eKtab
EN ع
محمد صالح وبناته الثلاث
Read free sample

محمد صالح وبناته الثلاث

by د. عبدالله المدني

Page 1
تقديم
 
هذه رواية قد تنطبق أحداثها وشخوصها وخطوطها العامة على الكثيرين ممن سكنوا في فرجاننا(1)، وعاشوا معنا في السراء والضراء، وشاركونا همومنا وأحلامنا، وتقاسموا معنا موائد الطعام ومقاعد الدرس وملاعب اللهو، فصاروا جزءا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي للكيانات العربية القائمة على ضفة الخليج الغربية، بل صاروا يبزون السكان الأصليين لهذه الكيانات في عروبتهم ووطنيتهم وولائهم للأرض·
 
إنها رواية جُمعت تفاصيلها من حكايات وقصص وأخبار رواها شفاهة كبار السن من عرب الْهُولَة الذين لم يسلط ما يكفي من الضوء على تاريخهم وحكاية هجراتهم ما بين ضفتي الخليج، طلبا للرزق، أو هروبا من القحط، أو حماية للذات من التمييز العرقي والمذهبي·
 
إنها توليفة من العواطف والمشاعر والأحلام والطموحات والمغامرات والتحولات لهذه الفئة من الناس التي اختلف المؤرخون في أصولها، وإن كان الرأي الأرجح والأكثر شيوعا في أوساط سكان حوض الخليج ومؤرخي الخليج المشهورين والعديد من الأكاديميين العرب حول الْهُولَة هو أن أصل التسمية مشتق من الكلمة العربية تحول فهو متحول، والتي تفيد هنا في هذه الحالة التحول والانتقال من ساحل الجزيرة العربية إلى الساحل الفارسي· ونظرا لعدم نطق العجم لحرف الحاء العربي قلب إلى هاء، فأطلق العجم على هؤلاء العرب المنتقلين (المتحولين) لفظ هولة بدلا من حولة(2)·
 
ولعل ما يعزز هذا القول نص وثيقة مؤرخة في 21 رجب 1113 للهجرة المصادف ليوم 23 ديسمبر 1701 للميلاد، وموجودة في دفتر المهمة رقم 111 في الصفحة 713 من أرشيف رئاسة الوزراء العثماني· هذه الوثيقة أشارت إلى العرب الساكنين في موانىء جنوب الساحل الفارسي للخليج، وتحديدا الأماكن القريبة منبندري كنك ولنجة بكلمة حُولة وليس كما هو شائع أي هُولة(3)·
 
إن قصة محمد صالح وبناته الثلاث، لئن فرضت تقنيات السرد الروائي التلاعب في بعض تفاصيلها ومجرياتها وأسماء شخوصها، فإنها قصة هي أقرب إلى الواقع منها إلى الخيال، بمعنى أنها تجسد أوضاعا وتصف حالات وتغوص في وقائع وتحولات مرت بها أسر كثيرة من عرب الهولة المنتشرين في البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة والكويت والساحل الشرقي من المملكة العربية السعودية، بغض النظر عن ألقابها وانتماءاتها الجهوية والقبلية· فسواء كان هؤلاء من العَوضية أو الَبَِسْتَكِيّة أو الكوهَجية أو الجَناحية أو العِمادية أو الْفَلامَرْزية أو اللنجاوية أو القبندية أو الهُرمودية أو الزرَعونية أو البُوتشيرية، أو الأنوهية، وسواء انحدروا من قرى كرمستج أو خـَـلـُوْر أو لاوَر أو باغ أو مُقام أو بَهْدِهُ أو دشت أو خمير أو خُـنْج أو كوخرد، فهم يشتركون في عوامل كثيرة أهمها إسلامهم الوسطي البعيد عن الغلو، وتمسكهم بمذهبهم السني الشافعي، ومحافظتهم على الكثير من التقاليد والأعراف والعادات والمظاهر غير المختلفة عن التقاليد والعادات العربية، وحرصهم على روابط المصاهرة والنسب بين بعضهم البعض، وتحدثهم بلهجة فيها الكثير من المفردات العربية الصحيحة - وإن كانت تلفظ بطريقة مختلفة كنتيجة لتأثر لسانهم لزمن طويل بالمفردات الفارسية· إلى ذلك يشترك كل هؤلاء بمختلف تسمياتهم في مثابرتهم واجتهادهم من أجل بلوغ مراتب معيشية أفضل، وأوضاع اجتماعية أرفع ومستويات تعليمية أرقى ضمن المجتمعات التي استقروا فيها بعد نزوحهم من سواحل جنوب فارس العربي وبراريها، في هجرات متتابعة، ولا سيما بعد حملة كشف الحجاب وقوانين الجمارك والجوازات، وبعد تطبيق قانون التجنيد الإلزامي(4)·
 
ونظرا لأن كتابة رواية محورها هذه الفئة من مواطني دول الخليج العربية، تطلبت الدقة حول أسماء الأماكن والمواقع والقرى والبلدات والقبائل، وبذل الجهد حول الاطلاع على تفاصيل العادات والتقاليد والأعراف واللهجات المحكية ومظاهر الحياة السياسية، والاجتماعية والثقافية، والاقتصادية في تلك البقاع أو البقاع التي هاجروا إليها على الضفة الغربية من الخليج، فقد اعتمد الكاتب، من أجل أن تكون لروايته مصداقية أكبر، على الكثير من مشاهدات ومدونات وروايات كبار السن من رجالات ساحل فارس العربي، وأعيانه وعمداء عوائله القاطنين في المنامة والمحرّق والدوحة ودبي والشارقة والدمّام والخـُــبَر والجـُـبيل من جهة، واعتمد من جهة أخرى على العديد من الكتب والدراسات والمؤلفات والوثائق التاريخية المنشورة· فلكل الرواة وأصحاب السرد والمدونات، ولأبنائهم وأحفادهم خالص الشكر والتقدير على تجاوبهم وأريحيتهم· وكذا لمعدي ومؤلفي الكتب والدراسات التاريخية التي لولاها لما استطاع مؤلف الرواية تكوين صورة متكاملة عن حياة مجتمعات لم يعش فيها أو يزرها· ومن هنا فقد اضطر المؤلف، كيلا يبخس حقاً أو ينسب إلى نفسه جهداً، إلى تضمين الهوامش - ضمن أشياء أخرى - أسماء المراجع المكتوبة التي استند إليها، مخالفا بذلك العرف السائد في كتابة الروايات·
Page 2
(1)
 
في بيته الطيني المتواضع في بلدة كَــرْمُسْتـَـجِ(5) الداخلية في بر فارس العربي· في مساء كانت السماء فيه صافية والنجوم متلألأة وكأنها تتراقص طربا وانتعاشا بهبوب نسمات الربيع التي طال غيابها في تلك السنة، أخرج محمد صالح فراشه القطني البسيط من غرفته التي يتقاسمها مع بناته الثلاث شهربان وخير النساء وفاطمة جُل(6)· اختار مكانا مناسبا في وسط حوش(7) منزله ليمد فراشه الذي سيحتضن جسده المنهك الضئيل كعادته كل مساء·
 
حرص الرجل أن يكون المكان غير بعيد عن دورة المياه البدائية القابعة في إحدى زوايا الحوش المربع، كيلا يثقل على نفسه بالذهاب إليها إذا ما اضطر إلى ذلك، أو حينما يحين موعد التوضؤ لصلاة الفجر·
 
كان محمد صالحفي نهايات عقده الثالث، لكن منظره كان يوحي لمن لا يعرفه بخلاف ذلك· أما من عاصره وعرفه عن قرب فكان يعلم أن أسباب ذبوله، وتراجع شبابه وصحته، وانتشار بعض الشعيرات الفضية في رأسه وشاربه الصغير، المرسوم على طريقة شارب الزعيم النازي أدولف هتلر، كامنة في الهموم والمسئوليات التي تحملها مبكرا·
 
سنواته الثلاثون قضاها وهو يشقى في الأرض الصغيرة الملاصقة لمنزله حرثا وفلاحة وزرعا، ثم انتظارا لموسم الحصاد والقطف ونقل المحصول المتواضع فوق ظهره إلى أسواق القرى المجاورة، من أجل أن يحصل من بيعه ما يمنع عن أسرته الفاقة والحاجة· المصدر الآخر لحصوله وحصول أسرته على الطعام والكساء ولوازم المعيشة الأخرى، كان عملية مقايضة محصول الأرض من الخضروات وتمور أشجار النخيل ونبات البرسيم، والفائض من بيض الدجاجتين اللتين كانت الابنة الكبرى شهربان تربيانهما في حوش المنزل، بمستلزمات المعيشة الأخرى كالطحين والشاي والسكر والسمن والحبوب والملابس المخاطة يدويا· كانت هذه السلع الأخيرة يؤتى بها بشاحنات عبر الطرق الجبلية الوعرة من لارستان وشيراز بصفة موسمية، فتنهال عليها الأسر الأقل فقرا لشرائها وتخزينها خوفا من انقطاع ورودها لزمن علمه عند الله· لكن تلك الأسر الأمية كانت تدرك أيضا بذكائها الفطري أن تخزينها لفترة طويلة سوف يفسدها، فكانت تلجأ إلى مقايضتها بسلع أخرى، كان من بينها سلع محمد صالح
Page 3
تزوج محمد صالح مبكرا كعادة شباب كرمستج والقرى الأخرى المجاورة في بر فارس العربي وسواحله· كان في الرابعة عشر فقط حينما اختار له والده ابنة أحد أصدقائه من سادة خَلور الحُسينيين، لتكون شريكة حياته ورفيقة دربه ومنجبة أولاده· كانت تدعى بيبي· كانت ذات جمال رباني صارخ، وطول فارع، وبياض أشبه ببياض الأوروبيات، وعينين زرقاوين يشبه لونهما لون صفائح الهندباء· لكن بيبي التي ظلت إلى آخر يوم في حياتها سندا له في زراعة الأرض، وعونا له على تحمل الشدائد وقسوة الحياة، تركته ورحلت إلى جوار ربها قبل عامين، إثر إصابتها بمرض عضال لم يُجد معه أي علاج، خصوصا في ظل انعدام الأطباء المتخصصين والمستشفيات المجهزة، والخدمات الصحية الضرورية في تلك البقاع من الأراضي الفارسية المهملة من قبل الحكومة المركزية في طهران·
 
برحيل بيبي زادت هموم محمد صالح وأحزانه ومسؤولياته، التي كان على رأسها مسئولية رعاية بناته الثلاث، على الرغم من بلوغهن سن الرشد· تلك المسئولية التي كانت شغله الشاغل، ومصدر أرقه ووساوسه وشروده الدائم!
 
في تلك الليلة الربيعية الصافية، عاند النوم محمد صالح طويلا· ظل يتقلب في فراشه ويتلوى كالحية دون أن يغفو له جفن· مصدر سهده لم يكن سوى التفكير في كيفية التغلب على مستلزمات المعيشة المتعاظمة، وتأمين مستقبل مضمون لبناته اللواتي نضجن وصرن في عمر الزواج، قبل أن تختطفه أيدي المنون فجأة مثلما حدث لزوجته بيبي تلك المخاوف المسكونة في داخله وتلك الوساوس المزروعة في صدره، جعلته يرفع يديه إلى السماء، ويقطع سكون الليل الموحش بنداء إلى خالقه يرجوه فيه أن يبعث لبناته الثلاث بثلاثة رجال صالحين ومقتدرين ومدركين لمسئوليات الحياة الزوجية ومتطلباتها، كيلا يتسببوا في صداع وجروح وآلام لأعز ما له في الوجود·· بناته الثلاث اللواتي كان يشم فيهن رائحة بيبي·
 
لكن العُزّاب من رجال القرية والقرى المجاورة، الذين تتوفر فيهم تلك الصفات، كانوا قلة قليلة! فأغلبهم كان قد هاجر إلى سواحل الخليج العربية بحثا عن الثراء والحياة العصرية المريحة، بل إن أغلبهم كان لا يعود إلى مسقط رأسه في فارس إلا في زيارات قصيرة، بعدما استوطن أحد بلدان الخليج العربية وكوّن لنفسه فيه أسرة صغيرة ومشروعا تجاريا ناجحا·
 
وبينما محمد صالح على هذا الحال من القلق والأرق والتساؤلات المتتابعة عن المجهول، التقطت أذناه صوت آذان الفجر منطلقا من مسجد القرية الوحيد الذي تصدق ببنائه وتأثيثه محمد أمين
Page 4
كان الأخير أحد شباب كرمستج ممن هاجر مبكراً إلى مشيخة دبي بحثا عن الرزق، فحقق هناك نجاحا سريعا وصار تاجرا يُشار إليه بالبنان، وعند ذاك قرر أن يبني لأهل قريته، بما أفاء الله به عليه من خيراته، مسجدا·
 
لم يكتف محمد أمين بذلك· كان حريصا أيضا على أن يرسل بين الفينة والأخرى بعض المال مع هذا العائد إلى كرمستج أو ذاك من أجل بناء أو ترميم مرفق مطلوب، أو حفر بئر للماء النظيف، أو شراء مولد كهربائي لإنارة بعض المنازل والأزقة، وبالتالي إنقاذ أهله وعشيرته من العتمة ومشاكل مصابيح الكيروسين، التي كانت تصبح غير ذي فائدة في حالات تأخر وصول صهاريج الكيروسين من لارستان
 
نهض محمد صالح، الذي كان والده قد اختار له هذا الاسم المركّب تيمنا باسم الرسول، وانسجاما مع تقاليد عائلات قرى بر فارس العربي وسواحله من أهل السنة والجماعة في اختيار الأسماء المركّبة لأبنائهم الذكور، مثل محمّد صالح، ومحمّد أمين، ومحمّد شفيع، ومحمّد سعيد، ومحمّد رضا، ومحمّد علي، ومحمّد رفيع، ومحمّد شريف، وإن كانت هذه الأسماء تلفظ عندهم مدمّجة أو مختصرة أو مجرّدة من الأحرف العربية؛ كالحاء والعين والصاد والضاد والطاء والقاف، فيتحول لفظها مثلا إلى مَسـّاليه، ومَد أمين، ومَشَّفيه، ومَسَّئيد ومَمَّد رزاء، و مَمَّد ألي ومَعـرَفي ومَشَّريف بالترتيب·
 
نهض محمد صالح من فراشه متثاقلا· كاد يسقط على الأرض من شدة السهد والأرق والإعياء، لولا أنه أمسك في آخر لحظة بعمود السياج الذي صنعه بنفسه من جريد النخل ليسيج به زاوية من أرض بيته، كي تربي فيها شهربان دجاجتيها المدرتين للبيض·
 
خاطب نفسه قائلا: ها هو السياج الذي يعود إليه بعض الفضل في إنقاذنا من الجوع، ينقذني الآن من الارتطام بالأرض وتعرض أطرافي للكسر··· حمدا لك يا الله·
 
مضى محمد صالح بتثاقل إلى دورة المياه· قضى حاجته· غسل وجهه مرارا· توضأ استعدادا لصلاة الفجر التي كان كغيره حريصا على أدائها في مسجد القرية اليتيم·
 
في المسجد القابع على بعد ثلاثين مترا من بيته، أسند ظهره إلى إحدى الزوايا منتظراً قدوم الإمام محمد شفيع
 
لم يكن محمد شفيع الأربعيني ذو اللحية البيضاء الوقورة مجرد إمام للمسجد، بل كان أيضا شيخا لقرية كرمستج، حيث كان قد استقر رأي أبناء القرية على تنصيبه شيخاً لهم لما عرفوه فيه من صلاح واستقامة وحكمة ومعرفة غزيرة في شئون الدين والأنساب، وإطلاع كبير على تاريخ ضفتي حوض الخليج، وتبحر في الشِعرين العربي والفارسي· أما بالنسبة لمحمد صالح، فقد كان الرجل أكثر من ذلك·· كان خال بناته الثلاث والرجل الذي يلجأ إليه في الملمات للمشورة والنصح·
Page 5
حينما حضر محمد شفيع لإقامة الصلاة وإمامة المصلين، أشفق على حال زوج أخته الراحلة· أراد أن يتجه إليه فورا ليسأله عن أسباب حالته المزرية، لكنه أرجأ السؤال إلى ما بعد أداء الصلاة التي كان موعدها قد حَلّ·
 
بعد أن أتم الجميع صلواتهم وأتبعوها بالنوافل والابتهالات والأدعية، وكاد المسجد يصبح فارغا، اختلى محمد شفيع بصهره:
 
- أراك منهكا ومهموما يا أبا شهربان·
 
- ومن لا ينهك من متاعب الحياة وهمومها يا أبا إسماعيل؟ أنت أقرب الناس إليّ وأكثر من يعلم بظروفي ومشاكلي·
 
- هوّنها يا رجل! هموم غيرك أكبر وأكثر، لكنهم لا زالوا صابرين ومتعلقين بالأمل·
 
- لقد صبرتُ كثيرا، ولم تعد لدي القدرة على المواصلة! ألا يوجد لديك حلٌ لمن كان يواجه وضعا كوضعي؟··· أنت أكثرنا علما واطلاعا، وأغزرنا تجربة، وأكبرنا مكانة، وأسرعنا اتصالا بأخبار من يصل إلى تخوم قريتنا من الغرباء، وليس مثلي أمياً، بالكاد يعرف قراءة كلمة·
 
- الحل الوحيد الذي يمكن أن أقترحه عليك هو التشبه بأبناء قريتنا ممن هاجر إلى سواحل الخليج العربية، حيث مواطن آبائنا وأجدادنا وأبناء عمومتنا، وحيث الرزق الوفير، والخير العميم، والتسهيلات العديدة لمن يريد اقتناص الفرص وبدء حياة جديدة ناجحة·
 
- ماذا تعني يا خال البنات؟
 
- هاجر يا محمد صالح مثلما هاجر غيرك! ألم تسمع بابن قريتنا البار زَيْنـَـلْ الذي هاجر إلى سواحل الخليج العربية ثم قطع براري الجزيرة العربية حتى بلغ الأراضي المقدسة في الحجاز، فامتهن هناك تجارة الأرزاق(8)، وحينما أفاء الله عليه من خيراته تصاهر مع العائلات الحجازية الشريفة وتقرب من حكامها وأمرائها، حتى احتل هو وأولاده وأحفاده أعلى المناصب وصاروا من أصحاب الحظوة والنفوذ·
 
- نعم بلغتني تلك الأخبار··· لكن زينل كان عالما متبحرا، أما أنا فرجل أمي، لا أجيد أية مهنة، ولا أمتلك أية تجربة تعينني على الكسب الحلال·
 
- إعمل في التجارة بمفردك أو بالمشاركة في بادىء الأمر، ثم انتقل منها إلى ما شئت من الأعمال· وفي الوقت نفسه حاول أن تتعلم وتراقب ما يفعله الآخرون، واحرص على أن تكتسب من المهارات ما ينقصك·· علّم نفسك بنفسك كما فعل الكثيرون من أبناء قريتنا والقرى والبلدات المجاورة مثل بَستـَـك، وعوض، وخـَلور، وهُرمود، ومُقام، وخَمير، وباغ، وكوهــَج، وجَناح (تلفظ جُنَه بضم الجيم وفتح النون)، وبوتشير، وخــُور، ومراغ، ودشت، وكلدار، وخُنج، وبهده، ومَيديه (تلفظ بفتح الميم وتسكين الياء الأولى)·
Page 6
- حتى لو وافقتك على هذا المقترح الصعب، فمن أين لي بوثائق السفر، خصوصا في ظل ما تمارسه الحكومة الإيرانية من سياسات التمييز ضد أبناء مذهبنا، وممارسات القمع ضد من تجري في عروقهم الدماء العربية؟
 
- لا تشغل بالك كثيرا بهذه المسألة· فسلطات الهجرة في مشيخات الخليج العربية لا تدقق كثيرا، ولا تشترط على القادمين من بر فارس وسواحله حمل وثائق سفر إيرانية صالحة· ومن سبقك في الهجرة عومل معاملة حسنة ولم يتعرض لمشاكل عند نزوله على شواطىء دبي أو الشارقة أو رأس الخيمة أو البحرين أو الكويت أو قطر· التعقيدات قد تصادفك إن اخترت النزول على سواحل ابن سعود، وهذه لن تكون ضمن خياراتك الآن·
 
- إن قبلت بفكرتك، إلى أين تقترح أن أرحل ابتداء؟
 
- إذهب كمرحلة أولى إلى الشارقة أو رأس الخيمة، فلقد علمتُ أن حكامها من القواسم يحتفون بالمهاجرين من بر فارس وسواحله، ويكرمون وفادتهم، بل ويمنحونهم هوية مشيخاتهم بعد مضي بعض الوقت، أي حينما يتثبتون من ولائهم وأهليتهم لذلك··· ربما لا تعرف أن القواسم قد حكموا بندر لَنْجَةَ وما جاورها مثل جزيرة قشم وبنادر شناص، وبَلوه، وبُستانه، ومُغوه، وكنك وغيرها بعدل وإنصاف ابتداء من عام 1232 للهجرة، حينما بايع السكان الشيخ قضيب بن راشد بن مطر القاسميحاكما عليهم كنوع من سد الفراغ السياسي، الذي كان قد أحدثه انسحاب أمراء لنجة العمانيين(9)· وربما لا تعلم أن ابني الشيخ قضيب وأحفاده وأبناء عمومته ظلوا يحكمون سواحل فارس العربية بالطريقة نفسها إلى عام 1316 للهجرة أي حتى تاريخ هزيمة جيش الشيخ محمد بن خليفة بن سعيد بن قضيب القاسمي على أيدي القوات الإيرانية، بقيادة أحمد خان دريابقي، فيما كان أبناء عمومتهم على ساحل الضفة الأخرى من الخليج يحكمون الشارقة ورأس الخيمة ويستبسلون في مقارعة الإنجليز(10)·
 
- بقي يا أبا إسماعيل أن تجد حلا لمشكلة بناتي· كيف تريدني أن أتركهن وأهاجر بعيدا عنهن، وهن من غير عائل يقضي أمورهن، وحارس يحميهن من أبناء السوء، وأنيس يزيل عنهن وحشة الأيام؟·· كيف تريدني أن أرحل بعيدا عنهن وأنا الذي لم أفارقهن لحظة واحدة منذ خروجهن إلى هذه الدنيا؟ ثم كيف لمن كان في هذا الوضع أن يطيق البعاد ويغالب الشوق وينصرف إلى بناء نفسه وتحقيق طموحاته؟
Page 7
- يا أخي وصديقي لا تضخم المسألة! هل نسيت أني خالهن، وأن زوجتي حليمة في مقام والدتهن، وابني إسماعيل في منزلة شقيقهن؟ سوف أهتم بشئون بناتك الثلاث في غيابك وسأكون لهم الراعي والحامي والأنيس· ولن أتخذ قرارا يخصهن إلا بعد الرجوع إليك، خصوصاً وأن في منزلي حيزاً كافياً لإقامتهن معنا، الأمر الذي تستطيع معه تأجير منزلك وإنفاق ما سيدره من إيجارات على ما قد تحتاجه بناتك من لوازم خاصة خارج نطاق الإعاشة اليومية·
 
- لكن هناك عائق آخر أمام هجرتي! هل نسيت أن الأمر يحتاج إلى مبلغ من المال لتغطية نفقات السفر براً إلى ميناء لنجة ثم نفقات السفر بحراً إلى سواحل الخليج العربية، ثم نفقات الإقامة والإعاشة في ميناء الوصول لفترة علمها عند الله· ومثل هذا المبلغ غير متوفر لدي، كما أستبعد أن يقرضني إياه أحد أبناء القرية·
 
- الحل الوحيد لهذه الإشكالية هي أن تبيع قطعة الأرض الزراعية الملاصقة لمنزلك· فأنت لن تحتاجها بعد اليوم، وبيعها سيجلب لك مبلغا محترما يمكنك بجزء منه تغطية نفقات سفرك، وبالجزء الآخر تغطية ما قد يطلبه منك درك الشاه من رشاوى لتسهيل مرورك إلى الخارج، من دون التحجج بأوراق تثبت إتمامك للخدمة العسكرية الإلزامية (سَربازي)·
 
- الأمر لا يزال بحاجة للتفكير العميق يا أبا إسماعيل·
 
- خذ ما يلزمك من الوقت، لكن لا تنسَ أن الهجرة هي الحل الواقعي الأمثل لمشاكلك·
 
ألم تسمع ما قاله الإمام علي بن أبي طالب في الأسفار والتغرب:
 
فإن قيل في الأسفار ذلّ ومحنة ٌ
 
وقطع للفيافي وارتكابُ الشدائدِ
 
فموتُ الفتى خيرٌ له من حياته
 
بدار هوان ٍ بين واش ٍ وحاسـدِ
 
ثم ألم يبلغـَك قولُ الشاعر:
 
والأسدُ لولا فراقُ الغاب ما قنـَصَت
 
والسهمُ لولا فراقُ القوس لم يُصب
 
والتِبرُ كالتُرب مُلقــــى في مَعادِنِه
 
والعـُودُ في أرضهِ نوعٌ من الحـَطبِ
 
فإن تغرب هذا عَـــــــــــــزّ مَطلبه
 
و إن أقام فلا يعلـــــــــو إلى الرُتبِ