Page 1
تمهيد
الاتهام، الإبهام، الإيهام، الإلهام
1 ـ هموم النقد والواجب الوطني..سياقات التلقي بين البرهان والسلطان
لا يزال الواقع العراقي برمته يشكل مأزقاً للمتابعة السياسية وصعوبة في التطبيقات على صعيد النظريات التحليلية. كذلك فإنّ السّمات التي تميّز الوضع العام تتجلّى وتتضاعف أكثر فأكثر في الوضع الخاص والذي يمثل التيار الصدري إحدى شعابه وتفرعاته. وبناءً على ذلك يرى أنّ ثمة تحدياً كبيراً أمام المنظرين الأجانب، وهو مبرّر، بعدم وضوح النص الثقافي العراقي وأقنعته السياسية وبالعكس، الأمر الذي يوجب الوقوع في تناقضات مريرة عند الدخول في غابة التفاصيل وفض سياقات هذا الإبهام؛ ثم تتكاثر الأخطاء وتتضاعف حينما يُعتمد كل ذلك كمرجع لقراءة مسارات الوعي في المجتمع العراقي أو المشرقي عموماً، في الوقت الذي تتناسل فيه كتابات المحللين المحليين، من دون وقفة تأمل بانعدام العمق اللازم للتحليل، وما يتبع ذلك من رؤى وأطروحات بدت سطحية على هذا الصعيد، والتي جاءت التغييرات العراقية لتثبت خطأ تلك التحليلات التي اختزلت تنامي الحركات الدينية بأنها محض امتصاص للخيبات الاجتماعية والاقتصادية لا غير، حيث بدت، أي هذه التحليلات وكأنها كُتبت عن واقع ومجتمع آخر لا علاقة له بها. وهكذا بدل أن تعمل تلك التغييرات على نشر تلك التحليلات والتنظيرات وإشاعتها فقد قامت التغييرات بتشييعها، فلا نلبث أن نقرأ قولاً إلّا ونراه يلتقي وبسرعة بسالف صحبه من أقوال وتحليلات مشابهة في اللحد المشترك لمقبرة الأخطاء!
فالتغيير الذي حدث بعد التاسع من نيسان 2003 استتبع تغييراً في البناء الاجتماعي نفسه، تغييراً لم يمسّ الجوهر العام ككل لكنه غيّر من ترتيب العناصر فيه. فثمة عناصر كانت مسحوقة تحولت إلى عناصر مهيمنة، وثمة عناصر مهمشة تحولت إلى تكتلات ضغط وبعضها تحوّل إلى قلب مركز القرار. وهذا التغيير في البناء الاجتماعي للقوى المهيمنة والقوى المهمشة، يحصل عادة بسبب منظومتين من العوامل: ضعف البناء الداخلي لإيديولوجيا التحرك، والاختراقات من قبل الخصوم والمنافسين، وأيضاً بسبب العمل المنظم والمخطط للجماعات الاجتماعية المعارضة والممتنعة، والأفراد المعارضين وتيارات الممانعة، حيث إن مثل هذه الجماعات والأفراد يمكن أن تكون لها دوافع سياسية لمعارضة نظام الحكم الجديد وخريطة العمل المفروضة، وغالباً ما تبرز في سياق النضال الذي فجّرت أسبابه مركزية السلطة الحاكمة وشمولية نظامها، الذي يكون له في العادة مخصصات معينة وامتيازات محدّدة لفئات دون أخرى بحسب موقع كل فئة من فئات القوى الجديدة الراضية عن الوضع الجديد بما يتلاءم وسد احتياجاتها وإثراء أطماعها؛ كما يمكن أن يكون لهؤلاء دوافع أخلاقية تكون أبعد مدى وأكثر تأثيراً من الدوافع المنفعية والمصلحة الطبقية، مثل الذاكرة المذهبية أو الاستجابة لرموز وإيحاءات قومية ومناطقية وسرديات تاريخية.
إنَّ درجة التماسك أو الانفراد داخل أي تشكيل اجتماعي يعتبر علامة أولية مقررة لقدرته أو عدمها على العمل الجماعي التضامني، وإنَّ إمكانية نجاح تيارات الممانعة يعتمد عادة على استعداد الجماعات المختلفة المعارضة داخل هذه التشكيلات الاجتماعية وقدرتها على التحالف والتآزر؛ في حين أن الأطراف العراقية حرصت أشد الحرص على بيان اختلافاتها والإصرار على عناصر تفارقها، وهو أمر ينقض جملة القواعد المدرسية في علم الاجتماع السياسي، ويفضي إلى إعادة النظر بالشأن العراقي من زاوية نظر مختلفة تغاير بديهيات تلك المقررات التحليلية، التي يمكن بواسطتها، ليس تحقيق قراءة ناجحة للمتغيرات والحوادث، وإنما أيضاً إيجاد صيغة عمل تضامني يعيد تنسيق كل مجموعة وحزب داخل عناصرها، كما تكون له القدرة على صياغة منظومة تكافلية بين التيارات والأحزاب المختلفة، يخرجها من تكرار سياسة الباب المسدود والطرق المغلقة والمُلغّمة، ويضمن للجميع تحقيق مصالح طبقية وسكينة مرضية للذاكرة الثقافية والقومية والدينية؛ وهو أمر لا يزال بعيداً كونه يتطلب الاعتراف بحقيقة النتائج المؤلمة التي حصلت والعودة، من ثم، إلى الأسباب ومحاولة كسر السياقات المهيمنة، ونزعاً نهائياً لألبسة الاصطفاف والتجنيد والتخندق. وهذا أمر لا يزال غير ممكن الحدوث نظراً لاختلاف المرجعيات بين الدولة وحلفائها وبين الطبقات الاجتماعية وموروثها الشعبي، وبين تيارات الممانعة المختلفة عن الجهتين معاً. لذا فكل حلف وإعادة علاقة ومقاربة بين هذه الأطراف سرعان ما يدبّ فيه التفسخ لأنه لا استمرار للعلاقات القائمة على القهر؛ إذ كيف تتحقق العلاقة بين أحزاب تبتغي الانفراد في السلطة السياسية ولا يهمها الشكل الحقيقي للدولة (كما دلت على ذلك المناقشات عام 2008 التي دارت حول الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة)، ومفارقات التطبيق والتأويل عام 2009. وبين طبقات تحرص على الإبقاء على ثرائها وتقاليدها وامتيازاتها الموروثة، وبين تيارات همها الأصالة الثقافية؛ فما الذي يمكن أن يجمع هذه الأطراف خصوصاً أن تحقيق إيديولوجيا عراقية، لا يزال فكرة غائبة؟!
الاتهام، الإبهام، الإيهام، الإلهام
1 ـ هموم النقد والواجب الوطني..سياقات التلقي بين البرهان والسلطان
لا يزال الواقع العراقي برمته يشكل مأزقاً للمتابعة السياسية وصعوبة في التطبيقات على صعيد النظريات التحليلية. كذلك فإنّ السّمات التي تميّز الوضع العام تتجلّى وتتضاعف أكثر فأكثر في الوضع الخاص والذي يمثل التيار الصدري إحدى شعابه وتفرعاته. وبناءً على ذلك يرى أنّ ثمة تحدياً كبيراً أمام المنظرين الأجانب، وهو مبرّر، بعدم وضوح النص الثقافي العراقي وأقنعته السياسية وبالعكس، الأمر الذي يوجب الوقوع في تناقضات مريرة عند الدخول في غابة التفاصيل وفض سياقات هذا الإبهام؛ ثم تتكاثر الأخطاء وتتضاعف حينما يُعتمد كل ذلك كمرجع لقراءة مسارات الوعي في المجتمع العراقي أو المشرقي عموماً، في الوقت الذي تتناسل فيه كتابات المحللين المحليين، من دون وقفة تأمل بانعدام العمق اللازم للتحليل، وما يتبع ذلك من رؤى وأطروحات بدت سطحية على هذا الصعيد، والتي جاءت التغييرات العراقية لتثبت خطأ تلك التحليلات التي اختزلت تنامي الحركات الدينية بأنها محض امتصاص للخيبات الاجتماعية والاقتصادية لا غير، حيث بدت، أي هذه التحليلات وكأنها كُتبت عن واقع ومجتمع آخر لا علاقة له بها. وهكذا بدل أن تعمل تلك التغييرات على نشر تلك التحليلات والتنظيرات وإشاعتها فقد قامت التغييرات بتشييعها، فلا نلبث أن نقرأ قولاً إلّا ونراه يلتقي وبسرعة بسالف صحبه من أقوال وتحليلات مشابهة في اللحد المشترك لمقبرة الأخطاء!
فالتغيير الذي حدث بعد التاسع من نيسان 2003 استتبع تغييراً في البناء الاجتماعي نفسه، تغييراً لم يمسّ الجوهر العام ككل لكنه غيّر من ترتيب العناصر فيه. فثمة عناصر كانت مسحوقة تحولت إلى عناصر مهيمنة، وثمة عناصر مهمشة تحولت إلى تكتلات ضغط وبعضها تحوّل إلى قلب مركز القرار. وهذا التغيير في البناء الاجتماعي للقوى المهيمنة والقوى المهمشة، يحصل عادة بسبب منظومتين من العوامل: ضعف البناء الداخلي لإيديولوجيا التحرك، والاختراقات من قبل الخصوم والمنافسين، وأيضاً بسبب العمل المنظم والمخطط للجماعات الاجتماعية المعارضة والممتنعة، والأفراد المعارضين وتيارات الممانعة، حيث إن مثل هذه الجماعات والأفراد يمكن أن تكون لها دوافع سياسية لمعارضة نظام الحكم الجديد وخريطة العمل المفروضة، وغالباً ما تبرز في سياق النضال الذي فجّرت أسبابه مركزية السلطة الحاكمة وشمولية نظامها، الذي يكون له في العادة مخصصات معينة وامتيازات محدّدة لفئات دون أخرى بحسب موقع كل فئة من فئات القوى الجديدة الراضية عن الوضع الجديد بما يتلاءم وسد احتياجاتها وإثراء أطماعها؛ كما يمكن أن يكون لهؤلاء دوافع أخلاقية تكون أبعد مدى وأكثر تأثيراً من الدوافع المنفعية والمصلحة الطبقية، مثل الذاكرة المذهبية أو الاستجابة لرموز وإيحاءات قومية ومناطقية وسرديات تاريخية.
إنَّ درجة التماسك أو الانفراد داخل أي تشكيل اجتماعي يعتبر علامة أولية مقررة لقدرته أو عدمها على العمل الجماعي التضامني، وإنَّ إمكانية نجاح تيارات الممانعة يعتمد عادة على استعداد الجماعات المختلفة المعارضة داخل هذه التشكيلات الاجتماعية وقدرتها على التحالف والتآزر؛ في حين أن الأطراف العراقية حرصت أشد الحرص على بيان اختلافاتها والإصرار على عناصر تفارقها، وهو أمر ينقض جملة القواعد المدرسية في علم الاجتماع السياسي، ويفضي إلى إعادة النظر بالشأن العراقي من زاوية نظر مختلفة تغاير بديهيات تلك المقررات التحليلية، التي يمكن بواسطتها، ليس تحقيق قراءة ناجحة للمتغيرات والحوادث، وإنما أيضاً إيجاد صيغة عمل تضامني يعيد تنسيق كل مجموعة وحزب داخل عناصرها، كما تكون له القدرة على صياغة منظومة تكافلية بين التيارات والأحزاب المختلفة، يخرجها من تكرار سياسة الباب المسدود والطرق المغلقة والمُلغّمة، ويضمن للجميع تحقيق مصالح طبقية وسكينة مرضية للذاكرة الثقافية والقومية والدينية؛ وهو أمر لا يزال بعيداً كونه يتطلب الاعتراف بحقيقة النتائج المؤلمة التي حصلت والعودة، من ثم، إلى الأسباب ومحاولة كسر السياقات المهيمنة، ونزعاً نهائياً لألبسة الاصطفاف والتجنيد والتخندق. وهذا أمر لا يزال غير ممكن الحدوث نظراً لاختلاف المرجعيات بين الدولة وحلفائها وبين الطبقات الاجتماعية وموروثها الشعبي، وبين تيارات الممانعة المختلفة عن الجهتين معاً. لذا فكل حلف وإعادة علاقة ومقاربة بين هذه الأطراف سرعان ما يدبّ فيه التفسخ لأنه لا استمرار للعلاقات القائمة على القهر؛ إذ كيف تتحقق العلاقة بين أحزاب تبتغي الانفراد في السلطة السياسية ولا يهمها الشكل الحقيقي للدولة (كما دلت على ذلك المناقشات عام 2008 التي دارت حول الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة)، ومفارقات التطبيق والتأويل عام 2009. وبين طبقات تحرص على الإبقاء على ثرائها وتقاليدها وامتيازاتها الموروثة، وبين تيارات همها الأصالة الثقافية؛ فما الذي يمكن أن يجمع هذه الأطراف خصوصاً أن تحقيق إيديولوجيا عراقية، لا يزال فكرة غائبة؟!
Page 2
إذن تستمر الحالة العراقية محتفظة بالكثير من الكمائن الخاصة التي تصيب أية مقاربة بالكثير من التعثر. وهذه الكمائن سوف تكون خسائرها أفدح لمن يبتغي صياغة تيار ثوري أو ممانع لا يراعي كل هذه العناصر المعقدة. فالقوة الجماهيرية لوحدها لا تكفي لبناء تيار كهذا، وإنما قد تودي بالجماهير وببنية التيار نفسه بأفدح الخسائر، لأنّ هناك فرقاً كبيراً بين الثورة والمغامرة، وكذلك بين الامتناع وبين الممانعة. فالأولى محض سلب واكتفاء، بينما الثانية موقف مركّب يتطلب الكثير من التثبت وإيجاد قدرة الإرادة في توازن المصالح والمبادىء والخروج بكفاءة على تمثيل الجموع بما يخدم الإبقاء على صوتها مؤثراً في صنع المستقبل.
وأمام هذا الامتحان لمناهج القراءة ومعالجات الكتابة، يبدو أنه يتوجب عليَّ أولاً تقديم اعترافاً وتوضيح. فأما الاعتراف فهو أن هذا الكتاب جزء من حلقات الامتناع والممانعة، التي أنجزنا منها حتى الآن كتابين: «دع العاصفة تزمجر أكثر، يوميات في مقاومة الخراب العراقي»، و«العراق الجديد-الامتناع والممانعة» وسوف يتلوهما كتابان آخران. لكن نظراً لطول الحديث عن مشكلات التيار الصدري وصخب التخطئة والدفاع من جانب، وتميّزه بأسلوب الخطابية ومنهجها، وتدخل مواضيع فقهية وتاريخية وعقائدية وغيرها من أسلحة النقد القديمة أو المعاصرة من جانب آخر، فإنَّ عزل هذه الأوراق لوحدها كان هو الأسلم من الناحية المنهجية. هذا بالإضافة إلى كون مسألة التيار الصدري تحتاج إلى كتاب خاص بها، بعدما باتت مثقلة بالكثير من الأقنعة والتشويهات والإبهامات والاتهامات، سواء من داخلها وضمن المنتمين إليها، أو من قبل الأطراف الخارجية المعادية لها. إذن فهذا الكتاب هو جزء من تلك الحلقات؛ فالتيار الصدري هو أحد تيارات الممانعة دون أدنى شك، لكن هذا التحديد فيه التباس شديد سوف توضحه الأوراق المقبلة والفصول الآتية.
فالتيار الصدري ليس تيار ممانعة سياسياً فقط وإنما ثقافي أيضاً، خصوصاً وأن الصدر الثاني ظهر في زمن المد الوهابي الجديد في العراق الذي انتشر بفضل الحصار الاقتصادي على العراق في تسعينيات القرن العشرين، وضعف المدارس الدينية والثقافية بسبب قمع السلطة البعثية واستمرارها في تصفية العقول والكوادر العلمية؛ فكان ظهور الصدر الثاني تجديداً لمواجهة العقيدة الوهابية المدمرة والتي لها تاريخ طويل في الإجرام ونشر التخلف وسفك الدماء منذ مجزرة كربلاء التي ارتكبها الأمير عبد العزيز بن سعود في 22 نيسان/أبريل عام 1802، والتي استمرت على شكل غزوات مسلحة أو حملات إعلامية أو ممارسات تهجير، فكان ظهور الصدر الثاني بمشروعه ذاك بمثابة تحدٍّ مزدوج للسلطة البعثية في الداخل وسلطة شيوخ العقيدة الوهابية ومن هم تحت إمرتهم من زعماء حكومات وتجار مذهبيين. وطبيعي أن يشتد العداء بين العقيدة الوهابية ومموليها الطائفيين ومدرسة الصدر كونها مدرسة نقد فلسفي أولاً وذات قدرة جماهيرية ثانياً. والعقيدة الوهابية عانت كثيراً من عدم قدرتها إلى اختراق الجماهيرية العراقية وتحولها إلى عقيدة شعبية واسعة كما حصل في دول الخليج ومصر والجزائر، بينما ضلت الوهابية تعتبر العقل والفلسفة، أموراً مضللة، داعية إلى التشبث بحرفية النصوص، كما هو معروف عنها.
وهذه المميزات للصدر الثاني والمدرسة الصدرية هي التي سوف تجعل التيار الصدري يتحمل عبئاً كبيراً بعد عملية اغتيال الفقيه الكبير محمد محمد صادق الصدر قبل بناء كوادر مؤهلة لهذه الممانعة المزدوجة، لكون هذه الخصائص تتطلب تأهيلاً علمياً وقدرة في المحاورة والخطاب، عالية جداً، وهو ما يتعذر بناؤه في زمن قصير، الأمر الذي يفسّر عنف الاصطدام الذي واجهه التيار الصدري من قبل خلايا الإرهاب الطائفي المسلح، وبقاءه وحيداً في ميدان الصراع المذهبي في الفترة بين عامي 2004-2007، بل قد يقودنا هذا التحليل إلى التشكيك بتأثير قوى خارجية مذهبية بالضربات الموجعة التي تلقاها التيار الصدري دون غيره. فقد أدركت قوى الطائفية أن الأطراف الأخرى ليس لها من الدين سوى الصبغة فقط، فهي قوى سياسية طامحة للسلطة في الأساس، بخلاف التيار الصدري الذي هو تيار ممانعة مزدوج. وهذا ما دعا الكثير من الأطراف داخل التيار الصدري كي تخفف عن كاهلها وتنزلق صوب المشاكل السياسية فقط، بعد أن أنهكت في دفاعها ضد الهجوم الطائفي الكاسح في تلك الأعوام، وبهذا فَقَدَ التيار الصدري مكانته الثقافية ورصيده السياسي معاً تاركاً الساحة لخصومه على طبق من ذهب!
هذا بالإضافة إلى نقد مدرسة الصدر المعروف للخطاب القومي باعتبار أن مدرسة الصدر هي مدرسة برهانية، مثل ملاحظة الصدر الأول المعروفة في مقدمة كتابه «اقتصادنا» حيث قال:
«إن القومية ليست إلا رابطة تاريخية ولغوية وليست فلسفة ذات مبادىء ولا عقيدة ذات أسس بل حيادية بطبيعتها تجاه تخلف الفلسفات والمذاهب الاجتماعية والعقائدية والدينية، وهي لذلك بحاجة إلى الأخذ بوجهة نظر معينة تجاه الكون والحياة وفلسفة خاصة تصوغ على أساسها معالم حضارتها ونهضتها وتنظيمها الاجتماعي».
بينما أوضح الصدر الثاني في كتاب «اليوم الموعود» هشاشة القومية بأن يكون لها تأثير حقيقي في صياغة بنى الدولة ومشروع الترشيد الاجتماعي العام؛ في حين أن تلقي المحيط العربي لنهاية الطاغية في بغداد، كان عبر فكرة أن هذا السقوط هو سقوط لخطاب القومية العربية وصعود المنافس المذهبي التاريخي لعقيدة الأكثرية العربية، الأمر الذي يستدعي هجمة جهادية يتحد فيها القوميون والأصوليون التكفيريون، معاً ضد هذا العدو المشترك، باعتبار أن القومية والوهابية جزء من وسائل السلطان. وهذا ما يفسر قسوة المذابح التي جرت في العراق، وكونها ظاهرة لا مثيل لها في التاريخ الحديث، لا من حيث الدماء والمجازر والإبادة الإنسانية الوحشية المروعة، وإنما من حيث قوة الصمت وهيمنة التزوير الإعلامي العجيب أيضاً. بالإضافة إلى أن مدرسة الصدر سبق أن قدّمت نقداً مستفيضاً للمشروع الغربي وفككت أطروحاته منذ زمن بعيد، وهذا ما يستدعي القول إن مدرسة الصدر لا بد أن تكون في مقدمة المواجهة لكل هؤلاء الخصوم المختلفين. إنه وضع كان يجب على التيار الصدري أن يواجهه في أكثر من معركة وليس دفعة واحدة، وهو ما لم تقدّره جملة من شرائح وقيادات التيار الصدري، لكونها قيادات غفلت عن تراث مدرسة الصدر نفسه ولم تنتبه إليه إلا بعد مضي أكثر من خمسة أعوام على احتلال العراق وتنامي الحروب الطائفية فيه وتدخل جميع القوى الخارجية في قراراته، الأمر الذي يعني أن مدرسة الصدر ستبقى تواجه الكثير من الصراعات حتى لو تمّت تسوية جميع خلافاتها السياسية. إنها نقطة جديرة بإعادة التأمل فيها لمن يريد إعادة بناء التيار الصدري وتجديده، تخلصاً من خلافات وصراعات على قضايا صغرى هامشية تستنزف الطاقة وتهدر الوقت بدون أية حصيلة نافعة. لكن كيف يحصل ذلك، وميزة كل تيار للفقراء والضعفاء أن يكون قاسياً جداً تجاه الناقدين المتعاطفين معه أكثر من الآخرين الذين يبغضونه! خصوصاً وأن التيار الصدري نفسه أخذ ينحو نحواً إنشائياً تعبوياً متناسياً أن القيمة الجوهرية لمدرسة الصدر هي النقدية، وأن أنجع الوسائل وأنجحها، حسب تجربة الصدرين الملموسة، في محاربة السلطان وفضحه هي الولاء للبرهان والتمسّك به دون سواه.
وأمام هذا الامتحان لمناهج القراءة ومعالجات الكتابة، يبدو أنه يتوجب عليَّ أولاً تقديم اعترافاً وتوضيح. فأما الاعتراف فهو أن هذا الكتاب جزء من حلقات الامتناع والممانعة، التي أنجزنا منها حتى الآن كتابين: «دع العاصفة تزمجر أكثر، يوميات في مقاومة الخراب العراقي»، و«العراق الجديد-الامتناع والممانعة» وسوف يتلوهما كتابان آخران. لكن نظراً لطول الحديث عن مشكلات التيار الصدري وصخب التخطئة والدفاع من جانب، وتميّزه بأسلوب الخطابية ومنهجها، وتدخل مواضيع فقهية وتاريخية وعقائدية وغيرها من أسلحة النقد القديمة أو المعاصرة من جانب آخر، فإنَّ عزل هذه الأوراق لوحدها كان هو الأسلم من الناحية المنهجية. هذا بالإضافة إلى كون مسألة التيار الصدري تحتاج إلى كتاب خاص بها، بعدما باتت مثقلة بالكثير من الأقنعة والتشويهات والإبهامات والاتهامات، سواء من داخلها وضمن المنتمين إليها، أو من قبل الأطراف الخارجية المعادية لها. إذن فهذا الكتاب هو جزء من تلك الحلقات؛ فالتيار الصدري هو أحد تيارات الممانعة دون أدنى شك، لكن هذا التحديد فيه التباس شديد سوف توضحه الأوراق المقبلة والفصول الآتية.
فالتيار الصدري ليس تيار ممانعة سياسياً فقط وإنما ثقافي أيضاً، خصوصاً وأن الصدر الثاني ظهر في زمن المد الوهابي الجديد في العراق الذي انتشر بفضل الحصار الاقتصادي على العراق في تسعينيات القرن العشرين، وضعف المدارس الدينية والثقافية بسبب قمع السلطة البعثية واستمرارها في تصفية العقول والكوادر العلمية؛ فكان ظهور الصدر الثاني تجديداً لمواجهة العقيدة الوهابية المدمرة والتي لها تاريخ طويل في الإجرام ونشر التخلف وسفك الدماء منذ مجزرة كربلاء التي ارتكبها الأمير عبد العزيز بن سعود في 22 نيسان/أبريل عام 1802، والتي استمرت على شكل غزوات مسلحة أو حملات إعلامية أو ممارسات تهجير، فكان ظهور الصدر الثاني بمشروعه ذاك بمثابة تحدٍّ مزدوج للسلطة البعثية في الداخل وسلطة شيوخ العقيدة الوهابية ومن هم تحت إمرتهم من زعماء حكومات وتجار مذهبيين. وطبيعي أن يشتد العداء بين العقيدة الوهابية ومموليها الطائفيين ومدرسة الصدر كونها مدرسة نقد فلسفي أولاً وذات قدرة جماهيرية ثانياً. والعقيدة الوهابية عانت كثيراً من عدم قدرتها إلى اختراق الجماهيرية العراقية وتحولها إلى عقيدة شعبية واسعة كما حصل في دول الخليج ومصر والجزائر، بينما ضلت الوهابية تعتبر العقل والفلسفة، أموراً مضللة، داعية إلى التشبث بحرفية النصوص، كما هو معروف عنها.
وهذه المميزات للصدر الثاني والمدرسة الصدرية هي التي سوف تجعل التيار الصدري يتحمل عبئاً كبيراً بعد عملية اغتيال الفقيه الكبير محمد محمد صادق الصدر قبل بناء كوادر مؤهلة لهذه الممانعة المزدوجة، لكون هذه الخصائص تتطلب تأهيلاً علمياً وقدرة في المحاورة والخطاب، عالية جداً، وهو ما يتعذر بناؤه في زمن قصير، الأمر الذي يفسّر عنف الاصطدام الذي واجهه التيار الصدري من قبل خلايا الإرهاب الطائفي المسلح، وبقاءه وحيداً في ميدان الصراع المذهبي في الفترة بين عامي 2004-2007، بل قد يقودنا هذا التحليل إلى التشكيك بتأثير قوى خارجية مذهبية بالضربات الموجعة التي تلقاها التيار الصدري دون غيره. فقد أدركت قوى الطائفية أن الأطراف الأخرى ليس لها من الدين سوى الصبغة فقط، فهي قوى سياسية طامحة للسلطة في الأساس، بخلاف التيار الصدري الذي هو تيار ممانعة مزدوج. وهذا ما دعا الكثير من الأطراف داخل التيار الصدري كي تخفف عن كاهلها وتنزلق صوب المشاكل السياسية فقط، بعد أن أنهكت في دفاعها ضد الهجوم الطائفي الكاسح في تلك الأعوام، وبهذا فَقَدَ التيار الصدري مكانته الثقافية ورصيده السياسي معاً تاركاً الساحة لخصومه على طبق من ذهب!
هذا بالإضافة إلى نقد مدرسة الصدر المعروف للخطاب القومي باعتبار أن مدرسة الصدر هي مدرسة برهانية، مثل ملاحظة الصدر الأول المعروفة في مقدمة كتابه «اقتصادنا» حيث قال:
«إن القومية ليست إلا رابطة تاريخية ولغوية وليست فلسفة ذات مبادىء ولا عقيدة ذات أسس بل حيادية بطبيعتها تجاه تخلف الفلسفات والمذاهب الاجتماعية والعقائدية والدينية، وهي لذلك بحاجة إلى الأخذ بوجهة نظر معينة تجاه الكون والحياة وفلسفة خاصة تصوغ على أساسها معالم حضارتها ونهضتها وتنظيمها الاجتماعي».
بينما أوضح الصدر الثاني في كتاب «اليوم الموعود» هشاشة القومية بأن يكون لها تأثير حقيقي في صياغة بنى الدولة ومشروع الترشيد الاجتماعي العام؛ في حين أن تلقي المحيط العربي لنهاية الطاغية في بغداد، كان عبر فكرة أن هذا السقوط هو سقوط لخطاب القومية العربية وصعود المنافس المذهبي التاريخي لعقيدة الأكثرية العربية، الأمر الذي يستدعي هجمة جهادية يتحد فيها القوميون والأصوليون التكفيريون، معاً ضد هذا العدو المشترك، باعتبار أن القومية والوهابية جزء من وسائل السلطان. وهذا ما يفسر قسوة المذابح التي جرت في العراق، وكونها ظاهرة لا مثيل لها في التاريخ الحديث، لا من حيث الدماء والمجازر والإبادة الإنسانية الوحشية المروعة، وإنما من حيث قوة الصمت وهيمنة التزوير الإعلامي العجيب أيضاً. بالإضافة إلى أن مدرسة الصدر سبق أن قدّمت نقداً مستفيضاً للمشروع الغربي وفككت أطروحاته منذ زمن بعيد، وهذا ما يستدعي القول إن مدرسة الصدر لا بد أن تكون في مقدمة المواجهة لكل هؤلاء الخصوم المختلفين. إنه وضع كان يجب على التيار الصدري أن يواجهه في أكثر من معركة وليس دفعة واحدة، وهو ما لم تقدّره جملة من شرائح وقيادات التيار الصدري، لكونها قيادات غفلت عن تراث مدرسة الصدر نفسه ولم تنتبه إليه إلا بعد مضي أكثر من خمسة أعوام على احتلال العراق وتنامي الحروب الطائفية فيه وتدخل جميع القوى الخارجية في قراراته، الأمر الذي يعني أن مدرسة الصدر ستبقى تواجه الكثير من الصراعات حتى لو تمّت تسوية جميع خلافاتها السياسية. إنها نقطة جديرة بإعادة التأمل فيها لمن يريد إعادة بناء التيار الصدري وتجديده، تخلصاً من خلافات وصراعات على قضايا صغرى هامشية تستنزف الطاقة وتهدر الوقت بدون أية حصيلة نافعة. لكن كيف يحصل ذلك، وميزة كل تيار للفقراء والضعفاء أن يكون قاسياً جداً تجاه الناقدين المتعاطفين معه أكثر من الآخرين الذين يبغضونه! خصوصاً وأن التيار الصدري نفسه أخذ ينحو نحواً إنشائياً تعبوياً متناسياً أن القيمة الجوهرية لمدرسة الصدر هي النقدية، وأن أنجع الوسائل وأنجحها، حسب تجربة الصدرين الملموسة، في محاربة السلطان وفضحه هي الولاء للبرهان والتمسّك به دون سواه.
Page 3
كل هذه هي عبارة عن التباسات واختلاطات وقع فيها التيار الصدري، أو أوقعه فيها خصومه بذكاء وحرفية سياسية بالغة الدهاء. وهي التباسات تجعل مهمة المثقف المستقل عسيرة في إعادة تفكيك تلك السياقات ومحاولة فرز اختلاطاتها الملتبسة الكثيرة، لأنَّ أصعب المهام هي نقد الأوهام التي تقدم نفسها بكونها هي الحلول، والادعاءات بأنها هي البراهين، والتحزبات بكونها الحياد، وهو أمر استدعى جهداً مضاعفاً وورطة مزدوجة. إذ من غير الممكن إيجاد حد مشترك بين الذي يبحث عن القناعة عن طريق البرهان، وبين الذي يرتضي بالأقنعة التي تأتي عبر السلطان. فنحن هنا أمام رهان أرادت ثلاث قوى تحويله إلى قصة عبر مخيال خاص:
1 ـ أن يتحول العراق إلى قصة نجاح سياسي من قبل الرئيس الأميركي بوش الابن، وبعض الأحزاب العراقية.
2 ـ أن يتحول العراق إلى قصة انتقام وثأر من قبل عصابات الإرهاب وتجارب الحقد الطائفي والقوموي.
3 ـ أن يتحول العراق إلى قصة ثورة كاريزمية عارمة، من قبل التيار الصدري.
وطبيعي أن تكون هذه القوى الثلاث تخشى التحليل لأنه يفكك الرواية ويعيد تركيب القصة بعزل العناصر الواقعية عن تلك العناصر الخيالية الأخرى. إنه أمر يصدم العاطفة الجياشة والذاكرة الجريحة، ويقطع تسلسل أحلام اليقظة؛ إذ لا صحوة أخطر من النقد.
* * *
هذا ما يتعلق بالاعتراف، أما بما يخص التوضيح: فقد يبدو الموضوع صادماً بالنسبة للمثقف ولكل منتمٍ للعلمانية والتنوير أو ساع لثقافة إنسانية مشتركة ومتأمل بمصالحة وطنية دائمة. فقد يكون بحث كهذا دعماً لمنظمة إرهابية أو طائفية بشكل غير مباشر.
وقد يبدو الموضوع مريباً أو مخيفاً بالنسبة للذين ينتمون إلى مذهب ديني ما، حتى لو كان هذا المذهب هو المذهب الشيعي الذي ينتمي إليه الفقيه المغدور محمد محمد صادق الصدر. فموضوع كهذا هو أشبه بإعادة مأزق أو فتنة أو مصيبة، أو إعادة تعزيز لخصم أو منافس غير مرغوب به بالمرة.
وقد يبدو الموضوع متأخراً بالنسبة للذين يؤمنون بخط الصدر أو يحلمون بأن يكونوا كذلك، أو يتصورون أنفسهم بأنهم جزء لا يتجزأ من هذا التيار.
لكن ليسمح لي القارىء أن أبيِّن موقفي، موقفي من اختياري الموضوع كمشغل كتبيّ بالتحديد، فبكل تأكيد لا أريد هنا تقديم صنم جديد، إذ يكفي ما وصلنا إليه من التخمة بالأصنام، قديمة وجديدة:
إننا من زاوية الموقف الثقافي والعلماني والتنويري لا نستطيع رفض الآخر وإجباره على الكف عن بيان معتقداته مهما كانت تلك المعتقدات والتصورات منغلقة، أو موروثة ذات أبعاد أصولية أو راديكالية أو أسطورية رجعية ودويماغوجية من وجهة نظرنا لأن موقفاً كهذا يعارض المبدأ الثقافي والعلمي. فهل يعقل أن يهتم المثقف بتصفح أساطير غاية في القدم حول آلهة المياه والخصب والموت وطوطم القبيل، ويشيح بوجهه عن قراءة كتب فقيه تؤمن به في الزمن الراهن، الملايين من البشر وباسمه حصلت عشرات الأحداث التي أدّت إلى حد سفك الدماء؟!
هذا بالإضافة إلى عدم جدوى التنوير ما لم يتحقق الإصلاح الديني أولاً، كما دلت على ذلك التجربة الأوروبية بوضوح. وهناك سبب ثالث وهو أن مدرسة الصدر تحمل جملة عناصر صالحة للوفاق الوطني بين معسكري الأمة، العلماني والديني كما سوف يتضح ذلك في طيات هذا الكتاب المختصر والعاجل.
إنَّ الارتياب من الطائفية لا مسوغ له، فالنظر في تكوينات مذهب ما ليس أمراً مذهبياً بل الموقف الاستباقي هو الذي ينتج ردة فعل تجعل الآخر يتشنج في موقف دفاعي أو هجومي. بالإضافة إلى أن إعادة النظر هي غنى للتعدد وسبر علمي للاختلاف، على عكس الموقف المهتز والمتخوّف الذي يبعث على الجهل والكسل وإيقاظ الكراهية.
وللتأكيد على ذلك فقد صدرت خلال السنوات الأربع الماضية عشرات الكتب عن الطائفة الصائبية وعن الطائفة اليزيدية، وقد رحّب الجميع بهذا التعريف، ونحن بدورنا نرحب ونشجع، فهل يكون التعريف بطائفة قليلة التأثير السياسي والواقعي أهم من تيار مليوني الانتماء!
على العكس: الكثرة هنا وشحّة الدراسات عن موضوعنا هذا، تجبرنا على التساؤل عن الأسباب الواضحة والخفية الكامنة وراء هذه المفارقة.
عليه، فالمسألة هنا تخص الفضول المعرفي أولاً، وتستدعي مسؤولية المختص وكل من له أدنى معرفة موضوعية بهذه المشكلة ودربة مزالق النظر فيها.
لكن أليس الأمر يسبب خوفاً بالنسبة لأطراف عديدة كأن تكون مسيحية مثلاً تخشى من تقوية تيار راديكالي ينتمي لمذهب الأكثرية ويملك ميليشيا مسلحة.. ألا يكون الأمر بائساً حينما نفكر بالقضية من ناحية ضرورة إضعاف كل ما يهدد أمن نظام دولة طرية العود؟!
سؤال قد يبدو وجيهاً لكن هل النفي هنا هو نِعمَ الجواب. ماذا لو تركنا تجديد تيار جماهيري هو من بين القوى الموجودة فعلاً: القوات الأجنبية، البيشمركة الكردية، فيلق بدر وقوات المجلس الأعلى، التيار الصدري. كيف يكون تردي قوة بهذا الحجم أمراً مطمئناً، ألا يكون ذلك أشبه بتشظي قنبلة بشكل عشوائي، أو السير على لغم نُقنع أنفسنا بأنه بات قديماً ومعطّلاً؟!
1 ـ أن يتحول العراق إلى قصة نجاح سياسي من قبل الرئيس الأميركي بوش الابن، وبعض الأحزاب العراقية.
2 ـ أن يتحول العراق إلى قصة انتقام وثأر من قبل عصابات الإرهاب وتجارب الحقد الطائفي والقوموي.
3 ـ أن يتحول العراق إلى قصة ثورة كاريزمية عارمة، من قبل التيار الصدري.
وطبيعي أن تكون هذه القوى الثلاث تخشى التحليل لأنه يفكك الرواية ويعيد تركيب القصة بعزل العناصر الواقعية عن تلك العناصر الخيالية الأخرى. إنه أمر يصدم العاطفة الجياشة والذاكرة الجريحة، ويقطع تسلسل أحلام اليقظة؛ إذ لا صحوة أخطر من النقد.
* * *
هذا ما يتعلق بالاعتراف، أما بما يخص التوضيح: فقد يبدو الموضوع صادماً بالنسبة للمثقف ولكل منتمٍ للعلمانية والتنوير أو ساع لثقافة إنسانية مشتركة ومتأمل بمصالحة وطنية دائمة. فقد يكون بحث كهذا دعماً لمنظمة إرهابية أو طائفية بشكل غير مباشر.
وقد يبدو الموضوع مريباً أو مخيفاً بالنسبة للذين ينتمون إلى مذهب ديني ما، حتى لو كان هذا المذهب هو المذهب الشيعي الذي ينتمي إليه الفقيه المغدور محمد محمد صادق الصدر. فموضوع كهذا هو أشبه بإعادة مأزق أو فتنة أو مصيبة، أو إعادة تعزيز لخصم أو منافس غير مرغوب به بالمرة.
وقد يبدو الموضوع متأخراً بالنسبة للذين يؤمنون بخط الصدر أو يحلمون بأن يكونوا كذلك، أو يتصورون أنفسهم بأنهم جزء لا يتجزأ من هذا التيار.
لكن ليسمح لي القارىء أن أبيِّن موقفي، موقفي من اختياري الموضوع كمشغل كتبيّ بالتحديد، فبكل تأكيد لا أريد هنا تقديم صنم جديد، إذ يكفي ما وصلنا إليه من التخمة بالأصنام، قديمة وجديدة:
إننا من زاوية الموقف الثقافي والعلماني والتنويري لا نستطيع رفض الآخر وإجباره على الكف عن بيان معتقداته مهما كانت تلك المعتقدات والتصورات منغلقة، أو موروثة ذات أبعاد أصولية أو راديكالية أو أسطورية رجعية ودويماغوجية من وجهة نظرنا لأن موقفاً كهذا يعارض المبدأ الثقافي والعلمي. فهل يعقل أن يهتم المثقف بتصفح أساطير غاية في القدم حول آلهة المياه والخصب والموت وطوطم القبيل، ويشيح بوجهه عن قراءة كتب فقيه تؤمن به في الزمن الراهن، الملايين من البشر وباسمه حصلت عشرات الأحداث التي أدّت إلى حد سفك الدماء؟!
هذا بالإضافة إلى عدم جدوى التنوير ما لم يتحقق الإصلاح الديني أولاً، كما دلت على ذلك التجربة الأوروبية بوضوح. وهناك سبب ثالث وهو أن مدرسة الصدر تحمل جملة عناصر صالحة للوفاق الوطني بين معسكري الأمة، العلماني والديني كما سوف يتضح ذلك في طيات هذا الكتاب المختصر والعاجل.
إنَّ الارتياب من الطائفية لا مسوغ له، فالنظر في تكوينات مذهب ما ليس أمراً مذهبياً بل الموقف الاستباقي هو الذي ينتج ردة فعل تجعل الآخر يتشنج في موقف دفاعي أو هجومي. بالإضافة إلى أن إعادة النظر هي غنى للتعدد وسبر علمي للاختلاف، على عكس الموقف المهتز والمتخوّف الذي يبعث على الجهل والكسل وإيقاظ الكراهية.
وللتأكيد على ذلك فقد صدرت خلال السنوات الأربع الماضية عشرات الكتب عن الطائفة الصائبية وعن الطائفة اليزيدية، وقد رحّب الجميع بهذا التعريف، ونحن بدورنا نرحب ونشجع، فهل يكون التعريف بطائفة قليلة التأثير السياسي والواقعي أهم من تيار مليوني الانتماء!
على العكس: الكثرة هنا وشحّة الدراسات عن موضوعنا هذا، تجبرنا على التساؤل عن الأسباب الواضحة والخفية الكامنة وراء هذه المفارقة.
عليه، فالمسألة هنا تخص الفضول المعرفي أولاً، وتستدعي مسؤولية المختص وكل من له أدنى معرفة موضوعية بهذه المشكلة ودربة مزالق النظر فيها.
لكن أليس الأمر يسبب خوفاً بالنسبة لأطراف عديدة كأن تكون مسيحية مثلاً تخشى من تقوية تيار راديكالي ينتمي لمذهب الأكثرية ويملك ميليشيا مسلحة.. ألا يكون الأمر بائساً حينما نفكر بالقضية من ناحية ضرورة إضعاف كل ما يهدد أمن نظام دولة طرية العود؟!
سؤال قد يبدو وجيهاً لكن هل النفي هنا هو نِعمَ الجواب. ماذا لو تركنا تجديد تيار جماهيري هو من بين القوى الموجودة فعلاً: القوات الأجنبية، البيشمركة الكردية، فيلق بدر وقوات المجلس الأعلى، التيار الصدري. كيف يكون تردي قوة بهذا الحجم أمراً مطمئناً، ألا يكون ذلك أشبه بتشظي قنبلة بشكل عشوائي، أو السير على لغم نُقنع أنفسنا بأنه بات قديماً ومعطّلاً؟!
Page 4
ثم أليس هذا إضعافاً وتهميشاً لجبهات النقد والمعارضة والتي بدونها لا يمكن ضبط الأداء الحكومي وصيانته من الانزلاق في الفساد والاستبداد؟!
يجب أن نكون واضحين هنا برفض أي حالة عنف، عنف حزب على الناس أو على المنشآت الخاصة أو العامة، عنف حزب على حزب أو حزب على الأمن العام. لكن علينا ألّا ننسى بأن المبدأ نفسه يحتِّم الإيمان برفض عنف الدولة أو السلطات العليا على أي منظمة أو حزب ما لم تصدر منه حالة عدوان. وهذا العدوان ليس طائشاً وليس ثأرياً وإنما يكون عنفاً رادعاً وله أسباب معقولة وواضحة، وإلا تحول عمل الدولة إلى إبادة كالذي حصل على يد حكومة العفالقة وصدام حسين.
كما يجب أن نكون واضحين لجهة رفض أية أفكار خرافية أو مضرة غير نافعة، لكن القضية هنا تمسّ التحديد والكشف والإبانة وإعطاء الدليل، وإلّا أصبحنا نوزّع التهم والإسقاطات والتشهير المتبادل، حيث كل منا يطرح نفسه بأنه ممثل الوطن أو العقيدة وبه حصراً يتم تحديد الحلول المطلوبة للخلاص.
قلت «يحتم الإيمان»، لكون الأمر لا قيمة له ما لم يكن عملية إقناع وعقيدة صادقة. فما الحياة دون رأي غير موت استتر ، بحسب تعبير الصدر الثاني.
موضوع التيار الصدري هو موضوع فقهي أولاً واجتماعي ثانياً، وسياسي تاريخي ثالثاً. فهو من المسائل التي تتعاطى مع الفكر وتتفاعل عبر الإشكاليات مع الشعب، والنتيجة والحالة هذه تكون ماسة بقضايا مبدئية أو فلنقل إنها مقبولة أو مرفوضة على أساس كونها كذلك، كما أنها قضية تمسّ الحراك اليومي والمصير الشعبي، وبالتالي فقضية التيار الصدري هي إحدى ثلاث:
أن تكون خطأ بالكامل أو أنها هي صح بالكامل، أو تحتمل شيئاً من الصح. ومن الواضح أن دور المثقف هنا ليس هو السكوت فيما لو كان هنالك خطأ بهذا الحجم، خطأ يشكل إحدى القوى الأربع المؤثرة في تغيرات المصير العراقي، كما أن الصمت لن يكون من ذهب بعدم بيان أين يكمن الصح في هذا التيار في حالة الإيمان به. والقضية ستكون أشد مسؤولية فيما لو قيل إن هناك صحَّاً وخطأ. المسألة إذن ليست بديهيات كما أنها ليست تلك القضية المزاجية التي يمكن للبعض أن يُسطر فيها خواطره العابرة أو المغتصبة ثم يقدمها لنا على أنها آخر القصائد الحداثوية؛ هكذا بكل هذه البساطة التي يراد بها أن تكون عفوية.
والغريب الذي يجب أن نشير إليه هنا في بداية هذه الورقة، هو أنه لدينا الكثير من الكتابات حول الصدر الثاني، لكن الذي نال منها الشهرة والاهتمام حتى الآن، يتمثل بالكتب السبعة التي تحدثت عن الصدر الثاني وبيّنت شخصه وطبيعة تحركه. وهذه الكتب في واقع الحال تمثَّل صوراً متعددة للصدر الثاني بعضها متشابه وبعضها الآخر مختلف إلى درجة التناقض، وهذه الكتب هي كالتالي:
1 - «مرجعية محمد صادق الصدر»، وهو كتيب أصدره المجلس الأعلى قبل اغتيال الفقيه. يقال إن كاتبه هو صدر الدين القبنجي، ووحدة الأسلوب مع بقية كتب القبنجي تعزز هذا القول.
2 ـ كتاب «مرجعية الميدان» لعادل رؤوف.
3 ـ وكتاب «الشاهد والشهيد» لمختار الأسدي.
4 ـ وكتاب «محمد الصدر رجل الفكر والميدان» لمجموعة باحثين.
5 ـ وكتاب «السفير الخامس» لعباس الزبيدي المياحي.
6 ـ وكتاب «الخواطر» لأسعد الناصري.
7 ـ وكتاب «عجائب وغرائب محمد الصدر» لصادق خزعل الزويني.
لكن أيّاً من هذه الكتب لم يقارب حتى ولو بورقة واحدة أفكار هذا الرجل ورؤاه الجوهرية، بل وعلى الرغم من تفاقم الأزمة بين المستنكرين لتياره والمفرطين في اللهج باسمه، فإن لا أحد استخدم شيئاً من تراثه مع العلم أن الرجل خلّف تركة كبيرة فيها شتى المواضيع المتميزة التي لم يسبق لفقيه أن خلّف مثلها، بغض النظر عن الرؤية النقدية لكل منا إيجاباً أو سلباً. وإن تمّ تصفح بعض مؤلفاته كما هو حال بعض البحوث والمقالات هنا أو هناك، فإنه يبقى تصفحاً في غاية البساطة ومثقلاً بالعاطفة الجياشة والتعابير العفوية غير الدقيقة ولا المحسوبة، الأمر الذي يطمس أكثر مما يوضح. وحينئذ نحن أمام نوع من الكتابة تؤمّن تواصلنا مع الجهل وليس مع العلم. نظراً لأنّ الغاية الأخيرة لهذا النوع من الكتابة هو تصنيم الأشخاص لا بيان أفكارهم، وبالتالي الوقوع في الوثنية التي ليست في جوهرها سوى تحويل الأفكار إلى معبد والأشخاص إلى صنم؛ فإذا بأبناء العالِم على شيء من القداسة، وإذا بتلاميذ المجتهد لا يتنافسون ولا يُنافسون، ووكلاء الفقيه والمرجع مجموعة من الكهنة، يطاردون كل سائل وكل معترض قافلين باب النقاش وتطور الأفكار، فتكون كتابات العالِم وأقواله صحيحة كلها وليس مجتهداً يخطئ ويصيب.
فكتاب الأستاذ مختار الأسدي كان توثيقياً صرفاً، وهو توثيق مثّل لبنة أساسية في عملية القراءات اللاحقة. وكتاب الأستاذ عادل رؤوف، على الرغم من كل قدراته التحليلية النافذة وسجالاته الذكية، إلّا أنه يبقى كتاباً وثّق بمقدار ما حلّل، لكنه مع ذلك كتاب اعتمد على معطيات الواقع المباشر وخطب الصدر الثاني ومحاضراته الصوتية ونتائج الأفعال المرتدة، حيث لا شيء من كتب الصدر الثاني دخل كعنصر مؤيد لنتائج التحليل أو موضّح لطبيعة الموقف. وهذا الأمر هو أمر طبيعي لكون المؤلف متابعاً سياسياً وهذا هو ميدان اختصاصه، وهو الأمر الذي ضيّع فرصة اكتشاف المفاهيم الجديدة لمدرسة الصدر مثل علم العمل وفقه الأخلاق والنصر والدعاء والولاية وقيمة الشِعر والاستخلاف والأمة والمقاومة والمجتمع المعصوم، واليوم الموعود، والأطروحة، والتخطيط العام، الجهاز الثقافي وغير ذلك من مفاهيم هي الأهم في تبيان تميز مدرسة الصدر والمشروع الصدري، هذا بالإضافة إلى انعدام توضيح الصلة الرابطة بين الصدر الثاني مع الصدر الأول، فبقيت شبهة الانفصال بين حركَتَيْ الصدرين، من دون أية مناقشة.
يجب أن نكون واضحين هنا برفض أي حالة عنف، عنف حزب على الناس أو على المنشآت الخاصة أو العامة، عنف حزب على حزب أو حزب على الأمن العام. لكن علينا ألّا ننسى بأن المبدأ نفسه يحتِّم الإيمان برفض عنف الدولة أو السلطات العليا على أي منظمة أو حزب ما لم تصدر منه حالة عدوان. وهذا العدوان ليس طائشاً وليس ثأرياً وإنما يكون عنفاً رادعاً وله أسباب معقولة وواضحة، وإلا تحول عمل الدولة إلى إبادة كالذي حصل على يد حكومة العفالقة وصدام حسين.
كما يجب أن نكون واضحين لجهة رفض أية أفكار خرافية أو مضرة غير نافعة، لكن القضية هنا تمسّ التحديد والكشف والإبانة وإعطاء الدليل، وإلّا أصبحنا نوزّع التهم والإسقاطات والتشهير المتبادل، حيث كل منا يطرح نفسه بأنه ممثل الوطن أو العقيدة وبه حصراً يتم تحديد الحلول المطلوبة للخلاص.
قلت «يحتم الإيمان»، لكون الأمر لا قيمة له ما لم يكن عملية إقناع وعقيدة صادقة. فما الحياة دون رأي غير موت استتر ، بحسب تعبير الصدر الثاني.
موضوع التيار الصدري هو موضوع فقهي أولاً واجتماعي ثانياً، وسياسي تاريخي ثالثاً. فهو من المسائل التي تتعاطى مع الفكر وتتفاعل عبر الإشكاليات مع الشعب، والنتيجة والحالة هذه تكون ماسة بقضايا مبدئية أو فلنقل إنها مقبولة أو مرفوضة على أساس كونها كذلك، كما أنها قضية تمسّ الحراك اليومي والمصير الشعبي، وبالتالي فقضية التيار الصدري هي إحدى ثلاث:
أن تكون خطأ بالكامل أو أنها هي صح بالكامل، أو تحتمل شيئاً من الصح. ومن الواضح أن دور المثقف هنا ليس هو السكوت فيما لو كان هنالك خطأ بهذا الحجم، خطأ يشكل إحدى القوى الأربع المؤثرة في تغيرات المصير العراقي، كما أن الصمت لن يكون من ذهب بعدم بيان أين يكمن الصح في هذا التيار في حالة الإيمان به. والقضية ستكون أشد مسؤولية فيما لو قيل إن هناك صحَّاً وخطأ. المسألة إذن ليست بديهيات كما أنها ليست تلك القضية المزاجية التي يمكن للبعض أن يُسطر فيها خواطره العابرة أو المغتصبة ثم يقدمها لنا على أنها آخر القصائد الحداثوية؛ هكذا بكل هذه البساطة التي يراد بها أن تكون عفوية.
والغريب الذي يجب أن نشير إليه هنا في بداية هذه الورقة، هو أنه لدينا الكثير من الكتابات حول الصدر الثاني، لكن الذي نال منها الشهرة والاهتمام حتى الآن، يتمثل بالكتب السبعة التي تحدثت عن الصدر الثاني وبيّنت شخصه وطبيعة تحركه. وهذه الكتب في واقع الحال تمثَّل صوراً متعددة للصدر الثاني بعضها متشابه وبعضها الآخر مختلف إلى درجة التناقض، وهذه الكتب هي كالتالي:
1 - «مرجعية محمد صادق الصدر»، وهو كتيب أصدره المجلس الأعلى قبل اغتيال الفقيه. يقال إن كاتبه هو صدر الدين القبنجي، ووحدة الأسلوب مع بقية كتب القبنجي تعزز هذا القول.
2 ـ كتاب «مرجعية الميدان» لعادل رؤوف.
3 ـ وكتاب «الشاهد والشهيد» لمختار الأسدي.
4 ـ وكتاب «محمد الصدر رجل الفكر والميدان» لمجموعة باحثين.
5 ـ وكتاب «السفير الخامس» لعباس الزبيدي المياحي.
6 ـ وكتاب «الخواطر» لأسعد الناصري.
7 ـ وكتاب «عجائب وغرائب محمد الصدر» لصادق خزعل الزويني.
لكن أيّاً من هذه الكتب لم يقارب حتى ولو بورقة واحدة أفكار هذا الرجل ورؤاه الجوهرية، بل وعلى الرغم من تفاقم الأزمة بين المستنكرين لتياره والمفرطين في اللهج باسمه، فإن لا أحد استخدم شيئاً من تراثه مع العلم أن الرجل خلّف تركة كبيرة فيها شتى المواضيع المتميزة التي لم يسبق لفقيه أن خلّف مثلها، بغض النظر عن الرؤية النقدية لكل منا إيجاباً أو سلباً. وإن تمّ تصفح بعض مؤلفاته كما هو حال بعض البحوث والمقالات هنا أو هناك، فإنه يبقى تصفحاً في غاية البساطة ومثقلاً بالعاطفة الجياشة والتعابير العفوية غير الدقيقة ولا المحسوبة، الأمر الذي يطمس أكثر مما يوضح. وحينئذ نحن أمام نوع من الكتابة تؤمّن تواصلنا مع الجهل وليس مع العلم. نظراً لأنّ الغاية الأخيرة لهذا النوع من الكتابة هو تصنيم الأشخاص لا بيان أفكارهم، وبالتالي الوقوع في الوثنية التي ليست في جوهرها سوى تحويل الأفكار إلى معبد والأشخاص إلى صنم؛ فإذا بأبناء العالِم على شيء من القداسة، وإذا بتلاميذ المجتهد لا يتنافسون ولا يُنافسون، ووكلاء الفقيه والمرجع مجموعة من الكهنة، يطاردون كل سائل وكل معترض قافلين باب النقاش وتطور الأفكار، فتكون كتابات العالِم وأقواله صحيحة كلها وليس مجتهداً يخطئ ويصيب.
فكتاب الأستاذ مختار الأسدي كان توثيقياً صرفاً، وهو توثيق مثّل لبنة أساسية في عملية القراءات اللاحقة. وكتاب الأستاذ عادل رؤوف، على الرغم من كل قدراته التحليلية النافذة وسجالاته الذكية، إلّا أنه يبقى كتاباً وثّق بمقدار ما حلّل، لكنه مع ذلك كتاب اعتمد على معطيات الواقع المباشر وخطب الصدر الثاني ومحاضراته الصوتية ونتائج الأفعال المرتدة، حيث لا شيء من كتب الصدر الثاني دخل كعنصر مؤيد لنتائج التحليل أو موضّح لطبيعة الموقف. وهذا الأمر هو أمر طبيعي لكون المؤلف متابعاً سياسياً وهذا هو ميدان اختصاصه، وهو الأمر الذي ضيّع فرصة اكتشاف المفاهيم الجديدة لمدرسة الصدر مثل علم العمل وفقه الأخلاق والنصر والدعاء والولاية وقيمة الشِعر والاستخلاف والأمة والمقاومة والمجتمع المعصوم، واليوم الموعود، والأطروحة، والتخطيط العام، الجهاز الثقافي وغير ذلك من مفاهيم هي الأهم في تبيان تميز مدرسة الصدر والمشروع الصدري، هذا بالإضافة إلى انعدام توضيح الصلة الرابطة بين الصدر الثاني مع الصدر الأول، فبقيت شبهة الانفصال بين حركَتَيْ الصدرين، من دون أية مناقشة.
Page 5
بينما نجد كتاب «السفير الخامس» يمثّل شهادة شخصية، فهو ينحاز لفئة التوثيق وليس التحليل، وكذلك كتاب «الخواطر» الذي ينضم بدوره إلى قسم التاريخ وليس التفكيك والإبانة. أما كتاب «عجائب وغرائب الصدر»، فهو يمثّل حماسة منبرية وخطابة إنشائية لتفريغ العاطفة من جهة الكاتب، وتأجيج الحماس من جهة المتلقي كتابة كهذه وطرح كهذا يبقى كرحٌ طافياً فوق السطح من دون القدرة على الغور إلى باطن النصوص، فجاءت النتائج كلها معروفة مسبقاً. وعلى كل حال فكتابات مثل هذه إنشائية بعيدة كل البعد عن التروي، إلى درجة أنه يمكن أن تكون ضد الصدر وليس معه. وهذا طبيعي لكون الإسقاطات الذاتية هي الموجهة للكتابة منذ البداية.
لستُ هنا بصدد عرض نقد هذه الكتب، فبعضها أحرز إيجابيات خصوصاً كتاب «الشاهد والشهيد» وخاصة في جانبه التوثيقي؛ وكذلك كتاب «مرجعية الميدان» بتقديمه عناصر التحرك الصدري وشرحها وفرز مكوناتها؛ وكتاب «مرجع الفقه والميدان» كونه المحاولة الأولى لقراءة الصدر الثاني من جميع جوانبه المتعددة؛ وكتاب «السفير الخامس» الذي أعطانا صورة عن الوضع الداخلي في الحوزة والعراق أواخر التسعينيات من القرن الماضي. أما الكتب الأخرى فيكفي على الرغم من كل عيوبها أنها كانت تتحلى بشجاعة الوقوف ضد التيار النمطي السائد.
بيد أن هنالك جملة مشاكل في هذه الكتب أهمها أنها لم تستطع بيان اللحمة والصلة بين الصدر الثاني والصدر الأول، والذي سيكون إحدى ركائز قراءتنا هنا، مع أن من أكبر مشاكل الخصوم أنهم يطرحون محمد محمد صادق الصدر كظاهرة انشقاقية لا علاقة لها بالحوزة ككل، أو أنه ليس إحدى الأطروحات الدينية من الأساس، بالإضافة إلى مشكلة القراءة القائمة على المعطيات المباشرة من دون ضم ما أنجزه الصدر الثاني على الصعيد الكتابي. أما نحن، فإننا نعتقد أن أزمة الصدر الثاني هي عبارة عن أزمة تضاد بين نوعين من الدين ونوعين من العمل العقيدي، وأنها جزء من مشكلة الإسلام الحي مع الآخر الميت الذي يتسربل بأردية الأحياء، إلى درجة أن أعداء الصدر الأول باتوا الناطقين باسمه وباسم تراثه، لذا وجدوا في الصدر الثاني مشكلتين: مشكلة التضاد مع الإسلام الحي، حيث فضح الرجل صمتهم وسكونهم وعقمهم، ومشكلة أن الصدر الثاني أعاد رسم حكاية الصدر الأول من جديد، فاضحاً المرتزقة الذين تكرشوا بلحم ذاك المعلم وعاشوا سنوات طوالاً مُنعّمين بصفتهم تلامذته المفُدّين المخلصين. وهذه المشكلة سوف يعاني منها التيار الصدري بصورة أساسية، وكل هذه بالطبع ثغرات ظلت بعيدة عن تناول هذه الكتب.
إنَّ الورطة تتمثل في قيام معركة حول شخصية مفترضة يقوم كل طرف على رسم مواصفاتها ومنطلقاتها وأهدافها، وكأن الصدر الثاني شخصية خيالية يتمناها الجميع، وليس رجلاً كان له وجود واقعي خارجي!
ما هو أكثر أهمية في هذا التحليل: إن معركة كهذه كان لا بد أن يتفرع عنها عدة أزمات لا شأن لها بالواقع العراقي بالمرة، فهي تجري وفق تصورات وتحيزات لشخصية، مرفوضة أو مقولبة متخيلة، لا وجود لها إلا في ذهنية المتخاصمين، لذا لا بدّ لأية مساع للحل أو المصالحة، من أن تفشل ويعود التوجس بأن فتيل القنبلة ها هو يشتعل مرة أخرى.
من هنا تكون عملية المراجعة ضرورية للجميع. كذلك من الضروري فهم أي نوع من تلك الأفكار قد حرّك هذه الجماهير وكيف، وعلى ماذا كان الخصام تحديداً؟!
من هذا نستنتج بأنه لا خوف من التجديد لأنَّ الأمور الضارة غير قابلة للدوام، فالذي نسعى لتجديده تلك الجوانب القادرة على التخاطب والتعايش والمشاركة، ومن هنا يكون الابتكار، وإلا كان التجديد دماراً وهو أمر لسنا بحاجة إليه كونه متحققاً فعلاً.
* * *
هناك فرق بين من يريد إعادة تسويق المفاهيم الدينية والتراث العقيدي لأجل المنافسة السياسية، وبين من يبحث في الدين عن موقف يعتمده في نضاله السياسي. فالموقف الأول يجعل كل شيء مطية يسوط الناس خلف عياطها وغثّها وسمينها، فلا أهمية لأن تكون هذه المفاهيم مغلوطة، أو تلك الروايات ضعيفة، أو هذا التفسير خاطئاً، أو تلك الاستدلالات ناقصة؛ ما هو مهم هو القدرة على تجييش الجيوش وتحفيز عقول البسطاء بواسطة لافتات دينية وأسماء تاريخية، من أجل تحقيق مكاسب سياسية وصنع زعامات دنيوية ترتدي عباءة الدين وسيفه.
بينما الموقف الثاني غرضه الأول نصاعة المفهوم الديني. فالسياسة هنا مطلب لدفع الظلم وتحقيق العدل وأداء التكليف الشرعي. ومعلوم أن الخرافة والاعتماد على الروايات الضعيفة واتباع كل من هب ودب ولبس عمامة وارتقى منبراً، لا يحقق إفراغ الذمة وأداء الواجب الفقهي، بل إن الذي يترك نفسه خرقة تتلاعب به العقول وتستغفله التيارات والأحزاب والشعارات، ليس هو سوى شخص يُبعد نفسه مختاراً عن ساحة تطبيق الشريعة، وهو بذلك سوف يبتلي بالحيرة والتخبط ثم الوقوع بالتناقض حينما يُغيّر أصحاب الدكاكين شعاراتهم وراياتهم وقراراتهم.
لقد كان محمد صادق الصدر أبرز فقيه قام بطرح فكرة المهدوية على بساط النقد العقلي والتاريخوي، لكن هل كان محمد صادق الصدر من خلال عمله الموسوعي الفريد هذا يريد أن يطرح نفسه خاتم الناقدين أو كونه الوصي على تراث الأمة وعقلها؟!
بالطبع لا، ومن يقول ذلك يُسخّف نفسه ويتجرّأ بالكذب على الرجل، فإذا كان الصدر الثاني ليس وصياً على الناس فكيف لمن يتبعه ويدّعي حمل بقية الكفن منه أن يطرح نفسه وصياً على المجتمع ومؤدّباً للناس بالعصا والتهديد والوعيد، وأن تياره خاتمة الطرق إلى اللَّه وإلى الوطنية والسياسة؟!
يقول الصدر الثاني في الجزء العاشر من موسوعة «ماوراء الفقه» في فصل الذمي ضمن بحث شروط الذمة:
(أحكام الذمة وشرائطها مشروعة عندما يكون الحرب والجهاد مشروعاً، هجوماً أو دفاعاً، وأما بدونه فلا. ومنه يظهر أنه ليس في أيامنا هذه من الكفار ممن هو من أهل الذمة لعدم تحقق هذه الشرائط ولا تلك).
لستُ هنا بصدد عرض نقد هذه الكتب، فبعضها أحرز إيجابيات خصوصاً كتاب «الشاهد والشهيد» وخاصة في جانبه التوثيقي؛ وكذلك كتاب «مرجعية الميدان» بتقديمه عناصر التحرك الصدري وشرحها وفرز مكوناتها؛ وكتاب «مرجع الفقه والميدان» كونه المحاولة الأولى لقراءة الصدر الثاني من جميع جوانبه المتعددة؛ وكتاب «السفير الخامس» الذي أعطانا صورة عن الوضع الداخلي في الحوزة والعراق أواخر التسعينيات من القرن الماضي. أما الكتب الأخرى فيكفي على الرغم من كل عيوبها أنها كانت تتحلى بشجاعة الوقوف ضد التيار النمطي السائد.
بيد أن هنالك جملة مشاكل في هذه الكتب أهمها أنها لم تستطع بيان اللحمة والصلة بين الصدر الثاني والصدر الأول، والذي سيكون إحدى ركائز قراءتنا هنا، مع أن من أكبر مشاكل الخصوم أنهم يطرحون محمد محمد صادق الصدر كظاهرة انشقاقية لا علاقة لها بالحوزة ككل، أو أنه ليس إحدى الأطروحات الدينية من الأساس، بالإضافة إلى مشكلة القراءة القائمة على المعطيات المباشرة من دون ضم ما أنجزه الصدر الثاني على الصعيد الكتابي. أما نحن، فإننا نعتقد أن أزمة الصدر الثاني هي عبارة عن أزمة تضاد بين نوعين من الدين ونوعين من العمل العقيدي، وأنها جزء من مشكلة الإسلام الحي مع الآخر الميت الذي يتسربل بأردية الأحياء، إلى درجة أن أعداء الصدر الأول باتوا الناطقين باسمه وباسم تراثه، لذا وجدوا في الصدر الثاني مشكلتين: مشكلة التضاد مع الإسلام الحي، حيث فضح الرجل صمتهم وسكونهم وعقمهم، ومشكلة أن الصدر الثاني أعاد رسم حكاية الصدر الأول من جديد، فاضحاً المرتزقة الذين تكرشوا بلحم ذاك المعلم وعاشوا سنوات طوالاً مُنعّمين بصفتهم تلامذته المفُدّين المخلصين. وهذه المشكلة سوف يعاني منها التيار الصدري بصورة أساسية، وكل هذه بالطبع ثغرات ظلت بعيدة عن تناول هذه الكتب.
إنَّ الورطة تتمثل في قيام معركة حول شخصية مفترضة يقوم كل طرف على رسم مواصفاتها ومنطلقاتها وأهدافها، وكأن الصدر الثاني شخصية خيالية يتمناها الجميع، وليس رجلاً كان له وجود واقعي خارجي!
ما هو أكثر أهمية في هذا التحليل: إن معركة كهذه كان لا بد أن يتفرع عنها عدة أزمات لا شأن لها بالواقع العراقي بالمرة، فهي تجري وفق تصورات وتحيزات لشخصية، مرفوضة أو مقولبة متخيلة، لا وجود لها إلا في ذهنية المتخاصمين، لذا لا بدّ لأية مساع للحل أو المصالحة، من أن تفشل ويعود التوجس بأن فتيل القنبلة ها هو يشتعل مرة أخرى.
من هنا تكون عملية المراجعة ضرورية للجميع. كذلك من الضروري فهم أي نوع من تلك الأفكار قد حرّك هذه الجماهير وكيف، وعلى ماذا كان الخصام تحديداً؟!
من هذا نستنتج بأنه لا خوف من التجديد لأنَّ الأمور الضارة غير قابلة للدوام، فالذي نسعى لتجديده تلك الجوانب القادرة على التخاطب والتعايش والمشاركة، ومن هنا يكون الابتكار، وإلا كان التجديد دماراً وهو أمر لسنا بحاجة إليه كونه متحققاً فعلاً.
* * *
هناك فرق بين من يريد إعادة تسويق المفاهيم الدينية والتراث العقيدي لأجل المنافسة السياسية، وبين من يبحث في الدين عن موقف يعتمده في نضاله السياسي. فالموقف الأول يجعل كل شيء مطية يسوط الناس خلف عياطها وغثّها وسمينها، فلا أهمية لأن تكون هذه المفاهيم مغلوطة، أو تلك الروايات ضعيفة، أو هذا التفسير خاطئاً، أو تلك الاستدلالات ناقصة؛ ما هو مهم هو القدرة على تجييش الجيوش وتحفيز عقول البسطاء بواسطة لافتات دينية وأسماء تاريخية، من أجل تحقيق مكاسب سياسية وصنع زعامات دنيوية ترتدي عباءة الدين وسيفه.
بينما الموقف الثاني غرضه الأول نصاعة المفهوم الديني. فالسياسة هنا مطلب لدفع الظلم وتحقيق العدل وأداء التكليف الشرعي. ومعلوم أن الخرافة والاعتماد على الروايات الضعيفة واتباع كل من هب ودب ولبس عمامة وارتقى منبراً، لا يحقق إفراغ الذمة وأداء الواجب الفقهي، بل إن الذي يترك نفسه خرقة تتلاعب به العقول وتستغفله التيارات والأحزاب والشعارات، ليس هو سوى شخص يُبعد نفسه مختاراً عن ساحة تطبيق الشريعة، وهو بذلك سوف يبتلي بالحيرة والتخبط ثم الوقوع بالتناقض حينما يُغيّر أصحاب الدكاكين شعاراتهم وراياتهم وقراراتهم.
لقد كان محمد صادق الصدر أبرز فقيه قام بطرح فكرة المهدوية على بساط النقد العقلي والتاريخوي، لكن هل كان محمد صادق الصدر من خلال عمله الموسوعي الفريد هذا يريد أن يطرح نفسه خاتم الناقدين أو كونه الوصي على تراث الأمة وعقلها؟!
بالطبع لا، ومن يقول ذلك يُسخّف نفسه ويتجرّأ بالكذب على الرجل، فإذا كان الصدر الثاني ليس وصياً على الناس فكيف لمن يتبعه ويدّعي حمل بقية الكفن منه أن يطرح نفسه وصياً على المجتمع ومؤدّباً للناس بالعصا والتهديد والوعيد، وأن تياره خاتمة الطرق إلى اللَّه وإلى الوطنية والسياسة؟!
يقول الصدر الثاني في الجزء العاشر من موسوعة «ماوراء الفقه» في فصل الذمي ضمن بحث شروط الذمة:
(أحكام الذمة وشرائطها مشروعة عندما يكون الحرب والجهاد مشروعاً، هجوماً أو دفاعاً، وأما بدونه فلا. ومنه يظهر أنه ليس في أيامنا هذه من الكفار ممن هو من أهل الذمة لعدم تحقق هذه الشرائط ولا تلك).
Page 6
فإذا كان الصدر الثاني يلغي الوصاية والحاكمية على الأديان الأخرى باعتبار أن شرائط الموضوع قد تغيرت، فكيف بمن يريد أن يضع المجتمع بأكمله تحت وصاياه ويفرض هيمنته عليه؛ كل ذلك باسم الإسلام أو تحت عنوان التيار الصدري؟!
الصدر الثاني هنا يصرح بزمانية ومكانية الفقه؛ فشروط الأحكام المتعلقة بأهل الكتاب مثلاً يقول عنها الصدر الثاني في ذات البحث المشار إليه، بأن مثل تلك الشروط يجب أن:
(يتبع في تعيينها وزيادتها ونقصها، وضع المجتمع الفعلي، والمصلحة الوقتية عند وضع الشروط. وإنما ذكر الفقهاء هذه الشروط كنماذج للشرائط التي تكون غالباً متوافقة مع المصلحة العامة).
ألا نجد هنا في مشروع محمد صادق الصدر مشروع كفالة وطنية ينبغي حمايته من الأدران التي لحقت به وغسلها، خصوصاً في زمن انفجار الأصوليات وهستيريا العمل الديني المسلح؟!
إنَّ المهدوية فكرة بالغة الخطورة، فهي جزء من تراث مشترك بين الأديان السماوية والأرضية، وهذا يعني أن الفكرة مثقلة بين نصوص ربانية وبين تراكم كتابات أسطورية. وقد كان الصدر الثاني يعتزم إصدار مجلد خامس بخصوص هذه القضية بالذات عبر بحث قضية الإمام المهدي في الكتب القديمة مثل التوراة والإنجيل. عليه فالقضية توجب أن نميّز بحذر بين ارتباط بفكرة الإمام المهدي وهو ارتباط خرافي أسطوري، يخرج الناس من العصر ويرمي بهم في ظلمات الأكاذيب وطوباويات القرون القديمة، وبين ارتباط بفكرة المهدي باعتبارها نابعة من الاستدلال العقلي والارتباط الإيماني العائد لثبوت الصحيح من المرويات النبوية؛ فتكون الفكرة هنا ليست ضد العقل وإنما قائمة بفضله، وهذا ما يفسر كل ذلك الجهد الذي بذله الصدر الثاني لعرض المسألة على العقل ومناقشة كبرى المدارس الفكرية التي كانت موجودة في عصر الصدر الثاني.
إنَّ حمل هذه الفكرة كموروث خالٍ من الاستدلال يعتمد على تجييش العاطفة الخالص، وهذا يعني أن فكرة المهدي هي ضد العقل وضد الروح وضد العلم، وبالتالي تكون شعاراً مخادعاً يرمي إلى الضحك على عقول الجماهير بواسطة رجال لهم ارتباطات غامضة، يعتمدون على الجهل وعلى التراث خارج النقد. وفي هذا السّياق، تظهر لنا تيارات سياسية تعتمد على الفكرة خارج أي نقد والفكرة الشائعة، فتتكون مجاميع تقتل وتضرب على الظن والتهمة، من غير الالتفات بأن هذا السلوك يناقض يقين الإيمان وأولى بديهيات الدين وفطرة الإنسانية.
إذن، فقضية تجديد التيار الصدري تعني تخليص الدين عموماً والمهدوية خصوصاً، من براثن السياسة التي حوّلتها إلى خرافات تتوزع على عدد من الرجال الذين يتاجرون بدماء الناس للوصول إلى مكاسب سياسية ومناصب قيادية. لذلك، فإنَّ تخليص السياسة من أن تقوم على أفكار خاطئة تنتج عنفاً ولن تكون قابلة للتصحيح إلا بمزيد من العنف المضاد والمضاعف. وأيضاً فإن قضية تجديد التيار الصدري تعني قبل ذلك كله إعادة الارتباط الجماهيري على أساس العلم وليس الجهل، على أساس الوعي وليس الموروث، وهذا معناه أن يتخلص التيار الصدري من شائبتين:
الأولى: ضرورة نزع عباءة الوصاية على الناس، فتراث محمد صادق الصدر، تراث حواري نقدي، ناقش جميع الأطراف في الفقه والتاريخ والفلسفة والسياسة «أنا أقدم لك فهمي، أنت لك فهمك، أنا لا أفرض رأيي على أحد» كما كان يقول محمد الصدر في الخطبة الأولى من الجمعة الثالثة.
الثانية: ضرورة التخلص من نهج العنف المطلق، فكون تراث ما هو تراث نقدي معناه أنه يعتمد عرض الأدلة وليس من خلال التلويح بالسوط والاعتداء والتشهير والاغتيال.
علينا أن ننتبه إلى أن الذين يصرون على السلوك العدواني الجاف المتزمت، القائم على الجهل والتجاهل بتراث الصدر الثاني وأي تراث فقهي وفكري نقدي آخر، هم في الحقيقة أعداء هذا التيار وأعداء الناس وخصوم إعادة بناء النفس والمجتمع، وأن انتماءهم هو محض هلوسة شعاراتية وليس ارتباطاً واعياً ملتزماً. فتراهم يخافون من تعلم الجماهير، ويخشون من الهدوء وإعادة السلام والأمن للناس وتجديد الحياة والعمل، ويفرون بغضب الوحوش عندما تتمّ دعوتهم للحوار وعرض الأدلة والاختلاف. وبالتالي فإن هكذا زعامات ورجال هم نقيض الشريعة وضد الوطن واتِّباعهم يؤدي إلى هدم الدنيا وتضييع الدين.
إلى هنا نستنتج بأن دعوى تجديد التيار الصدري هي دعوى للأحزاب السياسية الدينية وتياراتها إلى أن تترك مساحة للأمة كي تعيد الوعي بنفسها. فإعادة الوعي للأمة هو الخطوة الثابتة لتجديد التيارات والأحزاب ودفع للسياسة أن تعيد بناء ما فاتها، وللدين أن يسترد ما سلب منه وما استلب بواسطة ادعاء الوصية عليه.. التجديد هنا هو دعوة لفاعلية النقد.
* * *
الصدر الثاني هنا يصرح بزمانية ومكانية الفقه؛ فشروط الأحكام المتعلقة بأهل الكتاب مثلاً يقول عنها الصدر الثاني في ذات البحث المشار إليه، بأن مثل تلك الشروط يجب أن:
(يتبع في تعيينها وزيادتها ونقصها، وضع المجتمع الفعلي، والمصلحة الوقتية عند وضع الشروط. وإنما ذكر الفقهاء هذه الشروط كنماذج للشرائط التي تكون غالباً متوافقة مع المصلحة العامة).
ألا نجد هنا في مشروع محمد صادق الصدر مشروع كفالة وطنية ينبغي حمايته من الأدران التي لحقت به وغسلها، خصوصاً في زمن انفجار الأصوليات وهستيريا العمل الديني المسلح؟!
إنَّ المهدوية فكرة بالغة الخطورة، فهي جزء من تراث مشترك بين الأديان السماوية والأرضية، وهذا يعني أن الفكرة مثقلة بين نصوص ربانية وبين تراكم كتابات أسطورية. وقد كان الصدر الثاني يعتزم إصدار مجلد خامس بخصوص هذه القضية بالذات عبر بحث قضية الإمام المهدي في الكتب القديمة مثل التوراة والإنجيل. عليه فالقضية توجب أن نميّز بحذر بين ارتباط بفكرة الإمام المهدي وهو ارتباط خرافي أسطوري، يخرج الناس من العصر ويرمي بهم في ظلمات الأكاذيب وطوباويات القرون القديمة، وبين ارتباط بفكرة المهدي باعتبارها نابعة من الاستدلال العقلي والارتباط الإيماني العائد لثبوت الصحيح من المرويات النبوية؛ فتكون الفكرة هنا ليست ضد العقل وإنما قائمة بفضله، وهذا ما يفسر كل ذلك الجهد الذي بذله الصدر الثاني لعرض المسألة على العقل ومناقشة كبرى المدارس الفكرية التي كانت موجودة في عصر الصدر الثاني.
إنَّ حمل هذه الفكرة كموروث خالٍ من الاستدلال يعتمد على تجييش العاطفة الخالص، وهذا يعني أن فكرة المهدي هي ضد العقل وضد الروح وضد العلم، وبالتالي تكون شعاراً مخادعاً يرمي إلى الضحك على عقول الجماهير بواسطة رجال لهم ارتباطات غامضة، يعتمدون على الجهل وعلى التراث خارج النقد. وفي هذا السّياق، تظهر لنا تيارات سياسية تعتمد على الفكرة خارج أي نقد والفكرة الشائعة، فتتكون مجاميع تقتل وتضرب على الظن والتهمة، من غير الالتفات بأن هذا السلوك يناقض يقين الإيمان وأولى بديهيات الدين وفطرة الإنسانية.
إذن، فقضية تجديد التيار الصدري تعني تخليص الدين عموماً والمهدوية خصوصاً، من براثن السياسة التي حوّلتها إلى خرافات تتوزع على عدد من الرجال الذين يتاجرون بدماء الناس للوصول إلى مكاسب سياسية ومناصب قيادية. لذلك، فإنَّ تخليص السياسة من أن تقوم على أفكار خاطئة تنتج عنفاً ولن تكون قابلة للتصحيح إلا بمزيد من العنف المضاد والمضاعف. وأيضاً فإن قضية تجديد التيار الصدري تعني قبل ذلك كله إعادة الارتباط الجماهيري على أساس العلم وليس الجهل، على أساس الوعي وليس الموروث، وهذا معناه أن يتخلص التيار الصدري من شائبتين:
الأولى: ضرورة نزع عباءة الوصاية على الناس، فتراث محمد صادق الصدر، تراث حواري نقدي، ناقش جميع الأطراف في الفقه والتاريخ والفلسفة والسياسة «أنا أقدم لك فهمي، أنت لك فهمك، أنا لا أفرض رأيي على أحد» كما كان يقول محمد الصدر في الخطبة الأولى من الجمعة الثالثة.
الثانية: ضرورة التخلص من نهج العنف المطلق، فكون تراث ما هو تراث نقدي معناه أنه يعتمد عرض الأدلة وليس من خلال التلويح بالسوط والاعتداء والتشهير والاغتيال.
علينا أن ننتبه إلى أن الذين يصرون على السلوك العدواني الجاف المتزمت، القائم على الجهل والتجاهل بتراث الصدر الثاني وأي تراث فقهي وفكري نقدي آخر، هم في الحقيقة أعداء هذا التيار وأعداء الناس وخصوم إعادة بناء النفس والمجتمع، وأن انتماءهم هو محض هلوسة شعاراتية وليس ارتباطاً واعياً ملتزماً. فتراهم يخافون من تعلم الجماهير، ويخشون من الهدوء وإعادة السلام والأمن للناس وتجديد الحياة والعمل، ويفرون بغضب الوحوش عندما تتمّ دعوتهم للحوار وعرض الأدلة والاختلاف. وبالتالي فإن هكذا زعامات ورجال هم نقيض الشريعة وضد الوطن واتِّباعهم يؤدي إلى هدم الدنيا وتضييع الدين.
إلى هنا نستنتج بأن دعوى تجديد التيار الصدري هي دعوى للأحزاب السياسية الدينية وتياراتها إلى أن تترك مساحة للأمة كي تعيد الوعي بنفسها. فإعادة الوعي للأمة هو الخطوة الثابتة لتجديد التيارات والأحزاب ودفع للسياسة أن تعيد بناء ما فاتها، وللدين أن يسترد ما سلب منه وما استلب بواسطة ادعاء الوصية عليه.. التجديد هنا هو دعوة لفاعلية النقد.
* * *
Page 7
نعني بالتيار الصدري هو ذاك الذي أنجزه الصدر الثاني في إعادة إصلاح العمل الديني والارتباط الاجتماعي. فالتيار فكرة وليس شخصاً فنقع في تقديس الأسماء وتكثير الألقاب. وهو تيار يجب أن يتجدد لكونه مرتبطاً بالمجتمع، والتجديد دليل على حيوية النظرية ونشاط العمل والجماعة وإعادة الروح والمثابرة للفرد والمجتمع.
إنّ التجديد الذي نتحدّث عنه يبرز ويؤكد مدى استعداد المفهوم أن يطبق وكذلك استعداد الأفراد والجماعات أن يكونوا أوفياء لعقيدتهم وأفكارهم، وإلا لسقطنا في التجريد العقيم على الصعيد النظري، وفي الازدواجية والنفاق على مستوى السلوك.
إذن هناك خطأ ارتكبه بعض من حملوا اسم الصدر، حيث تكاثرت الألقاب وانتفخت الصفات وتعالت التقديسات وتزاحمت الأنوات وتصادمت النرجسيات الفردية والجماعية، حتى وصل الأمر إلى حد استخدام الآيات القرآنية ولصق أسماء أناس عاديين بأسماء تاريخية هي ملك للجميع وليست حكراً على فئة بعينها. فإذا بالإمام الحسين يقترن بهذا الاسم وذاك، والمهدي صندوق سري لعائلة هذا الحزب أو تلك الجماعة. ولست أدري إذا كان فلان هو حسين العصر. فما يربطنا إذن بحسين الماضي وما النفع فيه؟! وإذا كان فلان هو شهيد المحراب فماذا أبقينا لعلي بن أبي طالب؟!
هذا بالنسبة للمؤيدين للتيار، أما بالنسبة للرافضين له، فيجب أن يتبين في ضوء ما وردَ سابقاً أن التيار الصدري ليس هو تحشيد ضد المرجعية ولا هو أداة شقاق ضد المجتمع. كيف وهو يعتمد على خطى مرجع كبير وفقيه من فقهاء المسلمين لم يقدح أحد لا بعلميته ولا بتقواه. وكيف يكون التيار ضد المجتمع وامتياز التيار مبني على الوضوح من الموقف الجماهيري؟!
بمعنى أن للتيار الصدري ميزة مزدوجة: عدم اعتبار الجماهير محض عوام وغوغاء، وكذلك ارتباط الجماهير بقيادة مشاركة للفقيه تسعى لتغيير الواقع. فالتيار الصدري بعلاقته بالمرجعية ليس تحطيماً وإنما إعادة نظر، والعلاقة هنا مع الفقيه ليست الرفض وإنما التوجيه ووثبة لاختيار الواعي الذي يشكل مرحلة أعمق من مجرد علاقة المُقلِّد بالمرجع والفقيه في مجال الفتوى العبادية. فالواجب هنا واجب عام موجه نحو صياغة وعي جماعي وليس محض أداء ما في الذمة لكل شخص بمفرده.
إن مَن يقف موقف الضدّ من المرجعية بشكل مطلق وبدون برهان أو دليل، هو آلة تفرقة للمذهب والناس والمجتمع، وهذا مناقض لروح التيار الصدري القائم على جمع شتات جميع الناس وإعادة تفعيل نشاطهم كذات واحدة لها ذات التطلعات والهموم.
لكن علينا أن نحذر هنا فنميز بين ولاءين للحوزة والمرجعية وكل قيادة تطرح نفسها ممثلة للشعب أو ناطقة باسمه أو موجهة له ولو من موقع الانتماء أو منصب الإفتاء: الولاء الأعمى والتقليدي والذي يصل إلى حدّ التقديس المطلق لرجل الدين أو القيادي المتصدي، حتى لو كان سلوك هذا الرجل ضد الواقع الضروري ومناقضاً للمصلحة اليقينية، حيث يجري الصراخ وتدبيج تأويلات رنانة لكنها فارغة ومكررة. وهذا بالتأكيد ولاء زائف ضد الحق والحقيقة، وهو بالتالي لا يتعدى وصف كونه سلوكاً محتقراً، يعتمد إيماناً يتناقض مع طلب العلم، وعلى تقوى هي توأم التعصب والجهل، وبين ولاء قائم على أساس أن الإبقاء على مرجعية الفقيه هي من باب حفظ المصلحة وتجديد الهوية وتفعيل النشاط الاجتماعي. وعلى أساس هذا التمييز يتحدد المقصود، وأيّ شيء هو المراد من مقولة التيار الصدري، خاصة وأن هناك ارتباطاً بالمرجع والفقيه والقيادة يصادر وعي الجماهير ويتعالى عليهم ويشيد سلطته وهيبته على تخلف الناس وقلة إدراكهم، فتتحول العلاقة بالفقيه والعوائل الدينية إلى علاقة طبقية وليست علاقة وظيفية مفادها رجوع الجاهل بحقل معيّن أو اختصاص ما، إلى العالم بذلك الاختصاص ؛ بينما هنالك ارتباط بالفقيه والقيادة يستند إلى تثوير الناس وتفعيل الوعي والإدراك فيهم فيكون الجميع طبقة واحدة تكافح من أجل صنع مستقبل آخر كل على قدر إيمانه ومعرفته وشدة عزيمته.
* * *
لا يوجد ما هو أكثر إيلاماً وأعمق جرحاً من أن يناضل شخص ويجاهد امرىء من أجل قضية وفئة معينة وينال العقوبات القاسية، ثم تدور الأيام فيجد الشخص نفسه مضطهداً من قبل ذات القضية والفئة التي كافح من أجلها. هذه بالتحديد هي علاقتي مع التيار الصدري منذ أعوام 1994 وما بعدها، لأنّ الارتباط بحوزة محمد محمد صادق الصدر ومدرسته كان يمثل شبه انشقاق عائلي وأمني داخل القبيلة ومنطقة السكن ومسقط الرأس، حيث القبيلة وأهل الحي لهم وجهة نظر مناقضة تماماً لمشروع محمد محمد صادق الصدر الذي خرج لتوه من السجن بعد رحلة تغييب طويلة. وهذا الارتباط بحركة الصدر الثاني يمثّل شبه نزق طفولي وصبياني من خلال رؤية كبار القبيلة وشيوخ العائلة الخائفة والمتوجّسة.
لكن حركة الصدر الثاني أخذت تلهب الجماهير وتشعل النيران المطمورة تحت رماد الحصار العقلي الذي كانت تمسك بزمامه سلطة العفالقة والبعثيين، والحصار الاقتصادي الذي كان بيد الولايات المتحدة والقوى الدولية المتجبرة، فبات الصدر الثاني ناراً متسارعة الحريق في محيط متيبس، خصوصاً في مدينة «قم» الإيرانية حيث تمركز الأنتلجينسيا العراقية المعارضة وأحزابها السياسية، وكلاهما يعيش وضعاً ملتبساً إبان خسارة المواجهة الشعبية للسلطة البعثية في بغداد بعد الوضع المخزي للنظام العفلقي في أعقاب اجتياح قواته للكويت. في ذلك الوضع كان مجرد تداول صورة فوتوغرافية للصدر الثاني أو الاستماع إلى شريط مسجّل لإحدى محاضراته وخطبه في الكوفة، يمثل خطورة أكبر من تهريب السلاح أو المخدرات؛ فاسم الصدر الثاني كان حينذاك لوحده يمثل اختراقاً لنظام ولاية الفقيه، وعملية تعذيب وكيل الصدر أبو كاظم البغدادي، مشهورة ومعروفة.
وبعد حادثة الاغتيال التي تعرض لها الصدر الثاني، أصبحت مرحلة الدفاع النظري عن المشروع، والتي كانت تكلف الكثير من العناء العلمي والعملي في دولة ولاية الفقيه الفارسية، التي وجدت، عن حق، في مشروع الصدر الثاني أخطر حركة وعي شيعي من حيث طبيعة الفكر الصدري بهدف إعادة منظومة الانغلاق الديني إلى انفتاح جماهيري ملتهب، خصوصاً وأن السلطة الإيرانية بذلت الكثير من الجهد في متابعة هذه المدرسة الفكرية والجماهيرية من خلال مراقبة جميع الندوات والمطبوعات التي كانت تتناول تراث الصدر الأول محمد باقر الصدر، وبالتالي فقد اطمأنت إيران ـ ولاية الفقيه بأن الفكر الصدري قد بات في قبضتها، فكان ظهور الصدر الثاني بذلك الشكل الصادم الصريح مفاجأة كبرى لم تكن بالحسبان.
إنّ التجديد الذي نتحدّث عنه يبرز ويؤكد مدى استعداد المفهوم أن يطبق وكذلك استعداد الأفراد والجماعات أن يكونوا أوفياء لعقيدتهم وأفكارهم، وإلا لسقطنا في التجريد العقيم على الصعيد النظري، وفي الازدواجية والنفاق على مستوى السلوك.
إذن هناك خطأ ارتكبه بعض من حملوا اسم الصدر، حيث تكاثرت الألقاب وانتفخت الصفات وتعالت التقديسات وتزاحمت الأنوات وتصادمت النرجسيات الفردية والجماعية، حتى وصل الأمر إلى حد استخدام الآيات القرآنية ولصق أسماء أناس عاديين بأسماء تاريخية هي ملك للجميع وليست حكراً على فئة بعينها. فإذا بالإمام الحسين يقترن بهذا الاسم وذاك، والمهدي صندوق سري لعائلة هذا الحزب أو تلك الجماعة. ولست أدري إذا كان فلان هو حسين العصر. فما يربطنا إذن بحسين الماضي وما النفع فيه؟! وإذا كان فلان هو شهيد المحراب فماذا أبقينا لعلي بن أبي طالب؟!
هذا بالنسبة للمؤيدين للتيار، أما بالنسبة للرافضين له، فيجب أن يتبين في ضوء ما وردَ سابقاً أن التيار الصدري ليس هو تحشيد ضد المرجعية ولا هو أداة شقاق ضد المجتمع. كيف وهو يعتمد على خطى مرجع كبير وفقيه من فقهاء المسلمين لم يقدح أحد لا بعلميته ولا بتقواه. وكيف يكون التيار ضد المجتمع وامتياز التيار مبني على الوضوح من الموقف الجماهيري؟!
بمعنى أن للتيار الصدري ميزة مزدوجة: عدم اعتبار الجماهير محض عوام وغوغاء، وكذلك ارتباط الجماهير بقيادة مشاركة للفقيه تسعى لتغيير الواقع. فالتيار الصدري بعلاقته بالمرجعية ليس تحطيماً وإنما إعادة نظر، والعلاقة هنا مع الفقيه ليست الرفض وإنما التوجيه ووثبة لاختيار الواعي الذي يشكل مرحلة أعمق من مجرد علاقة المُقلِّد بالمرجع والفقيه في مجال الفتوى العبادية. فالواجب هنا واجب عام موجه نحو صياغة وعي جماعي وليس محض أداء ما في الذمة لكل شخص بمفرده.
إن مَن يقف موقف الضدّ من المرجعية بشكل مطلق وبدون برهان أو دليل، هو آلة تفرقة للمذهب والناس والمجتمع، وهذا مناقض لروح التيار الصدري القائم على جمع شتات جميع الناس وإعادة تفعيل نشاطهم كذات واحدة لها ذات التطلعات والهموم.
لكن علينا أن نحذر هنا فنميز بين ولاءين للحوزة والمرجعية وكل قيادة تطرح نفسها ممثلة للشعب أو ناطقة باسمه أو موجهة له ولو من موقع الانتماء أو منصب الإفتاء: الولاء الأعمى والتقليدي والذي يصل إلى حدّ التقديس المطلق لرجل الدين أو القيادي المتصدي، حتى لو كان سلوك هذا الرجل ضد الواقع الضروري ومناقضاً للمصلحة اليقينية، حيث يجري الصراخ وتدبيج تأويلات رنانة لكنها فارغة ومكررة. وهذا بالتأكيد ولاء زائف ضد الحق والحقيقة، وهو بالتالي لا يتعدى وصف كونه سلوكاً محتقراً، يعتمد إيماناً يتناقض مع طلب العلم، وعلى تقوى هي توأم التعصب والجهل، وبين ولاء قائم على أساس أن الإبقاء على مرجعية الفقيه هي من باب حفظ المصلحة وتجديد الهوية وتفعيل النشاط الاجتماعي. وعلى أساس هذا التمييز يتحدد المقصود، وأيّ شيء هو المراد من مقولة التيار الصدري، خاصة وأن هناك ارتباطاً بالمرجع والفقيه والقيادة يصادر وعي الجماهير ويتعالى عليهم ويشيد سلطته وهيبته على تخلف الناس وقلة إدراكهم، فتتحول العلاقة بالفقيه والعوائل الدينية إلى علاقة طبقية وليست علاقة وظيفية مفادها رجوع الجاهل بحقل معيّن أو اختصاص ما، إلى العالم بذلك الاختصاص ؛ بينما هنالك ارتباط بالفقيه والقيادة يستند إلى تثوير الناس وتفعيل الوعي والإدراك فيهم فيكون الجميع طبقة واحدة تكافح من أجل صنع مستقبل آخر كل على قدر إيمانه ومعرفته وشدة عزيمته.
* * *
لا يوجد ما هو أكثر إيلاماً وأعمق جرحاً من أن يناضل شخص ويجاهد امرىء من أجل قضية وفئة معينة وينال العقوبات القاسية، ثم تدور الأيام فيجد الشخص نفسه مضطهداً من قبل ذات القضية والفئة التي كافح من أجلها. هذه بالتحديد هي علاقتي مع التيار الصدري منذ أعوام 1994 وما بعدها، لأنّ الارتباط بحوزة محمد محمد صادق الصدر ومدرسته كان يمثل شبه انشقاق عائلي وأمني داخل القبيلة ومنطقة السكن ومسقط الرأس، حيث القبيلة وأهل الحي لهم وجهة نظر مناقضة تماماً لمشروع محمد محمد صادق الصدر الذي خرج لتوه من السجن بعد رحلة تغييب طويلة. وهذا الارتباط بحركة الصدر الثاني يمثّل شبه نزق طفولي وصبياني من خلال رؤية كبار القبيلة وشيوخ العائلة الخائفة والمتوجّسة.
لكن حركة الصدر الثاني أخذت تلهب الجماهير وتشعل النيران المطمورة تحت رماد الحصار العقلي الذي كانت تمسك بزمامه سلطة العفالقة والبعثيين، والحصار الاقتصادي الذي كان بيد الولايات المتحدة والقوى الدولية المتجبرة، فبات الصدر الثاني ناراً متسارعة الحريق في محيط متيبس، خصوصاً في مدينة «قم» الإيرانية حيث تمركز الأنتلجينسيا العراقية المعارضة وأحزابها السياسية، وكلاهما يعيش وضعاً ملتبساً إبان خسارة المواجهة الشعبية للسلطة البعثية في بغداد بعد الوضع المخزي للنظام العفلقي في أعقاب اجتياح قواته للكويت. في ذلك الوضع كان مجرد تداول صورة فوتوغرافية للصدر الثاني أو الاستماع إلى شريط مسجّل لإحدى محاضراته وخطبه في الكوفة، يمثل خطورة أكبر من تهريب السلاح أو المخدرات؛ فاسم الصدر الثاني كان حينذاك لوحده يمثل اختراقاً لنظام ولاية الفقيه، وعملية تعذيب وكيل الصدر أبو كاظم البغدادي، مشهورة ومعروفة.
وبعد حادثة الاغتيال التي تعرض لها الصدر الثاني، أصبحت مرحلة الدفاع النظري عن المشروع، والتي كانت تكلف الكثير من العناء العلمي والعملي في دولة ولاية الفقيه الفارسية، التي وجدت، عن حق، في مشروع الصدر الثاني أخطر حركة وعي شيعي من حيث طبيعة الفكر الصدري بهدف إعادة منظومة الانغلاق الديني إلى انفتاح جماهيري ملتهب، خصوصاً وأن السلطة الإيرانية بذلت الكثير من الجهد في متابعة هذه المدرسة الفكرية والجماهيرية من خلال مراقبة جميع الندوات والمطبوعات التي كانت تتناول تراث الصدر الأول محمد باقر الصدر، وبالتالي فقد اطمأنت إيران ـ ولاية الفقيه بأن الفكر الصدري قد بات في قبضتها، فكان ظهور الصدر الثاني بذلك الشكل الصادم الصريح مفاجأة كبرى لم تكن بالحسبان.
Page 8
ولقد كلفني الدفاع عن الصدر الثاني وعن مشروعه وتدريس بعض كتبه للطلاب، الكثير الكثير على الصعيد المادي، وعلى صعيد الخسائر المعنوية الباهظة، خصوصاً أنني كنت أول مَن قام بفتح كتب الصدر الثاني للتدريس والكتابة والمحاضرات.
كل ذلك كان باستخدام الاسم الصريح والتشخيص الكتابي الواضح، إصراراً مني على الابتعاد عن سلوكية الشخصيات المقنعة التي تلعب على أكثر من حبل حيث ترضي الجميع وتستفيد من كل تقلبات الأحوال، وبعيداً عن الأسماء المستعارة غير الدالة على أحد، حيث إنها لا تلائم سوى الجبان ومن في نفسه مرض. هكذا دخلتُ القرن الجديد وأنا مثخن بجراح كثيرة نتيجة هذا الانتماء، ولم أتخيل أبداً أنني سأجد نفسي يوماً متهماً من قبل هذا التيار، فضلاً عن أنني أصبحت أحد الأشخاص المطلوب أن يهدر دمهم بتهمة كوني واحداً من المخالفين للتيار الصدري، والمتسببين له ببعض المشاكل!!
لقد كان نشر اسمي على صفحات بعض الصحف التابعة للميليشيات المسلحة الحاملة لاسم الصدر والتيار الصدري عام 2005 حدثاً فاجعاً بالنسبة لي، حيث شمت بي الأعداء وخيّب ظنّ الأصدقاء، ولم ينفع في تطبيب الجرح اعتذار أطراف عديدة من داخل التيار الصدري نفسه. فإذا كانت هذه المفارقة الشخصية قليلة الدلالة فإن نتائجها الكبرى سوف تتجلّى بما سيحدث من انقسامات وصدامات داخل التيار الصدري، وكذلك من تصفيات وقّعت باسمه، سواء من قبل الجماعات التي استلمت مواقع في السلطة السياسية والحكومة الرسمية، أو من قبل الأطراف والجماعات الأخرى التي بقيت خارجها. وهنا تمّ تعميق الخلط بين الدعوة والادعاء ، فبات التيار الصدري لافتة بلا مضمون يتخاطفها الطامعون في نيل السلطة، أو اللصوص اللاهثون وراء بريق المال، أو قناعاً يخفي الكثير من كاريزما الجنون والعصبيات، بالإضافة إلى تحويل التيار الصدري إلى طاقية للتخفِّي والتستّر من قبل البعثيين والمجرمين ومرضى النفوس ونقصاء العقل ومهوشي الدين. ونظراً لأننا أصبحنا في زمن الإلهام النبوي فقد أضحى كل واحدٍ يدّعي أنه زعيم أو أنه مجتهد أو آية اللَّه ومرجع وفقيه وما إلى ذلك من عناوين. وهكذا تمّت إعادة الصور المشوّهة والممسوخة من التاريخ، عبر ادعاء المهدوية أو اليمانية، مع العلم أنّ دعوة الإلهام لا تحتاج إلى عرض للأدلّة، خصوصاً في مجتمع يعاني من الحصار العقلي لمدة تتجاوز نصف قرن من الزمن، وفي محيط لم يستطع المثقف أن يخترقه فبقيت ذهنية القبلية والعشائرية هي السائدة.
ولم يبقَ ثمة أمل بعد حادثة البصرة الشهيرة بصولة الفرسان، غير النسيان أو التناسي. لكن على الرغم من كل ما حدث فقد بقي التيار الصدري، تياراً للوعي الجماهيري، أخذ يهتف بإعادة التثقيف، وأن الثقافة الآن هي من يؤدي دور المقاومة الحق، وأخذ زعماؤه الجدد يكررون ذات ملاحظاتنا في 2005 حول ضرورة التثقيف والعودة إلى التراث الصدري، وهي الملاحظات التي كانت آنذاك قد استوجبت غضب بعضهم!! فهل يترك المثقف هموم بلاده وينعزل في تفسير رواية تقع أحداثها في أرض سحرية أو منفى بعيد، أو يهمل كل شيء ويصمّ آذانه وينشغل في تفكيك قصيدة فردية البوح مأساوية المضمون تتساوى قراءتها والإهمال؟!
لقد بتنا نقرأ نقداً ذاتياً بدأ يتوضح كبذرة أولى داخل التيار الصدري، يخالف النهج السالف من التكبر والانغلاق، والذي بات الآن نهجاً عاماً للراهن الحزبي الذي يغصّ به العراق ويأنّ من ويلاته. فمثلاً وردت على لسان السيد راسم المرواني، مستشار المكتب الثقافي لمكتب الشهيد الصدر في 22/10/2008 سلسلة مقالات نقدية جاء في إحداها، ونورده هنا بطوله لأهميته:
(إن أول المؤشرات السلبية التي أدت فيما بعد إلى إخفاقات في المشروع الصدري تكمن في أن الخطاب الصدري ظل مترنحاً بين (العنف الثوري) المشوب بالعاطفة، و(الموروث المتجذر التقليدي)، فقد حاول أغلب الخطباء الصدريين تقليد صوت وحركات المولى المقدس (محمد الصدر)، واعتبروا ترديد عبارات (حبيبي) و(قل لا؟) وعبارة (سبحان اللَّه!!!) الغاضبة، وعبارته المتسائلة (اللَّه يدري لو ما يدري؟) وسيلة من وسائل استقطاب الوعي والمزاج الصدري وتذكيره بالسيد الشهيد، واعتبروا هذه العبارات هي كل ـ أو غاية ـ الموروث عن سماحته. ولذا، ومن باب الرتابة غير الواعية، استمر الصدريون ـ حتى يومنا هذا ـ في ترديد وتكرار خطب الجمعة التي ألقاها السيد الشهيد في حياته من على منابر صلاة الجمعة، متجاوزين الكم الهائل من الطروحات الرائعة والمعلومات والبحوث والإرهاصات التي تكتنز في مؤلفات هذا المرجع العملاق الثائر، وكأن كل ما جاء به هو خطب الجمعة فقط.
ومن هذا الباب الضيق، فقد ردد الصدريون شعارات السيد الشهيد الصدر التي كان يرددها في زمن السلطة المقبورة وقبل اغتياله بشكل تقليدي، دون الرجوع إلى الظرف الموضوعي لخلق الشعار، وأخطرها شعارات (نعم نعم للمذهب) أو (كلا كلا نواصب)، وهما شعاران رائعان وواقعيان ومهمان جداً، ولكنهما فقدا أهميتهما بالنسبة للواقع المعاش، ذلك لأنهما أصبحا ـ في بداية الاحتلال ـ يشكلان معوقاً أمام مشروع الوحدة الوطنية الذي بدأه السيد الشهيد الصدر واضطلع باستكماله السيد مقتدى الصدر، وكان المفترض أن تتغير أسلوبية الخطاب الصدري في مرحلة ما بعد الاحتلال، لأن السيد الشهيد عندما رفع شعار (نعم نعم للمذهب) إنما كان في مرحلة من مراحل تهديد السلطة الصدامية للتشيع، وحين رفع شعار (كلا كلا نواصب) فإنه كان يعني بذلك السلطة التي مارست أشد أنواع الاستهتار بالشيعة وطقوسهم وعلمائهم.
أما في مرحلة ما بعد سقوط السلطة فكان ينبغي أن يتنصل الخطاب الصدري من مستواه المحلي المحدود إلى المستوى الإقليمي أو العربي، لأن الإسلام برمته والوطن برمته خاضعان للتهديد، على الرغم من أن الكثير الكثير من أخوتنا وأحبتنا من أهل السنَّة قد فهموا مغزى الخطاب، ولم يتوجسوا منه، ولكن جلَّ خشيتنا كانت متأتية من الطائفيين والمصطادين بالماء العكر ـ أن يستغلوا هذه الشعارات لأغراض دنيئة لا علاقة لها بأصل الشعار وغايته.
وحتى شعار (نعم نعم للإسلام) فإنه ـ حسب رأينا ـ كان يمكن أن يسبب عزلاً للمسيحيين والصابئة الوطنيين المناهضين للاحتلال، ويجعلهم خارج إطار الوطنية، على الرغم من أن السيد مقتدى الصدر قد رفع شعار (نعم نعم للإسلام) لما يعيه من مؤامرة صليبية لا علاقة لها بالمسيحية الحقيقية ضد الإسلام والمسلمين.
كل ذلك كان باستخدام الاسم الصريح والتشخيص الكتابي الواضح، إصراراً مني على الابتعاد عن سلوكية الشخصيات المقنعة التي تلعب على أكثر من حبل حيث ترضي الجميع وتستفيد من كل تقلبات الأحوال، وبعيداً عن الأسماء المستعارة غير الدالة على أحد، حيث إنها لا تلائم سوى الجبان ومن في نفسه مرض. هكذا دخلتُ القرن الجديد وأنا مثخن بجراح كثيرة نتيجة هذا الانتماء، ولم أتخيل أبداً أنني سأجد نفسي يوماً متهماً من قبل هذا التيار، فضلاً عن أنني أصبحت أحد الأشخاص المطلوب أن يهدر دمهم بتهمة كوني واحداً من المخالفين للتيار الصدري، والمتسببين له ببعض المشاكل!!
لقد كان نشر اسمي على صفحات بعض الصحف التابعة للميليشيات المسلحة الحاملة لاسم الصدر والتيار الصدري عام 2005 حدثاً فاجعاً بالنسبة لي، حيث شمت بي الأعداء وخيّب ظنّ الأصدقاء، ولم ينفع في تطبيب الجرح اعتذار أطراف عديدة من داخل التيار الصدري نفسه. فإذا كانت هذه المفارقة الشخصية قليلة الدلالة فإن نتائجها الكبرى سوف تتجلّى بما سيحدث من انقسامات وصدامات داخل التيار الصدري، وكذلك من تصفيات وقّعت باسمه، سواء من قبل الجماعات التي استلمت مواقع في السلطة السياسية والحكومة الرسمية، أو من قبل الأطراف والجماعات الأخرى التي بقيت خارجها. وهنا تمّ تعميق الخلط بين الدعوة والادعاء ، فبات التيار الصدري لافتة بلا مضمون يتخاطفها الطامعون في نيل السلطة، أو اللصوص اللاهثون وراء بريق المال، أو قناعاً يخفي الكثير من كاريزما الجنون والعصبيات، بالإضافة إلى تحويل التيار الصدري إلى طاقية للتخفِّي والتستّر من قبل البعثيين والمجرمين ومرضى النفوس ونقصاء العقل ومهوشي الدين. ونظراً لأننا أصبحنا في زمن الإلهام النبوي فقد أضحى كل واحدٍ يدّعي أنه زعيم أو أنه مجتهد أو آية اللَّه ومرجع وفقيه وما إلى ذلك من عناوين. وهكذا تمّت إعادة الصور المشوّهة والممسوخة من التاريخ، عبر ادعاء المهدوية أو اليمانية، مع العلم أنّ دعوة الإلهام لا تحتاج إلى عرض للأدلّة، خصوصاً في مجتمع يعاني من الحصار العقلي لمدة تتجاوز نصف قرن من الزمن، وفي محيط لم يستطع المثقف أن يخترقه فبقيت ذهنية القبلية والعشائرية هي السائدة.
ولم يبقَ ثمة أمل بعد حادثة البصرة الشهيرة بصولة الفرسان، غير النسيان أو التناسي. لكن على الرغم من كل ما حدث فقد بقي التيار الصدري، تياراً للوعي الجماهيري، أخذ يهتف بإعادة التثقيف، وأن الثقافة الآن هي من يؤدي دور المقاومة الحق، وأخذ زعماؤه الجدد يكررون ذات ملاحظاتنا في 2005 حول ضرورة التثقيف والعودة إلى التراث الصدري، وهي الملاحظات التي كانت آنذاك قد استوجبت غضب بعضهم!! فهل يترك المثقف هموم بلاده وينعزل في تفسير رواية تقع أحداثها في أرض سحرية أو منفى بعيد، أو يهمل كل شيء ويصمّ آذانه وينشغل في تفكيك قصيدة فردية البوح مأساوية المضمون تتساوى قراءتها والإهمال؟!
لقد بتنا نقرأ نقداً ذاتياً بدأ يتوضح كبذرة أولى داخل التيار الصدري، يخالف النهج السالف من التكبر والانغلاق، والذي بات الآن نهجاً عاماً للراهن الحزبي الذي يغصّ به العراق ويأنّ من ويلاته. فمثلاً وردت على لسان السيد راسم المرواني، مستشار المكتب الثقافي لمكتب الشهيد الصدر في 22/10/2008 سلسلة مقالات نقدية جاء في إحداها، ونورده هنا بطوله لأهميته:
(إن أول المؤشرات السلبية التي أدت فيما بعد إلى إخفاقات في المشروع الصدري تكمن في أن الخطاب الصدري ظل مترنحاً بين (العنف الثوري) المشوب بالعاطفة، و(الموروث المتجذر التقليدي)، فقد حاول أغلب الخطباء الصدريين تقليد صوت وحركات المولى المقدس (محمد الصدر)، واعتبروا ترديد عبارات (حبيبي) و(قل لا؟) وعبارة (سبحان اللَّه!!!) الغاضبة، وعبارته المتسائلة (اللَّه يدري لو ما يدري؟) وسيلة من وسائل استقطاب الوعي والمزاج الصدري وتذكيره بالسيد الشهيد، واعتبروا هذه العبارات هي كل ـ أو غاية ـ الموروث عن سماحته. ولذا، ومن باب الرتابة غير الواعية، استمر الصدريون ـ حتى يومنا هذا ـ في ترديد وتكرار خطب الجمعة التي ألقاها السيد الشهيد في حياته من على منابر صلاة الجمعة، متجاوزين الكم الهائل من الطروحات الرائعة والمعلومات والبحوث والإرهاصات التي تكتنز في مؤلفات هذا المرجع العملاق الثائر، وكأن كل ما جاء به هو خطب الجمعة فقط.
ومن هذا الباب الضيق، فقد ردد الصدريون شعارات السيد الشهيد الصدر التي كان يرددها في زمن السلطة المقبورة وقبل اغتياله بشكل تقليدي، دون الرجوع إلى الظرف الموضوعي لخلق الشعار، وأخطرها شعارات (نعم نعم للمذهب) أو (كلا كلا نواصب)، وهما شعاران رائعان وواقعيان ومهمان جداً، ولكنهما فقدا أهميتهما بالنسبة للواقع المعاش، ذلك لأنهما أصبحا ـ في بداية الاحتلال ـ يشكلان معوقاً أمام مشروع الوحدة الوطنية الذي بدأه السيد الشهيد الصدر واضطلع باستكماله السيد مقتدى الصدر، وكان المفترض أن تتغير أسلوبية الخطاب الصدري في مرحلة ما بعد الاحتلال، لأن السيد الشهيد عندما رفع شعار (نعم نعم للمذهب) إنما كان في مرحلة من مراحل تهديد السلطة الصدامية للتشيع، وحين رفع شعار (كلا كلا نواصب) فإنه كان يعني بذلك السلطة التي مارست أشد أنواع الاستهتار بالشيعة وطقوسهم وعلمائهم.
أما في مرحلة ما بعد سقوط السلطة فكان ينبغي أن يتنصل الخطاب الصدري من مستواه المحلي المحدود إلى المستوى الإقليمي أو العربي، لأن الإسلام برمته والوطن برمته خاضعان للتهديد، على الرغم من أن الكثير الكثير من أخوتنا وأحبتنا من أهل السنَّة قد فهموا مغزى الخطاب، ولم يتوجسوا منه، ولكن جلَّ خشيتنا كانت متأتية من الطائفيين والمصطادين بالماء العكر ـ أن يستغلوا هذه الشعارات لأغراض دنيئة لا علاقة لها بأصل الشعار وغايته.
وحتى شعار (نعم نعم للإسلام) فإنه ـ حسب رأينا ـ كان يمكن أن يسبب عزلاً للمسيحيين والصابئة الوطنيين المناهضين للاحتلال، ويجعلهم خارج إطار الوطنية، على الرغم من أن السيد مقتدى الصدر قد رفع شعار (نعم نعم للإسلام) لما يعيه من مؤامرة صليبية لا علاقة لها بالمسيحية الحقيقية ضد الإسلام والمسلمين.
Page 9
ولكي نحرز الموضوعية بالطرح، علينا أن نشير إلى أن من المسلّم به أن السيد مقتدى الصدر والقيادات (الواعية) المحيطة به لم تكن غائبة عن التأثير السلبي لهذه الشعارات التي تسبب حساسية لدى أطراف أخرى، ولكنها في ذات الوقت كانت تعي حجم التهديد الصهيو ـ أميركي للتشيع خصوصاً، وللإسلام عموماً، وكان الصدريون يعلمون معاني ومفردات وغايات الخطاب (الديني ـ السياسي) المنبثق عن (الكنيسة التدبيرية) قبل احتلال العراق، والذي يؤشر لمشروع (ديني ـ سياسي) يدفع نحو ضرورة استحضار مقومات استكمال بناء دولة إسرائيل، وتهيئة مفردات الأمن القومي الإسرائيلي، وتحضير وسائل النصر في معركة (هرمجدون) المرتقبة بين الإمام المهدي وأساطين دولة (إسرائيل).
وكان السيد مقتدى الصدر ومعه الصدريون، يفهمون معطيات ومندرجات الأجندة الصهيو ـ أميركية، ومفردات تخوفها من الامتداد (الشيعي ـ الإسلامي) الذي من شأنه أن يقوض مشروع (الديموقراطية الرأسمالية) ويربك تحقيق الحلم الصهيوني المرتقب.
ولذلك، فقد كان من أولويات هذا المشروع الصهيو ـ أميركي هو الانقضاض على التشيع وإذابته بشكل متقن ومدروس كخطوة مهمة من أجل تحقيق (الأمن القومي الإسرائيلي). (راجع كتاب «المؤامرة على الأديان الإل~هية» ـ باللغة الإنكليزية ـ للكاتب البريطاني مايكل برانت).
وعليه، فشعارات (نعم نعم للمذهب، وكلا كلا نواصب، ونعم نعم للمهدي، ونعم نعم للإسلام) التي ارتفعت في مسجد الكوفة وبقية مساجد الصدريين قبل وبعد الاحتلال لم تأتِ من فراغ، بل جاءت مرتكزة على أسس من القراءة الواعية للمشروع الصهيو ـ أميركي في المنطقة والعالم، وليس لها علاقة بما تروج له الأقلام الطائفية الرخيصة.
ولكن مما يؤخذ علينا ـ وأنا أقر بذلك ـ أننا رفعنا هذه الشعارات في مرحلة متقدمة، دون أن نوصل للعالم أسباب توجسنا، أو ننقل لهم قراءاتنا المهمة، ومما يؤخذ علينا ـ نحن ذوو التخصص ـ أننا لم نكلف أنفسنا إيصال فكرة أن (النواصب) هم أعداء الدين والمذهب وعلى رأسهم اليهود الصهاينة والصليبيون والمتمسّحون بعبارة الإسلام من المتآمرين على أصل الإسلام المحمّدي الحنيف، فجاء شعارنا ليشكل مصدراً من مصادر التوجس لدى أخوتنا وأحبتنا وشركائنا في الوطن والمحنة والدين من أهل السنَّة داخل وخارج العراق، معززاً بفتاوى التكفير التي يطلقها بعض شيوخ التكفير ضد الشيعة (الرافضة) والتي تعزز من تخوفهم غير المبرر، والشائعات (المتقنة) التي يطلقها أصحاب المشروع الطائفي (المحلي والعالمي)، والتي عززت من تخوف أهل السنَّة من المشروع الصدري الشيعي الوطني.
كانت الشعارات المناهضة للاحتلال، والتي رددها المصلون (الصدريون) في مسجد الكوفة وفي صلوات الجمعة التابعة للصدريين، تؤشر لفهم جديد وتؤسس لمرحلة جديدة من مراحل التصدي للمحتل، يدعمها تساقط أوراق المحتل وأعضاء مجلس الحكم التي تكشفت بوضوح يدل على نغمة نشاز بين النغمات الوطنية، فبدأ السيد مقتدى الصدر بخطوة خطيرة تكمن في تشكيل (حكومة) بإزاء مجلس الحكم، كتعبير عن رفضه ورفض أتباعه لمجلس الحكم جملة وتفصيلاً، وكانت حكومة السيد مقتدى الصدر تضم الكفاءات العلمية والوطنية من التكنوقراط من الشيعة والسنَّة والمسيحيين والأكراد وغيرهم، حتى إن بعضهم أطلق عليها تسمية (حكومة الظل).
إن من أول بوادر الإخفاق في هذا المشروع كانت تكمن في أن (حكومة الظل) جاءت في مناخ سياسي مضطرب وفي مرحلة من الضجيج والتخبط في الشارع العراقي، ولم يتم الإعلان عنها وعن شخصياتها بشكل واضح وشفاف، ولم يتم استخدام الإعلام بشكل مكثف لدعمها أو تثبيت أركانها، أو التثقيف باتجاهها، مضافاً إلى ذلك أن الصدريين لم يستكملوا بعد مشروع تأسيس (جيش المهدي) الذي كان من الممكن ـ في بداياته الأولى ـ أن يضم مختلف أطياف الشعب العراقي، ويهيىء لمستلزمات تقويم وتقوية هذه الحكومة، فضلاً عن عدم وجود الداعم المالي لمستلزمات بناء الحكومة ووزاراتها، فجاءت الفكرة (المشروع) كجنين سقط، على ما تحمله من أهمية وقوة وذكاء الفكرة، وكان يمكن أن تقلب الطاولة على المحتل وأعوانه، وكان يمكن أن تغير مسيرة الأحداث نحو وجهات أخرى.
وعلى الرغم من كل شيء، وكذلك من الإخفاق، ولكن هذه الخطوة الجريئة كانت قد زرعت في نفوس العراقيين ومضة الشجاعة التي يحتاجونها في التصدي، بيد أنها ـ من ناحية أخرى ـ سببت يقظة لدى المحتل وأعوانه، وخلقت لديهم حالة من التوجس لهذا العملاق (الصدري) الذي يمكن أن يهدد تنفيذ الأجندة الصهيو ـ أميركية في العراق والمنطقة، وفتح شهية أصحاب المصالح الشخصية وعملاء المحتل وذيوله لأن يبدأوا جلسات سمرهم بمناقشة (الممكن والمستحيل) أمام هذا الشاب (العربي) الذي بدا لهم وبوضوح أنه يمتلك السحر والقدرة والقابلية على أن يؤثر بملايين العراقيين، ويمكن أن يحرك الشارع العراقي نحو الوجهة التي يريد، ويمكن أن يهدد أو يقوض إمبراطورياتهم التي بها يحلمون، ما جعلهم يلقون أقلامهم، ويعيدون التفكير مراراً، ويضعون تساؤلهم الأهم، في كيفية توظيف أو جذب أو خداع أو الانقضاض على هذا المارد الذي لم يحسبوا حسابه، في وقت كان الصدريون فيه لا يكلفون أنفسهم اختراق دهاليز الساسة، وفهم ما يخطط له أعداء العراق.
لقد كانت رؤية الصدريين لـ (السنَّة العراقيين) تتمثل في فهم مغاير لفهم الآخرين، فالصدريون كانوا يرون بأن أبناء السنَّة من العراقيين كانوا خاضعين لتأثيرات مهمة وتوازنات خلفتها لديهم السلطة السابقة، ولديهم ولاءات ثلاثة تكمن في (الولاء للدين والمذهب) و(الولاء للوطن والعشيرة) و(الولاء للسلطة)؛ وبحكم كون السلطة كانت تدّعي انتماءها لمذهب سنّي، فقد كان أخوتنا من أهل السنَّة يشعرون بالأمان على ولائهم لدينهم ومذهبهم، ولأن السلطة كانت تتاجر بالوطنية وترفع الشعارات الرنانة، فقد أحس السنَّة بالأمان على الوطن والعشيرة، ولأن السلطة كانت تدعم أبناء السنَّة وتهيىء لهم مستلزمات الرقي بالمناصب أكثر من غيرهم، فقد تولد لديهم شعور بأنهم آمنون على مستقبلهم مما أدى إلى شعورهم بالولاء للسلطة، وهذه التوازنات كانت مفهومة لدى الصدريين، وكان أكثر رهانهم على الولاء للوطن والدين والمذهب والعشيرة لدى أبناء السنَّة في العراق.
وكان السيد مقتدى الصدر ومعه الصدريون، يفهمون معطيات ومندرجات الأجندة الصهيو ـ أميركية، ومفردات تخوفها من الامتداد (الشيعي ـ الإسلامي) الذي من شأنه أن يقوض مشروع (الديموقراطية الرأسمالية) ويربك تحقيق الحلم الصهيوني المرتقب.
ولذلك، فقد كان من أولويات هذا المشروع الصهيو ـ أميركي هو الانقضاض على التشيع وإذابته بشكل متقن ومدروس كخطوة مهمة من أجل تحقيق (الأمن القومي الإسرائيلي). (راجع كتاب «المؤامرة على الأديان الإل~هية» ـ باللغة الإنكليزية ـ للكاتب البريطاني مايكل برانت).
وعليه، فشعارات (نعم نعم للمذهب، وكلا كلا نواصب، ونعم نعم للمهدي، ونعم نعم للإسلام) التي ارتفعت في مسجد الكوفة وبقية مساجد الصدريين قبل وبعد الاحتلال لم تأتِ من فراغ، بل جاءت مرتكزة على أسس من القراءة الواعية للمشروع الصهيو ـ أميركي في المنطقة والعالم، وليس لها علاقة بما تروج له الأقلام الطائفية الرخيصة.
ولكن مما يؤخذ علينا ـ وأنا أقر بذلك ـ أننا رفعنا هذه الشعارات في مرحلة متقدمة، دون أن نوصل للعالم أسباب توجسنا، أو ننقل لهم قراءاتنا المهمة، ومما يؤخذ علينا ـ نحن ذوو التخصص ـ أننا لم نكلف أنفسنا إيصال فكرة أن (النواصب) هم أعداء الدين والمذهب وعلى رأسهم اليهود الصهاينة والصليبيون والمتمسّحون بعبارة الإسلام من المتآمرين على أصل الإسلام المحمّدي الحنيف، فجاء شعارنا ليشكل مصدراً من مصادر التوجس لدى أخوتنا وأحبتنا وشركائنا في الوطن والمحنة والدين من أهل السنَّة داخل وخارج العراق، معززاً بفتاوى التكفير التي يطلقها بعض شيوخ التكفير ضد الشيعة (الرافضة) والتي تعزز من تخوفهم غير المبرر، والشائعات (المتقنة) التي يطلقها أصحاب المشروع الطائفي (المحلي والعالمي)، والتي عززت من تخوف أهل السنَّة من المشروع الصدري الشيعي الوطني.
كانت الشعارات المناهضة للاحتلال، والتي رددها المصلون (الصدريون) في مسجد الكوفة وفي صلوات الجمعة التابعة للصدريين، تؤشر لفهم جديد وتؤسس لمرحلة جديدة من مراحل التصدي للمحتل، يدعمها تساقط أوراق المحتل وأعضاء مجلس الحكم التي تكشفت بوضوح يدل على نغمة نشاز بين النغمات الوطنية، فبدأ السيد مقتدى الصدر بخطوة خطيرة تكمن في تشكيل (حكومة) بإزاء مجلس الحكم، كتعبير عن رفضه ورفض أتباعه لمجلس الحكم جملة وتفصيلاً، وكانت حكومة السيد مقتدى الصدر تضم الكفاءات العلمية والوطنية من التكنوقراط من الشيعة والسنَّة والمسيحيين والأكراد وغيرهم، حتى إن بعضهم أطلق عليها تسمية (حكومة الظل).
إن من أول بوادر الإخفاق في هذا المشروع كانت تكمن في أن (حكومة الظل) جاءت في مناخ سياسي مضطرب وفي مرحلة من الضجيج والتخبط في الشارع العراقي، ولم يتم الإعلان عنها وعن شخصياتها بشكل واضح وشفاف، ولم يتم استخدام الإعلام بشكل مكثف لدعمها أو تثبيت أركانها، أو التثقيف باتجاهها، مضافاً إلى ذلك أن الصدريين لم يستكملوا بعد مشروع تأسيس (جيش المهدي) الذي كان من الممكن ـ في بداياته الأولى ـ أن يضم مختلف أطياف الشعب العراقي، ويهيىء لمستلزمات تقويم وتقوية هذه الحكومة، فضلاً عن عدم وجود الداعم المالي لمستلزمات بناء الحكومة ووزاراتها، فجاءت الفكرة (المشروع) كجنين سقط، على ما تحمله من أهمية وقوة وذكاء الفكرة، وكان يمكن أن تقلب الطاولة على المحتل وأعوانه، وكان يمكن أن تغير مسيرة الأحداث نحو وجهات أخرى.
وعلى الرغم من كل شيء، وكذلك من الإخفاق، ولكن هذه الخطوة الجريئة كانت قد زرعت في نفوس العراقيين ومضة الشجاعة التي يحتاجونها في التصدي، بيد أنها ـ من ناحية أخرى ـ سببت يقظة لدى المحتل وأعوانه، وخلقت لديهم حالة من التوجس لهذا العملاق (الصدري) الذي يمكن أن يهدد تنفيذ الأجندة الصهيو ـ أميركية في العراق والمنطقة، وفتح شهية أصحاب المصالح الشخصية وعملاء المحتل وذيوله لأن يبدأوا جلسات سمرهم بمناقشة (الممكن والمستحيل) أمام هذا الشاب (العربي) الذي بدا لهم وبوضوح أنه يمتلك السحر والقدرة والقابلية على أن يؤثر بملايين العراقيين، ويمكن أن يحرك الشارع العراقي نحو الوجهة التي يريد، ويمكن أن يهدد أو يقوض إمبراطورياتهم التي بها يحلمون، ما جعلهم يلقون أقلامهم، ويعيدون التفكير مراراً، ويضعون تساؤلهم الأهم، في كيفية توظيف أو جذب أو خداع أو الانقضاض على هذا المارد الذي لم يحسبوا حسابه، في وقت كان الصدريون فيه لا يكلفون أنفسهم اختراق دهاليز الساسة، وفهم ما يخطط له أعداء العراق.
لقد كانت رؤية الصدريين لـ (السنَّة العراقيين) تتمثل في فهم مغاير لفهم الآخرين، فالصدريون كانوا يرون بأن أبناء السنَّة من العراقيين كانوا خاضعين لتأثيرات مهمة وتوازنات خلفتها لديهم السلطة السابقة، ولديهم ولاءات ثلاثة تكمن في (الولاء للدين والمذهب) و(الولاء للوطن والعشيرة) و(الولاء للسلطة)؛ وبحكم كون السلطة كانت تدّعي انتماءها لمذهب سنّي، فقد كان أخوتنا من أهل السنَّة يشعرون بالأمان على ولائهم لدينهم ومذهبهم، ولأن السلطة كانت تتاجر بالوطنية وترفع الشعارات الرنانة، فقد أحس السنَّة بالأمان على الوطن والعشيرة، ولأن السلطة كانت تدعم أبناء السنَّة وتهيىء لهم مستلزمات الرقي بالمناصب أكثر من غيرهم، فقد تولد لديهم شعور بأنهم آمنون على مستقبلهم مما أدى إلى شعورهم بالولاء للسلطة، وهذه التوازنات كانت مفهومة لدى الصدريين، وكان أكثر رهانهم على الولاء للوطن والدين والمذهب والعشيرة لدى أبناء السنَّة في العراق.
Page 10
فبعد سقوط السلطة، لم تندثر لدى أبناء السنَّة ولاءاتهم للدين والوطن والعشيرة والمذهب، بل كل ما انهار هو (ولاء للسلطة) يمكن أن يتشكل من جديد على أساس رؤية جديدة يصنعها الولاء للوطن، حين يجد المسلم السنّي العراقي أجندة وطنية يمكن أن تخلق لديه شعوراً بالأمن على مستقبل وطنه.
ومن الضروري أن نشير إلى أن الولاء للسلطة كان يمثل أضعف الولاءات لدى أبناء السنَّة؛ فحين أراد (صدام) أن يكتب القرآن بدمه، رأينا الكثير من علماء السنَّة يتصدون لهذا المشروع ويدفعون من أرواحهم ثمناً للتصدي، وقبلها الثمن الذي دفعه الشيخ العالم (عبد العزيز البدري وأنصاره) وهو من كبار علماء السنَّة في العراق، نتيجة تصديه للدفاع عن الإسلام، وهنا نجد أن الولاء للدين أقوى من الولاء للسلطة.
وفي أنموذج آخر، نجد أن الولاء للعشيرة عند أهل السنَّة أهم وأكبر من الولاء للسلطة، في المحنة التي عاشتها قبيلة (الدليم) وهي قبيلة المرحوم (محمد مظلوم) تحت آلة القمع الصدامية، ونجد من خلالها أن الولاء للسلطة قد تلاشى أمام الولاء للعشيرة، حيث تصدت قبيلة الدليم للسلطة عند شعورها بهدر كرامة العشيرة.
وقبلها وجدنا أن الولاء للوطن قد سحق الولاء للسلطة حين قام صدام بإعدام الرعيل الأول من (البعثيين) لأنهم أحسوا بأن تسلق صدام للسلطة يمثل خطورة على الوطن، فعارضوا انتخابه، مما حدا به لإعدامهم دون محاكمة، وهنا نوع من أنواع تلاشي الولاء للسلطة أمام الولاء للوطن.
وبعد كل ذلك، فقد كان الصدريون يراهنون على ولاء أهل السنَّة لدينهم ومذهبهم ووطنهم وانتمائهم العشائري العروبي أكثر من انتمائهم للسلطة، خصوصاً بعد زوالها، ما لم يأتِ مؤثر (خبيث) فيدفع أهل السنَّة نحو استعادة الولاء للسلطة تحت ضغوط نفسية (خارجية أو داخلية) مدروسة.
السيد مقتدى الصدر وأتباعه، راهنوا على هذه الولاءات الوطنية والإنسانية لدى أبناء السنَّة من العراقيين، ولذا بادروا إلى إرسال الوفود والتشبث بالصلاة الجامعة (السنية ـ الشيعية)، يحدو بهم سائق من قول السيد الشهيد الصدر حين قال (من قال هذا شيعي، وهذا سنّي، فهو منافق). وبالمناسبة، فنحن نعتذر للسيد الشهيد أننا نورد عبارات وتسميات (شيعة) (سنَّة) وهو يعلم أن غايتنا منها الإيضاح ليس إلا.
لقد انتبه المحتلون إلى خطورة مشروع الوحدة الوطنية الذي دعا إليه مقتدى الصدر، وسارع إليه العراقيون الشرفاء بسنّتهم وشيعتهم وعربهم وكردهم ومسيحييهم وصابئتهم وغيرهم، وبات لزاماً عليهم أن يفرزوا الأوراق ويعيدوا قراءتها من جديد، من أجل تقويض هذا المشروع الذي من المؤكد أنه سيقهقر المشروع الأميركي في العراق والمنطقة.
إن الولاء للسلطة السابقة لم يكن منحصراً في دين أو قومية أو طائفة معينة، بل كان منتشراً على طول خارطة العراق وعرضها، ولكن بنسب متفاوتة، تحكمها الانتماءات الطائفية والدينية والعرقية، وتحكمها المصالح الشخصية، والرغبات النفسية، وحب الدنيا، أو حب الذات، أو البحث عن مجال للتحرك، أو البحث عن السلطة، وخصوصاً بعد أن تحول الولاء (للحزب) إلى مجرد ولاء (للسلطة) تحت تأثير دكتاتورية القرار، والقفز فوق الشعارات، وذوبان الحزبية في بوطقة السلطة.
لقد استفاد الصدريون من تجارب ذوبان الشعارات والأهداف والمبادىء وتلاشيها في بوطقة الحزب والتحزبية، وتحويلها إلى ثانويات بالنسبة لمصلحة الحزب وقياداته، وانهيارها أمام زخرف السلطة، ولذا لم يفكروا بتأسيس حزب لهم خشية تحول الشعارات إلى مادة من مواد خدمة الحزب والسلطة، وخوفاً من انهيارها أمام مصلحة الحزب).
ونحن لو قارنا هذا الكلام بخطاب البيانات الصادرة عن مكتب التيار الصدري خلال الأعوام بين 2003-2006 فسوف نجد أنه كلام يقع في دائرة المستحيل والمرفوض والمسكوت عنه، إذ لا يعلو شيء على صوت المعركة، والمعركة التي كان يفهمها القطاع الواسع من جماهير التيار وقادته، هي معركة السلاح فقط. في حين نجد أننا الآن أمام شرائح داخل التيار الصدري ترفض منطق العنف الثوري وخطاب الأنا النرجسية والطائفية، وهذه بدورها هي إحدى المفارقات. ففي حين كان التيار الصدري في السنوات الماضية يغالي في العنف الثوري، كانت الأحزاب المنافسة الأخرى تنادي بالدبلوماسية والحوار. الآن هذه الأحزاب تشنّ حملة مسلحة ضد التيار الصدري وتنفّذ سلسلة اغتيالات والتيار الصدري يدعو إلى إعادة إنتاج خطاب ثقافي يكون هو سبيل المقاومة بدل السلاح. إنها مفارقة لن نتوقف عندها لكونها القول السياسي المحض وهو ما تركناه لكتبنا وبحوثنا الأخرى حول مسألة الامتناع والممانعة في راهن العراق الجديد. وعلى أية حال فإن هذه التغيرات تفرض على المثقف المستقل أن يؤدي دوره كي لا تتكرر المأساة ويتعمق تزييف المفاهيم وفق لعبة القوى السياسية المأزومة التي لا تبالي إلا بمصالحها الفئوية والحزبية تاركة الوطن حطباً يحترق تحت قدور طبخها المثقوبة. وكما قال أستاذ الدهر: العاقل من وعظته التجارب.
* * *
ومن الضروري أن نشير إلى أن الولاء للسلطة كان يمثل أضعف الولاءات لدى أبناء السنَّة؛ فحين أراد (صدام) أن يكتب القرآن بدمه، رأينا الكثير من علماء السنَّة يتصدون لهذا المشروع ويدفعون من أرواحهم ثمناً للتصدي، وقبلها الثمن الذي دفعه الشيخ العالم (عبد العزيز البدري وأنصاره) وهو من كبار علماء السنَّة في العراق، نتيجة تصديه للدفاع عن الإسلام، وهنا نجد أن الولاء للدين أقوى من الولاء للسلطة.
وفي أنموذج آخر، نجد أن الولاء للعشيرة عند أهل السنَّة أهم وأكبر من الولاء للسلطة، في المحنة التي عاشتها قبيلة (الدليم) وهي قبيلة المرحوم (محمد مظلوم) تحت آلة القمع الصدامية، ونجد من خلالها أن الولاء للسلطة قد تلاشى أمام الولاء للعشيرة، حيث تصدت قبيلة الدليم للسلطة عند شعورها بهدر كرامة العشيرة.
وقبلها وجدنا أن الولاء للوطن قد سحق الولاء للسلطة حين قام صدام بإعدام الرعيل الأول من (البعثيين) لأنهم أحسوا بأن تسلق صدام للسلطة يمثل خطورة على الوطن، فعارضوا انتخابه، مما حدا به لإعدامهم دون محاكمة، وهنا نوع من أنواع تلاشي الولاء للسلطة أمام الولاء للوطن.
وبعد كل ذلك، فقد كان الصدريون يراهنون على ولاء أهل السنَّة لدينهم ومذهبهم ووطنهم وانتمائهم العشائري العروبي أكثر من انتمائهم للسلطة، خصوصاً بعد زوالها، ما لم يأتِ مؤثر (خبيث) فيدفع أهل السنَّة نحو استعادة الولاء للسلطة تحت ضغوط نفسية (خارجية أو داخلية) مدروسة.
السيد مقتدى الصدر وأتباعه، راهنوا على هذه الولاءات الوطنية والإنسانية لدى أبناء السنَّة من العراقيين، ولذا بادروا إلى إرسال الوفود والتشبث بالصلاة الجامعة (السنية ـ الشيعية)، يحدو بهم سائق من قول السيد الشهيد الصدر حين قال (من قال هذا شيعي، وهذا سنّي، فهو منافق). وبالمناسبة، فنحن نعتذر للسيد الشهيد أننا نورد عبارات وتسميات (شيعة) (سنَّة) وهو يعلم أن غايتنا منها الإيضاح ليس إلا.
لقد انتبه المحتلون إلى خطورة مشروع الوحدة الوطنية الذي دعا إليه مقتدى الصدر، وسارع إليه العراقيون الشرفاء بسنّتهم وشيعتهم وعربهم وكردهم ومسيحييهم وصابئتهم وغيرهم، وبات لزاماً عليهم أن يفرزوا الأوراق ويعيدوا قراءتها من جديد، من أجل تقويض هذا المشروع الذي من المؤكد أنه سيقهقر المشروع الأميركي في العراق والمنطقة.
إن الولاء للسلطة السابقة لم يكن منحصراً في دين أو قومية أو طائفة معينة، بل كان منتشراً على طول خارطة العراق وعرضها، ولكن بنسب متفاوتة، تحكمها الانتماءات الطائفية والدينية والعرقية، وتحكمها المصالح الشخصية، والرغبات النفسية، وحب الدنيا، أو حب الذات، أو البحث عن مجال للتحرك، أو البحث عن السلطة، وخصوصاً بعد أن تحول الولاء (للحزب) إلى مجرد ولاء (للسلطة) تحت تأثير دكتاتورية القرار، والقفز فوق الشعارات، وذوبان الحزبية في بوطقة السلطة.
لقد استفاد الصدريون من تجارب ذوبان الشعارات والأهداف والمبادىء وتلاشيها في بوطقة الحزب والتحزبية، وتحويلها إلى ثانويات بالنسبة لمصلحة الحزب وقياداته، وانهيارها أمام زخرف السلطة، ولذا لم يفكروا بتأسيس حزب لهم خشية تحول الشعارات إلى مادة من مواد خدمة الحزب والسلطة، وخوفاً من انهيارها أمام مصلحة الحزب).
ونحن لو قارنا هذا الكلام بخطاب البيانات الصادرة عن مكتب التيار الصدري خلال الأعوام بين 2003-2006 فسوف نجد أنه كلام يقع في دائرة المستحيل والمرفوض والمسكوت عنه، إذ لا يعلو شيء على صوت المعركة، والمعركة التي كان يفهمها القطاع الواسع من جماهير التيار وقادته، هي معركة السلاح فقط. في حين نجد أننا الآن أمام شرائح داخل التيار الصدري ترفض منطق العنف الثوري وخطاب الأنا النرجسية والطائفية، وهذه بدورها هي إحدى المفارقات. ففي حين كان التيار الصدري في السنوات الماضية يغالي في العنف الثوري، كانت الأحزاب المنافسة الأخرى تنادي بالدبلوماسية والحوار. الآن هذه الأحزاب تشنّ حملة مسلحة ضد التيار الصدري وتنفّذ سلسلة اغتيالات والتيار الصدري يدعو إلى إعادة إنتاج خطاب ثقافي يكون هو سبيل المقاومة بدل السلاح. إنها مفارقة لن نتوقف عندها لكونها القول السياسي المحض وهو ما تركناه لكتبنا وبحوثنا الأخرى حول مسألة الامتناع والممانعة في راهن العراق الجديد. وعلى أية حال فإن هذه التغيرات تفرض على المثقف المستقل أن يؤدي دوره كي لا تتكرر المأساة ويتعمق تزييف المفاهيم وفق لعبة القوى السياسية المأزومة التي لا تبالي إلا بمصالحها الفئوية والحزبية تاركة الوطن حطباً يحترق تحت قدور طبخها المثقوبة. وكما قال أستاذ الدهر: العاقل من وعظته التجارب.
* * *