Page 1
محجّبات ولكن !!
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)[الأحزاب:59].أذكر أن امرأة أمريكية زارت عمان منذ سنوات معدودة، لفت نظرها ظاهرة غريبة في (حجاب النساء) ، هي : تغطية الشعر وإبراز الجسد بلباس لا يحجب ؛ من قميص وبنطال يجسمان أعضاء الجسد !.
وقالت بفطرة إنسانية سليمة: لو كانت لدي بنت وخيرت بين تغطية الرأس أو الجسد لاخترت لها أن تكشف شعرها ، وأن تغطي جسدها بلباس ساتر ، فإن فتنة الشعر دون فتنة الجسد .
هذا الموقف يشير إلى خلل في ظاهرة الحجاب في مجتمعنا، ذلك لأن كثيراً من النساء أو الفتيات يخترعن مفهوماً خاصاً للحجاب غير مستمد من كتاب الله أو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أو من التطبيق العملي للحجاب في المجتمع الإسلامي الأول .
ومن جوانب هذا الخلل أن لفظة "حجاب" صارت لدى بعض النساء دالة على تغطية شعر الرأس مع أن الحجاب يدل على لباس ساتر للجسم كله ، "مع خلاف في الوجه والكفين" .
ومن شروط الحجاب :
أن لا يصف الأعضاء ولا يشف عنها ، ولا يكون زينة في نفسه يلفت الأنظار ، لأنه حجاب ينبغي أن يصد الأنظار عن المرأة لا أن يلفتها إليها . وترى في هذا المجال عجباً وبخاصة في الجامعات عندما ترى فتاة مغطية رأسها، لابسة ملابس مشدودة على جسدها ، مما يجعلنا نسأل عن سر تغطية الشعر، أهي عادة أم عبادة ؟
فإذا كانت عبادة تطلب بها رضا الله تعالى ، فهل ما هي فيه ينيلها ذلك الرضا ؟
وتجد إلى جانب ذلك مظاهر من السلوك المنفلت لدى بعض من يرتدين هذا "الحجاب الناقص" أو "الحجاب الفاضح" من علاقة بالشباب تقوم على الانفتاح في الكلام والسلوك والجلوس .
فأي حجاب هذا ؟
صنفان من أهل النار :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (صنفان من أهل النار لم أرهما ، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ) . رواه مسلم
ومن مظاهر الخلل في الحجاب ارتداء الجلباب وغطاء الرأس وتجد مع ذلك على الوجه من الأصباغ والمساحيق ما يجعلك تحس بالتناقض بين الحجاب والزينة التي تملأ الوجه ، تجد ذلك فتراه تلبيساً من الشيطان على هذه الفئة من النساء التي سترت الجسد ولكنها زينت الوجه فجمعت بين المتناقضات .
ومن مظاهر الخلل في الحجاب ما يقوم به بعض مصممي الجلابيب الشرعية من تزيينها بما يخرج عن مفهوم الحجاب ، أو بشق الجلباب شقوقا تطول وتقصر حتى ظهر ما سمي بجلباب " الهواية " ذلك الجلباب الذي يتطاير أشلاء مع الهواء إذا سارت المرأة فينكشف ما تحته من لباس ، وكأنه لم يكن .
إن التزام المرأة المسلمة الحجاب عبادة كسائر العبادات تؤجر عليها ، ولذلك يجب أن تؤديها كما شرعها الله تعالى وكما بينها رسوله صلى الله عليه وسلم وكما طبقته نساء المسلمين عبر قرون الخير التي فهمت ما أراد الله منها .
على المرأة المسلمة أن تعلم أن شياطين الإنس والجن لها بالمرصاد يريدون أن يفسدوا حجابها وأن يحبط عملها .
فهل تؤثر العاجل على الآجل ؟
هل تستجيب للغواة دعاة الغواية أم تستجيب لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ .
Page 2
كرنفال الصيف وفلسفة اللباس
علاقة الإنسان باللباس قديمة ترجع إلى بدء الخليقة، وقد قص علينا القرآن الكريم ما كان عليه آدم وزوجته عليهما السلام قبل أن يأكلا من الشجرة ، فقد كانا مستوري الجسم ( فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) [الأعراف:22] .وحين حدثنا القرآن الكريم عن اللباس ذكرنا بقصة أبينا آدم وزوجته وربط كيد الشيطان المتجدد بكيده الأول ، فالكيد ثمرة العداوة التي بدأت بالحسد وامتدت مع الذرية إلى يوم القيامة (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) [الأعراف:26].
فاللباس له غايتان : ستر العورة والزينة .
وقيل في معنى ( ريشاً ) لباس الزينة .
ولباس التقوى : الإيمان أو الحياء أو العمل الصالح.
ثم قال تعالى بعد ذلك (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) [الأعراف:27].
فإذا كان الشيطان قد اتخذ من المعصية التي ارتكبها آدم وزوجه بإغرائه سببا لإخراجهما من الجنة ؛ فإنه بإغراء الإنسان بنزع الثياب في الدنيا يفتنه ويعدل به عن طريق العودة إلى الجنة ليكون من أصحاب النار .
وكم يجني المتحدثون عن اللباس على الحقيقة حين يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، ولو صدقوا لنطقت فطرتهم بالحق الصراح ، وهو أن اللباس علامة دالة على الفكر والمعتقد ، وإشارة بينة على وجهة السلوك ومخبوء الخلق .
يقولون افتراء من عند أنفسهم : المهم الأخلاق ، والمهم السلوك ، واللباس قشور ، وكم من مستورة الجسد عارية النفس . ولو صدقوا مع أنفسهم ورجعوا إلى كلام الله – إن كانوا يؤمنون بالله وبما أنزل في كتابه – لرأوا أن القرآن حدثنا عن لباسين : لباس يستر الجسد و يبعد عن المرأة أعين السوء وخطرات السوء ، وسلوك السوء ممن في قلبهم مرض ، ولباس آخر هو لباس التقوى الذي يضبط السلوك ويقيم التوازن بين الظاهر والباطن .
إن من مشكلاتنا المعضلة في هذا العصر اختلاط المفاهيم وتجاور المتناقضات ووجود الحواجز والسدود بين المعتقد والسلوك والظاهر والباطن ، ولا أدري كيف تقف المرأة بين يدي ربها الذي خلقها في غرفة مغلقة وتصلي له وهي مستورة ، ولئن سألتها: هل تصلين لله بغير لباس ساتر للجسد كله لقالت لك : معاذ الله ، ولئن سألتها : لماذا؟ لقالت لك : لأنه يحرم أن أصلي بغير لباس ساتر.
وتعجب من هذه المستورة في صلاتها حين تفرغ منها فتتخذ من الزينة ألوانا ومن اللباس فتاناً ثم تخرج أمام عباد الله بلباس لا يرضى الله بل يفتن عباد الله . وتسألها عند ذلك! أحرام أن تصلي لله تعالى بغير لباس ساتر وحلال أن تخرجي أمام عباد الله بلباس فاتن ؟! فتسكت أو تجيب رادة الأمر إلى العادة والتربية التي نشأت عليها.
كيف تجمع المسلمة بين أمر الله لها بالحجاب ودعوته إياها إلى الستر من خلال هذا الخطاب الذي يوجهه إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [الأحزاب:59].
وقوله سبحانه :
(وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور:31].
كيف يجمعن بين هذا الأمر ومنطق الحضارة الغربية الحديثة التي غزت الظواهر والبواطن وجعلت الشعار : ولا يخفين شيئا من زينتهن ، بالكشف المباشر أو اللباس الذي تكون فيه المرأة كاسية عارية كما قال الرافعي رحمه الله في وصف عروض الأزياء التي لم تعد مقصورة على صالات العرض بل امتدت إلى الشوارع والجامعات ومكاتب العمل :
"الفتاة تعرض الثوب ، والثوب يعرض الجسم والجسم والثوب معاً يعرضان الفتاة ".
إن عولمة اللباس التي نشاهدها في بقاع العالم تدل على طغيان الحضارة المادية المعاصرة ، وعلى تغلبها على القيم التي كانت تفرض الخصوصية لكل أمة في لباسها وأنماط معاشها ، وهو طغيان يجد من يروج له من الذين يتبعون الشهوات .. الذين يريدون أن يميل الناس ميلاً عظيما لتصبح الشهوات غاية الغايات ومحرك الإنسان في العلم والعمل ، وشغله الشاغل في الليل والنهار.
هل نستطيع أن نأخذ الأمر مأخذ الجد ونحن نرى في مطلع كل صيف ألوانا من اللباس أو ما يشبه اللباس أو مالا يستحق أن يسمى لباسا ، أو إن جاز أن يكون كذلك فهو مما ينبغي ألا تظهر فيه المرأة إلا لزوجها وعليها أن تستر نفسها إن لبسته حتى عن أعين محارمها .
هل يستطيع الآباء والأمهات أن يراجعوا ما هم فيه وما عليه بناتهم من لباس يدفعون ثمنه ويتلبسون إثمه ويجدون حسرة ذلك يوم القيامة ، وهم يدفعون به ببناتهم ليكن فرائس لأعين الناهشين حيث سرن وحيث ذهبن .
هل يقول قائل : إنك تبالغ في الأمر وتجعل اللباس قضية كبرى وهي دون ذلك .
لهؤلاء أقول : افتحوا أعينكم وانظروا ماذا يجري من حولكم وإلى سيول الشهوات والمثيرات التي تتدفق من كل صوب على جيل الشباب والفتيات الذين لا يجدون إلى الحلال سبيلا ويجدون في القيم الجديدة التي تبثها المسلسلات وأغاني" الفيديو كليب" يجدون قدوة يقلدها بعضهم ، ولا ينفع ندم حين تقع الفأس في الرأس ، إلا إذا وصلنا إلى مرحلة تخلى فيها بعضنا عن قيم العفة والشرف، وصارت العلاقة بين الشاب والفتاة طليقة من كل قيد إلا الرضا بين الطرفين ، ومعاذ الله أن نصل إلى هذه المرحلة التي يتحول فيها الإنسان إلى كائن آخر غير ما أراده الله تعالى له من وظيفة ومنزلة في هذه الأرض .