eKtab
EN ع
محمد صلى الله عليه وسلم - حياته .. معجزاته .. دلائل عظمته
Read free sample

محمد صلى الله عليه وسلم - حياته .. معجزاته .. دلائل عظمته

by محيـى الـديـن محمـد عطية

Page 1

الإنسان الفريد هو الذى لم تنجب البشرية فى تاريخها الطويل بمثله، ليكون وحده من بين الناس جميعاً الإنسان الكامل، الذى ميزه خالقه بالشخصية الفريدة، والخلق العظيم، والإنسانية المثلى، والذي شاء ربه أن يجعله سيد البرية، مهما كبرت وتعاظمت قدرات الرجال، فمن هو ذلك الإنسان؟

هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن حكيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الذي ينتهي نسبه إلى سيدنا إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام .

وأمه صلى الله عليه وسلم السيدة آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن حكيم ، فهى تلتقى مع نسبه من أبيه فى جده حكيم ، وكل منهما ينتهى إلى إسماعيل بن إبراهيم ، وكأن الله تعالى قد أراد أن يلتقى كل منهما إلى أمر قد قدر .

ولد صلى الله عليه وسلمفى مكة فى فجر يوم الإثنين التاسع من شهر ربيع الأول وقيل الثانى عشر، قبل ثلاث وخمسين سنة من الهجرة، ما يوافق سنة 570 ميلادياً >و52 ق هـ، وبعض المصادر تقول أنه ولد عام 571م وهذا العام يعرف بعام الفيل ، الذى حاول فيه أبرهة الاعتداء على الحرم ، فكان مولده صلى الله عليه وسلم إيذانا بنصر هذا الحرم من أيدي الآثمين .

ظهرت لمولده صلى الله عليه وسلم إمارات كانت بمثابة إنذار شديد للطغاة الظالمين، والجبابرة المستبدين، فانشق إيوان كسرى الذي ملأ الأرض جوراً وظلماً،وسقطت منه أربع عشرة شرفة وأخمدت نار فارس وكانت تعبد من دون الله، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت،[9] ، فكان هذا إعلاناً وتنبيهاً إلى أن الدنيا قد شرفت بمولد هذا الإنسان الذى سيغير مجرى التاريخ، وسيقود سفينة العالم الحائر إلى بر الأمان، إلى طريق رب العالمين، إنه سيد البشرية، المبعوث رحمة للعالمين.

ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده،فجاء مستبشرًا ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له. واختار له اسم محمد ،وهذا الاسم لم يكن معروفًا في العرب ولكن أراد الله أن يحقق ما قدّره وذكره في الكتب التي جاءت بها الأنبياء كالتوراة والإنجيل، فألهم جدَّه أن يسمّيه بذلك إنفاذاً لأمره.

وأول من أرضعته من المراضع ـ وذلك بعد أمه بأسبوع ـ ثُوَيْبَة مولاة أبي لهب بلبن ابن لها يقال له: مَسْرُوح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي.
وكانت العادة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم ابتعادًا لهم عن أمراض الحواضر؛ ولتقوى أجسامهم، وتشتد أعصابهم، ويتقنوا اللسان العربى في مهدهم، فالتمس عبد المطلب لرسول الله المراضع، واسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث، وزوجها الحارث ابن عبد العزى المكنى بأبي كبشة من نفس القبيلة.
ورأت حليمة من بركته ما قضت منه العجب، ولنتركها تروى ذلك مفصلًا :
قال ابن إسحاق : كانت حليمة تحدث : أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء. قالت : وذلك في سنة شهباء[10] لم تبق لنا شيئًا، قالت : فخرجت على أتان لى قمراء[11]، ومعنا شارف لنا[12]، والله ما تَبِضّ ُبقطرة[13]، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديى ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتانى تلك، فلقد أذَمَّتْ بالركب [14]حتى شق ذلك عليهم، ضعفًا وعجفًا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله فتأباه، إذا قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيرى، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبى: والله ، إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذته. قال : لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه وأخذته،وما حملني على أخذه إلا أنى لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل علي ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل[15]، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت أنا أتانى، وحملته عليها معى، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شىء من حمرهم، حتى إن صواحبى ليقلن لى: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك! أربعي علينا[16]، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله ، إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها شأنًا، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمى تروح علىَّ حين قدمنا به معنا شباعًا لُبَّنـًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمى شباعًا لبنًا[17]. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا[18]. قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت ابني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا، وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه، فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين.[19]
وفى أحد الأيام رأت آمنة ـ وفاء لذكرى زوجها الراحل ـ أن تزور قبره بيثرب، فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ نحو خمسمائة كيلو متر ومعها ولدها اليتيم ـ محمد ـ وخادمتها أم أيمن، وقيمها عبد المطلب، فمكثت شهرًا ثم قفلت، وبينما هي راجعة إذ لحقها المرض في أوائل الطريق، ثم اشتد حتى ماتت بالأبْوَاء بين مكة والمدينة.
وعاد به عبد المطلب إلى مكة، وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيده اليتيم الذي أصيب بمصاب جديد نَكَأ الجروح القديمة، فَرَقَّ عليه رقة لم يرقها على أحد من أولاده، فكان لا يدعه لوحدته المفروضة، بل يؤثره على أولاده، قال ابن هشام: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له، فكان رسول الله يأتى وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأي ذلك منهم: دعوا ابني هذا، فوالله إن له لشأنًا، ثم يجلس معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع.
ولثمانى سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره توفي جده عبد المطلب بمكة، ورأي قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه.

Page 2

ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده وقدمه عليهم واختصه بفضل احترام وتقدير، وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه، ويبسط عليه حمايته، ويصادق ويخاصم من أجله.

ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة ـ قيل: وشهرين وعشرة أيام ـ ارتحل به أبو طالب تاجرًا إلى الشام، حتى وصل إلى بُصْرَى ـ وهي معدودة من الشام، وقَصَبَة لحُورَان، وكانت في ذلك الوقت قصبة للبلاد العربية التي كانت تحت حكم الرومان. وكان في هذا البلد راهب عرف بَبحِيرَى، واسمه ـ فيما يقال: جرجيس، فلما نزل الركب خرج إليهم، وكان لا يخرج إليهم قبل ذلك، فجعل يتخلّلهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ، وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أبو طالب وأشياخ قريش وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، [وإنا نجده في كتبنا]، ثم أكرمهم بالضيافة، وسأل أبا طالب أن يرده، ولا يقدم به إلى الشام؛ خوفًا عليه من الروم واليهود، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة. وقد شب مع عمه أبي طالب تحت رعاية الله وحفظه له من أمور الجاهلية وعادتها السيئة. فكان أفضل قومه مروءةً، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم مخالطةً، وأحسنهم جواراً، وأعظـهم حلماً وأمانةً، وأصدقهم حديثاً، وأبعدهم من الفحش والأذى، ما رؤى ملاحياً ولا ممارياً أحداً، حتى سمّاه قومه الأمين، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة.

وفي السنة العشرين من عمره وقعت في سوق عُكاظ حرب بين قريش ـ ومعهم كنانة ـ وبين قَيْس عَيْلان، تعرف بحرب الفِجَار وسببها: أن أحد بني كنانة، واسمه البَرَّاض، اغتال ثلاثة رجال من قيس عيلان، ووصل الخبر إلى عكاظ فثار الطرفان، وكان قائد قريش وكنانة كلها حرب بن أمية؛ لمكانته فيهم سنا وشرفًا، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كان في وسط النهار كادت الدائرة تدور على قيس. ثم تداعى بعض قريش إلى الصلح على أن يحصوا قتلى الفريقين، فمن وجد قتلاه أكثر أخذ دية الزائد. فاصطلحوا على ذلك، ووضعوا الحرب، وهدموا ما كان بينهم من العداوة والشر. وسميت بحرب الفجار؛ لانتهاك حرمة الشهر الحرام فيها، وقد حضر هذه الحرب رسول اللهصلى الله عليه وسلم ، وكان ينبل على عمومته؛ أي يجهز لهم النبل للرمي.
وعلى أثر هذه الحرب وقع حلف الفضول في ذى القعدة في شهر حرام تداعت إليه قبائل من قريش: بنو هاشم، وبنو المطلب،وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جُدْعان التيمى؛ لسنِّه وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وشهد هذا الحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لى به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت".
وهذا الحلف روحه تنافي الحمية الجاهلية التي كانت العصبية تثيرها، ويقال في سبب هذا الحلف: إن رجلًا من زُبَيْد قدم مكة ببضاعة، واشتراها منه العاص بن وائل السهمى، وحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الأحلاف عبد الدار ومخزومًا، وجُمَحًا وسَهْمًا وعَدِيّا فلم يكترثوا له، فعلا جبل أبي قُبَيْس، ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعًا صوته، فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك؟ حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في حلف الفضول، فعقدوا الحلف ثم قاموا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق الزبيدي.
ولم يكن لهصلى الله عليه وسلم عمل معين في أول شبابه، إلا أن الروايات توالت أنه كان يرعى غنمًا، رعاها في بني سعد، وفي مكة لأهلها على قراريط، ويبدو أنه انتقل إلى عمل التجارة حين شب،فقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي السائب المخزومي فكان خير شريك له، لا يدارى ولا يمارى، وجاءه يوم الفتح فرحب به، وقال: مرحبًا بأخي وشريكي.
وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاجرًا إلى الشام في مال خديجة رضي الله عنها قال ابن إسحاق: كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قومًا تجارًا، فلما بلغها عن رسول الله ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله رسول الله منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام.
ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تر قبل هذا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأي فيه من خلال عذبة، وشمائل كريمة، وفكر راجح، ومنطق صادق، ونهج أمين، وجدت ضالتها المنشودة ، وكان السادات والرؤساء يحرصون على زواجها فتأبي عليهم ذلك ، فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه ذهبت إليه تفاتحه أن يتزوج خديجة، فرضى بذلك، وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة وخطبوها إليه، وعلى إثر ذلك تم الزواج، وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مضر، وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين، وأصدقها عشرين بَكْرة. وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسبًا وثروة وعقلًا، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله ، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت. وكل أولاده منها سوى إبراهيم،ولدت له: أولًا القاسم ـ وبه كان يكنى ـ ثم زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وعبد الله ، وكان عبد الله يلقب بالطيب والطاهر، ومات بنوه كلهم في صغرهم، أما البنات فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن،إلا أنهن أدركتهن الوفاة في حياته سوى فاطمة رضي الله عنها، فقد تأخرت بعده ستة أشهر ثم لحقت به.
ولخمس وثلاثين سنة من مولده قامت قريش ببناء الكعبة؛ وذلك لأن الكعبة كانت رَضْمًا فوق القامة، ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل عليه السلام، ولم يكن لها سقف، فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها، وكانت مع ذلك قد تعرضت ـ باعتبارها أثرًا قديما ـ للعوادي التي أدهت بنيانها، وصدعت جدرانها، وقبل بعثته بخمس سنين جرف مكة سيل عرم انحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة منه على الانهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصًا على مكانتها، واتفقوا على ألا يدخلوا في بنائها إلا طيبًا، فلا يدخلون فيها مهر بغى ولا بيع ربًا ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابون هدمها، فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومى، فأخذ المعول وقال: الله م لا نريد إلا الخير، ثم هدم ناحية الركنين، ولما لم يصبه شيء تبعه الناس في الهدم في اليوم الثاني، ولم يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم، ثم أرادوا الأخذ في البناء فجزأوا الكعبة، وخصصوا لكل قبيلة جزءًا منها. فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة، وأخذوا يبنونها، وتولى البناء بنّاء رومي اسمه: باقوم. ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه، واستمر النزاع أربع ليال أو خمسًا، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم، إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومى عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد فارتضوه، وشاء الله أن يكون ذلك رسول الله ، فلما رأوه هتفوا: هذا الأمين، رضيناه، هذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداء فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعًا بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه، وهذا حل حصيف رضى به القوم.

Page 3

كان النبي قد جمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات، وكان طرازًا رفيعًا من الفكر الصائب، والنظر السديد، ونال حظًا وافرًا من حسن الفطنة وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف، وكان يستعين بصمته الطويل على طول التأمل وإدمان الفكرة واستكناه الحق، وطالع بعقله الخصب وفطرته الصافية صحائف الحياة وشئون الناس وأحوال الجماعات، فعاف ما سواها من خرافة، ونأي عنها، ثم عاشر الناس على بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجد حسنًا شارك فيه وإلا عاد إلى عزلته العتيدة، فكان لا يشرب الخمر، ولا يأكل مما ذبح على النصب، ولا يحضر للأوثان عيدًا ولا احتفالًا، بل كان من أول نشأته نافرا من هذه المعبودات الباطلة، حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان لا يصبر على سماع الحلف باللات والعزى.
ولا شك أن القدر حاطه بالحفظ، فعندما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متع الدنيا، وعندما يرضى باتباع بعض التقاليد غير المحمودة ـ تتدخل العناية الربانية للحيلولة بينه وبينها، قال رسول الله : ’ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمني برسالته، قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي الغنم بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال: أفعل، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفًا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع، فضرب الله على أذنـى فنمت، فما أيقظني إلا حر الشمس. فعدت إلى صاحبي فسألني، فأخبرته، ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت بمكة فأصابني مثل أول ليلة... ثم ما هممت بسوء’ .
وروى البخاري عن جابر بن عبد الله قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس للنبي : اجعل إزارك على رقبتك يقيقك من الحجارة، فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق، فقال: (إزاري، إزاري) فشد عليه إزاره[20]. وفي رواية: فما رؤيت له عورة بعد ذلك.[21]
وكان النبي يمتاز في قومه بخلال عذبة وأخلاق فاضلة، وشمائل كريمة، فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأعزهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وألينهم عَرِيكة، وأعفهم نفسًا وأكرمهم خيرًا، وأبرهم عملًا، وأوفاهم عهدًا، وآمنهم أمانة حتى سماه قومه: [الأمين] لما جمع فيه من الأحوال الصالحة والخصال المرضية، وكان كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقرى الضيف، ويعين على نوائب الحق.

هذا هو محمد صلى الله عليه وسلم صاحب الرسالة، وهذه لمحة سريعة من حياته قبل إن يكلفه الله بأداء الأمانة التى ائتمنه عليها، ولم تكن هذه الحياة من إعداد البشر، بل كانت من إعداد رب الرسالة ورب البشر، فهو وحده الذى يعلم أين يجعل رسالته؟

Page 4

لقد أطلق على رسولنا الكريم المصطفى صلى الله عليه وسلم أسماء وصفات لا حصر لها، جميعها يدل على سمو شخصيته وعلو منزلته ، لكنني سأقتصر على ما ورد من أسماء وصفات في القرآن الكريم والسنة النبوية لأنهما مفتاح كل أمر والطريق الهادي إلى كل خير ،وهذه بعض اسماؤه صلى الله عليه وسلم :

محمد، ولم يُسمّ أحد بهذا الاسم قبله إلا قبيل مبعثه عندما سمعت العرب بقرب ظهور نبي باسم محمد، فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون هو النبي.،أحمد، الاسم الذي أتى بالكتب وبشرت به الأنبياء من قبل ،أبو القاسم. ، الماحي. ، المقفّي أي: آخر الأنبياء، الحاشر. ،العاقب أي: آخر الأنبياء ، نبي التوبة، نبي الرحمة. ،نبي المرحمة. ،نبي التوبة ،نبي الملحمة ،الرحمة المهداة. ،سيد ولد آدم. ،حبيب الرحمن. ، المختار.، المصطفى. ،المجتبى. ،الصادق. ،المصدوق. ،الأمين. ،صاحب الشفاعة والمقام المحمود. ،صاحب الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة. ،صاحب التاج والمعراج. ،إمام المتقين. ،سيد المرسلين. ،قائد الغر المحجلين. ،النبي الأمّي،رسول الله. ،اتم النبيين. ،المزمل. ،المدثر.،المذكر،لشاهد. ،المبشر والبشير. ،النذير. ،الداعي إلى الله. ،السراج المنير،النور ،الحق. ،الهادي،الكريم. ،الرؤوف الرحيم قدم صدق ،العروة الوثقى. ،الصراط المستقيم. ،النجم الثاقب. ،طه، على خلاف بين العلماء. ،يس، على خلاف بين العلماء.

Page 5

إن واصفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة كثيرون، مثل على بن أبى طالب، وعائشة أم المؤمنين، وأنس بن مالك، وأبى هريرة، وهند بن أبى هالة، وغيرهم، فكلهم وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلهم صادق فى وصفه، فالكل متفق بعضهم مع بعض فى ذكرهم أوصافه، ولكن الأمر الجليل أن عدداً من الصحابة لم يستطيعوا ذكر أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليس لقصور فى بلاغتهم، أو عيب فى بيانهم، ولكن لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهابة بحيث لم يجرؤوا على إطالة النظر فى وجهه الكريم، فهذا عمرو بن العاص يقول : ما كان أحد أحب إلىّ من رسول الله صلى الله عليه وسلمولا أجل فى عينى منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينى منه إجلالاً له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأنى لم أكن أملأ عينى منه.

وبعد أن استقرأت بعض أقوال من وصفوه صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضي الله عنهم استطيع أن اقدم لك أخي القارئ بإيجاز مفصل أوصاف رسول اللهصلى الله عليه وسلم التي أجمع عليها كل من شاهده من صحابتة الأبرار رضي الله عنهم علي النحو التالي:

لونه صلى الله عليه وسلم ابيض مشرباً بحمرة، ليس بنحيل ولا سمين، أحسن الناس قواماً، وأحسنهم وجهاً، وأحسنهم لوناً، وأطيبهم ريحاً، وأقواهم حواساً، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وكان إلى الطول أقرب، لم يماشى احد من الناس إلا طاله، إذا جلس يكون كتفه أعلى من الجالس، طوله وعرضه متناسبان على أتم صفه، ضخم الرأس، كثير الشعر، كان شعره يصل إلى أنصاف أذنيه إذا قصره، وإذا غفل عن تقصيره وطال زمن إرساله وصل إلى منكبه، شعره ليس بالمنبسط المسترسل ولا بالمتكسر، بل بينهما، أحيانا ًيرسله على جبهته، وأحياناً أخرى يفرقه فى وسط رأسه، ولا يترك منه شيئاً على جبهته، جبينه واسع أملس جلى، إذا طلع من بين شعره أو عند الليل أو طلع بوجهه على الناس، تراءى كأنه السراج المتوقد يتلألأ، حاجبيه دقيقان طويلان ممتدان إلى آخر العينين، متقوسان ومتصلان اتصالاً خفيفاً لا يرى لأحد إلا إذا دقق النظر فيهما، بين حاجبيه عرق يحركه ويظهره الغضب، فكان إذا غضب امتلأ ذلك العرق دماً، فيظهر ويرتفع، وكان لا يغضب إلا لله، عينيه واسعتين شديد بياضهما، شديد سوادهما، لا يغيب من سوادهما شئ، مشربتان بحمرة من عروق حمر رقاق كانت فى بياضهما، طويل شعر أجفانهما، كأنه أكحل العينين وليس بأكحل، أنفه معتدلة حسنة الطول، دقيقة الأرنبة، مرتفعة الوسط، لها نور يعلوها، خديه أصلبين، قليل لحمهما، رقيق جلدهما، ليس فيهما نتوء أو ارتفاع، واسع الفم، رقيق الشفتين، أسنانه براقة بيضاء، صافيه محددة، متباعدة ما بين الثنايا والرباعيات([22])، إذا تكلم رُئى كالنور يخرج من بين ثناياه، لا يضحك إلا تبسماً، ريقه طيبة عذبة فيها الشفاء والرواء والغذاء والبركة والنماء، لحيته كثيرة الشعر، سوداء مستديرة، مابين ذقنه وشفته السفلى بارز ومرتفع، تحت شفته السفلى شعر منقاد على شعر اللحية كأنه منها، لم يبلغ شعره الأبيض فى رأسه ولحيته عشرون شعرة، أكثرهما فى لحيته ما بين ذقنه وشفته السفلى، أما شعره البيض فى رأسه ففى مكان مفرق رأسه، وجهه مستدير، شديد الحسن، ظاهر الوضاءة والإشراق، يتلألأ كما يتلألأ وجه القمر ليلة البدر، يؤنس كل من شاهده، إذا سُر برقت أسارير وجهه، وهى الخطوط التى تكون فى الجبهة، تام الأذنين طويل الرقبة، طويل العنق، عنقه كالفضة فى صفاءها، إذا ظهر للشمس فكأنه إبريق فضة مشرب ذهباً يتلألأ فى بياض الفضة وحمرة الذهب، وإذا ابتعد عن الشمس فكأنه القمر ليلة البدر، عريض الكتفين، بعيد ما بين المنكبين مما يدل على سعة الصدر والظهر، على منكبيه شعر كثير، عند كتفه الأيسر خاتم النبوة، وهو قطعة لحم مرتفعة تشبه جسمه عليها نقط حمراء، قدر بيضة الحمامة، عريض الصدر، بطنه مستوى مع صدره، لم يكن منتفخ الخاصرة ولا نحيلها، موصول من أسفل الحلق إلى السرة بشعر يجرى كالخط، وليس على صدره وبطنه شعر سوى ذلك، إبطيه بيض لا شعر فيهما، ضخم الكفين، طويل الأصابع، طويل الذراعين عريضهما، عظام ساعديه وساقيه ممتدة ليس فيها نتوء، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالى الصدر، كفيه واسعين ممتلئين باللحم، أنعم من الحرير رغم ضخامتهما، ضخم القدمين لينهما، ليس فيهما تكسر ولا شقاق، غليظ الأصابع والراحة، سبابة قدمه أطول من سائر أصابعه، أسفل قدميه شديد التجافى عن الأرض، عقبيه لحمهما قليل، قدميه تشبهان قدم سيدنا إبراهيم عليه السلام، كما هى آثارها في مقام إبراهيم، ساقه كأنها جمارة نخل فيها دقة ولمعان، عرقه أطيب ريحاً من المسك الشديد الرائحة، إذا صافحه أحد ظل طوال يومه يجد ريحه، كان عرقه في وجهه مثل اللؤلؤ، ومع هذا كان يستعمل الطيب في أكثر أوقاته مبالغة في طيب ريحه لملاقاة الملائكة وأخذ الوحى ومجالسة المسلمين، فى صوته بحة وحسن وخشونة، إذا تكلم سما وعلاه البهاء، وإن صمت فعليه الوقار، كلامه وسط ليس بالقليل ولا بالكثير، إذا مشى أسرع حتى يهرول الرجل وراءه فلا يدركه، لم يكن يرى له ظل في شمس ولا قمر، فيه ميل للأمام إذا مشى كأنما ينزل من انحدار، إذا التفت التفت بجسمه كله، أفصح العرب لساناً، وأوضحهم بياناً، وأعذبهم نطقاً، وأشدهم لفظاً، وأبينهم لهجة، وأقومهم حجة، وأعرفهم بمواقع الخطاب، وأهداهم إلى طريق الصواب من رآه هابه ومن خالطة أحبة ، يخاطب العرب على اختلاف شعوبهم وقبائلهم، يخاطب كلا منهم بما يفهمون، ويحادثهم بما يعلمون، أوضح خلق الله إذا لفظ، وأنصحهم إذا وعظ، لا يقول فحشاً، ولا ينطق هذراً، كلامه كله يثمر علماً وحكمة، لا يتفوه بشر بكلام أحكم منه فى مقالته، ولا أجزل منه فى عذوبته، أحكم الخلق تبياناً، وأفصحهم لساناً، وأوضحهم بيانا . ما ولدت العرب فيما مضى ولا تلد فيما بقى أفصح منه. وصدق القائل :

خلقت مبرءاًً من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء

Page 6

لقد تمثلت فى شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمى مكارم الأخلاق، وتجمعت فيه كل الصفات الحميدة، فتعلق الناس به، وتركوا فى حبه كل ما كان يربطهم بحياة الجاهلية الأولى، ولذا أثنى الله سبحانه وتعالى عليه بما لم يثن على نبى من أنبيائه، فقال تعالى : " وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) "([23]).

وهذه بعض الصفات التى امتاز بها الرسول صلى الله عليه وسلم وقربته إلى القلوب، نوجزها فيما يلى:

كرم النبى صلى الله عليه وسلم

لقد كان كرم النبى صلى الله عليه وسلم لوناً جديداً لم يعرفه العرب، ولم يألفه غيرهم، فلم يكن كرمه لكسب َمحمَدة أو اتقاء منقصة، ولم يكن للمباهاة أو الاستقلال، أو لاجتلاب المادحين، بل كان فى سبيل الله وابتغاء مرضاته، كان فى حماية الدين، وفى مؤازرة الدعوة، وفى محاربة الذين يصدون عن سبيل الله، فهو يعطى أحوج ما يكون إلى ما يعطيه، ويبذل الكثير وهو محتاج إلى القليل، وكان ينفق فى سبيل الله ما استطاع أن ينفق، وهو يستقل ما أنفق، وكان يعطى العطاء الجزيل، فلا يستكثر ما أعطى، وما سئل عن شيئ قط إلا أعطاه، وكان يستحى أن يرد سائله خالى اليدين.

أتاه صلى الله عليه وسلم رجل فسأله، فأعطاه غنماً سدت ما بين جبلين، فرجع إلى قومه وقال: أسلموا فإن محمداً يعطى عطاء من لا يخشى الفاقة([24]).

وحمل إليه صلى الله عليه وسلم تسعون ألف درهم، فوضعها على حصير، ثم قام فقسمها فما رد سائل حتى فرغ منها([25]).

صدق النبى صلى الله عليه وسلم

فهو صلى الله عليه وسلم صادق مع ربه، صادق مع نفسه، صادق مع الناس، صادق مع أهله، صادق مع أعدائه، فلو كان الصدق رجلاً لكان محمداً صلى الله عليه وسلم، وهل يُتعلم الصدق إلا منه صلى الله عليه وسلم وهل ينقل الصدق إلا عنه صلى الله عليه وسلم فهو الصادق الأمين في الجاهلية والإسلام،أجمع الذين عرفوا النبى صلى الله عليه وسلم وخالطوه منذ صباه على أنه صادق أمين، لم يسمعوا من فمه أكذوبة قط، ولم يشكوا فى خبر من أخباره، أو يستريبوا فى قول من أقواله، لكن قريشاً التى وثقت واطمأنت إلى صدقه فى صلاتها به ومخالطتها له، ناقضت نفسها، فكذبت نبوته وأنكرت رسالته، فلو أن الذين كذبوه احتكموا إلى ثقتهم به وتجاربهم معه، لعلموا أن الذى يصدقهم الأحاديث والأقوال لا يستطيع أن يكذب على الله([26]).

ولو أنهم كشفوا عن قلوبهم ما ران عليها من حجب العناد والضلال، والحرص على منافع الدنيا وشهواتها، لأيقنوا أن النبى يدعوهم إلى الحق والخير وفق ما تقتضيه الفطرة الصحيحة والعقل السليم([27])، لكنهم عموا عن هذا كله، وعموا عن البينات الدالة على صدق الرسول، وأصروا على تكذيب نبوته، وإنكار رسالته، لكن أحداً لم يستطيع وصفه بالكذب ، فلو أنه كان كاذباً ما احتمل فى دعوته أفدح المخاطر وأقسى الشدائد، وهو لم يجن من وراء دعوته ما يجنيه أصحاب الدعاوى من رغد وثراء وسلطان، ولو أنه كان كاذباً كما يدعون لآثر على دعواه الرضا بما عرضه عليه قومه من المال والملك، حينما يئسوا من تراجعه عن الدعوة إلى الإسلام الذى يسفه عقولهم ويلغى أديانهم، ويبطل كثيراً من عاداتهم ومعتقداتهم، ويهدد مصالحهم الشخصية بالزوال، ولم لم يكن صادقاً لأقام نفسه ملكاً على الجزيرة العربية بعد أن دانت له، وبعد أن وافته القبائل لتعلن إسلامها، وتدين له بالولاء، ولكنه لم يفعل شيئاً من هذا، وقد كان ميسورا عليه، بل آثر أن يقضى حياته زاهداً مبغضاً لمظاهر الجاه والسلطان، ولذلك فإن زعماء قريش الذين تولوا معارضة الدعوة لم يلبثوا أن آمنوا بها، وأشربتها نفوسهم، وكافحوا دونها بدمائهم وأموالهم، لأنهم أيقنوا أن محمداً الذى لم يكذب عليهم قط، لم يكذب على الله قط، وليس بصاحب بهتان، ولا طالب مال أو جاه([28]).

صبر النبى صلى الله عليه وسلم

كان النبى صلى الله عليه وسلم أصبر الناس على الأذى، وكان حظه من البلاء هو النصيب الأوفر، فقد قضى ثلاثاً وعشرين سنة، يدعوا إلى التوحيد الخالص عبدة الأوثان واليهود والنصارى، دعوة قوية لا يخفت صوتها، ولا ينقطع صداها، وهم يجدون فى هذه الدعوة تسفيها لعقولهم ولآلهتهم، وتقويضاً لسلطانهم ونفوذهم ونظمهم، فيحشدون قواهم لوأدها، أو لتعويق انتشارها، فلا يزداد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا حماسة لدعوته وإصراراً عليها، وكلما أمعنوا فى إيذائهم له، احتمله فى ثبات وجلد وصبر، حتى صار أعداء الأمس أصدقاء اليوم، وأقبل المشركون على دين الله أفواجاً يحملون شعاره، ويفدونه بأغلى ما يفتدى به عزيز. فالصبر درعه وترسه وصاحبه وحليفه، كلما أزعجه كلام أعدائه تذكّر "فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ " ، وكلما بلغ به الحال أشدّه والأمر أضيقه تذكّر "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ " ، وكلما راعه هول العدو وأقضّ مضجعه تخطيط الكفار تذكّر"فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ"

عدل النبى صلى الله عليه وسلم

كان النبى صلى الله عليه وسلم أعدل الناس، فقد استقى عدله من التربية الإلهية، والأخلاق القرآنية، فكانت فطرته السليمة مهيأة للعدل منذ شبابه، وكيف لا وهو المبلغ للشريعة، والمنفذ لها، وهو القاضي الأول الذي يطمئن المسلمون إلى أحكامه، ويقتدون بها، فمن يعدل إذا هو لم يعدل ؟ إن عدل رسول الله وسع القريب والبعيد ، والصديق والعدوّ ، والمؤمن والكافر ، عدلٌ يزن بالحقّ ويقيم القسط ، بل ويحفظ حقوق البهائم والحيوانات ، إلى درجة أن يطلب من الآخرين أن يقتصّوا منه خشية أن يكون قد لحقهم حيفٌ أو أذى ، وهو أبلغ ما يكون من صور العدل. وفي ظلال المنهج العادل للنبي صلى الله عليه وسلم عادت الحقوق إلى أصحابها وعلم كل امرئ ما له وما عليه ، وشعر الناس مسلمهم وكافرهم بنزاهة القضاء وعدالة الأحكام ، بعد أن وضع صلى الله عليه وسلم نظاماً رفيعاً وسنّة ماضية تقيم الحقّ وتقضي بالعدل ، منهجٌ فيه النصرة للمظلوم ، والقهر للظالم الغشوم ، فلا الفقير يخشى من فوات حقّه ، ولا الغني يطمع في الحصول على ما ليس له ، ولا الشافعون يطمعون في درء حدٍّ من حدود الله تعالى.

فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يعدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفى يده قِدحُ يعدل به القوم، فمر بسواد بن غُزَيَّة وهو ناتئ من الصف، فطعن فى بطنه بالقدح، وقال: استو يا سواد، فقال: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق، فأقدنى([29])، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: استقد يا سواد، فعانقه سواد، وقبل بطنه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله حضر ما ترى، فلم آمن القتل فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدى جلدك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير([30]).

وتلك امرأة مخزومية سرقت، فأحزن قريشاً شأنها، فقالوا ومن يكلم فيها رسول الله؟ ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حبيبه ؟ فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع فى حد من حدود الله ؟ ثم قام فخطب، وجاء فى خطبته قوله : إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محـمد سـرقت لقطع محمد يدها[31].وخوفاً من تفويت حقوق البعض لاسيما في القضاء يقول النبي صلى الله عليه وسلم:" إنكم تختصمون إليّ ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض([32] )، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها "([33])

Page 7

عفو النبى صلى الله عليه وسلم

ما أعظم عفو النبى صلى الله عليه وسلم عن الأعداء، فقد مثل عفو الإسلام خير تمثيل، وأفهم الجميع أن الإسلام جاء يريد الخير للجميع، لأوليائه وأعدائه جميعاً، وليس ديناً يحقد على أحد، وليست بعض ممارساته الصارمة نابعة عن القسوة، وإنما هى نابعة من روح تعميم العدالة على الجميع.فقد اشتد أذى المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد، إذ قتل عمه حمزة رضى الله عنه ومثل بجسده الشريف، وقتل العشرات من المسلمين، فتقدم بعض الصحابة إلى النبى صلى الله عليه وسلم، واقترحوا عليه أن يدعوا على المشركين ليعذبهم الله بعذاب من عنده، كما كان يعذب المشركين الأولين بدعوة أنبيائهم عليهم، لكن النبى صلى الله عليه وسلم امتنع عن ذلك وقال : إنى لم ابعث لعاناً ولكن بعثت داعياً ورحمة([34]).

وجاء إعرابى إلى النبى صلى الله عليه وسلم والبردة على كتفيه صلى الله عليه وسلم فجذب الإعرابى أطراف الرداء جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البردة فى صفحة عاتق النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقول بخشونة بالغة : يا محمد، احمل لى على بعيرى هذين من مال الله الذى عندك فإنك لا تحمل لى من مالك، ولا من مال ابيك، فسكت النبى صلى الله عليه وسلم برهة ثم قال : المال مال الله وأنا عبده ثم قال : ويقتص منك يا إعرابى ما فعلت بى، قال لا فقال صلى الله عليه وسلم : ولم ؟ قال : لأنك تعفو وتصفح ولا تكافئ بالسيئة الحسنة، فضحك النبى صلى الله عليه وسلم ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر[35].

ومن عظيم عفوه صلى الله عليه وسلم معاملته مع أهل مكة، أهل الشرك والكفر، الذين قتلوا أصحابه، وأنصاره، وأقرباؤه فى عشرات الحروب والذين أخرجوه صلى الله عليه وسلم من مسقط رأسه الشريف، وبلد الله وبلد آبائه، والذين عذبوا المهاجرين بأنواع التعذيب وقتلوا العديد منهم، والذين تآمروا على قتله صلى الله عليه وسلم عدة مرات، والذين مارسوا معه صلى الله عليه وسلم وأنصاره كل أنواع المظالم، هؤلاء جميعهم، جاءهم النبى صلى الله عليه وسلم فاتحاً منتصراً عليهم، حياتهم كلها رهن كلمة ينطق بها، ومع هذا نظر إليهم نظرة كلها عفو ورحمة وقال لهم: إذهبوا فأنتم الطلقاء.

رحمة النبى صلى الله عليه وسلم

لا تكفي المجدات الكبيرة، للحديث عن رحمته صلى الله عليه وسلم إنما نحتاج حقيقة إلى أعمار وأعمار للاطلاع على مظاهر رحمته ولتقدير مدى عظمة رحمته،و يكفي أن نذكر أن الذي شهد له بعظم هذه الرحمة ليس من عاصره أو من سمع عنه فقط، بل شهد بها رب العزة تبارك وتعالى، وجعل هذه الشهادة محفوظة في كتابه العظيم: القرآن الكريم، يتذكرها المسلمون دوما ُ كلَّما قرءوا الكتاب العظيم وذلك إلى يوم الدين.. قال تعالى لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ[36] لقد كانت رحمته صلى الله عليه وسلم رحمة عجيبة، فقد شملت الرجال والنساء، الأقوياء والضعفاء ،الأصحاء والمرضى الأغنياء والفقراء ، الخدم والرقيق ، الإنسان والحيوان، اليهود والنصارى ، حتى أنها شملت قوما خالفوا منهجه، وأنكروا الرسالة، ورفضوا النبوة، وعبدوا غير الله تعالى! إنَّ هذه الرحمة لخير دليل على أنه كان رحمة للعالمين، بالمفهوم الشامل الواسع لكلمة "العالمين". قال تعالى: " وما َأرْسْلناك ِإلَّارحمًة للْعاَلمين"[37]

إنه لشيء شديد الإبهار أن نراه يرحم ويبر ويعطف ويحنو على أولئك الذين عذبوه وعذبوا أصحابه، وعلى أولئك الذين مارسوا معه ومع المسلمين أشد أنواع القسوة والعنف!!

إن التاريخ الطويل من الصد عن سبيل الله، وفتنة المسلمين عن دينهم، لم يورث في قلب رسول الله شعورا بالانتقام، أو رغبة في الكيد أو التنكيل، إنما على العكس تماما وهذا هو الفارق الفارق الجلي بين أخلاق عامة البشر وأخلاق النبوة،

إن رسولنا الكريم كان حريصا كل الحرص على إيصال دعوته إلى كل من هو على غير الإسلام وكان يبذل قصارى جهده في الإقناع بالتي هي أحسن، وكان يحزن حزنا شديدا إذا رفض إنسان أو قومٌ الإسلام، ؛ فحملها إلى كل مشرك أو يهودي أو نصراني أو مجوسي، حتى وصل الأمر إلى أن الله عز وجل نهاه عن هذا الحزن والأسى قال تعالى يخاطبه ل لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ "[38] ومع شدة هذا الحزن إلا أن الرسول لم يجعله مبررا للضغط على أحد ليقبل الإسلام إنما جعل الآية الكريمة لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " منهجا له في حياته، فتحقق في حياته التوازن الرائع المعجز؛ إذ إنه يدعو إلى الحق الذي معه بكل قوة، ولكنه لا يدفع أحدا إليه مكرها أبدا.. وسبحان الذي رزقه هذا الكمال في الأخلاق!

حلم النبى صلى الله عليه وسلم

ما أسمى صفة الحلم وأحبها إلى القلوب ! وكم هي عظيمة هذه الصفة حتى جعلها الله عز وجل من علامات النبوة وبراهينها وما أروع الموقف الذي يتجلى فيه حلم النبوة فيهتدي به العقلاء إلى دين الله هداية قناعة ويقين ومحبة.

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى فى الحلم، لأن الله تعالى أدبه فأحسن تأديبه، فكان القدوة فى سعة الصدر وسماحة النفس التى تليق بمكانته ورسالته، فهو صلى الله عليه وسلم صاحب دعوة جديدة يعاندها أكثر النـاس، وفيهم الأقوياء والضعفاء، والحمقى والعقلاء، والأقارب والبعداء، وفيهم الذين يسـألون أو يجـادلون ليتبينوا، والذين لا يريدون من الجدال إلا العناد، والحلم فى كل حال من هذه الحالات هو القوة النفسية التى لا تغنى قوة غناءها، وحلمه صلى الله عليه وسلم أوسع من أن يحـاط بجوانبه، فلولا هذا الحلم ما استطاع أن يسـوس شـعباً كالعرب، يأنف أن يطيع أو ينصاع. وهناك كثير من المواقف التاريخية التي تؤكد أن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان حليما في معاملاته مع الناس حتى ولو كانوا أعداؤه،فقد روى أن أحد علماء أهل الكتاب من اليهود[39] قال: لم يبق من علامات النبوة شئ إلا وقد عرفتها فى وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه : أن يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه، فابتعت منه تمراً معلوماً إلى أجل معلوم، وأعطيته الثمن، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة أتيته، فأخذت بمجامع قميصه ورداؤه، ونظرت غليه بوجه غليظ، فقلت يا محمد ألا تقضينى حقى ؟ فو الله إنكم يا بنى عبد المطلب لمطل، وقد كان لى بمخالطتكم علم، فقال عمر بن الخطاب أى عدو الله، أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم ما أسمع ؟ فو الله لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفى رأسك، ورسول الله ينظر إلى عمر فى سكون وتؤدة، وتبسم، ثم قال : أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، تأمرنى بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة[40]، إذهب يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعاً، مكان ما روعته، ففعل عمر رضى الله تعالى عنه فقال العالم لعمر : يا عمر كل علامات النبوة قد عرفتها فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اثنتين، لم أخبرهما منه بسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فقد خبرتهما، فأشهدك أنى رضيت بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً([41]).

أن مبدأ الحلم هو أحد المبادئ التي تعامل بها الرسول صلى الله عليه وسلم مع أعدائه وأصحابه على السواء , فكسب الكثير من القلوب فأحاطت به ولم تكن ترضى أن يصاب الرسول صلى الله عليه وسلم بمكروه حيا أو ميتا فقد أشرقت قلوبهم بنور الإيمان وساروا وراء صاحب الخلق العظيم الذي يسبق حلمه غضبه ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً وأدركوا معنى قول الله تعالى يخاطب نبيه : "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ"[42].

ما أحوجنا إلى الاقتداء به صلى الله عليه وسلم في هذا الخلق الكريم، والطبع النبيل،

شجاعة النبى صلى الله عليه وسلم

الشجاعة من أكرم الخصال التي يتصف بها الرجال، فهي عنوان القوة، وعليها مدار إعزاز الأمة، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، فالشجاعة صفة لا يتحلى بها إلا الأقوياء الذين لا يأبهون الخوف، ولا يجعلون الخور والضعف ديدنهم .

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلمأشجع الناس، بل كان المثل الأعلى فى الشجاعة ، فقد فرت منه جيوش الأعداء وقادة الكفر في كثير من المواجهات الحاسمة، بل كان يتصدر صلى الله عليه وسلم المواقف والمصاعب بقلب ثابت وإيمان راسخ، كان شجاعاً فى جهره بالحق، وفى دفاعه عن العقيدة، مهما تكن عاقبة الشجاعة، كل ذلك من أجل إعلاء كلمة الله، وحماية الإسلام من عدوان المشركين، وتحرير الناس من أغلال الوثنية وإرهاق الاستعباد، ومخازى العقائد والنظم ومفاسـد الأخـلاق، لتحل محلها أسمى عقيدة، وأصلح نظام، فعندما ضاقت قريش بدعوته إلى الإسلام، وبتسفيه أحلامها، وعيب آلهتها، مشوا إلى عمه أبى طالب وقالوا له: إن لك سناً وشرفاً ومنزلة، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين. فعظم أبو طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفساً بخذلان إبن أخيه، فقال لمحمد: يا ابن أخى إن قومك قد جاءونى، فقالوا لى كذا وكذا، فأبق علىّ وعلى نفسك، ولا تحملنى من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمه تخلى عنه وأنه خاذله، وأنه قد ضعف عن نصرته فقال: ياعم، والله لو وضعوا الشمس فى يمينى، والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته"[43]. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم، إذا حمي الوطيس واشتد البأس يحتمون برسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول علي رضي الله عنه: " كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه [44]

إن قوة النبي صلى الله عليه وسلموشجاعته، لم تكن في غير محلها، فهذه عائشة رضي الله عنها تقول: " ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلمبيده شيئا قط، ولا امرأة ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل"[45].

لقد كانت مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مضرب المثل، ومحط النظر، فهو شجاع في موطن الشجاعة، قوي في موطن القوة، رحيم رفيق في موطن الرفق، فصلوات ربي وسلامه عليه.

Page 8

تواضع النبى صلى الله عليه وسلم

خلق التواضع من الأخلاق التي اتصف بها صلى الله عليه وسلم، فقد كان تواضع النبى صلى الله عليه وسلم مضرب الأمثال فى التاريخ كله، لدرجة أنه لم يدع لمتواضع قولاً، ولم يترك لمتكبر حجة. ، فكان خافض الجناح للكبير والصغير، والقريب والبعيد، والأهل والأصحاب، والرجل والمرأة، والصبي والصغير، والعبد والجارية، والمسلم وغير المسلم، فالكل في نظره سواء، لا فضل لأحد على آخر إلا بالعمل الصالح يقول عبد الله بن مسعود: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، فقام وقد أثر فى جنبه، قلنا: يا رسول الله: لو أخذنا لك وطاء[46] ؟ فقال: مالى وللدنيا، ما أنا فى الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها[47].

وسُئلت السيدة عائشة رضى الله عنها : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع فى بيته؟ قالت: كان بشراً من البشر، يفلى ثوبه، ويحلب شاته، ويخيط ثوبه، ويخدم نفسه، ويخصف نعله، ويعمل ما تعمل الرجال فى بيوتهم، ويكون فى مهنة أهله، يعنى خدمه أهله، فإذا سمع المؤذن خرج إلى الصلاة[48].

سئل أنس بن مالك عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كان يلبس الصوف، ويركب الحمار، ويجلس على الأرض، ويعتقل[49] العنز، ويحلبها، ويأكل على الأرض ويقول : إنما أنا عبد، أجلس كما يجلس العبد[50].

ومن أبرز مظاهر تواضعه صلى الله عليه وسلم ما نجده في تعامله مع الضعاف من الناس وأصحاب الحاجات؛ كالنساء، والصبيان. فلم يكن يرى عيبًا في نفسه أن يمشي مع العبد، والأرملة، والمسكين، يواسيهم ويساعدهم في قضاء حوائجهم. بل فوق هذا، كان عليه الصلاة والسلام إذا مر على الصبيان والصغار سلم عليهم، وداعبهم بكلمة طيبة، أو لاطفهم بلمسة حانية . تلك صور من تواضعه عليه الصلاة والسلام، وأين هي مما يصوره به اليوم أعداؤه، والمبغضون لهديه، والحاقدون على شريعته؛ ثم أين نحن المسلمين من التخلق بخلق التواضع، الذي جسده نبينا صلى الله عليه وسلم في حياته خير تجسيد، وقام به خير قيام ؟!

هذه نبذة يسيرة، وقطرة من بحر، عرضتها على القارئ ليرى من خلالها أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلمس السبب الذى جعل الناس يلتفون حوله، ويتمسكون به، ويغارون عليه، ويستوحون منه الحكمة، ويستلهمون من تعاليمه الهداية والرشاد، ويغترفون من ينابيعه العذبة رحيق السماء .

وليس لكاتب أو محقق أو مؤرخ أن يحيط بشمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم ، أو بزاوية من زواياً خصاله الفاضلة الطاهرة.

وأعتقد أن البشرية كلها لو اتخذت من الذهب أقلاما، ومن المسك مداداً، ومن الكافور أوراقاً، ومن اللآلئ ألفاظاً، لما استطعنا أن نعدد مآثره الشريفة، أو نحصى أمجاده العريقة، فصدق الله العظيم إذ يقول " وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ"([51]).

Page 9

إن ديننا الحنيف قد أثَّر في كثير من كبار العقليات الغربية من أهل الإنصاف، مما جعلهم يجهرون بشهادتهم لنبينا صلى الله عليه وسلم ورسالته إما تصريحا أو إشارة من خلال مدح حضارتنا الإسلامية عبر التاريخ، وهذا على مرأى ومسمع من العالمين، رغم أنف المعاندين والحاقدين، فشهدوا شهادة عدل وإحسان وإن لم يسلموا، لأن الباحث الغربي المنصف لا يملك إلا أن يقف إجلالا لشخصية نبينا ورسالته

ومن هنا كان من المناسب أن يكون الردُّ عليهم من كتابات أبناء جلدتهم من كتابهم ومفكريهم، أولئك النَّفر من المحايدين الذين أبوا على أنفسهم أن يلووا أعناق النصوص ويقلبوا الحقائق التاريخية، أو يختاروا منها ما يحقق غايتهم، هؤلاء القلائل الذين التزموا ما يقتضيه البحث العلمي من الأمانة العلمية والأخلاقية في العرض والأخذ والرد وهذه بعض أقوالهم :

الفيلسوف الإنجليزى "توماس كارليل"

قال فى كتابه "الأبطال" : "لقد أصبح من العار على أى فـرد متمديـن من

أبناء هذا العصر، أن يصغى إلى ما يدعيه بعض الجهال الحاقدين، من أن دين الإسلام كذب، وأن محمداً ليس بنبى ، إن علينا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة.

العلامة الألمانى "كارل هيرنش بكر"

قال فى كتابه "الشرقيون" : "لقد أخطأ من قال أن نبى العرب دجال أو ساحر، لأنه لم يفهم مبدأه السامى، إن محمداً جدير بالتقدير ومبدأه حرى بالإتباع، وليس لنا أن نحكم قبل أن نعلم، وأن محمداً خير رجل جاء إلى العالم بدين الهدى والكمال".

المستشرق الكندى الدكتور "زويمر"

قال فى كتابه "الشرق وعاداته" : "إن محمداً كان ولا شك من أعظم القواد المسلمين الدينيين، ويصدق عليه القول أيضاً بأنه كان مصلحاً قديراً، وبليغاً فصيحاً، وجريئاً مغواراً ومفكراً عظيماً، ولا يجوز أن ننسب إليه ما ينافى هذه الصفات، وهذا قرآنه الذى جاء به وتاريخه يشهدان بصحة هذا الإدعاء".

الدكتور "كولد تستهير" الأستاذ بكلية العلوم جامعة بودابست

قال فى كتابه "العقيدة والشريعة فى الإسلام" : "الحق أن محمداً كان بلا شك أول مصلح حقيقى فى الشعب العربى من الوجهة التاريخية.

المستشرق الأمريكى "سنكس"

قال فى كتابه "ديانة العرب" : "ظهر محمد بعد المسيح بخمسمائة وسبعين سنة، وكانت وظيفته ترقية عقول البشر، بإشرابها الأصول الأولية للأخلاق الفاضلة، وبإرجاعها إلى الاعتقاد بإله واحد، وبحياة بعد هذه الحياة".

الدكتور "كلود كاهن" الأستاذ بكلية الآداب جامعة ستراسبورغ بباريس :

قال فى كتابه "تاريخ العرب والشعوب الإسلامية" : "اصطبغت شخصية محمد بصبغة تاريخية قد لا تجدها عند أى مؤسس من مؤسسي الديانات الكبرى".

الدكتور "مونته" أستاذ اللغات الشرقية فى جامعة جنيف

قال فى كتابه "محمد والقرآن": "إن طبيعة محمد الدينية، تدهش كل باحث مدقق نزيه المقصد بما يتجلى فيها من شدة الإخلاص، فقد كان محمد مصلحاً دينياً ذا عقيدة راسخة، ولم يقم إلا بعد أن تأمل كثيراً وبلغ سن الكمال بهذه الدعوة العظيمة التى جعلته من أسطع الأنوار الإنسانية فى الدين".

الكاتب الإنجليزى "برنارد شو"

قال فى كتابه "محمد" : "إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل فى تفكير محمد، هذا النبى الذى وضع دينه دائماً موضع الإحترام والإجلال، فإنه أقوى دين على هضم جميع الديانات، خالداً خلود الأبد، وفى رأيى أنه لو تولى أمر العالم اليوم، لوفق فى حل مشكلاتنا، بما يؤمن السلام والسعادة التى يرنو البشر إليها".

العلامة الفرنسى "ساديو لويس"

قال : "لم يكن محمد نبى العرب بالرجل البشير للعرب فحسب، بل للعالم لو أنصفه الناس، لأنه لم يأت بدين خاص بالعرب، وأن تعاليمه الجديرة بالتقدير والإعجاب، تدل على أنه عظيم فى دينه، عظيم فى صفاته، عظيم فى أخلاقه، وما أحوجنا إلى رجال للعالم أمثال محمد نبى المسلمين" .

الأديب العالمى "ليو تولستوى"

قال : "يكفى محمداً فخراً أنه خلص أمه ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريق الرقى والتقدم، وأن شريعة محمد، ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة".

البروفيسور الهندى "راماكرشنه راو"

قال فى كتابه "محمد النبى" : "لا يمكن معرفة شخصية محمد بكل جوانبها، ولكن كل ما فى استطاعتى أن أقدمه هو نبذة عن حياته من صور متتابعة جميلة، فهناك محمد النبى، ومحمد المحارب، ومحمد رجل الأعمال، ومحمد رجل السياسة، ومحمد الخطيب، ومحمد المصلح، ومحمد ملاذ اليتامى، وحامى العبيد، ومحمد محرر النساء، ومحمد القاضى، كل هذه الأدوار الرائعة فى كل دروب الحياة الإنسانية تؤهله لأن يكون بطلاً" .

الدكتور النمساوى "شبرك"

قال : "إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ أنه رغم أميته، إستطاع أن يأتى بتشريع سنكون نحن الأوربيين أسعد ما نكون إذا توصلنا إلى قمته" .

القس الفرنسى "لوزون"

قال:"ليس محمد نبى العرب وحدهم، بل هو افضل نبى قال بوحدانية الله تعالى".

الكاتب والمؤرخ الفرنسى "لامارتين" :

قال : "إذا أردنا أن نبحث عن إنسان عظيم تتحقق فيه جميع صفات العظمة الإنسانية فلن نجد أمامنا سوى محمد الكامل".

الدكتور "هانز كونج" عالم اللاهوت السويسرى

قال : "محمد نبى حقيقى بمعنى الكلمة، ولا يمكننا بعد، إنكار أن محمداً هو المرشد القائد على طريق النجاة".

بوسورث سميث

قال في كتابه "محمد والمحمدية"، : لقد كان محمد قائدا سياسيا وزعيما دينيا في آن واحد. لكن لم تكن لديه عجرفة رجال الدين، كما لم تكن لديه فيالق مثل القياصرة. ولم يكن لديه جيوش مجيشة أو حرس خاص أو قصر مشيد أو عائد ثابت. إذا كان لأحد أن يقول إنه حكم بالقدرة الإلهية فإنه محمد، لأنه استطاع الإمساك بزمام السلطة دون أن يملك أدواتها ودون أن يسانده أهلها.

الدكتور زويمر الكندي

قال في كتابه "الشرق وعاداته": إن محمداً كان ولا شك من أعظم القواد المسلمين الدينيين، ويصدق عليه القول أيضاً بأنه كان مصلحاً قديراً وبليغاً فصيحاً وجريئاً مغواراً، ومفكراً عظيماً، ولا يجوز أن ننسب إليه ما ينافي هذه الصفات، وهذا قرآنه الذي جاء به وتاريخه يشهدان بصحة هذا الادعاء

سانت هيلر

قال "كان محمد رئيسًا للدولة وساهرًا على حياة الشعب وحريته، وكان يعاقب الأشخاص الذين يجترحون الجنايات حسب أحوال زمانه وأحوال تلك الجماعات الوحشية التي كان يعيش النبي بين ظهرانيها، فكان النبي داعيًا إلى ديانة الإله الواحد وكان في دعوته هذه لطيفًا ورحيمًا حتى مع أعدائه، وإن في شخصيته صفتين هما من أجلّ الصفات التي تحملها النفس البشرية وهما العدالة والرحمة".

المفكر الفرنسي لامارتين

قال هذا هو محمد صلى الله عليه وسلم الفيلسوف، الخطيب، النبي، المشرع، المحارب، قاهر الأهواء، مؤسس المذاهب الفكرية التي تدعو إلى عبادة حقة، بلا أنصاب ولا أزلام. هو المؤسس لعشرين إمبراطورية في الأرض، وإمبراطورية روحانية واحدة. هذا هو محمد صلى الله عليه وسلم بالنظر لكل مقاييس العظمة البشرية، أود أن أتساءل: هل هناك من هو أعظم من النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟

سنرستن الآسوجي

قال "إننا لم ننصف محمدًا إذا أنكرنا ما هو عليه من عظيم الصفات وحميد المزايا، فلقد خاض محمد معركة الحياة الصحيحة في وجه الجهل والهمجية، مصرًا على مبدئه، وما زال يحارب الطغاة حتى انتهى به المطاف إلى النصر المبين، فأصبحت شريعته أكمل الشرائع، وهو فوق عظماء التاريخ".

المستر سنكس

قال "ظهر محمد بعد المسيح بخمسمائة وسبعين سنة، وكانت وظيفته ترقية عقول البشر، بإشرابها الأصول الأولية للأخلاق الفاضلة، وبإرجاعها إلى الاعتقاد بإله واحد، وبحياة بعد هذه الحياة".

آن بيزيت

"من المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبي العرب العظيم ويعرف كيف عاش هذا النبي وكيف علم الناس، إلا أن يشعر بتبجيل هذا النبي الجليل، أحد رسل الله العظماء.

مايكل هارت

قال "إن اختياري محمدًا، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي.

دُرّاني

قال "أستطيع أن أقول بكل قوة أنه لا يوجد مسلم جديد واحد لا يحمل في نفسه العرفان بالجميل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لما غمره به من حب وعون وهداية وإلهام؛ فهو القدوة الطيبة التي أرسلها الله رحمة لنا وحبًا بنا حتى نقتفي أثره".

نصري سلهب

قال "هنا عظمة محمد صلى الله عليه وسلم لقد استطاع خلال تلك الحقبة القصيرة من الزمن ـ أن يحدث شريعة خلقية وروحية واجتماعية لم يستطعها أحد في التاريخ بمثل تلك السرعة المذهلة".

السير موير

قال "إن محمدًا نبي المسلمين لقب بالأمين منذ الصغر بإجماع أهل بلده لشرف أخلاقه وحسن سلوكه، ومهما يكن هناك من أمر فإن محمدًا أسمى من أن ينتهي إليه الواصف، ولا يعرفه من جهله، وخبير به من أمعن النظر في تاريخه المجيد، ذلك التاريخ الذي ترك محمدًا في طليعة الرسل ومفكري العالم".

ادوارد لين الإنكليزي في كتابه " أخلاق وعادات المصريين"

قال إن محمداً كان يتصف بكثير من الخصال الحميدة، كاللطف والشجاعة ومكارم الأخلاق، حتى أن الإنسان لا يستطيع أن يحكم عليه دون أن يتأثر بما تتركه هذه الصفات في نفسه من أثر، كيف لا، وقد احتمل محمد عداء أهله وعشيرته بصبر وجلد عظيمين، ومع ذلك فقد بلغ من نبله أنه لم يكن يسحب يده من يد من يصافحه حتى ولو كان يصافح طفلاً، وأنه لم يمر يوماً من الأيام بجماعة رجالاً كانوا أو أطفالاً دون أن يقرأهم السلام، وعلى شفتيه ابتسامة حلوة، وقد كان محمد غيوراً ومتحمساً، وكان لا يتنكر للحق ويحارب الباطل، وكان رسولاً من السماء، وكان يريد أن يؤدي رسالته على أكمل وجه، كما أنه لم ينس يوماً من الأيام الغرض الذي بعث لأجله، ودائماً كان يعمل له ويتحمل في سبيله جميع أنواع البلايا، حتى انتهى إلى إتمام ما يريد.

المؤلف الكبير ماكس فان برشم

قال في مقدمة كتابه "العرب في آسيا": الحق أن محمداً هو فخر للإنسانية جمعاء وهو الذي جاءها يحمل إليها الرحمة المطلقة فكانت عنوان بعثته "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".

مهاتما غاندي

قال "أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر. لقد أصبحت مقتنعًا كل الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته، بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول مع دقته وصدقه في الوعود، وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه، وشجاعته مع ثقته المطلقة في ربه وفي رسالته. هذه الصفات هي التي مهدت الطريق، وتخطت المصاعب وليس السيف. بعد انتهائي من قراءة الجزء الثاني من حياة الرسول وجدت نفسي أسفًا لعدم وجود المزيد للتعرف أكثر على حياته العظيمة".

سنرستن الآسوجي أستاذ اللغات السامية

يقول في كتابه "تاريخ حياة محمد": "إننا لم ننصف محمدًا إذا أنكرنا ما هو عليه من عظيم الصفات وحميد المزايا؛ فلقد خاض محمد معركة الحياة الصحيحة في وجه الجهل والهمجية، مصرًا على مبدئه، وما زال يحارب الطغاة حتى انتهى به المطاف إلى النصر المبين، فأصبحت شريعته أكمل الشرائع، وهو فوق عظماء التاريخ"

ساديو لويس الفرنسي

قال"لم يكن محمد نبي العرب بالرجل البشير للعرب فحسب بل للعالم، لو أنصفه الناس، لأنه لم يأت بدين خاص بالعرب، وأن تعاليمه الجديرة بالتقدير والإعجاب تدل على أنه عظيم في دينه، عظيم في أخلاقه، عظيم في صفاته، وما أحوجنا إلى رجال للعالم أمثال محمد نبي المسلمين."

القس ميشون الألماني في كتابه "سياحة دينية في الشرق"

قال "إنه لمن المحزن أن يتلقى المسيحيون عن المسلمين روح التعامل وفضائل حسن المعاملة، وهما أقدس قواعد الرحمة والإحسان عند الشعوب والأمم، كل ذلك بفضل تعاليم نبيهم محمد "

غوستاف لوبون

قال "إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد صلى الله عليه وسلم من أعظم من عرفهم التاريخ، وقد أخذ علماء الغرب ينصفون محمدًا صلى الله عليه وسلم مع أن التعصب الديني أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله..".

لورافيشيا فاغليري

"كان محمد صلى الله عليه وسلم المتمسك دائمًا بالمبادئ الإلهية شديد التسامح، وبخاصة نحو أتباع الأديان الموحدة. لقد عرف كيف يتذرع بالصبر مع الوثنيين، مصطنعًا الأناة دائمًا اعتقادًا منه بأن الزمن سوف يتم عمله الهادف إلى هدايتهم وإخراجهم من الظلام إلى النور.. لقد عرف جيدًا أن الله لابد أن يدخل آخر الأمر إلى القلب البشري".

مارسيل بوازار

"لم يكن محمد صلى الله عليه وسلمعلى الصعيد التاريخي مبشرًا بدين وحسب بل كان كذلك مؤسس سياسة غيّرت مجرى التاريخ، وأثرت في تطور انتشار الإسلام فيما بعد على أوسع نطاق..".

واشنجتون إيرفنج

"كانت تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم في أعقاب فتح مكة تدل على أنه نبي مرسل لا على أنه قائد مظفر؛ فقد أبدى رحمة وشفقة على مواطنيه برغم أنه أصبح في مركز قوي، ولكنه توّج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو.

وهناك الكثير والكثير من الآراء والأقوال التى شهدت بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم على البشرية وسيادته على العالم.

Page 10

اقتضت إرادة الله أن يستخلص من كل الرسل والأنبياء الذين أرسلوا للناس على مر العصور رسولاً واحداً يتصف بجميع صفات الأنبياء والمرسلين، ليجمع العالم فى إخاء عالمى واحد تحت لواء دين واحد، فبعث الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وسلم لجميع البشر، عربهم وعجمهم، على اختلاف لغاتهم وأجناسهم، ليبدد سحب الفساد، ويطهر العالم من أدرانه وأوزاره، فامتدت دعوته صلى الله عليه وسلم إلى العالم كله معلنة صراحة بأن الله مظهر دينه على سائر الأديان مهما استعلت كلمة الكفر وأعلنت العصيان .