إهداء
إلى
ليلى وعالية
الفصل الأول : ذاكرة مهووسة بالنسيان
- "آآآآآآآخ! يبدو أنني تأخرت".
هكذا صرخت قبل دقائق من وصولي إلى باب المدرسة. لم أكن قد تأخرت على موعد المدرسة، على العكس؛ فلا يزال هناك أكثر من ربع ساعة على موعد الطابور، لكن المشكلة أنني تأخرت على "شادي" الذي كان يقف بجوار الباب، ينظر إلى الأرض، شاردًا كأنه يبحث عن
شيء ما.
- صباح الخير يا شادي.
تطلع إليَّ بذهول، وكانت نظرته شاردة لدرجة توهمت معها أنه لم يعرفني. ابتسم ابتسامة خافتة وقال لي:
- صباح الخير يا عالية.
- عمّ تبحث؟ هل فقدت شيئًا؟
نظر لي مندهشًا ثم ابتسم، وبسرعة تحولت الابتسامة إلى ضحكة، وقال:
- شكرًا يا عالية.. كنت أحاول أن أتذكر ماذا نسيت، والآن فقط تذكرت. لقد نسيت حقيبة المدرسة في البيت!
كنت أريد أن أضحك، لكني خفت أن يشعر بالإحراج، كما كنت أُشفق عليه، فالمدام جورجيت لن تسامحه هذه المرة. بالتأكيد لن تفعل؛ فقد تكررت المرات التي ينسى فيها أغراض المدرسة كثيرًا حتى أصبحت مدام جورجيت تبدأ الحصة كل يوم بسؤال شادي:
- ما الذى نسيته اليوم يا شادي؟
كان ينظر إليها شاردًا كعادته، ثم يعبث في محتويات حقيبته قليلاً، ثم يخبرها بخجل أنه نسي كتاب العلوم، أو أنه نسي دفتر الواجبات المنـزلية الخاص باللغة العربية، أو أقلامه، أو دفتر التدريبات، أو كراسة التجارب العلمية، أو شهادة الدرجات الممهورة بتوقيع أحد الوالدين، وغيرها وغيرها.
وكلما أجاب على مدام جورجيت بهذه الإجابات تنفجر ضحكات الأولاد والفتيات في الفصل، وهم يضعون أيديهم على أفواههم، ويحاولون أن يكتموا الضحكات التي تنفلت منهم.
اقترحت مدام جورجيت أن يكتب في دفتر صغير ما يجب عليه أن يفعل؛ حتى يتذكر الواجبات المدرسية والكُتب والكُرّاسات.
شادي أعجبته الفكرة واستجاب فعلاً لنصيحة المدام، لكن في صباح اليوم التالي فاجأني مرة أخرى بأنه يواجه مشكلة جديدة، تسببت في المزيد من تعقد الأمور. كان قد اشترى دفترًا صغيرًا ليسجل فيه الواجبات، ولكي يدون أيضًا قائمة بالأغراض أو الأدوات المدرسية التي يجب أن يُحضرها معه إلى المدرسة، لكن المشكلة في هذه المرة أنه لم يجد الدفتر نفسه، ولا يتذكر أين وضعه!
قال لي بارتباك: لا أعرف يا عالية أين وضعت الدفتر، بحثت عنه في كل مكان في غرفتي وفي البيت، لكن لم أجده!
مدام جورجيت نفخت بغيظ عندما أخبرها أنه نسي المكان الذي وضع فيه الدفتر، وطرقت الأرض بقدميها مرتين، ثم تماسكت وحاولت أن تبدو هادئة.
فكرت قليلاً ثم اقترحت عليه فكرة أخرى، قالت له إنه إذا أراد أن يتجنب نسيانه المستمر؛ فيمكنه أن يربط إحدى أصابع يديه بخيط صغير ليتذكر به الواجب المدرسي مثلاً، وإذا أراد أن يتذكر شيئًا آخر فيضع في إصبعه خيطًا ثانيًا، وهكذا..
أذكر أنه جاءني في اليوم التالي، وقال لي وهو حزين:
- تخيلي يا عالية، وجدت صباح اليوم أن إصبعي مربوط عليها خيطان، وهتفت فرحًا بأنني اليوم سوف أتذكر ما عليَّ من واجبات، لكني عندما حاولتُ أن أتذكر ما هما لم أنجح أبدًا!
والحقيقة أن هذه المأساة لم تتوقف أبدًا، فقد كان شادي يفاجئني كل يوم بمفاجأة جديدة. على سبيل المثال، في اليوم التالي قال لي إنه نسي حقيبة المدرسة بكل ما فيها. ضحكت لأني كنت أظنه يمزح معي، لكنه لم يضحك وابتسم ابتسامة مرتبكة، ثم قال: أنا لا أمزح فعلاً، يبدو أنني أضعت الحقيبة في الطريق إلى المدرسة، عندما توقفت في الطريق لأطارد مجموعة من الفراشات، ولكني نسيت أين وضعت الحقيبة!
كنت قد اتفقت معه أن نأتي إلى المدرسة مبكرًا كل يوم؛ لنراجع معًا الواجبات والكتب والدفاتر وأدوات الدراسة، بحيث إذا لاحظنا أنه نسي شيئًا يكون لدينا متسع من الوقت، لنذهب معًا إلى منـزلهم لكي يحضر ما نسيه. لكن عندما أخبرني عن نسيان حقيبته شعرت بالضيق، وقلت لنفسي إنه بالتأكيد مريض.
فكرت بأنه لو كان هناك فعلاً مرض اسمه "النسيان"، فيجب في هذه الحالة على شادي أن يذهب إلى طبيب متخصص في علاج "النسيان".
ابتسمت له وأنا أقول:
- لقد تأخرت عليك اليوم يا شادي، ويبدو أننا لن نتمكن من الذهاب إلى بيتك لنحضر الحقيبة ونعود قبل بدء الحصة الأولى.
نظر لي بارتباك، ثم قال:
- وما العمل الآن؟ لا أعتقد أن مدام جورجيت يمكن أن تسامحني هذه المرة.. أليس كذلك؟
كنت أشعر بالحيرة، لكني ابتسمت له بعد قليل من التفكير، وقلت له:
- لا تقلق، سوف أحاول أن أحل هذه المشكلة.
- كيف؟
- عندما تسألك مدام جورجيت لا تقل لها شيئًا، وسأقول لها إنك نسيت حقيبتك عندي في البيت أمس، وإنني نسيت أن أحضرها معي.
ابتسم شادي ابتسامته الجميلة؛ فأحسست أنه سعيد بالفكرة، ثم مد يده ليصافحني وقال:
- عالية، أنت بالفعل صديقتي الوحيدة في هذا العالم، ولا يمكنني أن أنسى لك هذا الجَميل طول عمري.. سوف أهديك هدية جميلة.
وقبل أن أقول أي شيء أضاف ضاحكًا:
- لن أفكر في الهدية الآن، وإلا نسيتها قبل أن أشتريها.
ضحكتُ وشكرته، وأنا أفكر في خطة أخرى كنت أحاول أن أرتب لها بدون أن يشعر بأي شيء.
الفصل الثاني : صديقي الغامض
قبل أن ندخل إلى الفصل، قررت أن أذهب إلى حجرة مدام جورجيت وأخبرها بموضوع مرض شادي. كنت متحمسة جدًّا؛ لأنني أخيرًا وجدت الطريقة الصحيحة لمساعدة شادي. أبـي يقول لي دائمًا إن الصدق هو السبيل الوحيد لأي إنسان لا يرغب في التورط في مشاكل، وإن الهروب من المسؤولية بالكذب يؤدي إلى مشاكل أكبر وأخطر وليس العكس. تذكرت بابا وهو يغلق عينيه ويقول بثقة وصوت عال: "الصدق منجاة". وحين أبتسم وأسأله عن معنى ذلك يقول: "الصدق هو الذي ينجي صاحبه من المخاطر والمشكلات".
المهم أنني بعد فترة من الحماس الشديد، والإصرار على أن أخبر مدام جورجيت بما أفكر فيه بخصوص مشكلة شادي، عدت أشعر فجأة بالتردد؛ فماذا لو أنها سألتني عن السبب الذي يجعلني متأكدة أن ما يمر به شادي هو حالة مرضية بالفعل؟
- أي شخص في المدرسة يعرف أنه ينسى كل شيء يا مدام.. أليس هذا كافيًا؟
هكذا قلت وكأني أقف أمام المعلمة، وعدت أردد بصوت عال كأني أخاطب مدام جورجيت:
- لا تنسي يا سيدتي أنه من أذكى طلابك في الفصل، وأكثرنا قدرة على حل المسائل الحسابية، وهذا ما يجعلني أشك أنه بالفعل مريض، وربما يحتاج إلى علاج لو وجد من يهتم بالأمر. أنتِ أكثر إنسانة تعاني من نسيانه يا مدام، وهو يحبّك جدًّا ويشعر بالتعاسة عندما تستائين منه، وهو بالتأكيد ليس سعيدًا بذلك.
في سنوات الدراسة السابقة في المدرسة لم يكن شادي ينسى أي شيء، بل كان واحدًا من أكثر الأولاد ذكاءً وتفوقًا، يحصل على درجات متقدمة في كل المواد الدراسية. والمدهش أنه كان يتمتع بذاكرة جبارة يتباهى بها أمام جميع أقرانه وزملائه في المدرسة، خصوصًا جوزيف وسيف؛ لأنهما كانا أكثر الأولاد حبًّا لمادة الحساب، وأكثرنا تفوقًا فيها.
كان شادي دائمًا ما يقوم بتحديهما في حساب أي مجموعة أرقام، ومعرفة النتيجة في أسرع وقت ممكن، حتى لو كانت مثلاً 5+14+325، ويترك لهما فترة لا تزيد عن ثوان قليلة، ثم يقول لهما بفخر:
- أنا مستعجل جدًّا، ومضطر أن أخبركما بالنتيجة، وهي 344.. سجلوها عندكما.
وعندها يقول له سيف إنه غشَّاش، وإنه أعد هذه العملية الحسابية مسبقًا؛ فيتحداه شادي بأن يسأله عن أي عملية حسابية أخرى ليتأكد من أنه ليس غشاشًا، وبمجرد أن ينتهي سيف من تأليف أي عملية حسابية، يخبره شادي بالنتيجة وهو يبتسم، ويمسح خُصلات شعره الناعم الذي كان يتركه طويلاً ولا يصففه أبدًا.
شادي أيضًا كان معروفًا بين محبـي لعبة الشطرنج في المدرسة بأنه الوحيد بين من يلعبون الشطرنج المبرمج على الكمبيوتر الذي هزم البرنامج أكثر من مرة!
كنت أشعر أن شادي وراءه سر ما هو الذي تسبَّب في أن يصبح نسايًا إلى هذه الدرجة.
عندما سألته عن السبب في نسيانه كل شيء تنهّد، ثم أخذ نفسًا عميقًا وجلس يفكر، ولكنه لم يقل شيئًا، وأحسست أنه أصبح شاردًا تمامًا، فقلت له:
- شادي، أين ذهبت؟ لماذا لا ترد عليَّ؟
نظر لي مبتسمًا، ثم قال:
- تخيلي يا عالية، لقد نسيت سبب إصابتي بالنسيان.. أعتقد أن ذاكرتي مهووسة بالنسيان!
أخذت أردد لنفسي كلماته في سري ودون أن يسمعني: "ذاكرتي مهووسة بالنسيان"، ولم أفهم المعنى. كنت أريد أن أسأله عن معنى هذه الجملة الغريبة. لكني - كالعادة - ترددت وقررت ألا أفعل؛ أولاً لأنني كنت أعتبر نفسي أفهم كل شيء، وبالتالي لا يمكن أن أسأل أي صديق أو صديقة في عمري عن أي موضوع لا أفهمه، وثانيًا لأنه كان دائمًا يقول لي: "أنت صديقتي الوحيدة في هذا العالم يا عالية، أنت الوحيدة التي تفهمينني".
بصراحة شعرت بالخوف من خسارة ثقته، لو سألته عن معنى كلماته الغامضة فلن أكون "الإنسانة الوحيدة التي تفهمه في هذا العالم".
قلت لنفسي إنني يمكن أن أسأل مدام جميلة مُدرِّسة اللغة العربية عن معنى الجملة في أي وقت.
لكن بسبب هذه الجملة الغامضة، لم أستطع أبدًا أن أدافع عن شادي، الذي اتهمه جميع الأصدقاء في المدرسة بأنه غريب الأطوار، وبعضهم وصفه بأنه شخص غير طبيعي.
كنت أعرف أنني إذا قلت لهم إن السبب الحقيقي لما يحدث لشادي هو أن "الذاكرة مهووسة بالنسيان"؛ فسوف يتهمونني أنا أيضًا بالجنون.
وهكذا كان كل ولد أو بنت في الفصل، يتخيل سببًا يتصور أنه أدى إلى إصابة شادي بالنسيان.
فريدة مثلاً كانت تقول إنه في الأصل ولدٌ شقي، ولا شك أنه وقع على رأسه وهو يركض على الدَرَج، وارتطمت رأسه بالسلالِم وتسببت الصدمة في هذا النسيان.
أما جوزيف فكان يقول إن شادي يقوم بالتمثيل؛ لأنه يريد أن يلفت الانتباه إليه خصوصًا انتباه البنات، ولذلك فهو يمثل دور فاقد الذاكرة. بل كان جوزيف يسأله أسئلة معينة عن أحداث مرت في حياته، ثم يكرر السؤال نفسه بعد ذلك ليحاول أن يوقع به، لكنه لم ينجح أبدًا.
ليلى كانت تقول إن سبب فقدانه الذاكرة يعود لذكائه الشديد، وحبه للقراءة بشكل غير طبيعي؛ مما جعله يحشو عقله بمعلومات كثيرة جدًّا، لدرجة أن عقله امتلأ بالمعلومات ولم تعد به أي مساحة خالية تكفي لاستقبال أي معلومة جديدة.
ولأن شادي لم ينجح في تذكر سبب فقدانه للذاكرة، لم تتوقف محاولات الأولاد والبنات في اختراع أسباب جديدة لما حدث لشادي، وكلها كانت مجرد خيال.
وعندما كان سيف يسمع ما تقولَه ليلى، يضحك ويقول لها إنها لا تعرف الحقيقة. سألَتهُ ليلى وهي تشعر بالغيظ:
- وما هي الحقيقة يا أستاذ سيف؟
عندها اقترب منّا أنا وليلى، وقال لنا بصوت منخفض أقرب للهمس:
- شادي مسكون بشبح.
سألته: ماذا تقصد يا سيف؟
فنظر لي وقال بثقة: يعني بداخله عفريت هو الذي يجعله ينسى كل شيء هكذا.
ليلى قالت له بغضب:
- كيف تقول على زميلك هذا الكلام السخيف؟!
وانصرفت غاضبة وقررت ألا تتحدث معه مرة أخرى.
أنا باعتباري صديقة شادي المقربة أشعر أحيانًا بالارتباك؛ لأني أشعر بالفعل أن هناك شيئًا غامضًا له علاقة بموضوع النسيان. من المؤكد أن وراءه سرًّا غامضًا يقف وراء نسيانه أغراضه وأدواته بهذا الشكل، ويجعل الجميع يظنونه شخصًا غريب الأطوار.
حاولتُ أن أتذكّر الحوارات التي دارت بيننا، وكانت أغلبها عن الأشياء التي يحبها شادي: لعب الشطرنج على الكمبيوتر، البلاي ستيشن، لاعبـي كرة القدم المشهورين وخصوصًا ميسي ورونالدو، لاعبـي الفريقين الإسبانيين الشهيرين: برشلونة وريال مدريد، لكن أغلب أحاديثنا التي كنت أستمتع بها أيضًا كانت عن الكتب التي يقرأها.
بصراحة، لم أهتم أبدًا بكلامه عن الشطرنج ولا البلاي ستيشن؛ فأنا لا أحب كرة القدم، لا في الملاعب الحقيقية ولا في المباريات الإلكترونية والألعاب، لكني كنت أحب أن أسمع ما يقوله عن الكتب.
لم يكن مثلنا يقرأ فقط الكتب المصورة وألبومات الشخصيات الكارتونية الشهيرة، بل كان يخبرني أنه يقرأ قصصًا جميلة ويحكي لي عنها: "روبنسن كروزو"، "أوليفر تويست"، "علي الزيبق"، "الفرسان الثلاثة"، "مغامرات علاء الدين" من كتاب "ألف ليلة وليلة"، "رحلات جليفر"، وهذه كنت أعرفها من أمي التي قرأتها لي وأنا صغيرة، ومرات يحكي لي عن رسام إيطالي عاش في القرن السادس عشر اسمه ليوناردو دافنشي. كان يقول لي إنه قرأ له كتابًا جميلاً اسمه "حكايات عجيبة وأساطير غريبة". كما قال لي إنه كان رسامًا مشهورًا ومتعدد المواهب، وأخبرني أنه صاحب أشهر لوحة فنية في العالم، والموجودة في متحف اللوفر في باريس ويعرفها كل الناس إما باسم "لوحة الموناليزا" أو "الجيوكاندا". وقد أراني اللوحة في واحد من كتبه، وتعجبت من أن هذه اللوحة لتلك السيدة صاحبة الابتسامة الغامضة هي أشهر لوحة في العالم.
في مرة أخرى من المرات أخبرني عن كتاب رحلات اسمه "200 يوم حول العالم" كان كثيرًا ما يتكلم عنه، وعن البلاد الكثيرة التي يحكي عنها الكتاب. قال لي إنه يحب السفر، وإنه يتمنى أن يسافر إلى الفضاء الخارجي، وأن يصبح صديقًا لكائنات فضائية ذكية. سألته مرّة أن يعيرني كتاب "200 يوم حول العالم"، فقال لي بطريقة لم تعجبني:
- هذا الكتاب ليس للأطفال، هو أصلاً للكبار.
وعندما لمح ملامح الغضب، وتحول لون وجهي للون الأحمر، وهو ما أحسست به بسبب سخونة وجنتي، ارتبك وقال:
- لا يا عالية، لا تفهميني خطأ. هذا الكتاب بالفعل للكبار، لكني بسبب اعتيادي على القراءة بدأت أقرأ كتبًا تناسب عمرًا أكبر من عمري.
لكني لم أصمت.. قلت له بنوع من التحدي إنه إذا كان قادرًا على فهم أي كتاب فسوف أكون أنا أيضًا قادرة على قراءته وفهمه، وقلت له بسخرية:
- هل تظن فعلاً أن كتابًا يحكي حكايات كتبها رجل سافر بضع بلاد ويروي لنا ما يراه كتابًا صعبًا أو للكبار فقط؟
وهكذا أجبرته على الاعتذار لي.
هل كانت قراءة هذه الكتب هي السبب في ضعف ذاكرة شادي؟
آآآآخ.. تذكرت الآن شيئًا مهمًّا. أعتقد فعلاً أنني يجب أن أجد وسيلة لزيارة شادي في بيته فجأة ودون أن يعرف أنني سأزوره! نعم، يجب أن أزور شادي في بيتهم حتى أتمكن من كشف أسرار هذا الولد، صديقي الغامض كما يحب أن أسميه.
الفصل الثالث : الخطّة
قبل أن ندخل الفصل، كان كل الأولاد والبنات قد عرفوا بخبر نسيان شادي للحقيبة، وكانوا يترقبون رد فعل مدام جورجيت عندما تسمع هذا الخبر.
ورغم أن كثيرين منهم أبدوا تعاطفهم مع شادي، وقرروا أن يؤكدوا للمدام أنه نسي حقيبته عندي في البيت، لكن كان هناك بعض الأولاد الذين يبتسمون ابتسامات ساخرة وماكرة، خصوصًا جوزيف وسيف، وهم يترقبون بفضول ما سوف يحدث لشادي عندما تعرف المدام بأمره.
لكن مدام جورجيت قالت لنا بعد أن دخلت الفصل إنها تشعر بالتعب، وإن صوتها ليس على ما يرام، وابتسمت بطريقة كشفت لنا أنها مريضة وقالت: "يبدو أنني أصبت بدور برد، وحلقي ملتهب".
طلبتْ أن يُخرج كل منّا كتابًا، وأن نقرأ جميعًا بلا صوت. نظرتْ في ساعتِها وطلبت من "جود"، الفتاة النحيفة ذات الشعر الطويل والنظارة الطبية، والتي تجلس في أول صف، أن تذهب إلى مكتبة المدرسة، وتتأكد من وجود أستاذ سامح لكي يذهب من يريد منا إلى المكتبة.
وجلست هي على الكرسي القريب من "السبّورة" أمام المنضدة الصغيرة التي تضع عليها أغراضها، وأخرجت من حقيبتها كتابًا، وبدأت تقرأ فيه.
وبين فترة وأخرى كانت تنظر لي مبتسمة؛ فأبادلها الابتسام وأنا أشعر بسعادة حقيقية. التفتّ إلى كل من جوزيف وسيف خلفي، فوجدتهما ينظران إلى شادي بغيظ، ويهمسان لبعضهما البعض.
نظرت إلى شادي الذي يجلس على يساري، فوجدته شاردًا ينظر إلى السقف، وخلال كل عدة دقائق كنت ألاحظ أنه ينتبه من شروده، ويعود لينظر في صفحات الكتاب الذي يقرأه. سألته عن الكتاب الذي يقرأه، فقال لي إنه عن كائن فضائي يزور الأرض، فقلت له أن يعيرني إياه عندما ينتهي منه، فقال:
- أنا استعرته من مكتبة المدرسة، عندما أنتهي منه وأعيده يمكنك أنت أيضًا أن تستعيري إياه.
فكرت في هذه اللحظة أن شادي يقرأ كثيرًا، لكنه لا ينسى ما يقرأه، ويحكي لي كل يوم قصة أو حكاية قرأ عنها في كتاب من الكتب، فلماذا ينسى فقط أمور المدرسة لهذه الدرجة؟
جاءت جود وقالت إن الأستاذ سامح يقول إن المكتبة مفتوحة ومتاحة لمن يرغب أن يبحث عن كتاب أو يقرأ أي كتاب، وطلبت مدام جورجيت ممن يريد الذهاب إلى المكتبة أن يفعل.
نظرتُ إلى مدام جورجيت ووجدتها تنظر إلى شادي بين فترة وأخرى، وعندما لمحتني ابتسمتْ لي مرة أخرى.
بصراحة أنا كنت أعرف أن هذا كله سوف يحدث، لكن لم أعرف أن مدام جورجيت ستمثّل دورها الذي اتفقت معي عليه بهذه الدِّقة؛ فقد ذهبتُ إلى مدام جورجيت قبل بدء الحصة وأخبرتها أن شادي نسي حقيبته، وقلت لها إنه مريض بفقدان الذاكرة. مدام جورجيت بدا عليها القلق عندما سمعت ذلك، وفكّرتْ قليلاً، ثم قالت لي إنها ستخبرني على تفاصيل خطة ستحاول بها أن تعرف مشكلة شادي، ولكنها طلبت مني ألا أخبر عنها أي أحد على الإطلاق.
هذه الخطة هي نفس الخطة التي نفذناها معًا، فقد قالت لي إنها سوف تتجاهل الموضوع حتى لا يشعر شادي بالحرج، وأنها ستتعمد أن تقول لنا إنها متعبة مرهقة ولن تتمكن من تدريسنا شيئًا، لكنها طلبت مني أن أذهب إلى بيته وأن أخبر والدته بأنها تريد أن تراها.
لم أخبر شادي بأي شيء، لكني فقط أكدت عليه ألا ينسى حقيبته غدًا، فضحك وقال:
- الحمد لله إن مدام جورجيت اليوم كانت تعبانة.
عند موعد الخروج من المدرسة ودّعته وأنا أنتظر أبـي، الذي حضر متأخرًا كالعادة، ليصحبني إلى البيت في سيارته. سألت بابا عن مرض يدعى مرض النسيان، فضحك وقال لي:
- يا عالية، النسيان أحيانا يكون نعمة.
- بأي معنى يا بابا؟
- يعني أحيانًا يمر الإنسان بظروف سيئة ويتمنى أن ينساها.
- لكن عندما ينسى الأشياء المهمة تكون هذه مشكلة!
- طبعًا طبعًا.. الأشياء المهمة إذا نسيناها فهذا يعني أن هناك مشكلة. أحيانًا الإنسان ينسى بسبب الإرهاق أو التعب، أو بسبب الأكل غير الصحي، ونقص الفيتامينات في غذائه، أو بسبب انشغاله بأشياء كثيرة في وقت واحد.
نظر لي بابا مبتسمًا وقال لي:
- لماذا تهتمين بالنسيان بهذا الشكل؟ هل تعانين من النسيان؟
- لا يا بابا، لست أنا التي أعاني من النسيان، بل أحد أصدقائي في المدرسة.
بابا ظلَّ صامتًا لفترة، ثم قام بتشغيل الراديو فتدفقت من الراديو موسيقى بيانو خفيفة رحنا نستمع لها صامتيْن، بينما أراقب الشوارع والسيارات والمحلات ذات الواجهات الزجاجية التي نمر بجوارها.
بعد أن انتهيت من تناول الغداء مع بابا وماما وأختي الصغيرة غالية، حكيت لأمي ما حدث وطلبت منها أن تسمح لي بزيارة شادي لكي التقي بوالدته.
ماما سمعت الحكاية باهتمام، وقالت:
- مسكين شادي.. يبدو فعلاً أن لديه مشكلة، لكن لا تذهبـي وحدك، اصطحبـي معك صديقتك ليلى فهي تسكن قريبًا من بيتنا.
قلت لها:
- حاضر يا ماما.
فقالت:
- وقولي لوالدة شادي أنني يسعدني التعرف عليها، لو رغبت في تناول الشاي معنا سيكون ذلك رائعًا.
- حاضر يا أمي، سوف أدعوها لزيارتنا بالتأكيد.