Page 1
تقــديـــم
ما زلت أخاف من «الفايسبوك» و«التويتر» ومن بقية أشكال التدوين الإلكتروني، على الرغم من أني أستطيع بسهولة أن أزعم أني كسرت منذ زمن بعيد حاجز التكنولوجيا، وصرت خبيراً أو على الأقل متمكناً من هذا العالم الساحر.
لعل مصدر الخوف هو الادعاء بأن النص المطبوع على الورق والموجه إلى القارئ الورقي أرقى من بقية النصوص المنشورة على الشاشة، مع أن ذلك المسطح المضيء بات مصدراً لأهم ما أقرأ كل يوم وكل ساعة. أو لعله الادعاء بأني لست مجرد مدون يومي يسلي القارئ مثلما يفعل الكثيرون من كتاب الجيل الجديد بطريقة أسهل ولغة أسلس وموضوع أقرب إلى القلب.
لكني واثق من أني سارتقي يوماً، قريباً، إلى مستوى التدوين والتفاعل الإلكتروني وستصبح كتاباتي مدونات تصل بسرعة أكبر إلى عدد أكبر من القراء الذين ينفضون عن الورق الأسمر والحبر الأسود وما يحملانه من مخاطر صحية وسياسية، ومن ذكريات لا يمكنها أن تصمد طويلاً.
هذا الموعد يقترب، لتسقط معه تجربة طويلة من الكتابة والقراءة، صار هذا الكتاب أحد شواهدها، واختباراتها النهائية. لن يجد طريقه إلى قراء كثيرين، لأنه مجرد استعادة لمحطات سابقة وعابرة. لكنه سيجد مكاناً متواضعاً في تاريخ الصحف الورقية، قد يفيد بعض المهتمين ، أو بعض المشاغبين.
لكنها تجربة، لا تدعو إلى الخجل ولا إلى الفخر، بل إلى التسجيل والتدوين على الطريقة التقليدية القديمة التي طالما أتبعها كتاب الرأي والأعمدة في الصحافة المطبوعة، لكي يضيفوا إلى مكتبات الأصدقاء لوناً معروفاً تحت عنوان مألوف.
الوصول إلى هذا الكتاب الثالث من نوعه، ببادرة محببة ومشكورة من «السفير»، كان كما في المرتين السابقتين رحلة عذاب وشقاء في إعادة قراءة ما لا يقرأ إلا في يومه، وفي ساعته ، ويفقد في اليوم التالي قيمته، ومطاردة حقيقية مع المواعيد، تضمر الخشية الدائمة من التعرض لامتحان جديد أمام القارئ، أصعب من الامتحان اليومي، الذي يحتمل العذر بالسرعة أو التسرع.
الامتحان الثالث والأخير، لم يكن مختلفاً. ما نشر في العام 2009 لم يوفر فرصة للاختيار وما نشر في العام 2010 لم يحتو على التنبوء. وما نشر في العام 2011 لم يقدم البرهان على أن المحطة الأخيرة كانت تشعر بدنو الربيع العربي، الذي سعت ولا تزال من أجل مواكبته وتشجيعه والتمتع به من دون تردد ولا تحفظ، وفي جميع الدول العربية من دون استثناء، لاسيما أن سوريا التي تصنع حريتها وديموقراطيتها، وتعد لبنان بتغيير وتطوير لم يسبق لهما مثيل.
أصعب ما في الامتحان ، أي امتحان، الدخول إليه بملء الإرادة والخروج منه بفراغ القوة . ذلك هو تعريف الصحافة، وتقدير القارئ الذي لا يرحم.
ساطــع نــور الـديـن
ما زلت أخاف من «الفايسبوك» و«التويتر» ومن بقية أشكال التدوين الإلكتروني، على الرغم من أني أستطيع بسهولة أن أزعم أني كسرت منذ زمن بعيد حاجز التكنولوجيا، وصرت خبيراً أو على الأقل متمكناً من هذا العالم الساحر.
لعل مصدر الخوف هو الادعاء بأن النص المطبوع على الورق والموجه إلى القارئ الورقي أرقى من بقية النصوص المنشورة على الشاشة، مع أن ذلك المسطح المضيء بات مصدراً لأهم ما أقرأ كل يوم وكل ساعة. أو لعله الادعاء بأني لست مجرد مدون يومي يسلي القارئ مثلما يفعل الكثيرون من كتاب الجيل الجديد بطريقة أسهل ولغة أسلس وموضوع أقرب إلى القلب.
لكني واثق من أني سارتقي يوماً، قريباً، إلى مستوى التدوين والتفاعل الإلكتروني وستصبح كتاباتي مدونات تصل بسرعة أكبر إلى عدد أكبر من القراء الذين ينفضون عن الورق الأسمر والحبر الأسود وما يحملانه من مخاطر صحية وسياسية، ومن ذكريات لا يمكنها أن تصمد طويلاً.
هذا الموعد يقترب، لتسقط معه تجربة طويلة من الكتابة والقراءة، صار هذا الكتاب أحد شواهدها، واختباراتها النهائية. لن يجد طريقه إلى قراء كثيرين، لأنه مجرد استعادة لمحطات سابقة وعابرة. لكنه سيجد مكاناً متواضعاً في تاريخ الصحف الورقية، قد يفيد بعض المهتمين ، أو بعض المشاغبين.
لكنها تجربة، لا تدعو إلى الخجل ولا إلى الفخر، بل إلى التسجيل والتدوين على الطريقة التقليدية القديمة التي طالما أتبعها كتاب الرأي والأعمدة في الصحافة المطبوعة، لكي يضيفوا إلى مكتبات الأصدقاء لوناً معروفاً تحت عنوان مألوف.
الوصول إلى هذا الكتاب الثالث من نوعه، ببادرة محببة ومشكورة من «السفير»، كان كما في المرتين السابقتين رحلة عذاب وشقاء في إعادة قراءة ما لا يقرأ إلا في يومه، وفي ساعته ، ويفقد في اليوم التالي قيمته، ومطاردة حقيقية مع المواعيد، تضمر الخشية الدائمة من التعرض لامتحان جديد أمام القارئ، أصعب من الامتحان اليومي، الذي يحتمل العذر بالسرعة أو التسرع.
الامتحان الثالث والأخير، لم يكن مختلفاً. ما نشر في العام 2009 لم يوفر فرصة للاختيار وما نشر في العام 2010 لم يحتو على التنبوء. وما نشر في العام 2011 لم يقدم البرهان على أن المحطة الأخيرة كانت تشعر بدنو الربيع العربي، الذي سعت ولا تزال من أجل مواكبته وتشجيعه والتمتع به من دون تردد ولا تحفظ، وفي جميع الدول العربية من دون استثناء، لاسيما أن سوريا التي تصنع حريتها وديموقراطيتها، وتعد لبنان بتغيير وتطوير لم يسبق لهما مثيل.
أصعب ما في الامتحان ، أي امتحان، الدخول إليه بملء الإرادة والخروج منه بفراغ القوة . ذلك هو تعريف الصحافة، وتقدير القارئ الذي لا يرحم.
ساطــع نــور الـديـن
Page 2
منصة الإطلاق
انطلق الصاروخان من الجنوب، لان أميركا لم تتغير، ولأن دور لبنان لن يتغير.
لم يكن إطلاقهما مرتبطا بتكليف رئيس حزب الليكود الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأليف الحكومة الاسرائيلية الجديدة، لان الجنوب يستعد على الأرجح لاستقبال تشكيلته الجديدة، فور اعلانها، بأكثر من صاروخين.. او قد يحظى بترحيب به مغاير، عندما يواجه الحقائق التي يبدو ان ادارة الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما لم تدركها حتى الآن.
كان الصاروخان موجهين الى واشنطن بالتحديد، وكانا يستهدفان تحذير الادارة الاميركية الجديدة من أن اللغة التي تخاطب بها الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والإيرانيين غير مقبولة ابدا، وهي تستلهم خطاب ادارة الرئيس السابق جورج بوش، وفي بعض الأحيان تتخطاه تصلبا، وتوحي بأنها تنوي استكماله وتطويره على نحو مناقض لما كانت غزة وبيروت ودمشق وطهران تتوقعه.
اجتمعت أربع جهات على عملية الإطلاق. لم تكن هناك حاجة الى تنسيق مسبق. كانت أصداء الموقف الاميركي الجديد القديم واضحة ومدوية: تؤيد واشنطن إسقاط حكومة حماس في غزة، او هي على الاقل لن تعترف بها الا اذا كانت جزءا من شرعية السلطة الفلسطينية في رام الله، وتدعم جدول اعمال فريق الرابع عشر من آذار في لبنان وهي لن تساوم على المحكمة الدولية ولا على الاستقلال والسيادة اللبنانية. وتعتبر ان سوريا لا تزال مطالبة بالالتزام بالشروط المعروفة التي وضعتها لها إدارة بوش. وترى أن إيران لا تزال قيد الاختبار وهي مدعوة لتبديد الشكوك حول برنامجها النووي وحول طموحاتها ا لسياسية في العراق وسائر أنحاء المنطقة العربية.
هذا الموقف الاميركي لم يكن مفاجئا الا لاولئك الذين بنوا حساباتهم على اساس ان اميركا هزمت في حملتها على الشرق الاوسط الكبير، وهي اختارت اوباما فقط لكي يتولى مهمة الاعتراف بالهزيمة ويشرع بالانسحاب من العالمين العربي والاسلامي، ويتصالح مع حماس ويتفاوض مع سوريا ويسلم لفريق الثامن من آذار ويستسلم امام ايران.. ويعمد الى تسليمها العراق وأجزاء واسعة من الخليج العربي، ويوسع نفوذها حتى سواحل المتوسط اللبنانية والفلسطينية والمصرية.
من اللحظة الاولى، او من خطاب القسم، كان واضحا ان ادارة اوباما ستكون اكثر تشددا في تعاملها مع هذا التحدي لمشروعها العربي والاسلامي. وما لم يقله الرئيس الاميركي نفسه، او المتحدثون باسمه، قاله مرشده السياسي السيناتور البارز جون كيري خلال زيارته الى بيروت وغزة ودمشق، وبطريقة فاجأت حتى مضيفيه اللبنانيين والسوريين.. الذين استنتجوا على الفور ان السنوات الأربع المقبلة، لن تشهد ذلك التغيير الذي طالما توقعوه او تمنوه من جانب واشنطن.
كان لا بد للصواريخ أن تنطلق وفي توقيت لا يمكن لأحد أن يخطئه، عله ينفع الأميركيين وينذرهم بأن الجنوب اللبناني لا يزال جبهة مفتوحة، يمكن ان تستخدم في اي لحظة لتعديل جدول الاعمال الموروث من ادارة بوش.. فإذا لم تلتقط واشنطن الاشارة، فإن الداخل اللبناني كله يمكن ان يكون هو منصة الاطلاق.
(23/2/2009)
انطلق الصاروخان من الجنوب، لان أميركا لم تتغير، ولأن دور لبنان لن يتغير.
لم يكن إطلاقهما مرتبطا بتكليف رئيس حزب الليكود الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأليف الحكومة الاسرائيلية الجديدة، لان الجنوب يستعد على الأرجح لاستقبال تشكيلته الجديدة، فور اعلانها، بأكثر من صاروخين.. او قد يحظى بترحيب به مغاير، عندما يواجه الحقائق التي يبدو ان ادارة الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما لم تدركها حتى الآن.
كان الصاروخان موجهين الى واشنطن بالتحديد، وكانا يستهدفان تحذير الادارة الاميركية الجديدة من أن اللغة التي تخاطب بها الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والإيرانيين غير مقبولة ابدا، وهي تستلهم خطاب ادارة الرئيس السابق جورج بوش، وفي بعض الأحيان تتخطاه تصلبا، وتوحي بأنها تنوي استكماله وتطويره على نحو مناقض لما كانت غزة وبيروت ودمشق وطهران تتوقعه.
اجتمعت أربع جهات على عملية الإطلاق. لم تكن هناك حاجة الى تنسيق مسبق. كانت أصداء الموقف الاميركي الجديد القديم واضحة ومدوية: تؤيد واشنطن إسقاط حكومة حماس في غزة، او هي على الاقل لن تعترف بها الا اذا كانت جزءا من شرعية السلطة الفلسطينية في رام الله، وتدعم جدول اعمال فريق الرابع عشر من آذار في لبنان وهي لن تساوم على المحكمة الدولية ولا على الاستقلال والسيادة اللبنانية. وتعتبر ان سوريا لا تزال مطالبة بالالتزام بالشروط المعروفة التي وضعتها لها إدارة بوش. وترى أن إيران لا تزال قيد الاختبار وهي مدعوة لتبديد الشكوك حول برنامجها النووي وحول طموحاتها ا لسياسية في العراق وسائر أنحاء المنطقة العربية.
هذا الموقف الاميركي لم يكن مفاجئا الا لاولئك الذين بنوا حساباتهم على اساس ان اميركا هزمت في حملتها على الشرق الاوسط الكبير، وهي اختارت اوباما فقط لكي يتولى مهمة الاعتراف بالهزيمة ويشرع بالانسحاب من العالمين العربي والاسلامي، ويتصالح مع حماس ويتفاوض مع سوريا ويسلم لفريق الثامن من آذار ويستسلم امام ايران.. ويعمد الى تسليمها العراق وأجزاء واسعة من الخليج العربي، ويوسع نفوذها حتى سواحل المتوسط اللبنانية والفلسطينية والمصرية.
من اللحظة الاولى، او من خطاب القسم، كان واضحا ان ادارة اوباما ستكون اكثر تشددا في تعاملها مع هذا التحدي لمشروعها العربي والاسلامي. وما لم يقله الرئيس الاميركي نفسه، او المتحدثون باسمه، قاله مرشده السياسي السيناتور البارز جون كيري خلال زيارته الى بيروت وغزة ودمشق، وبطريقة فاجأت حتى مضيفيه اللبنانيين والسوريين.. الذين استنتجوا على الفور ان السنوات الأربع المقبلة، لن تشهد ذلك التغيير الذي طالما توقعوه او تمنوه من جانب واشنطن.
كان لا بد للصواريخ أن تنطلق وفي توقيت لا يمكن لأحد أن يخطئه، عله ينفع الأميركيين وينذرهم بأن الجنوب اللبناني لا يزال جبهة مفتوحة، يمكن ان تستخدم في اي لحظة لتعديل جدول الاعمال الموروث من ادارة بوش.. فإذا لم تلتقط واشنطن الاشارة، فإن الداخل اللبناني كله يمكن ان يكون هو منصة الاطلاق.
(23/2/2009)
Page 3
فريق فيلتمان
عاد جيفري فيلتمان الى بيروت التي تسبب لها في السنوات الثلاث الماضية من الاذى والضرر اكثر من اي مسؤول اميركي آخر، والتي يبدو انه سيتسبب لها بالمزيد من موقعه الجديد كمساعد لوزيرة الخارجية الاميركية، نتيجة تعلقه الشديد بلبنان وسيادته واستقلاله... عن سوريا.
عاد فيلتمان هذه المرة من دمشق التي كلفته ادارته بمحاورتها، كي يوضح ان واشنطن لم تتخل عن هذا الموقف، الذي دفع لبنان ثمنه غاليا على مدى السنوات الاربع الماضية، ودفع حلفاؤها ثمنا اغلى بكثير... نتيجة اخطاء وحماقات عدة ارتكبها ذلك السفير الاميركي السابق، وكانت تبدو في معظم الاحيان بمثابة خدمات اميركية مجانية لحلفاء سوريا الذين كانوا وما زالوا يسمون انفسهم معارضين لحكومة فيلتمان التي يشاركون فيها!
ليست عودته الحالية الى بيروت مظفرة، لم يكن لفيلتمان ان يدعي ان حواره الاول في سوريا كان بناء او مفيدا. المؤشرات الاولى توحي بالعكس تماما، بدليل امتناع الرئيس السوري بشار الاسد عن استقباله، في خطوة ترمز الى ان دمشق غير راضية عنه بالتحديد، وعن تكليفه بالملف اللبناني في وزارة الخارجية الاميركية. والكل يعرف كيف يمكن ان يترجم هذا الشعور السوري بعدم الرضا في المستقبل القريب!
بديهي القول ان واشنطن تعمدت اختيار فيلتمان بالذات لتولي هذه المهمة الصعبة كي تبرهن على انها لا تقدم جائزة لدمشق، التي سبق ان دخلت مع السفير الاميركي السابق بالكثير من المواجهات التي انتهت الى سلسلة من الهزائم الامنية والسياسية لفريق الغالبية اللبنانية... وآخرها اتفاق الدوحة، الذي لم يوفر ادنى حماية لبيروت ولا لغيرها من مواقع انتشار حلفاء فيلتمان.
منذ ان عُين فيلتمان في لبنان قبل اربع سنوات حلت على البلد سلسلة لامتناهية من الكوارث التي بدأت باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبلغت حد الفتنة المذهبية الكامنة حاليا في مختلف شوارع بيروت واحيائها. كانت ثورة الارز التي صادرها الرئيس الاميركي السابق جورج بوش ووضعها في حسابه الشخصي ثم عمد الى استثمارها في علاقاته الصعبة مع دمشق، على الجبهة العراقية، مقدمة كي يتخذ، عبر سفيره السابق وبناء على نصيحته، سلسلة من الخطوات المثيرة للسخرية بينها ارسال المدمرة كول الى السواحل اللبنانية الذي كان احد اسباب الهجوم المضاد في السابع من ايار الماضي، وبينها ايضا حث فريق الغالبية على انتخاب الرئيس ميشال سليمان بغالبية النصف زائدا واحدا... بعدما كان بوش قد راكم رصيداً لبنانياً مروّعاً مستمداً من قيادته المباشرة للحرب الاسرائيلية المدمرة على لبنان في العام 2006.
عودة فيلتمان الى بيروت من دمشق بالذات هي حماقة اضافية ترتكبها واشنطن بحق لبنان، الذي لا يحتمل ان يوحي اي مسؤول اميركي انه يقوم بجولات وساطة مكوكية بينه وبين سوريا، ولا يود ان يكون تحت مظلة اميركية مثقوبة بالكثير من علامات الشك والارتياب.. ولا تؤدي الا الى استفزاز دمشق، واستدراجها للتعبير عن غضبها ضد فريق فيلتمان!
(09/03/2009)
عاد جيفري فيلتمان الى بيروت التي تسبب لها في السنوات الثلاث الماضية من الاذى والضرر اكثر من اي مسؤول اميركي آخر، والتي يبدو انه سيتسبب لها بالمزيد من موقعه الجديد كمساعد لوزيرة الخارجية الاميركية، نتيجة تعلقه الشديد بلبنان وسيادته واستقلاله... عن سوريا.
عاد فيلتمان هذه المرة من دمشق التي كلفته ادارته بمحاورتها، كي يوضح ان واشنطن لم تتخل عن هذا الموقف، الذي دفع لبنان ثمنه غاليا على مدى السنوات الاربع الماضية، ودفع حلفاؤها ثمنا اغلى بكثير... نتيجة اخطاء وحماقات عدة ارتكبها ذلك السفير الاميركي السابق، وكانت تبدو في معظم الاحيان بمثابة خدمات اميركية مجانية لحلفاء سوريا الذين كانوا وما زالوا يسمون انفسهم معارضين لحكومة فيلتمان التي يشاركون فيها!
ليست عودته الحالية الى بيروت مظفرة، لم يكن لفيلتمان ان يدعي ان حواره الاول في سوريا كان بناء او مفيدا. المؤشرات الاولى توحي بالعكس تماما، بدليل امتناع الرئيس السوري بشار الاسد عن استقباله، في خطوة ترمز الى ان دمشق غير راضية عنه بالتحديد، وعن تكليفه بالملف اللبناني في وزارة الخارجية الاميركية. والكل يعرف كيف يمكن ان يترجم هذا الشعور السوري بعدم الرضا في المستقبل القريب!
بديهي القول ان واشنطن تعمدت اختيار فيلتمان بالذات لتولي هذه المهمة الصعبة كي تبرهن على انها لا تقدم جائزة لدمشق، التي سبق ان دخلت مع السفير الاميركي السابق بالكثير من المواجهات التي انتهت الى سلسلة من الهزائم الامنية والسياسية لفريق الغالبية اللبنانية... وآخرها اتفاق الدوحة، الذي لم يوفر ادنى حماية لبيروت ولا لغيرها من مواقع انتشار حلفاء فيلتمان.
منذ ان عُين فيلتمان في لبنان قبل اربع سنوات حلت على البلد سلسلة لامتناهية من الكوارث التي بدأت باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبلغت حد الفتنة المذهبية الكامنة حاليا في مختلف شوارع بيروت واحيائها. كانت ثورة الارز التي صادرها الرئيس الاميركي السابق جورج بوش ووضعها في حسابه الشخصي ثم عمد الى استثمارها في علاقاته الصعبة مع دمشق، على الجبهة العراقية، مقدمة كي يتخذ، عبر سفيره السابق وبناء على نصيحته، سلسلة من الخطوات المثيرة للسخرية بينها ارسال المدمرة كول الى السواحل اللبنانية الذي كان احد اسباب الهجوم المضاد في السابع من ايار الماضي، وبينها ايضا حث فريق الغالبية على انتخاب الرئيس ميشال سليمان بغالبية النصف زائدا واحدا... بعدما كان بوش قد راكم رصيداً لبنانياً مروّعاً مستمداً من قيادته المباشرة للحرب الاسرائيلية المدمرة على لبنان في العام 2006.
عودة فيلتمان الى بيروت من دمشق بالذات هي حماقة اضافية ترتكبها واشنطن بحق لبنان، الذي لا يحتمل ان يوحي اي مسؤول اميركي انه يقوم بجولات وساطة مكوكية بينه وبين سوريا، ولا يود ان يكون تحت مظلة اميركية مثقوبة بالكثير من علامات الشك والارتياب.. ولا تؤدي الا الى استفزاز دمشق، واستدراجها للتعبير عن غضبها ضد فريق فيلتمان!
(09/03/2009)
Page 4
أبو ساطع
مرعب الوقوف على حافة القبر، والنظر في تلك الحفرة الضيقة المغطاة بالورود والرياحين وأوراق الكيناء، والتسليم بأنها ستشكل مسكناً نهائياً لجسد طالما امتلأ بالحياة وروح طالما امتهنت الحرية وتخطت الحدود على مدى الأعوام الخمسة والثمانين الماضية، وظلت تقاوم حتى الرمق الأخير.
مخيفة العودة بالذاكرة، في ذلك المكان بالتحديد، إلى الصور الاولى والكلمات الاولى والتوجيهات الاولى، التي كان ستعتقد أنها سقطت في النسيان، ولن تبقى في تلك اللحظة بالذات إلا الصورة الاخيرة والاشارة الاخيرة، في غرفة العناية الفائقة، حيث السؤال المؤلم:
هل هو يتعذّب، هل يشعر بدنو الأجل، هل استعد فعلاً للرحيل كما كان يشاء، بهدوء وسكينة؟
منذ اسابيع كان يوحي بأنه يدرك أن لحظته قد حانت. وهو لذلك رفض كل أشكال العلاج، واعتبرها مضيعة للجهد والوقت، واعترض على كل انواع الفحوص المخبرية ورأى فيها ملهاة للأطباء والممرضين، وقاوم العملية الجراحية وكاد يصفها بأنها إساءة او تدخل سافر في خصوصياته، وانتهاك فظ لمشاعره..
أمنية أخيرة ووحيدة طلبها ولم تتحقق له: هي أن يموت على سريره، في بيته، في قريته، في جنوبه، وحيداً إذا اقتضى الأمر.. برغم انه لم يعرف الوحدة يوماً، ولم يعتمد على العائلة فقط لكي ترافقه، بل ظل، حتى أسابيع قليلة مضت، يقود سيارته على الطرقات بحثاً عن صديق قديم من مواليد العشرينيات من القرن الماضي، يستعيد معه ذكريات مدرسة مار لوقا في حيفا أو مغامرات بيروت التي أوقفتها الحرب الأهلية، ويخبره عن «الزيارة» الأولى لدمشق، ويعرض معه وقائع الحروب الإسرائيلية التي لم تتوقف يوماً والمقاومات التي لن تتوقف أبداً..
ويتبارز معه في الشعر وفي اللغة وفي الدين ، ويتناقش معه في السياسة، ولو بالإشارات.
سأل كثيرون عما كتب من مذكرات او حتى يوميات مخبأة في مكان ما في البيت. لكن العائلة بأسرها تعرف انه لم يترك حتى وصية مكتوبة. كان يظن انه ليس مؤهلاً للكتابة بعد، وما زال عليه أن يقرأ المزيد المزيد من الكتب، قبل ان يبدي رأيه، وقبل ان يغادر تلك السخرية اللاذعة التي طالما ميزت شخصيته، ولم تقطع صلة الوصل مع احد من حوله، بل ربما كانت جواز سفره الوحيد إلى قلوب الجميع، وكانت علامته الفارقة التي لم يخطئها أحد.
على حافة القبر، تتساقط الذكريات بسرعة. خمسة وثمانون عاماً مرت على السيد الذي لم يعرف بـ«سيادته» إلا على نفسه، ولم يقبل إلا بأن يضيف إلى ذلك اللقب ميزاته الشخصية الفريدة، التي غالباً ما أثارت الفضول والإعجاب وحتى الرغبة في التقليد..
كانت الذكريات غزيرة وصعبة، لأنها لم تتوقف حتى بعد أن أهيل التراب على رفيق امتد السير معه أكثر من خمسين عاماً، اسمه كاظم نور الدين.
(23/3/2009)
مرعب الوقوف على حافة القبر، والنظر في تلك الحفرة الضيقة المغطاة بالورود والرياحين وأوراق الكيناء، والتسليم بأنها ستشكل مسكناً نهائياً لجسد طالما امتلأ بالحياة وروح طالما امتهنت الحرية وتخطت الحدود على مدى الأعوام الخمسة والثمانين الماضية، وظلت تقاوم حتى الرمق الأخير.
مخيفة العودة بالذاكرة، في ذلك المكان بالتحديد، إلى الصور الاولى والكلمات الاولى والتوجيهات الاولى، التي كان ستعتقد أنها سقطت في النسيان، ولن تبقى في تلك اللحظة بالذات إلا الصورة الاخيرة والاشارة الاخيرة، في غرفة العناية الفائقة، حيث السؤال المؤلم:
هل هو يتعذّب، هل يشعر بدنو الأجل، هل استعد فعلاً للرحيل كما كان يشاء، بهدوء وسكينة؟
منذ اسابيع كان يوحي بأنه يدرك أن لحظته قد حانت. وهو لذلك رفض كل أشكال العلاج، واعتبرها مضيعة للجهد والوقت، واعترض على كل انواع الفحوص المخبرية ورأى فيها ملهاة للأطباء والممرضين، وقاوم العملية الجراحية وكاد يصفها بأنها إساءة او تدخل سافر في خصوصياته، وانتهاك فظ لمشاعره..
أمنية أخيرة ووحيدة طلبها ولم تتحقق له: هي أن يموت على سريره، في بيته، في قريته، في جنوبه، وحيداً إذا اقتضى الأمر.. برغم انه لم يعرف الوحدة يوماً، ولم يعتمد على العائلة فقط لكي ترافقه، بل ظل، حتى أسابيع قليلة مضت، يقود سيارته على الطرقات بحثاً عن صديق قديم من مواليد العشرينيات من القرن الماضي، يستعيد معه ذكريات مدرسة مار لوقا في حيفا أو مغامرات بيروت التي أوقفتها الحرب الأهلية، ويخبره عن «الزيارة» الأولى لدمشق، ويعرض معه وقائع الحروب الإسرائيلية التي لم تتوقف يوماً والمقاومات التي لن تتوقف أبداً..
ويتبارز معه في الشعر وفي اللغة وفي الدين ، ويتناقش معه في السياسة، ولو بالإشارات.
سأل كثيرون عما كتب من مذكرات او حتى يوميات مخبأة في مكان ما في البيت. لكن العائلة بأسرها تعرف انه لم يترك حتى وصية مكتوبة. كان يظن انه ليس مؤهلاً للكتابة بعد، وما زال عليه أن يقرأ المزيد المزيد من الكتب، قبل ان يبدي رأيه، وقبل ان يغادر تلك السخرية اللاذعة التي طالما ميزت شخصيته، ولم تقطع صلة الوصل مع احد من حوله، بل ربما كانت جواز سفره الوحيد إلى قلوب الجميع، وكانت علامته الفارقة التي لم يخطئها أحد.
على حافة القبر، تتساقط الذكريات بسرعة. خمسة وثمانون عاماً مرت على السيد الذي لم يعرف بـ«سيادته» إلا على نفسه، ولم يقبل إلا بأن يضيف إلى ذلك اللقب ميزاته الشخصية الفريدة، التي غالباً ما أثارت الفضول والإعجاب وحتى الرغبة في التقليد..
كانت الذكريات غزيرة وصعبة، لأنها لم تتوقف حتى بعد أن أهيل التراب على رفيق امتد السير معه أكثر من خمسين عاماً، اسمه كاظم نور الدين.
(23/3/2009)
Page 5
الظالم لنفسه
يكاد القارئ لمذكرات الوزير السابق فؤاد بطرس يسمع اصوات القذائف والرشقات النارية المتبادلة على خطوط التماس البعيدة ، ويشعر مرة اخرى بالحاجة الى الاختباء... من ذلك الكتاب الذي يعيده الى اسوأ ايام الحرب الاهلية، ويروي وقائع لا تزال الذاكرة اللبنانية تبذل جهودا جبارة لنسيانها، بلا جدوى.
ليست المذكرات الصادرة حديثا عن دار النهار تاريخا لتلك الحرب، ولا يدعي صاحبها انها كذلك. هي اقرب الى مدونات شخصية لرجل صنع جزءا من تاريخ لبنان الحديث، منذ ان شارك في الفريق اللبناني الذي تولى تسلم ادارة الدولة من الانتداب الفرنسي وتأسيس جهازها القضائي، الى ان ساهم في بلورة التجربة الشهابية وترسيخها، ثم محاولة احيائها او بالاحرى اسقاطها على عهد الرئيس الياس سركيس الذي جرفته الحرب الاهلية، قبل ان ينتهي بكارثة الغزو الاسرائيلي في العام 1982.
من هذا الموقع الشهابي الذي كانت فكرة الدولة ولا تزال همه الوحيد، يطل فؤاد بطرس على وقائع العقود الستة الماضية، كشاهد حينا وطرف احيانا في مختلف المعارك السياسية التي دارت منذ اواخر الخمسينيات على تشكيل الهوية الوطنية وتنظيم المؤسسات وتوزيع الحصص بين الطوائف... ليجري مراجعة مؤثرة، تستعين بين الحين والاخر بمفكرته الخاصة وما دونه فيها من خلاصات كانت اشبه بالاستقراءات البعيدة، التي اصابت كلها... لكنها قصرت عن تحمل جزء من المسؤولية عن الحروب الاهلية المتتالية التي اندلعت داخل دولة لم تستطع حماية حدودها الخارجية، ولا تمكنت من معالجة عيوبها الداخلية.
الكتاب ثروة سياسية، لا تبخس قيمتها تلك النرجسية التي تلوح في بعض صفحاته، وتوحي بان الوزير السابق كان مرشد الشهابية ومدبرها وعقلها السياسي المتقدم حتى على الرئيس الراحل فؤاد شهاب وبقية المحيطين به الذين كانوا يفتقرون الى الخبرة والرؤية، ولا يتمتعون الا بالنيات الحسنة... التي ليس عليها دليل ثابت في المذكرات، والتي لم تكن كافية لمنع الصراع في ما بينهم، ولا كانت كافية طبعا للحؤول دون انهيار المشروع برمته عند اول منعطف انتخابي. ويتكرر هذا الانطباع عندما تتوقف المذكرات مطولا عند عهد الرئيس سركيس، الذي كان فؤاد بطرس بالفعل ركيزته الاساسية، يحاول عبثا ان يقنع بقية الزعماء المسيحيين بأن خلاصهم بالشهابية، من دون ان يلاحظ حجم المشروع الاسرائيلي الذي كان اقوى من نداء الدولة التي ظل يحاول استردادها من الثورة الفلسطينية ومن احزاب اليسار اللبناني، ثم من الوصاية السورية، وإعادتها الى حقبة الستينيات... ودخل لذلك في صراع مع الرئيسين سليم الحص ثم شفيق الوزان، متهما اياهما بانهما كانا خاضعين لضغوط محيطهما الاسلامي، اكثر مما كانا مقتنعين بصوابية وجهات نظرهما!
الكتاب محاضرة سياسية شيقة، عن فكرة الدولة والوحدة الوطنية، يظلم فؤاد بطرس نفسه فيها عندما يبدو انه كان في كل العهود مثل وزير للداخلية بدلا من ان يعرض تجربته كوزير للخارجية مرت عليه احداث تاريخية، لا تعنى بها مذكراته، واحيانا لا تأتي على ذكرها، مثل معاهدة كامب ديفيد المصرية الاسرائيلية او الثورة الايرانية او حرب الخليج او غيرها من التحولات الكبرى التي عصفت بالوطن الصغير ولا تزال.
(28/3/2009)
يكاد القارئ لمذكرات الوزير السابق فؤاد بطرس يسمع اصوات القذائف والرشقات النارية المتبادلة على خطوط التماس البعيدة ، ويشعر مرة اخرى بالحاجة الى الاختباء... من ذلك الكتاب الذي يعيده الى اسوأ ايام الحرب الاهلية، ويروي وقائع لا تزال الذاكرة اللبنانية تبذل جهودا جبارة لنسيانها، بلا جدوى.
ليست المذكرات الصادرة حديثا عن دار النهار تاريخا لتلك الحرب، ولا يدعي صاحبها انها كذلك. هي اقرب الى مدونات شخصية لرجل صنع جزءا من تاريخ لبنان الحديث، منذ ان شارك في الفريق اللبناني الذي تولى تسلم ادارة الدولة من الانتداب الفرنسي وتأسيس جهازها القضائي، الى ان ساهم في بلورة التجربة الشهابية وترسيخها، ثم محاولة احيائها او بالاحرى اسقاطها على عهد الرئيس الياس سركيس الذي جرفته الحرب الاهلية، قبل ان ينتهي بكارثة الغزو الاسرائيلي في العام 1982.
من هذا الموقع الشهابي الذي كانت فكرة الدولة ولا تزال همه الوحيد، يطل فؤاد بطرس على وقائع العقود الستة الماضية، كشاهد حينا وطرف احيانا في مختلف المعارك السياسية التي دارت منذ اواخر الخمسينيات على تشكيل الهوية الوطنية وتنظيم المؤسسات وتوزيع الحصص بين الطوائف... ليجري مراجعة مؤثرة، تستعين بين الحين والاخر بمفكرته الخاصة وما دونه فيها من خلاصات كانت اشبه بالاستقراءات البعيدة، التي اصابت كلها... لكنها قصرت عن تحمل جزء من المسؤولية عن الحروب الاهلية المتتالية التي اندلعت داخل دولة لم تستطع حماية حدودها الخارجية، ولا تمكنت من معالجة عيوبها الداخلية.
الكتاب ثروة سياسية، لا تبخس قيمتها تلك النرجسية التي تلوح في بعض صفحاته، وتوحي بان الوزير السابق كان مرشد الشهابية ومدبرها وعقلها السياسي المتقدم حتى على الرئيس الراحل فؤاد شهاب وبقية المحيطين به الذين كانوا يفتقرون الى الخبرة والرؤية، ولا يتمتعون الا بالنيات الحسنة... التي ليس عليها دليل ثابت في المذكرات، والتي لم تكن كافية لمنع الصراع في ما بينهم، ولا كانت كافية طبعا للحؤول دون انهيار المشروع برمته عند اول منعطف انتخابي. ويتكرر هذا الانطباع عندما تتوقف المذكرات مطولا عند عهد الرئيس سركيس، الذي كان فؤاد بطرس بالفعل ركيزته الاساسية، يحاول عبثا ان يقنع بقية الزعماء المسيحيين بأن خلاصهم بالشهابية، من دون ان يلاحظ حجم المشروع الاسرائيلي الذي كان اقوى من نداء الدولة التي ظل يحاول استردادها من الثورة الفلسطينية ومن احزاب اليسار اللبناني، ثم من الوصاية السورية، وإعادتها الى حقبة الستينيات... ودخل لذلك في صراع مع الرئيسين سليم الحص ثم شفيق الوزان، متهما اياهما بانهما كانا خاضعين لضغوط محيطهما الاسلامي، اكثر مما كانا مقتنعين بصوابية وجهات نظرهما!
الكتاب محاضرة سياسية شيقة، عن فكرة الدولة والوحدة الوطنية، يظلم فؤاد بطرس نفسه فيها عندما يبدو انه كان في كل العهود مثل وزير للداخلية بدلا من ان يعرض تجربته كوزير للخارجية مرت عليه احداث تاريخية، لا تعنى بها مذكراته، واحيانا لا تأتي على ذكرها، مثل معاهدة كامب ديفيد المصرية الاسرائيلية او الثورة الايرانية او حرب الخليج او غيرها من التحولات الكبرى التي عصفت بالوطن الصغير ولا تزال.
(28/3/2009)
Page 6
خيبة انتخابية
معركة مسلية فعلا. ولعلها الاكثر متعة منذ العام 1972، او حتى منذ الاستقلال حتى اليوم، فقط لانها الاولى من نوعها ربما في تاريخ لبنان الحديث التي ينأى فيها الاخرون، عربا واجانب، عن وقائعها وتفاصيلها، ويتنصلون حتى من نتائجها، ويقررون فجأة ان يتركوا اللبنانيين ينظمون فيها انتخاباتهم النيابية، تحت شعارات محلية جدا، وفي دوائر انتخابية ضيقة جدا، وبهدف الوصول الى غالبية محدودة جدا، لن يكون لها اي اثر سياسي لا في الداخل ولا في الخارج.
هي المرة الاولى التي يصعب فيها العثور على دليل جدي على تدخل خارجي في تقديم المرشحين او في تشكيل اللوائح او في صياغة التحالفات... ما عدا بعض الاسماء التي يعرف اللبنانيون جميعا ان استبعادها هو من المحرمات، وما عدا بعض المبالغ العربية والايرانية التي صرفت ولا تزال تصرف بشكل مخيب لآمال الكثيرين من الناخبين، الذين قدروا ان المعركة الحالية ستجلب الى البلد ارقاما مالية خيالية تصل الى نحو ملياري دولار.
التمويل ذاتي. وهو ليس بقليل طبعا، لكنه لا يعبر عن قرار عربي او ايراني او دولي بالانفاق المجزي على الانتخابات، او بالتعاطي معها باعتبارها معركة فاصلة بين الخير والشر، ستغير وجهة لبنان السياسية في السنوات الاربع المقبلة، وتحدث خللا في موازين القوى العربية والاقليمية والدولية. التقديرات الخارجية الدقيقة في العادة التي تشير الى ان التعادل الحالي بين فريقي الازمة المحلية، ساهمت في احجام الخارج عن التدخل، كما ان المصالحات العربية والدولية الاخيرة دفعت في هذا الاتجاه، وارست معادلة بسيطة تفيد ان الافضل البقاء على مسافة واحدة من جميع المتنافسين.
هذا الالتزام الخارجي المتبادل بالبقاء على الحياد كان وما زال مشروطا بان يحترمه الجميع من دون استثناء. اما اذا تم خرقه من هذه الدولة او تلك، بهدف إحداث انقلاب داخلي ، فان العودة الى الاساليب التقليدية القديمة في ادارة الخلافات والمعارك السياسية اللبنانية لن تنتظر حتى وصول المرشحين والناخبين الى مراكز الاقتراع في السابع من حزيران المقبل... بل يمكن ان تحسم المنافسة في بعض الدوائر الحرجة قبل ذلك الموعد بكثير.
حتى الان، لم يلتقط احد في الداخل اي اشارة الى ان احدا في الخارج يريد حرف المعركة عن مسارها «الديموقراطي» السلمي، لا بواسطة التحويلات المالية الضخمة ولا بواسطة الخيارات الامنية الخطرة. الجميع يكتفون بالمراقبة من بعيد نسبيا، ويرغبون فعلا بان تظل الحملة الانتخابية هادئة، ومسلية، ومعبرة عن الحاجة المشتركة بان يخرج لبنان من دائرة المواجهة، الى حلقة المصالحة.
العالم كله يتفرج على اول انتخابات تجري على الطريقة اللبنانية، فتنظم العصبيات الطائفية والمذهبية، وتؤدي الى قيام برلمان يعبر بصدق عن ذلك التواطؤ الضمني بين المرشحين والناخبين على تمديد عمر الازمة التي يتوارثها البلد جيلا بعد جيل، وتلقَى مسؤوليتها دائما على الخارج... برغم انه هذه المرة ليس حاضرا كما كان الكثيرون يتوقعون، او يتمنون.
(06/04/2009)
معركة مسلية فعلا. ولعلها الاكثر متعة منذ العام 1972، او حتى منذ الاستقلال حتى اليوم، فقط لانها الاولى من نوعها ربما في تاريخ لبنان الحديث التي ينأى فيها الاخرون، عربا واجانب، عن وقائعها وتفاصيلها، ويتنصلون حتى من نتائجها، ويقررون فجأة ان يتركوا اللبنانيين ينظمون فيها انتخاباتهم النيابية، تحت شعارات محلية جدا، وفي دوائر انتخابية ضيقة جدا، وبهدف الوصول الى غالبية محدودة جدا، لن يكون لها اي اثر سياسي لا في الداخل ولا في الخارج.
هي المرة الاولى التي يصعب فيها العثور على دليل جدي على تدخل خارجي في تقديم المرشحين او في تشكيل اللوائح او في صياغة التحالفات... ما عدا بعض الاسماء التي يعرف اللبنانيون جميعا ان استبعادها هو من المحرمات، وما عدا بعض المبالغ العربية والايرانية التي صرفت ولا تزال تصرف بشكل مخيب لآمال الكثيرين من الناخبين، الذين قدروا ان المعركة الحالية ستجلب الى البلد ارقاما مالية خيالية تصل الى نحو ملياري دولار.
التمويل ذاتي. وهو ليس بقليل طبعا، لكنه لا يعبر عن قرار عربي او ايراني او دولي بالانفاق المجزي على الانتخابات، او بالتعاطي معها باعتبارها معركة فاصلة بين الخير والشر، ستغير وجهة لبنان السياسية في السنوات الاربع المقبلة، وتحدث خللا في موازين القوى العربية والاقليمية والدولية. التقديرات الخارجية الدقيقة في العادة التي تشير الى ان التعادل الحالي بين فريقي الازمة المحلية، ساهمت في احجام الخارج عن التدخل، كما ان المصالحات العربية والدولية الاخيرة دفعت في هذا الاتجاه، وارست معادلة بسيطة تفيد ان الافضل البقاء على مسافة واحدة من جميع المتنافسين.
هذا الالتزام الخارجي المتبادل بالبقاء على الحياد كان وما زال مشروطا بان يحترمه الجميع من دون استثناء. اما اذا تم خرقه من هذه الدولة او تلك، بهدف إحداث انقلاب داخلي ، فان العودة الى الاساليب التقليدية القديمة في ادارة الخلافات والمعارك السياسية اللبنانية لن تنتظر حتى وصول المرشحين والناخبين الى مراكز الاقتراع في السابع من حزيران المقبل... بل يمكن ان تحسم المنافسة في بعض الدوائر الحرجة قبل ذلك الموعد بكثير.
حتى الان، لم يلتقط احد في الداخل اي اشارة الى ان احدا في الخارج يريد حرف المعركة عن مسارها «الديموقراطي» السلمي، لا بواسطة التحويلات المالية الضخمة ولا بواسطة الخيارات الامنية الخطرة. الجميع يكتفون بالمراقبة من بعيد نسبيا، ويرغبون فعلا بان تظل الحملة الانتخابية هادئة، ومسلية، ومعبرة عن الحاجة المشتركة بان يخرج لبنان من دائرة المواجهة، الى حلقة المصالحة.
العالم كله يتفرج على اول انتخابات تجري على الطريقة اللبنانية، فتنظم العصبيات الطائفية والمذهبية، وتؤدي الى قيام برلمان يعبر بصدق عن ذلك التواطؤ الضمني بين المرشحين والناخبين على تمديد عمر الازمة التي يتوارثها البلد جيلا بعد جيل، وتلقَى مسؤوليتها دائما على الخارج... برغم انه هذه المرة ليس حاضرا كما كان الكثيرون يتوقعون، او يتمنون.
(06/04/2009)
Page 7
الجاسوسية كمهنة لبنانية
لم تعد شبكات التجسس لاسرائيل التي يجري اكتشافها هذه الايام بوتيرة متصاعدة مجرد حالة استثنائية عابرة. صارت ظاهرة مخجلة فعلا، تثير المزيد من الشكوك القائمة اصلا في الوطنية اللبنانية، وتطرح علامات استفهام تتعدى حجم القرار الاسرائيلي باختراق لبنان، وتسلط الضوء مرة اخرى على مدى استعداد المجتمع اللبناني لمثل هذا الاختراق، وسواه من الاختراقات التي تنخر الجسد اللبناني من كل حدب وصوب.
ثمة قرار اسرائيلي واضح بتركيز الحملة الامنية والاستخباراتية على الداخل اللبناني، في اعقاب فشل ادوات الحرب التقليدية التي اختبرت في العام 2006 ولم تحقق من اهدافها سوى الدماء والدمار والخراب. وثمة قرار لبناني حاسم بالتصدي لهذه الحملة وتفكيك عناصرها وإحباط اغراضها. لكن الحصيلة هي بلا ادنى شك مفاجئة، بل مذهلة حقا، بعدما كاد الكشف عن الشبكات الاسرائيلية المتغلغلة في النسيج اللبناني يصبح خبرا يوميا عاديا.
ومهما قيل في تفسير قوة القرار الاسرائيلي وفي مستوى الاغراءات التي تغدقه اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية على عملائها اللبنانيين، فإن نسبة الشبكات وعدد افرادها لا يتناسب مع عدد السكان في لبنان، ولا مع اي نسبة مماثلة يمكن تسجيلها في اي بلد آخر تعرض لحملات امنية واستخباراتية خارجية.. ما يوحي بأن العمالة ليست معضلة او مرضا، بل هي اقرب ما تكون الى مهنة يختارها لبنانيون من كل الطوائف والفئات الاجتماعية بملء ارادتهم وبكامل وعيهم.
لا يمكن ان يكون المال هو الدافع الرئيسي، او الوحيد، لان معدل دخل الفرد اللبناني مرتفع نسبيا، وهناك مجالات عديدة مشروعة ومحظورة لرفعه، وهي معروفة جيدا من جميع اللبنانيين من دون استثناء، من دون التعرض لهذا الخطر المتمثل بالتوجه الى اسرائيل والعمل لحسابها، او حتى من دون الخضوع لابتزاز اجهزتها الاستخباراتية او ربما لتهديداتها.
هناك عيب تكويني ظاهر في الشخصية اللبنانية، وهناك خلل مؤكد في تركيبة المجتمع اللبناني، وكلاهما يعود الى مرحلة التأسيس الاولى للوطن الذي قام على عقيدة الارتباط بحكم المتصرفين ثم القناصل ثم السفراء، وصولا الى قادة الجيوش الاجنبية، والذي استمر على ثقافة التسليم للخارج مهما كانت هويته بأنه شريك طبيعي في حل الخلافات الداخلية، حتى بين سكان الحارة التحتا والحارة الفوقا لاي قرية، او بين المقيمين في حي واحد او مبنى واحد.
وكل ما افتعل منذ الاستقلال وحتى اليوم من تربية وثقافة وطنية كان مجرد هراء، سخرت منه الحروب الاهلية المتواصلة وخطوط التماس التي رسمت ولا تزال ترسم من دون انقطاع بين الطوائف والمذاهب، وأقامت البرهان عليه تلك المواقف الخارجية، العربية والاجنبية، التي لا تخفي احتقارها للبلد وأهله، وتؤمن بالفعل بالمقولة الخالدة: لبنان ليس وطنا للبيع، بل للايجار لمن يدفع اكثر!
ليس من المستبعد ان تكون تلك الشبكات الاسرائيلية، وغيرها من الشبكات العاملة لخدمة دول عربية وأجنبية اخرى، تستكمل ذلك التراث الوطني العريق، وتعم ل لتصفية حسابات داخلية خاصة، اكثر مما تعمل من اجل مصالح دولة إسرائيل!
(05/05/2009)
لم تعد شبكات التجسس لاسرائيل التي يجري اكتشافها هذه الايام بوتيرة متصاعدة مجرد حالة استثنائية عابرة. صارت ظاهرة مخجلة فعلا، تثير المزيد من الشكوك القائمة اصلا في الوطنية اللبنانية، وتطرح علامات استفهام تتعدى حجم القرار الاسرائيلي باختراق لبنان، وتسلط الضوء مرة اخرى على مدى استعداد المجتمع اللبناني لمثل هذا الاختراق، وسواه من الاختراقات التي تنخر الجسد اللبناني من كل حدب وصوب.
ثمة قرار اسرائيلي واضح بتركيز الحملة الامنية والاستخباراتية على الداخل اللبناني، في اعقاب فشل ادوات الحرب التقليدية التي اختبرت في العام 2006 ولم تحقق من اهدافها سوى الدماء والدمار والخراب. وثمة قرار لبناني حاسم بالتصدي لهذه الحملة وتفكيك عناصرها وإحباط اغراضها. لكن الحصيلة هي بلا ادنى شك مفاجئة، بل مذهلة حقا، بعدما كاد الكشف عن الشبكات الاسرائيلية المتغلغلة في النسيج اللبناني يصبح خبرا يوميا عاديا.
ومهما قيل في تفسير قوة القرار الاسرائيلي وفي مستوى الاغراءات التي تغدقه اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية على عملائها اللبنانيين، فإن نسبة الشبكات وعدد افرادها لا يتناسب مع عدد السكان في لبنان، ولا مع اي نسبة مماثلة يمكن تسجيلها في اي بلد آخر تعرض لحملات امنية واستخباراتية خارجية.. ما يوحي بأن العمالة ليست معضلة او مرضا، بل هي اقرب ما تكون الى مهنة يختارها لبنانيون من كل الطوائف والفئات الاجتماعية بملء ارادتهم وبكامل وعيهم.
لا يمكن ان يكون المال هو الدافع الرئيسي، او الوحيد، لان معدل دخل الفرد اللبناني مرتفع نسبيا، وهناك مجالات عديدة مشروعة ومحظورة لرفعه، وهي معروفة جيدا من جميع اللبنانيين من دون استثناء، من دون التعرض لهذا الخطر المتمثل بالتوجه الى اسرائيل والعمل لحسابها، او حتى من دون الخضوع لابتزاز اجهزتها الاستخباراتية او ربما لتهديداتها.
هناك عيب تكويني ظاهر في الشخصية اللبنانية، وهناك خلل مؤكد في تركيبة المجتمع اللبناني، وكلاهما يعود الى مرحلة التأسيس الاولى للوطن الذي قام على عقيدة الارتباط بحكم المتصرفين ثم القناصل ثم السفراء، وصولا الى قادة الجيوش الاجنبية، والذي استمر على ثقافة التسليم للخارج مهما كانت هويته بأنه شريك طبيعي في حل الخلافات الداخلية، حتى بين سكان الحارة التحتا والحارة الفوقا لاي قرية، او بين المقيمين في حي واحد او مبنى واحد.
وكل ما افتعل منذ الاستقلال وحتى اليوم من تربية وثقافة وطنية كان مجرد هراء، سخرت منه الحروب الاهلية المتواصلة وخطوط التماس التي رسمت ولا تزال ترسم من دون انقطاع بين الطوائف والمذاهب، وأقامت البرهان عليه تلك المواقف الخارجية، العربية والاجنبية، التي لا تخفي احتقارها للبلد وأهله، وتؤمن بالفعل بالمقولة الخالدة: لبنان ليس وطنا للبيع، بل للايجار لمن يدفع اكثر!
ليس من المستبعد ان تكون تلك الشبكات الاسرائيلية، وغيرها من الشبكات العاملة لخدمة دول عربية وأجنبية اخرى، تستكمل ذلك التراث الوطني العريق، وتعم ل لتصفية حسابات داخلية خاصة، اكثر مما تعمل من اجل مصالح دولة إسرائيل!
(05/05/2009)
Page 8
حفيدة التنين
بيجين...
الانبهار امام المعجزة يثير حشرية البحث عن سرها الوحيد الذي لم يعد يشغل احدا، حتى تلك المرأة الخمسينية التي تتردد قبل ان تفشيه همسا، فقط بدافع الرغبة في اكتساب صديق يطرح اسئلة باتت غريبة بعض الشيء حتى على الصينيين انفسهم، الذين لا تنتمي اجيالهم الجديدة الى ذلك النوع من الحوار ولا تلك اللغة البائدة .
لكن السيدة جو يونيشا التي اطلقت على نفسها اسم صباح منذ ان اتقنت العربية في جامعة بيجين، تسهيلا للتخاطب مع الزوار العرب، لا توحي بأنها تكشف احد اهم اسرار الدولة. هي فقط تعبر بعينيها الصغيرتين وابتسامتها الخجولة عن اندهاشها لمثل هذا الاهتمام الخارج عن المألوف بالعثور على «الشيوعية» ومعالمها او بالاحرى بقاياها في اكبر بلد شيوعي في العالم، وفي اهم اقتصاد ليبرالي في آن معا، ما انتج مجتمعا شديد الانفتاح والخصوصية ايضا.
بدا السؤال استفزازيا، لان جيلها لا ينكر ان الصين ما زالت تحت حكم الحزب الشيوعي الصيني الذي قاد مسيرة التحديث والتطوير بعدما كاد هو نفسه يغرق احفاد التنين الآسيوي في المجاعة والفوضى. لكنها استعدت منذ اللحظة الاولى لمرافعة تستعيد فيها مفردات الحقبة الماوية من دون ان تكسبها اي شكل من اشكال القداسة. وفجأة ترن عبارات ماتت منذ زمن بعيد او هكذا كان يبدو حتى الآن، مثل حزبنا وقيادتنا وايديولوجيتنا وخطتنا العشرية الاولى ثم الثانية فالثالثة، التي يعتقد انها المسؤولة عن خروج ذلك المارد من القمقم، ليحقق اعلى معدلات النمو في العالم ( 9 في المئة) ، ويراكم اضخم احتياطي من العملات الاجنبية يقدر بنحو 1,9 تريليون دولار اميركي، ويتحول الى مفتاح لاستقرار الاقتصاد العالمي، يضخ الاموال والاستثمارات حاليا في اسواق اميركا وألمانيا وبريطانيا وغيرها لكي يمنع انهيار تلك الدول، ويحول دون التسبب بكارثة انسانية كبرى،
« لكن الحزب موجود»، تقول السيدة صباح، ولا يزال يحكم بواسطة 74 مليون شيوعي، و76 مليونا آخرين ينتمون الى منظمة الشبيبة الشيوعية. وهؤلاء لا يتمتعون بامتيازات خاصة، سوى انهم يقدمون المثال على ان الصين يمكن ان تنتج «تجربة اشتراكية ذات خصائص صينية»، لان الفقر ليس رديف الشيوعية، ولا الكثير من الافكارالماركسية التي ولدت قبل قرن مضى، فشوهها الروس ولم يدركوا الحاجة الى تطويرها لتلائم روح العصر ومتطلباته فسقطوا معها.
النقاش مسل لانه يعيد الى الاذهان تلك الايام والليالي الطويلة التي صرفتها اجيال كاملة في تفسير وتبرير تلك الايديولوجيا التي لا يمكن لاي زائر للصين ان يراها بأم العين ولا ان يلمس ايا من مظاهرها الخادعة التي طالما كانت اول ما يفاجئ ويحبط كل من يعبر البوابة بحثا عما هو خلف الستار الحديدي ، من مشروع كان حلما فأصبح سرابا.
الحزب موجود لكنه ليس مرئيا في اي مكان شهد ولادة تلك المعجزة، ولا في اي زاوية من ذاكرة تلك المرأة التي تأبى ان تعترف ان الصين هي السر، قبل ان تكون الشيوعية هي اللغز.
(22/05/2009)
بيجين...
الانبهار امام المعجزة يثير حشرية البحث عن سرها الوحيد الذي لم يعد يشغل احدا، حتى تلك المرأة الخمسينية التي تتردد قبل ان تفشيه همسا، فقط بدافع الرغبة في اكتساب صديق يطرح اسئلة باتت غريبة بعض الشيء حتى على الصينيين انفسهم، الذين لا تنتمي اجيالهم الجديدة الى ذلك النوع من الحوار ولا تلك اللغة البائدة .
لكن السيدة جو يونيشا التي اطلقت على نفسها اسم صباح منذ ان اتقنت العربية في جامعة بيجين، تسهيلا للتخاطب مع الزوار العرب، لا توحي بأنها تكشف احد اهم اسرار الدولة. هي فقط تعبر بعينيها الصغيرتين وابتسامتها الخجولة عن اندهاشها لمثل هذا الاهتمام الخارج عن المألوف بالعثور على «الشيوعية» ومعالمها او بالاحرى بقاياها في اكبر بلد شيوعي في العالم، وفي اهم اقتصاد ليبرالي في آن معا، ما انتج مجتمعا شديد الانفتاح والخصوصية ايضا.
بدا السؤال استفزازيا، لان جيلها لا ينكر ان الصين ما زالت تحت حكم الحزب الشيوعي الصيني الذي قاد مسيرة التحديث والتطوير بعدما كاد هو نفسه يغرق احفاد التنين الآسيوي في المجاعة والفوضى. لكنها استعدت منذ اللحظة الاولى لمرافعة تستعيد فيها مفردات الحقبة الماوية من دون ان تكسبها اي شكل من اشكال القداسة. وفجأة ترن عبارات ماتت منذ زمن بعيد او هكذا كان يبدو حتى الآن، مثل حزبنا وقيادتنا وايديولوجيتنا وخطتنا العشرية الاولى ثم الثانية فالثالثة، التي يعتقد انها المسؤولة عن خروج ذلك المارد من القمقم، ليحقق اعلى معدلات النمو في العالم ( 9 في المئة) ، ويراكم اضخم احتياطي من العملات الاجنبية يقدر بنحو 1,9 تريليون دولار اميركي، ويتحول الى مفتاح لاستقرار الاقتصاد العالمي، يضخ الاموال والاستثمارات حاليا في اسواق اميركا وألمانيا وبريطانيا وغيرها لكي يمنع انهيار تلك الدول، ويحول دون التسبب بكارثة انسانية كبرى،
« لكن الحزب موجود»، تقول السيدة صباح، ولا يزال يحكم بواسطة 74 مليون شيوعي، و76 مليونا آخرين ينتمون الى منظمة الشبيبة الشيوعية. وهؤلاء لا يتمتعون بامتيازات خاصة، سوى انهم يقدمون المثال على ان الصين يمكن ان تنتج «تجربة اشتراكية ذات خصائص صينية»، لان الفقر ليس رديف الشيوعية، ولا الكثير من الافكارالماركسية التي ولدت قبل قرن مضى، فشوهها الروس ولم يدركوا الحاجة الى تطويرها لتلائم روح العصر ومتطلباته فسقطوا معها.
النقاش مسل لانه يعيد الى الاذهان تلك الايام والليالي الطويلة التي صرفتها اجيال كاملة في تفسير وتبرير تلك الايديولوجيا التي لا يمكن لاي زائر للصين ان يراها بأم العين ولا ان يلمس ايا من مظاهرها الخادعة التي طالما كانت اول ما يفاجئ ويحبط كل من يعبر البوابة بحثا عما هو خلف الستار الحديدي ، من مشروع كان حلما فأصبح سرابا.
الحزب موجود لكنه ليس مرئيا في اي مكان شهد ولادة تلك المعجزة، ولا في اي زاوية من ذاكرة تلك المرأة التي تأبى ان تعترف ان الصين هي السر، قبل ان تكون الشيوعية هي اللغز.
(22/05/2009)
Page 9
تحديد النسل الصيني
بيجين..
تحمر وجوه وتسود وجوه عندما يفتح النقاش حول سياسة تحديد النسل الصيني، التي ترتكز على إتقان المواطن لوسائل منع الحمل كافة، وبين نجاح الدولة في الحد من الكثافة السكانية التي بلغت رسميا مليارا و320 مليون نسمة.. وتقيم تلك العلاقة المعقدة بين المواطن والسلطة التي تتسلل الى غرف النوم.
هذه السياسة المطبقة منذ نحو ثلاثين عاما نجحت الى حد بعيد في ضبط ارتفاع معدل النمو السكاني عند ذلك الرقم الرسمي الذي حطمته الهند قبل سنوات، وحال دون انضمام نحو أربعمئة مليون صيني الى رقم سبعة مليارات الذي يقترب منه بسرعة عدد سكان العالم. لكنها اثارت من جديد معضلة تلك العلاقة بين الدولة ورعاياها، من زاوية مختلفة تماما لم تكن تخطر في بال قيادة الحزب الشيوعي الصيني التي فرضت في نهاية السبعينات على كل أسرة ان تكتفي بطفل واحد، ذكرا كان ام انثى.
بات المواطن الصيني واحدا من اكثر شعوب العالم خبرة في استخدام وسائل منع الحمل على اختلافها، وهو يعتبر بعضها من ابتكاراته، وصار يتعامل مع ذلك الفرض الرسمي برحابة شديدة: لم يعد الجيل الجديد يفكر بالانجاب، ولعله لم يعد يهتم بالزواج اصلا، في ظل ارتفاع معدلات المعيشة وتغير انماطها بشكل جذري. ولم تعد السلطة تخفي اعترافها بأنه كان قرارا ظالما للطبيعة البشرية لكنه كان إلزاميا ولم يكن له بديل عندما أطل المليار الاول على الصين بينما كانت تقف على حافة المجاعة.
لا يعود النقاش بسهولة الى تلك الحقبة، نهاية السبعينات، برغم الهمس الذي يدور في بعض الغرف المغلقة حول استعداد الدولة والحزب للتسامح مع فكرة الطفل الواحد لكل اسرة اذا كان كل من والديه طفلين وحيدين لعائلتيهما.. مع ان احدا لا يطالب ولا يلح من اجل تعديل تلك السياسة التي انتجت مع غيرها من سياسات الانفتاح الاقتصادي واحدا من اهم انجازات القرن الحادي والعشرين، ومع ان الحياة الجنسية هي الآن على ما يرام، بعدما بلغت في الماضي حد احساس الشريكين بأنهما يسرقان متعة محرمة او انهما ينفذان تعاقدا مع السلطة.
شنغهاي، هي نموذج حي على ان الصين بلغت ذروة الانفتاح الاجتماعي، فالمدينة التي كانت حتى الثورة الاشتراكية قبل ستين عاما تخضع لسلطة اكثر من 14 دولة كبرى كانت تستأجر احياءها وتقيم فيها مناطق نفوذ وقواعد عسكرية ومؤسسات اقتصادية مغلقة على نصف مليون جائع انجبتهم شنهادي وحدها. تطلق العنان لشبانها وشاباتها لكي يعبروا عن ثقتهم بأنفسهم وعن اندماجهم في الثقافة الغربية ربما اكثر من اي شعب آخر، وعن تحررهم من جميع القيود الاجتماعية التي طالما كانت جوهر ثقافة الصين وتاريخها.
المدينة بشوارعها وفنادقها المفتوحة على مختلف انواع المهرجانات والعروض والازياء، تشهد على ان الصين تقف عند منعطف يمس ذلك التعاقد بين الرجل والمرأة، وبين المواطن والدولة.. والذي لا يدوم بالجنس وحده.
(25/05/2009)
بيجين..
تحمر وجوه وتسود وجوه عندما يفتح النقاش حول سياسة تحديد النسل الصيني، التي ترتكز على إتقان المواطن لوسائل منع الحمل كافة، وبين نجاح الدولة في الحد من الكثافة السكانية التي بلغت رسميا مليارا و320 مليون نسمة.. وتقيم تلك العلاقة المعقدة بين المواطن والسلطة التي تتسلل الى غرف النوم.
هذه السياسة المطبقة منذ نحو ثلاثين عاما نجحت الى حد بعيد في ضبط ارتفاع معدل النمو السكاني عند ذلك الرقم الرسمي الذي حطمته الهند قبل سنوات، وحال دون انضمام نحو أربعمئة مليون صيني الى رقم سبعة مليارات الذي يقترب منه بسرعة عدد سكان العالم. لكنها اثارت من جديد معضلة تلك العلاقة بين الدولة ورعاياها، من زاوية مختلفة تماما لم تكن تخطر في بال قيادة الحزب الشيوعي الصيني التي فرضت في نهاية السبعينات على كل أسرة ان تكتفي بطفل واحد، ذكرا كان ام انثى.
بات المواطن الصيني واحدا من اكثر شعوب العالم خبرة في استخدام وسائل منع الحمل على اختلافها، وهو يعتبر بعضها من ابتكاراته، وصار يتعامل مع ذلك الفرض الرسمي برحابة شديدة: لم يعد الجيل الجديد يفكر بالانجاب، ولعله لم يعد يهتم بالزواج اصلا، في ظل ارتفاع معدلات المعيشة وتغير انماطها بشكل جذري. ولم تعد السلطة تخفي اعترافها بأنه كان قرارا ظالما للطبيعة البشرية لكنه كان إلزاميا ولم يكن له بديل عندما أطل المليار الاول على الصين بينما كانت تقف على حافة المجاعة.
لا يعود النقاش بسهولة الى تلك الحقبة، نهاية السبعينات، برغم الهمس الذي يدور في بعض الغرف المغلقة حول استعداد الدولة والحزب للتسامح مع فكرة الطفل الواحد لكل اسرة اذا كان كل من والديه طفلين وحيدين لعائلتيهما.. مع ان احدا لا يطالب ولا يلح من اجل تعديل تلك السياسة التي انتجت مع غيرها من سياسات الانفتاح الاقتصادي واحدا من اهم انجازات القرن الحادي والعشرين، ومع ان الحياة الجنسية هي الآن على ما يرام، بعدما بلغت في الماضي حد احساس الشريكين بأنهما يسرقان متعة محرمة او انهما ينفذان تعاقدا مع السلطة.
شنغهاي، هي نموذج حي على ان الصين بلغت ذروة الانفتاح الاجتماعي، فالمدينة التي كانت حتى الثورة الاشتراكية قبل ستين عاما تخضع لسلطة اكثر من 14 دولة كبرى كانت تستأجر احياءها وتقيم فيها مناطق نفوذ وقواعد عسكرية ومؤسسات اقتصادية مغلقة على نصف مليون جائع انجبتهم شنهادي وحدها. تطلق العنان لشبانها وشاباتها لكي يعبروا عن ثقتهم بأنفسهم وعن اندماجهم في الثقافة الغربية ربما اكثر من اي شعب آخر، وعن تحررهم من جميع القيود الاجتماعية التي طالما كانت جوهر ثقافة الصين وتاريخها.
المدينة بشوارعها وفنادقها المفتوحة على مختلف انواع المهرجانات والعروض والازياء، تشهد على ان الصين تقف عند منعطف يمس ذلك التعاقد بين الرجل والمرأة، وبين المواطن والدولة.. والذي لا يدوم بالجنس وحده.
(25/05/2009)
Page 10
انقلاب ابيض
هي حصيلة للسنوات الاربع الماضية اكثر مما هي ركيزة للسنوات الاربع المقبلة التي لا يملك احد تصورا واضحا عما يمكن ان تحمله من مفاجآت تستكمل عملية فرز اصوات الناخبين او ربما تحاول ان تعوض بعض نتائجها.
انها هزيمة ساحقة لفريق الثامن من آذار ولكل ما صدر في ذلك اليوم البائس من العام 2005، ولكل ما تلاه من مغامرات سياسية وامنية بلغت ذروتها في السابع من ايار العام 2008 عندما وضع ذلك الفريق لبنان واللبنانيين على حافة فتنة مذهبية شيعية سنية، تجلت في المعركة الانتخابية الاخيرة ونتائجها التي ليس لها اي مغزى سياسي آخر.
رفضت غالبية الشعب اللبناني خطاب الثامن من آذار بكل محتوياته الخاصة بالمقاومة وسلاحها والعلاقة مع سوريا والتباساتها والصلة مع ايران ومحرماتها، ووجهت ضربة قاسية لذلك المشروع الذي كان يبدو قبل فتح مراكز الاقتراع زاحفا نحو انتصار جديد، يتوج انتصارات مفترضة على اميركا واسرائيل كادت تعلن زوال الدولة العبرية من الوجود، وتنهي الحملة الامبراطورية الاميركية على العالمين العربي والاسلامي.
الحساب الداخلي سيكون عسيرا. والكلام صحيح عن ان فريق الرابع عشر من آذار لن يكون قادرا على حمل عبء هذا النصر الانتخابي الذي لا يعدل بأي حال من الاحوال الغلبة الامنية الحاسمة للفريق الاخر وحلفائه الذين يرجح الا يتقبلوا نتيجة الانتخابات برحابة صدر ويسلموا بانها هزيمة لهم اكثر مما هي هزيمة للشيعة اللبنانيين الذين سعوا الى توسيع دورهم السياسي بالاستناد الى البيئة المسيحية، من دون نجاح باهر.
وكما كانت اللحظات الاولى التي تلت اعلان النتائج حرجة يسودها الترقب لرد الفعل الشيعي الاول، السياسي والميداني، ستظل الاسابيع والاشهر الاولى من عمر المجلس النيابي الجديد محكومة بهذا الانتظار: كيف ستتصرف الطائفة الكبرى ازاء هذا الاعتراض الشعبي من بقية الطوائف على سلاحها وسلوكها وعلى جدول اعمالها القائم على اعتبار سوريا بنهجها الحالي «عمقا استراتيجيا» للبنان، وعلى تصنيف ايران بمشروعها الحالي «ذخرا استراتيجيا» يبرر نبذ العرب وتحقيرهم جميعا.
الخيار الشيعي لن يكون سهلا. المؤكد انه لن يشمل خيار إلقاء السلاح والانخراط في مشروع الدولة الذي لا يزال خياليا. لكن المضي قدما في تحدي بقية الطوائف صار مكلفا، ربما اقل بكثير من التوجه الى الخيار الحتمي لدى الطائفة في المرحلة المقبلة وهو تعميق التحالف مع سوريا وايران، اللتين لم تعودا جاهزتين لمثل هذا التحالف كما من ذي قبل، ولاسباب تتصل بجدول اعمال الدولتين اللتين تطمحان الى محاورة اميركا ومصالحتها، واللتين خسرتا ورقة لبنانية مؤثرة في تحقيق تلك المصالحة او على الاقل في تحديد شروطها.
انقلاب انتخابي ابيض على السنوات الاربع الماضية، لكن ترجمته الى انقلاب سياسي ابيض ما زالت دونه استحالات داخلية عديدة وصعوبات خارجية لا حصر لها.. ولا يمكن احتواؤها الا بالديموقراطية اللبنانية العرجاء التي خاضت بالامس تجربة ناجحة فعلا، وبكل المعايير.
(09/06/2009)
هي حصيلة للسنوات الاربع الماضية اكثر مما هي ركيزة للسنوات الاربع المقبلة التي لا يملك احد تصورا واضحا عما يمكن ان تحمله من مفاجآت تستكمل عملية فرز اصوات الناخبين او ربما تحاول ان تعوض بعض نتائجها.
انها هزيمة ساحقة لفريق الثامن من آذار ولكل ما صدر في ذلك اليوم البائس من العام 2005، ولكل ما تلاه من مغامرات سياسية وامنية بلغت ذروتها في السابع من ايار العام 2008 عندما وضع ذلك الفريق لبنان واللبنانيين على حافة فتنة مذهبية شيعية سنية، تجلت في المعركة الانتخابية الاخيرة ونتائجها التي ليس لها اي مغزى سياسي آخر.
رفضت غالبية الشعب اللبناني خطاب الثامن من آذار بكل محتوياته الخاصة بالمقاومة وسلاحها والعلاقة مع سوريا والتباساتها والصلة مع ايران ومحرماتها، ووجهت ضربة قاسية لذلك المشروع الذي كان يبدو قبل فتح مراكز الاقتراع زاحفا نحو انتصار جديد، يتوج انتصارات مفترضة على اميركا واسرائيل كادت تعلن زوال الدولة العبرية من الوجود، وتنهي الحملة الامبراطورية الاميركية على العالمين العربي والاسلامي.
الحساب الداخلي سيكون عسيرا. والكلام صحيح عن ان فريق الرابع عشر من آذار لن يكون قادرا على حمل عبء هذا النصر الانتخابي الذي لا يعدل بأي حال من الاحوال الغلبة الامنية الحاسمة للفريق الاخر وحلفائه الذين يرجح الا يتقبلوا نتيجة الانتخابات برحابة صدر ويسلموا بانها هزيمة لهم اكثر مما هي هزيمة للشيعة اللبنانيين الذين سعوا الى توسيع دورهم السياسي بالاستناد الى البيئة المسيحية، من دون نجاح باهر.
وكما كانت اللحظات الاولى التي تلت اعلان النتائج حرجة يسودها الترقب لرد الفعل الشيعي الاول، السياسي والميداني، ستظل الاسابيع والاشهر الاولى من عمر المجلس النيابي الجديد محكومة بهذا الانتظار: كيف ستتصرف الطائفة الكبرى ازاء هذا الاعتراض الشعبي من بقية الطوائف على سلاحها وسلوكها وعلى جدول اعمالها القائم على اعتبار سوريا بنهجها الحالي «عمقا استراتيجيا» للبنان، وعلى تصنيف ايران بمشروعها الحالي «ذخرا استراتيجيا» يبرر نبذ العرب وتحقيرهم جميعا.
الخيار الشيعي لن يكون سهلا. المؤكد انه لن يشمل خيار إلقاء السلاح والانخراط في مشروع الدولة الذي لا يزال خياليا. لكن المضي قدما في تحدي بقية الطوائف صار مكلفا، ربما اقل بكثير من التوجه الى الخيار الحتمي لدى الطائفة في المرحلة المقبلة وهو تعميق التحالف مع سوريا وايران، اللتين لم تعودا جاهزتين لمثل هذا التحالف كما من ذي قبل، ولاسباب تتصل بجدول اعمال الدولتين اللتين تطمحان الى محاورة اميركا ومصالحتها، واللتين خسرتا ورقة لبنانية مؤثرة في تحقيق تلك المصالحة او على الاقل في تحديد شروطها.
انقلاب انتخابي ابيض على السنوات الاربع الماضية، لكن ترجمته الى انقلاب سياسي ابيض ما زالت دونه استحالات داخلية عديدة وصعوبات خارجية لا حصر لها.. ولا يمكن احتواؤها الا بالديموقراطية اللبنانية العرجاء التي خاضت بالامس تجربة ناجحة فعلا، وبكل المعايير.
(09/06/2009)