eKtab
EN ع
محمد مهدي الجواهري حياته وشعره
Read free sample

محمد مهدي الجواهري حياته وشعره

by يوسف عطا الطريفي

Page 1
كلمة الغلاف
 
يقول الجواهري في مقدمة حلبة الأدب:
 
«... فلقد خلقت ولعاً منذ الصغر بجمع شوارد الأدباء وأوابد الشعراء بتتبع آثارهم النفسية، وكنت قد اخترت لي خطة لسلوكي في عالم الأدب لم أحِدْ ولن أحيدَ عنه .. تلك أني ما رأيت مجر قلم لأديب كبير إلا تطفلت عليه وسرت النهج الذي قصده والغاية التي أطلبها، وكنت أجهد كل الطاقة وأبذل غاية المقدور لأن أكون منه بحيث يرى نفسه كأني أتطلع إلى خفايا أسراره البشرية الدفينة، وما مجموعي هذا إلا صورة من تلك الرغبة ونموذج من هاتيك الدعوى، فإن وقع من نفوس أعلام الأدب ورجال الشعر موقع الرضا، وإلا فإن لي من الجرأة بمنافسة كبار الأدب ومعارضيهم ما يوجب على عقاب سخطهم هذا، ولئن أخلف رجاء أمسي في يومي فأرجو ألا يخيب أمل يومي في غدي...» .
Page 2
مقدمة
 
قال الجواهري ذات يوم: «أنا أحب الحياة، وما زلت شاباً في نفسيتي وفي تطلعاتي رغم المائة التي أقرع بابها على قاب قوسين وسنة». أحب الشاعر الحياة، وغنى لها رغم آلامه وأحزانه ورغم غربته وعذاباته.
 
ورغم درايتي بصعوبة الإلمام بجوانب حياة محمد مهدي الجواهري، إلا أنني قمت بعمل هذا الكتاب، وقد تحريت كثيراً لعلي أقف على ما أصبو إليه من حياة هذا الشاعر، في الحقبة الطويلة التي عاشها، متفحصاً ما كُتب عنه، وما تضمنته الدواوين والكتب والمقالات والدراسات سواء في جوانب حياته أو من أشعاره.
 
لبس العمامة وهو طفل صغير ليكون فقيهاً، لكنه عاش لما خلق إليه، فكان شاعراً، وقد طار صيته في أرجاء الدنيا، وملأ نظمه المؤلفات والمراجع، حتى يخيل على الحقيقة أنه لم يترك غرضاً إلا وطرقه. فقال في الوطنيات، والرثاء والغزل والهجاء والمدح والوصف.. فأعلن إلى الناس روائعه وإبداعاته. ووظف شعره لهدف أغراضه التي جاءت منسجمة مع حياته الخاصة والعامة، من بداية حياته وحتى مماته، فعمل معلماً، ودخل القصر الملكي، وأثبت أقواله بأفعاله في المجلس النيابي وعارض الحكام، وتمرد على واقعه، وأرسل قصائده من غربته، ومنعت صحفه من الصدور أكثر من مرة، وتشفع للناس عند المسؤولين لقضاء حاجاتهم، وترفع عن السؤال لنفسه، ونزع إلى فلسفة الأمور لتسير على رضاه.
 
وقد بدأتُ الكتاب بالحديث عن جوانب حياة الشاعر التي قاربت المائة عام التي تحدث نفسه عنها، ثم انتقلت إلى رحلته الشعرية بعد بداياته، ثم عرجت على مكانته الشعرية وإصداراته، وأثبت مختصراً بالسنوات يبين مراحل حياته متدرجاً من عام 1921 وحتى وفاته. ثم اخترت نماذج لروائعه وجواهره، وإن كنت أطمح لإثبات جميع ما نظمه، لولا ضيق المقام، وحسبي أن عنوان الكتاب محمد مهدي الجوهري - حياته وشعره - .
 
مات الجواهري، فنعته الصحف والفضائيات ومحطات الإذاعة والتلفزة بأوصاف هو جدير بها، فقد أجمع المثقفون والأدباء على أنه، متنبي القرن العشرين، والشاهد على العصر، وصناجة الشعر في العصر الحديث، وشاعر العربية الأكبر وغيرها. مات الجواهري بعد أن حفر تجاعيد وجهه على أرض العراق، كما حفر الزمان – حلته على تجاعيد بدنه، لتبدأ رحلة الخلود، وقد ترك إرثاً عظيماً من شعره ليبقى منارة مضيئة في تاريخ الأدب العربي المعاصر. رحم الله شاعرنا وأسكنه فسيح جنانه.
 
وختاماً، فإنني أتقدم بالشكر والعرفان لكل من قدّم العون والمساعدة، وأخص بالذكر السيدة إيمان خطاب على ما قامت به من جهد متميز في طباعة هذا الكتاب وتنسيقه وإخراجه بشكل ملائم يتناسب مع المادة الأدبية.
 
والله ولي التوفيق.
 
يوسف عطا الطريفي
Page 3
الجواهري في رحلة حياته
 
يقول الجواهري: «أخيراً، لم أتعرف على أحد غيري من قبل، من دوّن هذه الحياة، وهي على أبواب التسعين، وفي الغربة عن وطنه أيضاً»(1).
 
هذه العبارة، تعني أن الجواهري كتب ذكرياته في أواخر الثمانينات من عمره وعلى أبواب التسعينات، حين كان يقيم في دمشق بسوريا، وهذا يدلل على أنه صاحب ذاكرة قوية حادة، ولكن أليس غريباً أن تختلف الروايات في تحديد سنة ولادته؟
 
قيل أن الجواهري وُلد سنة 1903، وقيل أنه وُلد سنة 1901 وأرّخ آخرون لولادته في النجف في 18 ربيع الثاني عام 1318هجري، 1900 ميلادية.
 
وطلب من الجواهري عام 1972 أن يكتب عن نفسه فكتب: «أنا محمد مهدي الجواهري، في الثانية والسبعين، في بيت صغير من بيوت النجف وُلدت عام 1900»(2).
 
ربما حدث الاضطراب من عدم توافق التاريخ الميلادي مع التاريخ الهجري أو أن الشاعر نفسه لم يهتم بتحديد تاريخ ميلاده، أو أنه كان يخلط بروحه المرحة بين الهزل والجد إذا درج الحديث في الأعمار، حيث أنه وبروح المداعبة أظهر جواز سفره ذات يوم، ليظهر تاريخ ميلاده عام 1907، وكان يتمنى أن يكون ذلك صحيحاً. غير أن ما صرح به علانية أنه كان أصغر من أخيه عبدالعزيز باثنتي عشرة سنة، وأخبر عن هذا الكلام في شعره حين يقول:
 
... سمعاً أباه أن تاريخه
 
أعقبت يا بشراك عبدالعزيز
 
ومهما اختلفت الروايات في تاريخ ميلاده، فإن الفترة التي حددت بين التاريخ الأول والتاريخ الأخير لا تتعدى أربع سنوات، لكن الراجح أنه وُلد في الثالث والعشرين لشهر تموز (يوليو) سنة ألف وتسعماية وثلاث. في مدينة النجف، مدينة العلم والأدب والشعر والمجالس الخاصة والعامة.
 
وفي أسرة عريقة معروفة بالعلوم الدينية والفقهية والأدب والشعر، منذ القرن السابع عشر، ولقب العائلة (الجواهري) يدل على ذلك، حيث عرفت بهذا الاسم نسبةً إلى جدّهم الشيخ «محمد حسن» الذي كان مرجعاً دينياً أعلى، وقد ألّف حينذاك كتابه «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام» للمحقق الحلي، وانتشر صيت هذا الكتاب، حتى أطلق على مؤلفه بـ «صاحب الجواهر» وأصبح يطلق على الأسرة «آل الجواهري».
Page 4
حظي أبناء صاحب الجواهر وأحفاده بمنزلة رفيعة بين الناس، وأصبح لهم مكانة سامية في العلوم الدينية والأدبية، وقد تصدر بعضهم للتدريس وكان منهم «عبد علي» الذي اكتفى لنفسه أنه من أبناء الشيخ لينال ما صبت إليه نفسه وخاصة في متع الأسفار، وتزوج الشيخ عبد علي من «صيتة» ابنة الشيخ علي بن الشيخ جعفر آل كاشف الغطاء، وكانت تتمتع بشخصية قوية وحكمة بالغة، وذكاء وقّاد ورأي سديد، فهي ابنة شيخ معروف وأصبحت زوجة لشيخ مرموق، فاحتلت مكانة لائقة في بيت الشيخ علي وخارجه ثم في البلدان من حولهم حيث كانوا يسكنون في «محلة المشراق».
 
أنجبت صيتة للشيخ عبد علي مولوداً ذكراً سماه «عبدالمحسن» الذي مالَ في كبره إلى العلم والأدب والشعر وجالس علماء عصره. حتى احتل مكانة مرموقة في وقت مبكر، فمدحه شعراء عصره أمثال حيدر الحلي ووصفه بأنه سبق أبناء جيله وكان في الثالثة والعشرين من العمر كما عُرف بقوة الشخصية والحدة في المزاج والأنفة لدرجة الإزعاج. إلى جانب كرمه، لكنه عُرف بإسرافه في النكتة والظرافة، كما كان شاعراً رقيقاً مجيداً، ومع هذا فقد ظهر ميله إلى الفقه وكان أعم وأغلب.
 
تزوج عبدالمحسن من فتاة هي فاطمة بنت الشيخ شريف آل كاشف الغطاء، ورزق بطفله الأول فسماه «عبدالعزيز»، وبعد سنتين رُزق بطفل جديد سماه «مهدي» وهذا هو الشاعر الذي طارت شهرته في أنحاء الأرض وعُرف باسمه «محمد مهدي الجواهر» وهو كما سبق وأن أشرنا أن الروايات اختلفت في تحديد تاريخ ميلاده إلا أنه قال فيما بعد:
 
طبقت شهرتي البلاد وما
 
جاوز عمري عشراً وسبعاً وخمسا(3)
 
نشأ مهدي الجواهري بين أفراد أسرته السبعة، وتربى في حجر أمه ورعاية والده وعناية مربيته (تفاحة) التي أخلصت كثيراً واعتنت بالطفل الوافد. فكانت تداعبه وترعاه وتعتني به فانسجم معها. ثم تهيأت له الظروف فكان مرحاً. ومع كل هذه العناية والرعاية، فقد تعرض للسقوط من فوق صندوق مرتفع كسرت على أثرها يده، وهي شقاوة الأطفال وتم تجبيرها إلا أنها كسرت ثانية، ثم سقط مرة أخرى في حوض عميق في وسط – حوش – الدار وكاد أن يلقى حتفه، فألقت والدته بنفسها داخل الحوض وأنقذت طفلها.
 
توفي جده وكان عمره ثلاث سنوات، فاختزن الحادثة في ذاكرته كما اختزن ما كان يدور من حوله، وأقيم البيت من جديد، فذكر لأمه وفاة جده وما دار في تلك اللحظات، واستغربت الأم لحديث ولدها، هذا الطفل الصغير الذي يسرد على مسامعها ما جرى من حزن وألم أو المكان الذي سُجِّي فيه جسد جده لحظة موته.
Page 5
ومن شقاوات طفولته، أنه صُنع له مكواراً صغيراً، وهذا من باب تدليله، فكان يحمله أينما ذهب، وذات يوم صحبته والدته معها أثناء زيارتها لبيت أخيها، وفي الطريق رأى ابن عمه «حسين» وكان عمره عشرين سنة، فحاول أن يجرب مكواره فيه، فانتفض حسين ليضربه، فلاذ الطفل بعباءة أمه التي أنقذته من شر مستطير كاد أن يقع عليه إثر شقاوته. كما كان يحب قصص «تفاحة» التي كانت تسردها عليه وخاصة الحكايات والأساطير فكان يستمتع بأحاديثها وقد تركت هذه الأحداث آثارها على نفسه، لتظهر بعيد ذلك في منظومات شعرية.
 
وبعد أن تعدى الخامسة من عمره توفيت جدته لأبيه «صيتة» التي ذاعت شهرتها حتى غلب اسمها على اسم البيت، فكان يقال «بيت صيتة»، وقد أقيم لها حفل كان يسمى «الفاتحة» وكان الطفل مهدي يسمع ويرى أكابر القوم وهم يهتزون طرباً للشعر والشعراء الذين شاركوا في تلك الفاتحة، وقد روى الجواهري أن هذا الحفل لم يكن لامرأة قبلها ولا بعدها. وقد أثرت هذه الفاتحة كثيراً في نفسية مهدي، خاصة وأن والده كان يريد أن تبلغ مثل هذه المجالس مبلغاً جيداً في نفس ولده، لأنه أحبه حباً زاد عن المألوف من حب الآباء لأبنائهم، فكان يصحبه دائماً معه.
 
كان الأب لا يستطيع النوم إلا إذا كان مهدي إلى جواره، وكل ذلك إلى جانب عاطفة الأب الذي كان يرى فيه شيئاً متميزاً. ولذلك كان يريد أن يكون ابنه فقيهاً، فبدأ يهيئه من لحظة طفولته بالتعليم والتربية والإعداد لذلك اليوم الذي يريده له، واستعان بذلك في بداية الأمر بابنه عبدالعزيز وابن عمته علي الشرقي الذي يرعاه عمه لتعليم الطفل أوليات القراءة.
 
ثم نقله والده إلى «الملة أم جاسم» لتعلمه أوائل السور من جزء عم، وكان عندما يعود إلى البيت يتلقفه أخوه وابن عمه ليستمعا إليه، حتى إذا انتهى من هذه المرحلة نقله والده إلى الكُتّاب. وفرض عليه حياة الكبار ليتعلم سلوكيات وكلمات رجال الدين أصحاب العمائم واللحى الكثة. وتأثر الطفل بهذه السلوكيات لأنه لن يعيش طفولته، فكان يسهر مع والده في مجالس العلماء إلى ما بعد منتصف الليل، وربما نام الطفل دون أن يحس به أحد في زاوية من زوايا المجلس، حتى إذا ما انفضّ المجلس، أيقظه والده وعاد به إلى البيت ليتناول العشاء المعد، فيحظى باللقمة الدسمة، حتى أصبحت علامة فارقة ملازمة له، أضف إلى ذلك حضوره مجلس والده الذي كان ينعقد في صباح كل يوم جمعة مع كبار العلماء والأدباء، فكان يسمع منهم ويجلس إلى جانب ابن عمه وهو يضع العمامة فوق رأسه ويلبس العباءة على جسده، وإذا خلا الجو له داعب ابن عمه بقوله: «علي صخلة، علي صخلة»، فيهيج الوالد ويؤنبه ويقول له: «هو علي صخلة ما يخالف.. لكن أنت يسمونك أبو لقمة الدسمة،.. ثم يذكره بلقب آخر ... العنيبي»(4).
Page 6
هذا وقد كانت المحطات في حياة الجواهري كثيرة، ومن هذه المحطات في حياته الأولى، أن أسرته كانت تقصد في الصيف جهة الكوفة قريباً من الفرات وكانت تنزل بيت «الحاج مهدي شمسة» وهي عادة عند أهل النجف، ثم شاءت الأقدار أن تسكن مقابل سكن أسرة الجواهري أسرة بغدادية، وكان الطفل يخرج مع أمه، فيرى بنات الأسر على آخر ما يكون الترف، فينتبه الطفل إلى إحداهن فيؤخذ بها، ويزداد تعلقه بها بعد أن وجد أُنساً وحناناً منها، فكانت تداعبه وتلاعبه وتلفه بعباءتها، فيطمع إلى ما هو أبعد من الاستلطاف، إلى ألفة أشد، ثم يخاف من الفراق، وكأنه لا شعورياً أصبح عاشقاً مغرماً، فيلزم بيتها، يأكل مع أهلها ويخرج معهم إذا خرجوا يتنزهون، ويسهر الليل ثم يعود إلى بيته للنوم، حتى إذا ما لاح الصباح يخف إلى بيت الحبيب، فتهش له وتستأنس بصحبته، ثم يحس بالحرج لأنه يأكل معهم ويشرب الشاي ولا يؤدي واجباً، فخجل من نفسه، وأراد أن يقدم شيئاً، فخطر بباله أن يحضر فحماً لصنع الشاي ليبقى قريباً من الحبيب.
 
وذات يوم وقد خلد أهله إلى النوم، أخذ وعاء وتسلل إلى مكان الفحم في بيته وقبل أن يملأ الوعاء بالفحم، دخل خاله «الشيخ عبدالرسول» البيت في زيارة إلى أخته فاضطرب الطفل في بداية الأمر، ثم وجد الحيلة، فأمسك بأصابعه قطعة من فحم وجعلها طبشورة يكتب بها على الحائط، ودخل خاله ليتوضأ فانسلّ مهدي من البيت ومعه الفحم قاصداً البيت المقابل، ودامت العلاقة أسبوعين لتتحول هذه العلاقة إلى لوحة فسيفسائية في حياته.
 
عاد الأهل من رحلتهم إلى النجف، وعاد الطفل بعد أن حفرت هذه الرحلة ذكرى عميقة في نفسه، ولتكون مرحلة من مراحل حياته القادمة، ليعود إلى الدرس والقراءة والكتابة وارتياد مجالس العمائم واللحى ليتعلم أشياء جديدة، لكن حاجته إلى تحسين خطه الرديء ما زالت تلح عليه، فأرسله والده إلى الشيخ «جناب عالي» الذي ذاعت شهرته في تعليم الصبيان.
 
وذات يوم كان ينزل درج الصحن الذي فيه الشيخ فأصيب بصفرة ودوخة ثم أغمي عليه، فنقله الحاضرون إلى مجلس السيد جواد الرفيعي ورشوا الماء على وجهه وأوصلوه إلى بيته. فسأل أمه عن والده فأخبرته بوفاة «الشيخ ملاّ كاظم»(5) وعلى الفور خفّ إلى مسجد الهندي حيث كان أبوه، ووقف على الباب خائفاً ثم قفل إلى بيته راكضاً، وتكررت هذه الحالة مرات، لكنه وفي اليوم الثالث كسر حالة الخوف وتجرأ على الدخول لأن هذا اليوم هو اليوم الذي يحبه لأنه كان يوم الشعر.
Page 7
بدأ الشعراء يتبارون ومهدي منصت يستمع إليهم. رغم الرهبة التي أصابته، فينصت إلى أحاديثهم ونظمهم، ثم يعود بعد ذلك إلى درسه عند الشيخ جناب عالي ليتعلم الخط ويتدرب عليه، ويقرأ القرآن، ويستمر في ذلك رغم ما عُرف عن الشيخ من قساوة، لكن الطفل الشقي أغضب شيخه، فحمل الشيخ حزمة من العصي وراح يلاحقه والطفل مهدي يركض أمامه خوفاً ورهبة حتى وصل إلى «حب ماء» كان عزيزاً على الشيخ لا يضحي به، فنزل فيه وكان فارغاً، فانتصب الشيخ يتهدد ويتوعد ويلوح بعصيِّه، وبقي مهدي في الحِب حتى أقسم شيخه بأن يخرج وهو آمن، فطابت نفسه وخرج هادئاً منتصراً، ويستأنف مهدي القراءة حتى ختم القرآن في وقت مبكر وحفظ منه الكثير، أما الخط فقد بقي رديئاً ولم يتحسن.
 
ولما بلغ الثانية عشرة، أدخله والده المدرسة العلوية، ثم المدرسة الرشدية التي كان تدرس باللغة التركية، فدرس فيها سنة ثم تركها. ويقول الجواهري في مذكراته: «كانت الدراسة طوال هذه المدة عبئاً ثقيلاً، ولم أكن في حياتي الدراسية عند الملة أو الشيخ أو حتى في المدرسة العلوية، بل حتى فيما يسمى حينئذٍ في المدرسة العثمانية والتي كانت تدرِّس بالتركية وفيما يقرب من نهاية هذه اللغة ومدارسها طالباً مجداً، بل إن خيالي الصغير دائماً - خارج هذه الدائرة وهذا المحيط - حتى عندما كنت أردد مع المرددين آية من الآيات أو جملة من الجمل. وقد تحملت الكثير من العقوبات بسبب هذا الشرود أو التهرب من فريضة الدراسة الثقيلة»(6).
 
كان أهله يعدّونه للتعليم المنهجي أو للتدرج في الوظائف، ولذلك لا بد أن يتعلم علوم قومه، وعليه أن يتعلم الفقه والأصول واللغة والبلاغة والشعر، وكان باب بيتهم يُطرق دائماً من الشعراء، ويُتلى الشعر في مجلس الوالد الذي كان شاعراً أيضاً وعلى الابن أن يكون مستقبله مثل ذلك.
 
كان في البيت مجلس وكتب ودواوين، وهذا هو الابن الأكبر عبدالعزيز وابن العمة يقرآن ويكتبان ويقتنيان النفائس من الكتب مثل الأمالي لأبي علي القالي، والبيان والتبيين للجاحظ، والأغاني للأصفهاني، كما كان من الكتب ديوان المتبني وديوان البحتري وديوان أبي تمام، ثم صفي الدين الحلي ومنها أيضاً شعر شوقي وحافظ وإيليا أبو ماضي، ثم كانت المطبوعات والدوريات التي تصل إلى النجف وغيرها.
Page 8
ثم كانت مجالس الشعراء التي تُعقد، ويفاضل الحاضرون بين الشعراء وبينهم المشجعون، فيقارنون بين هذا الشاعر وذاك أو يقارنون بين ما سمعوه اليوم والأمس، كل هذا يجري ومهدي يسمع ويراقب ويتفحص وهو لا يزال حدثاً بمعنى الكلمة.
 
عاش مهدي هذه الأجواء وهذه البيئة الخصبة التي ربما لم تتوفر لغيره، فالأب شاعر، وفي الأسرة شعراء، ويزور البيت شعراء وخارج البيت في النجف وفي البلدان من حولها شعراء كثيرون أيضاً والطفل يميل إلى الشعر ويطرب للشعراء. لكن والده يريده فقيهاً، ورجل دين لعله يعيد سيرة صاحب الجواهر أو الشيخ علي، لكن مهدي كان متمرداً على هذه الأفكار فمالَ إلى الشعر، وهو يحس بأنه يتمتع بنباهة ومزايا خاصة يختلف فيها عن غيره من أبناء جيله.
 
طلب منه أن يحفظ خطبة من نهج البلاغة كل يوم، وقطعة من الأمالي، وقصيدة من ديوان المتنبي، ومادة من كتاب «سليم صادر» في الجغرافيا، ثم ينتظر ساعة الامتحان في المساء فيقرأ «الشقشقية» وحديث الأعرابي وبناته الثلاث ثم يقرأ أيضاً:
 
كم قتيل – كما قتلت – شهيد
 
ببياض الطلى وورد الخدود
 
وبعد هذا العناء والتعب كما يصفه، سمح له بالخروج ليكمل يومه باللعب، وكأنه سجين أطلق سراحه، فيهرول مسرعاً ليلهو ويركض، حتى إذا جن الليل عاد إلى البيت فوجد نفسه أمام الشاعر «الحبوبي» لأول مرة. ثم ينثني إلى الكتب.
 
قدّم له والده هدية «ديوان الأرجاني» فالتهمه مهدي قراءةً وحفظاً، وتظهر أعاجيبه في بلده في الحفظ والتسميع والقراءة، وعمره لا يتجاوز اثنتي عشرة سنة، ويفاخر الأب بقدرات ولده فيناديه في مجلس علية القوم، وينهض الابن ليردد بعضاً مما حفظه، فيندهش الحاضرون لقدراته.
 
يقول الجواهري: «وفي ذات يوم بلغ التحدي درجة عنيفة، فقد تقدم شاب في الأسرة هو السيد علي الجصاني، فأخرج ليرة رشادية تخطف الأبصار.. وأعلن الرهان، إما النجاح في الحفظ وتأخذ الليرة، وإما السقوط فتعمل لنا عزيمة (وليمة). لقد تحدى الولد، وما على ابن الثالثة عشرة إلا أن يدل على قدرته الفائقة في الحفظ. انصرف لأداء مهمته، وبعد ثماني ساعات رجع إلى الجصاني وعُصبته، وأعلن بدء قراءة المحفوظ الجديد.. وقرأ.. وقرأ.. والآخرون يسمعون ويسمعون.. حتى إذا انتهى من البيت الخمسين بعد الأربعمائة، مد يده منتصراً ونال الليرة حلالاً»(7 ). لقد حفظ أربعمائة وخمسين بيتاً في ثماني ساعات وربح الرهان، وأخذ الليرة الرشادية، وهذا يدلل على قدرته العالية على الحفظ وملكته الشديدة التي لا تتوافر إلا عند القليل القليل من البشر لكنها توفرت عند مهدي، الذي بدأ يبارز الكبار والصغار في تقفيه الشعر، وفي أيّ لحظة، وهكذا استمر حتى أصبح مضرب المثل عند الآباء في استفزاز الأبناء وحثّهم على الحفظ.
Page 9
ألبسه والده العمامة صغيراً، ومارس عليه الضغط لحفظ علوم الدين، وتغليب الروحانية على الابن، وينفذ الولد أوامر والده، لكنه ما أن يختلي بنفسه حتى يعود إلى دواوين الشعر. وتمشياً مع الأصول المرعية في الدراسة بدأ مهدي (بالأجرومية) على يد الشيخ محمد علي المظفر، فدهش من سرعة حفظه، ثم يدرس النحو والبلاغة على الشيخ علي ثامر والشيخ مهدي الظالمي. وكان كلما ازداد وعياً ازداد بُعداً عن رجال الدين لما يحسه فيهم من قساوة وحب للمال، حتى أنه لم يعد في نفسه أي ميل إلى أن يكون فقيهاً أو أصولياً مثلهم، ووجد الشعر يستفزه بشدة، حتى شعر بأنه ليس أهلاً لسواه، ولكنه في نفس الوقت لا يريد أن يعارض والده، وبدأ يحاول النظم حيث يقول: «بدأت محاولاتي لكتابة الشعر، وأنا في الرابعة عشرة لكني لم أستطع أن أبوح بشعري، لأني كنت غير متأكد منه، ففي النجف يتمتع الشعر بحب أبناء المدينة وكلهم يعرفون جيده من رديئه»(8).
 
وراح ينظم البيت والبيتين، حتى اطمئن إلى هاجسه فعرض خطوته الأولى وهي مقطوعة ميمية مضمومة.. يجمجم..، ويستمر في القراءة حتى يقول.. مدمدما. فضحك منه الحاضرون، واستحال الأمر منه إلى عقدة، أحالت دون اطلاع غيره على نظمه، فراح ينظم لنفسه تحدوه الثقة، ولم يكن الجواهري وحيداً في مثل تجربته، فكثير من الشعراء مروا بنفس التجربة، وأصابهم هذا الإحساس، وربما بكى بعضهم أو انقطع بعض آخر من إحساسهم بالسخرية والاستهزاء، أو مما أحيطوا به من حسد وتثبيط عزائم فأحبطوا، ولكن شاعرنا قفز من تحت كل الرماد حتى إذا اطمأن لنفسه، قال شعره أمام من يستضعفهم من أقرانه وأصحابه، وكلما زادت ثقته بنفسه اتسعت دائرته، حتى تجرأ ومدح الشيخ (محمد حسين كاشف الغطاء، فسمح له الشيخ (علي كاشف الغطاء) وكان يدعوه «بخالي» باستعمال مكتبته التي وجد فيها مهدي مرتعاً خصباً، ثم أهداه أبياتاً يترضاه بها، فأعطاه الشيخ فهرست المكتبة ولم يكن يقبل أن يعطيه لأحد. فأخذ يطلع على القديم والجديد ويستعين عليه وعلى ما في الجرائد والمجلات والكتب بأخيه عبدالعزيز وابن عمته الشيخ علي، كما أصبح يشارك في النقاشات التي تدور عن القديم وجموده والجديد وتحرره. وشرع يكثر النظم، لأنه كان يريد أن يكون شاعراً يشار له بالبنان وفي أقصر وقت. لكنه كان يخشى الانتقاد أو أن يقال بأن شعره رديء ثم يزداد شعوره بالاطمئنان فيقول: «في السادسة عشرة طغت الكلمة على قلبي ولساني.. فبدأت أقرأ شعري في أوساط النجف، وبدأ الناس يتعرفون على شعري..» (9).
 
ثم بدأ يطور نفسه إما لحب الظهور أو التنافس مع الآخرين، وطاوعه الشعر، وكان موزوناً ومقفى، ولم ينشره لعدم توفر النشر في العراق آنذاك والصحافة في خارج العراق ليست له بعد، ولذلك ضاعت بداياته الشعرية واختفت.
 
في هذه الأثناء بدأ الإنجليز الزحف على الكوت، وشكل الشباب العراقي قوة لمواجهتهم، وكان من بينهم والد مهدي، وما لبثت الحرب أن انتهت وعاد والد مهدي إلى بيته، وقد أصيب بحمى التيفوئيد لينام طريح الفراش ويحضر الطبيب لمعالجته، ولكن حالته ازدادت سوءاً فراح يردد:
 
الناس يلحون الطبيب وإنما
 
غلط الطبيب أصابه الأقدار
 
ولم يدم الحال طويلاً حتى مات الشيخ والد مهدي عام 1917، وأقيم العزاء وانتهى الأمر، ومرت أيام الحزن، فعاد مهدي إلى دروسه، فأكمل درس البيان على يد شيخه علي ثامر، ودرس المنطق والفلسفة على السيد حسين الحمامي ثم زاد إقبال الشاب «مهدي» على قراءة الجديد من الشعر وغيره سواء كان عربياً أو مترجماً، وفي هذه الفترة تنادى العراقيون للثورة على الإنجليز، وكانت النجف مركز الثورة، فاختار مهدي كتابة الإعلانات ولصقها على أبواب الصحن العلوي ويدعو فيها للثورة.
 
هذه هي بدايات مهدي الشعرية، عندما توفيت جدته «صيتة». حيث أخذه إيقاع الشعر المتين الساحر، وعندما كان أكابر البلد يهتزون على إيقاع الشعر وتشنف آذانهم تراجيع القارئ، خاصة عندما يصل إلى بيت القصيد، كان مهدي يستمع ويرى ما يثيره الشعر وما يفعله بالناس، فتعروه مهابة تتجاوز مرحلة طفولته إلى عوالم رحبة، عرف رهبة الشعر عندما توفي «كاظم الخراساني» ولم يتجاوز العاشرة من عمره، وعلته الصفرة أكثر من مرة، وأصابته رعشة العشق بحضور «محمد سعيد الحبوبي» وهو الشاعر الذي أحبه مهدي، وكانت كلمة الإلهام أقرب إليه من كلمة الموهبة، ثم كانت مناسبات الشعر عنده حاضرة تجري معه كالطعام والشراب، بدأ في مجالس الشعر طفلاً، ثم تطورت الصورة عنده فكان أترابه يتسلّون باختبار حافظته، فيعيد لهم ما يتلونه عليه متأثراً بالحبوبي والخراساني ومديناً للشيرازي الذي أفتى بثورة العشرين، والإمام أبي الحسن والشيخ الثانئيني.
 
توفي والده فاستعاد مهدي كما يقول ذاته وشخصيته رغم إحساسه الأليم بفقدان والده، فبدأ يخرج من صدره ما استطاع أن يحتفظ به أو يحبسه، ويلتقط من مكتبة أخيه ما لا يجده في مكتبة الشيخ علي كاشف الغطاء إضافة إلى ما كان عنه من كتب ودواوين وما كان يصل إلى يديه من المترجم، وتأثر بكل ما يقع تحت بصره داخل النجف وخارجها.
Page 10
الرحلة الأولى
 
كان حلم الطفل أن يخرج من بيته لزيارة البلدان من حوله، ثم خروجه من النجف فكانت رحلته الأولى إلى بغداد، ولم يكن يخطر بباله أن يتجاوز حدود العراق، لكن الصدف تشاء له أن يجتاز الحدود فيجد نفسه كما يصف «بين الينابيع الدرارة، والسهول الخضراء، والجبال الشاهقة العملاقة وأغاني الرعيان والبدو الرحل أصحاب المقامات الشهيرة بأنغام الناي الجميل وألحان التار الساحرة» في إيران، ويتنقل بين البلدات فيصل إلى «شمراناتا» في عالم جديد وسحر خلاب، وكأنه انتقل على حد وصفه إلى حضارة جديدة وفي ذلك يقول:
 
كل أقطارك يا فارس ريف
 
طاب فضلاك: ربيع وخريف
 
ثم تشده البيئة الجديدة، لينظم قصيدة جديدة بعنوان «وقفة على كرند»(10) ومطلعها:
 
خليليّ أحسن ما شاقني
 
بفارس هذا الجمال الطبيعي
 
إلى الآن تجري متون الجبال
 
علينا بمثل مذاب الدموع
 
هلما معي نحو هذي الرياض
 
نجدد عهوداً بفصل الربيع
 
قال الشاعر قصيدته ولم يكن قد وصل إلى طهران، لكنه ينظر بعين الشاعر فيطلب ممن معه أن يسمعوه وهو يصف بنظرته إلى القديم إلى ما يقع ناظريه عليه من جمال الطبيعة، وهو لا يقف بنظراته وأحاسيسه ومشاعره إلى هذا المنظر فقط بل يتعدى لنراه وهو يصف في قصيدته «شمراناتا» النسيم العليل والأشواق الملتهبة والسماء الصافية والأغصان الفارعة والأوراق الخضراء فيقول: