eKtab
EN ع
مدينة لا تقرأ
Read free sample

مدينة لا تقرأ

by راماس

Page 1
مقدمة
 
. ((التكوين : (( قُومُوا اخْرُجُوا مِنْ هذَا الْمَكَانِ، لأَنَّ الرَّبَّ مُهْلِكٌ الْمَدِينَةَ
 
. ((لوقا : (( وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا
 
. ((النمل : ((وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ
 
-( أحبب بالوطن ) هو الباب الأول من الكتاب : يدعو الى حب الوطن بصيغة استعظاميّة تعجّبية، فاتحاً الطريق لأبواب أخرى تنظر بضيق وحنق الى الغربة المتمثّلة بمدينة جامدة ، مدينة معلّبة لا روح فيها, مفكّكة لا تجتمع، تدعى : ( مدينة لا تقرأ ).
 
إّن المعادلة في هذا الكتاب شُكّلت على أنّ الغربة تساوي المدينة، فعندما نقول وطن، يخطر ببالنا مباشرة النقيض ، إي الغربة.
 
فإذا انطلقنا من هذه الثوابت الفرضية لعنصري المعادلة ، وساوينا الغربة بالمدينة فسيصبح نقيض الوطن هو المدينة :
 
فالمدينة بمعناها البراغماتي الحرفي، هي المجمّع الحضاري سكانياً وعمرانياً ،الذي يخضع لقوانين إدارية وسياسية تنظّمه وتضبط إيقاعه، وأما القرية فتعني الإجتماع، أي تجمّع الناس ،كقول العرب : "قرأت الماء في الحوض , أي جمعته" .
 
وفكرة الكتاب تضع المدينة بتناقض مباشر مع القرية، لا على الإعتبار التقليدي الذي يميز بين السلوكيات المختلفة بين المجتمعين, بل على اعتبار أنّ القرية تتّسم بالصغر والمحدودية ، وهي كيان إجتماعي مصغَّر يستطيع الإنسان معرفته والإحاطة به، وبالوقت ذاته يستطيع هذا المجتمع المحدود معرفة الفرد وحفظه , وهذا يريح الإنسان كثيراً بما أنّه توّاق للمعرفة يسعى دائماً إلى جعل الكون قرية صغيرة ،
 
وبالتالي على مبدأ -أنّ نقيض النقيض هو الشيء نفسه ، نجد أنّ القرية تعني الوطن . والوطن يعني المعرفة والتواصل .
 
ومن هنا بُغضت المدينة وهُجيب ولُعنت.
 
المدينة بمعناها اللامعرفي وبشكلها الإغترابي،ومن ثم تمّ اللجوء إلى الوطن الغنّي بالمعرفة والتلاقي والتجمّع والقائم على قراءة الشيء وجمعه ومعرفته، فتصبح القاعدة : أنا أعرفك؛ فأنا أقرأ أفكارك وأجمعها .
Page 2
والمدينة التي لا تقرأ سكّانها, هي المدينة التي لا تعرفهم ، وهي الإغتراب القاسي، وهي الإزدحام والإختلاط، والإتساع، واللامحدودية، حتى يصبح الإنسان فيها رقم أو رمز لا يكترث له أحد .كما يقول الشاعر لوتريامون في أناشيد مولدورور " الإنسان يتوقف في الشارع ليرى كلبين يتماسكان ولكنه لا يتوقف عند مرور جنازة " .
 
وفي الباب الثاني من الكتاب :
 
تنكشف المدينة – العار ، ويتّضح أنّها لا تجيد القراءة ، وليس بالضرورة القراءة التقليدية فقط ؛
 
بل أيضا قراءة سكانها ومعرفتهم.
 
وتُظهر المدينة – العار وحشتها فنتعرف على جذورها وأصلها ، وعلى كتابها المضجر ، وعلى أبوابها الخادعة المضلِّلة .
 
في الباب الثالث للكتاب :
 
يصرخ إنسان المدينة ، ويخبرنا عن انكسار حلمه ، عن رغبته بالهروب منها والترحال عنها ، عن الصراع الذي يعيشة الإنسان داخل المدينة ،عن رغبته بالتخلّص من ضجيجها قبل أن يقتله هذا الأخير .
 
في الباب الرابع للكتاب :
 
تظهر أنثى المدينة- غير المنفلتة من عقال المكان ، تخاطب الرجل والمدينة معاً ، فتطلب من رجل المدينة الرحمة والحنان ، معبّرة عن غرابتها لتحول الحال؛بين أمس الولادة وحاضر المدينة ، صارخةً في وجهه كي يتحرّك ويثور ، كي يجحف ويغرف ويباشر ، كي يتكلم بالبشرى ، ويعود كما كان أحمقاً طبيعياً .
 
في الباب الخامس للكتاب :
 
يحدثنا رجل المدينة ، عن جمال تلك الأنثى الغريبة بين ظهراني المدينة ، وعمّا كانت عليه هناك في الوطن- البدء ، ويحثّها؛ أن تخلع ما عليها من لوثة المدينة وتعود الى عفويتها وطبيعتها ، ويرجوها أن لا تتوقّف عن قصّ روايتها القديمة في أحضان العشق وهو يرى ويلمس صوتها ، فهو يعشق تلك اللبوة بكلّ هفواتها ، وهو يرى أنّها حبيبة حقيقيّة أعظم من زيف المدينة . آملاً أن تعود من كربها كي يفرح فرحاً عظيماً.
Page 3
في الباب السادس للكتاب :
 
يتوه الشاعر ويضيع في صخب المدينة ، يشرح عذاباته وليله الطويل ، ويلقي شِعرَه للمارّة خارجاً عن أوزان الشعر التقليدية القاتلة للروح . محرراً الشعر من أصفاده ، غير خاضع لقوانين القافية والأوزان ، فيهمل المظهر البرّاني ذي الحرفة اللفظية ويغوص في أعماق الوجدان الجوّانية الصادقة .
 
في الباب السابع للكتاب :
 
هنا يصرخ إنسان المدينة في وجه الجدران التي لا تعرفه ، فخوراً بمجده وتاريخه ، بأمانته وصدقه ، بوعده الذي أنكرته المدينة .
 
في الباب الثامن للكتاب :
 
هنا يشارف إنسان المدينة على الغثيان وكأنّها لحظات ما قبل الإعدام ، فيقذف بالباطل الى الأعلى كي يتعرّى الإنسان من طلاء الزيف، فيرى معجزة الزيت المقدّس ويرحمه الله ويطهّره من دنس الخطايا.
 
في الباب التاسع للكتاب :
 
يرفع الشاعر صلاته الأخيرة قبل لحظة الموت ، مقدماً القرابين والنذور على أرواح أمواته ، متذكراً أهله، باكيَهم بخيرهم وشرّهم، فيحشرج صوته بكلمات الوداع الأخيرة .
 
في الباب العاشر للكتاب :
 
يُنشر الشاعر من جديد ، فيقوم من قبر التشرّد منتصراً على الظلم والغربة ، ويجلس تحت شجرة الوطن الوارفة ، وبهذا يختم خالقُ الأحداث كتابه بنهاية كريمة للفارس الشاعر الغريب .
Page 4
أحبب بالوطن
 
صاحَ الشَفَقُ بِصمتهِ
 
وسكنَ ضُحى ذاكَ الجريح،
 
بصراخه .
 
هو الوطنُ...
 
مسرنمونَ بلا ظلّك المُجَلِّلْ،
 
عطشى،
 
وأولادٌ يتامى بلا كنفٍ
 
يسألون الوصلَ
 
فلا تبخلْ .
 
أخذَتْهم الدنيا رهائن،
 
وساومتْ على السبيّ إليك فديةً
 
فهل تقبلْ ؟.
 
هنا الريحُ صَرْصَرٌ
 
مذاقُ الوقتِ
 
كلونِ ميتٍ كان شنيعَ المظهرْ
 
هنا الله أصغرْ،
 
هنا الكلام إملاءٌ
 
ما أجملَ لسانك يا وطني
Page 5
آن كنتَ تشتمنا
 
وتزرع الحاجة والفقر فينا
 
قد كان فَقْرُكَ أجملْ.
 
* * *
 
(في بلادي)
 
تُرسِلُ الشمسُ أشعَّتَها
 
ولا تهدأ،
 
يتابع النهرُ رحيلَه
 
ولا يتوقفُ،
 
تومضُ النجومُ بعليائِها
 
ولا تقتربُ،
 
يناجي القمرُ حكاياتِنا
 
ولا يصمتُ،
 
ينشرُ الزهرُ شذاهُ
 
ولا يبخلُ؛
 
يأتي الشتاءُ بغيثه
 
على الوعدِ
 
يستوي اللهُ
 
على كرسِيهِ إلى الأبدِ .
Page 6
(في قريتنا)
 
الصباحُ يصافح الوجوهَ
 
والنسيم يداعبُ النوافذ
 
والأغاني تُطْرِبُ الأبوابَ.
 
(هنا)
 
الوجوهُ تُقاطِع النوافذ
 
والصباحاتُ لا تَحبلُ طرَباً
 
والأرضُ لا تلِدُ هضابا.
 
(في قريتنا)
 
العشبُ ينثُرُ ورداً
 
والريحُ تَرقصُ زَهواً
 
والشمسُ تغازل السحابَ .
 
(هنا)
 
الشمس تَمحو مُعارِضِيها
 
والريحُ تَغتالُ موالِيْها
 
والورودُ تَنْحَرُ الأعشابَ؛
 
بُعدٌ زادني إليها وجداً
 
قربٌ زادني فيها اغترابَ
Page 7
يومُنا :
 
الرملُ، الألمُ، الطاعونْ
 
الغربةُ، الوجعُ، السكونْ
 
أمسُنا :
 
التربةُ، الفرحُ، الزيتونْ
 
الوطنُ، النصُر، الأهلونْ؛
 
"أحبِبْ بالوطن"
 
هكذا خَطَّ على الرصيف
 
ذاك الأحمقُ المجنونْ ... ! .
 
* * *
Page 8
مدينة لا تقرأ
 
روحُ المدينة تزأر،
 
بتؤدةٍ وتكرارٍ،
 
نبْضُها يجهَشُ
 
كما طفلٌ عنيدٌ؛
 
الكلُّ يعدُو!
 
إلى أمامهِ في هذه المدينة،
 
وهُداهمُ شواخص ٌ موروثةٌ
 
كُتِب عليها الأمامُ؛
 
المدينةُ لا تُتقنُ القراءةَ.
 
* * *
 
تهجعُ في كرَاها
 
كالوحشِ المُتخمْ،
 
ترسلُ من جوفها جلَبَةً
 
تبتلعُ سكّانَها،
 
غسقٌ أخرسٌ لا يرحمُ
 
انزوى يتألمُ – خَلََجٌ في الرأسِ
 
خدرٌ في أخمصِ قدميهِ
 
لَعَنَ التكوينَ والسببَ،
Page 9
رَشَفَ الصهباءَ ومضى
 
يزيلُ الهمَّ والكَرْبَ .
 
* * *
 
تتعرَّى ...،
 
كلّما هبطَ المساءُ عليها؛
 
وعبثَ الغسقُ بأجزائِها،
 
أجِمٌّ يشوبُها الغموضُ
 
تفتح لهم أبوابَها،
 
يدخلونَ، يرقصونَ، يسكرونَ
 
يهتكونَ كيانَها،
 
يبعثرونَ زجاجاتِ الخمرِ
 
ويقطِّعون قمصانَها،
 
يبصقون على سريرها- ويمضون
 
يسحقونَ أعقابَ السجائر
 
في أكوابها؛ فتغفو أشلاءً فوق مُصابِها،
 
يطِلُّ وئيداً ذاك الفجرُ
 
ناثراً الشمسَ في أهدابها
 
يغسلُ أغوار مسامِها
 
تضع مرآةً أمامها،
 
تتزينُ، تتبرجُ، تُقلِّمُ أغصانَها،
Page 10
ترتدي ثوباً جديداً
 
تملئُ الأقداحَ تُترِعُها
 
لمساءٍ جديدٍ، وضيفٍ جديدٍ
 
يلجُ سردابَها .
 
* * *
 
العتمة ُ وَلَدَتْ الضباب َ
 
والضباب ُ وَلَدَ الصمت َ،
 
والصمتُ وَلَدَ الحقيقةََ،
 
والحقيقةُ وَلَدَتْ الكلمةَ،
 
والكلمةُ وَلَدَتْ النورَ،
 
والنورُ وَلَدَ الضجيجَ،
 
والضجيجُ وَلَدَ الحياةَ،
 
والحياةُ - لمّا اتخذتْ الحقَّ زوجاً لها؛
 
وَلَدَتْ العاصفةَ مِنْ غيرِ زرعٍ
 
لأنّ الحقَّ كان بارّاً
 
ولم يردْ أنْ يُشهِرَهَا
 
فظَهَرَ لهُ ملاكُ الله قائلا :
 
"ها امرأتُكَ الحياةُ
 
تحبَلُ من غيرِ دنسٍ
 
فتَلِدُ العاصفةَ