميّز السياسة البريطانية طوال فترة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

تبقى ملاحظة هنا أن القوى البرجوازية الأوروبية قامت بتأسيس شركات الهند الشرقية لكسر الاحتكار البرتغالي لتجارة الشرق، هذه التجارة كانت تدرّ أرباحاً طائلةً على البرتغاليين الذين مارسوها من خلال شركة الهند الشرقية البرتغالية(17).

أبرز الشركات التي أنشأتها تلك البرجوازية شركة الهند الشرقية الهولندية، وهي شركة تأسست بقرارٍ من التجار الهولنديين في أمستردام عام 1529، وهي مفوضة من مجلس الأمة الهولندي عقد معاهدات مع الدول والممالك والقيام باحتلال الأراضي وبناء الحصون والقلاع واحتكار التجارة الشرقية.

تأسست أيضاً شركة الهند الشرقية البريطانية عام 1600 مع بداية الاحتلال البريطاني للهند، ولهـا حرية التجارة والاحتكار في الهنـد والمناطق المجاورة، ويقع الخليج العربي ضمن دائرة نفوذ هذه الشركـة التي أقـامت العديـد من المقـرات لهـا فـي منطقـة الخليـج وحققـت امتيازات واسعة خصوصاً بعد طـرد البرتغاليين من هـرمز.

تأسست شركة الهند الشرقية الفرنسية في عام 1604، لكنها حُلت عام 1770 لتنتهي بذلك تجارة فرنسا في الهند وتنتقل إلى الهند الصينية. أدخل التنافس بين هذه الشركات -خصوصاً منها الهولندية والبريطانية - الخليج العربي في منظومة الاقتصاد الرأسمالي الناشئ المُهيمن عليه من دول غرب أوروبا، ثم من الولايات المتحدة الأميركية فيما بعد بخاصة بعد إكتشاف البترول.

ب- الانسحاب البريطاني من الخليج

مع بداية القرن العشرين وحتى عام 1971 بقيت بريطانيا تلعب دوراً رئيساً في منطقة الخليج العربي نتيجة لعدد من الاتفاقات والمعاهدات مع مشايخ وأمراء المنطقة، واستطاعت أن تكون القوة الوصية الوحيدة في المنطقة مع فارق بسيط هو اكتشاف النفط في الخليج. يعيد التاريخ هذه المرة إبراز دور مضيق هرمز كممر يعبره النفط باتجاه مختلف دول العالم، بعد أن كان ممراً تمر عبره السلع الأوروبية المتنوعة.

نظراً لتصاعد أهمية مضيق هرمز بسبب وجود النفط في الخليج أقدمت إيران - بقيادة الشاه رضا بهلوي، وقبل الانسحاب البريطاني عام 1971 بيوم واحد - على احتلال ثلاث جزر تقع على مدخل مضيق هرمز من جهة الخليج العربي وهي طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى؛ هذه السيطرة الإيرانية نقلت المنطقة من مرحلة تحكم القوى الخارجية بأمنها واقتصادها إلى إدارة نفسها بقواها المحلية، وجعلت مضيق هرمز تحت التحكم الإيراني.
Page 9
المبحث الثاني

الوضع القانوني لمضيق هرمز

أولت منظمة الأمم المتحدة عنايتها لوضع البحار وتنظيم شؤون الملاحة البحرية وذلك عن طريق لجنة القانون الدولي التي أنشأتها عام 1947، وبعد إنشاء الأمم المتحدة ظهرت منظمات دولية عديدة تعنى بالشؤون البحرية مثل منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة (الفاو FAO) ذات الاختصاص في موضوع الصيد، والمنظمة البحرية الدولية OMI ذات الاختصاص في موضوع الملاحة والنقل البحري.

أبدت المنظمات الإقليمية أيضاً اهتماماً في هذا المجال كالاتحاد الأوروبي، حيث لعب دوراً مهماً في توجيه العناية إلى شؤون الصيد وحماية البيئة ومكافحة التلوث وتقديم القروض لتحسين صناعة السفن(18).

بدأت حركة التدوين الشامل والمنظم لقانون البحار، ومن ضمنه المضايق الدوليـة في عهد عصبة الأمـم، وحتى قبل ذلك من خـلال آراء الفقهاء الدوليين أو من خـلال معاهـد وجمعيات القـانون الـدولي التي نشأت قبـل عصبة الأمم (في القرن التاسـع عشر) حيث كـانت لهـا العـديد من الآراء حـول الملاحـة في المضايق الدوليـة.

أسهم فيما بعد القضاء الدولي – خصوصاً مع قضية مضيق كورفو التي وقعت بين ألبانيا وبريطانيا عام 1946 – في وضع قواعد الملاحة في المضايق الدولية. ونشير هنا إلى أن هناك اتفاقيات دولية خاصة تهتمّ بالملاحة في بعض المضايق الخاصة كالمضايق التركية والدانماركية ومضيق ماجلان ومضيق جبل طارق، ما يهمنا هنا هو الوضع القانوني لمضيق هرمز والأحكام والقواعد القانونية المطبقة على هذا الممر المائي الإستراتيجي.

الفقرة الأولى: التطور التاريخي لقانون البحار

يمكن إرجاع الآثار الأولى لقانون البحار إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وقد تمثل ذلك في العادات والقوانين التي نشأت بين بلاد البحر الأبيض المتوسط، حيث عرف البابليون عقد القرض البحري الذي يعتبر أصل التأمين في هذا الشأن، وأخذ الفينيقيون – الذين كانوا على درجة عالية من التقدم في الملاحة والتجارة – عنهم العقد البحري وأرسوا العديد من القواعد التي تتعلق بالتجارة البحرية، التي أخذها عنهم اليونانيون فيما بعد.
Page 10
أولاً: المفاهيم المتعددة لحرية البحار

نشأت في العصور الوسطى عناصر القانون البحري بمعناه الحديث نتيجة الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر التي أدت إلى إنعاش الملاحة البحرية وازدهار التجارة البحرية، ونشأت عادات وأعراف بحرية في غرب أوروبا تم تدوينها في مجموعات بحرية أشهرها مجموعة قواعد ألبرون وقنصلية البحر ومرشد البحر.

ظهر أول تقنين بحري في العصر الحديث في عهد لويس الرابع عشر ووزيره جان بتيست كولبير عام 1681، وقد عرف باسم «أمر البحرية» الذي استمد معظم أحكامه من العادات البحرية، وبعد الثورة الفرنسية وفي العام 1807 صدر كتاب عن قواعد القانون التجاري البحري.

أ-مبدأ حرية البحار

المحاولات لإيجاد قواعد عامة تطبق على البحار كانت دوماً صعبة وشائكة، حيث مسألة السيطرة والولاية القضائية على البحار كانت ولا تزال مسألة قوة ومسألة سياسية بالأساس؛ فالأمم البحرية الأساسية كانت تطالب بمساحات ضخمة من أعالي البحار كجزء من أراضيها وملكيتها الإقليمية.

جاء مبدأ البحار المفتوحة أو حرية البحار الذي قال به بداية الفقيه الهولندي هوغو غروسيوس في كتابه «حرية البحار» عام 1618، ليدعم ما كانت تدَّعيه بعض الدول المتقدمة وقت ذاك من السيادة على البحار، حيث بُني أساساً على مصالح الدول البحرية الأوروبية في الاستغلال والاستكشاف التجاري لأماكن العالم المختلفة خصوصاً الشرق.

تبنّي غروسيوس لمبدأ حرية البحار جاء ليدعم حق الملاحة والتجارة الهولندية في الشرق والهند الشرقية، هذه الآراء في البحار المفتوحة لم ترق لإنكلترا التي كلفت فقهاءها بالرد عليه، فكتب الحقوقي والبرلماني الإنكليزي جون سلدن كتابه المعروف عن البحر المغلق ودافع فيه عن فكرة تملك البحار، ونشر هذا الكتاب بأمر من ملك إنكلترا عام 1636 من أجل تدعيم رأي إنكلترا في مقابل رأي غروسيوس.

على أن مبدأ حرية أعالي البحار أخذ ينتشر، وبدأ الفقهاء في القرن الثامن عشر وفي مقدمتهم الفقيه الهولندي بنكرشوك يفرقون بين البحر الإقليمي وأعالي البحار منادين بحرية الأخيرة. مع منتصف القرن التاسع عشر - وبعد أن خففت الدول من مغالاتها في الدعوة للسيادة على البحار – كان مبدأ حرية أعالي البحار قد استقر وأصبح قاعدة دولية ينص عليها القانون الدولي العام.

ب- اتفاقية جنيف لعام 1958 ومبدأ البحار المفتوحة

سجلت اتفاقية أعالي البحار التي أقرَّتها جماعة الدول في مؤتمر جنيف سنة 1958 مبدأ البحار المفتوحة، فجاء في نص المادة الثانية بأنه « لمَّا كانت أعالي البحار مفتوحة لكل الأمم، فإنه لا يحق لأي دولة أن تحاول فرض سيادتها على أي جزء منها. وتُمارس حرية أعالي البحار وفق الشروط الواردة في هذه الاتفاقية ووفق مبادئ القانون الدولي الأخرى».

يضمن - مبدأ حرية أعالي البحار وفق اتفاقية جنيف لعام 1958 - حرية الملاحة، حرية الصيد، حرية مد الأسلاك البرقية والأنابيب تحت الماء، وحرية الطيران. إن حرية أعالي البحار- التي أصبحت أحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي- كانت محدودة على اعتبار أنه يجوز للدولة الساحلية المطالبة أو اعتبار المياه الإقليمية جزءاً لا يتجزأ من ولايتها الإقليمية.

كانت الحدود البحرية في بادئ الأمر تقوم على قاعدة قذيفة المدفع التي كانت تعني أن الخط الفاصل بين أعالي البحار والمياه الإقليمية هو مدى السيطرة العسكرية التي تمارسها الدولة الساحلية. ثم راحت بعض الدول تحدد مياهها الإقليمية بعدد من الأميال البحرية تتراوح بين 3 أميال و 200 ميل بحري حتى استقر الوضع على ما هو عليه الآن أي 12 ميلاً بحرياً الذي ترافق مع التطور الذي عرفته العلوم والتكنولوجيا.