Page 1
المقدمة
الحمد لله رب العالمين،
لكل شيء آفة، وآفة الشعوب الآمنة والمجتمعات المستقرة (الفكر الطائفي والتكفيري والعنفي)، فهذه الشرور والجراثيم تصيب عقل الفرد وإدراكه حتى يتخلى عن إنسانيته، وأكثر فئات المجتمع استهدافاً من هذا الفكر هم فئة (الشباب والناشئة)، لذا فإن مروجي هذا الفكر وسماسرته ينتهجون أساليب عدة للوصول إلى تلك العقول الطرية من أجل أعطابها وإيقاف مراكز الأمن فيها، ومن ثم تحويلها إلى مسوخ تستهدف أوطانها ومجتمعاتها.
إن أدواء وأسقام العصر تستغل الأحداث الإقليمية المتسارعة للترويج عن نفسها، فتبدأ بنشر حلولها السامة وعلاجاتها الفتاكة، دعوات فرز واصطفاف، وكراهية وبغضاء، فتبدأ بنشر سمومها بكلمات إقصائية لمخالفيها في الرأي، فيصفوهم بأنهم ليسوا على المنهج وخارج النسيج والملة، وهي مصطلحات لا تنسجم مع سماحة الدين وميزان العقل والعلاقة بين الناس.
مقالات في الوعي الوطني كتبت لتكشف عن وباء العصر (الطائفية والتكفير والعنف) والتحذير منها، فالمتابع يرى خطورة هذا الفكر ودرجة تأثيره في المجتمعات، ثم إنها محاولة لتجديد الخطاب الإسلامي القائم على الاعتدال والوسطية والتسامح مع المحافظة على أصول الدين وثوابته.
صلاح بن يوسف الجـودر
الشعب حين وقف في وجه الطائفية
في عام 1968م وجه (ويلسون) رئيس وزراء بريطانية الأسبق خطاباً يختلف عما اعتاده أبناء هذا الوطن من خطابات الغرور والغطرسة والاستعلاء، بدءاً من (فرمانات) السير لويس بيلي وجورج كروزن وبيرسي كوكس والميجر ديلي وأخرهم المستشار تشارلي بلغريف الذين تعاقبوا جميعاً على إذلال أبناء هذا الوطن، لقد جاء خطاب (ويلسون) ليسدل الستار على مرحلة القهر والإذلال لأبناء هذا الوطن الذي كان ينشد الحرية، فأعلن (ويلسون) وهو في بلاده عن انسحاب القوات البريطانية من جزر البحرين وإعطائها الاستقلال الذي ناضلت من أجله سنين طويلة، هذه السنين التي سقط خلالها الشهداء، وعاش في سجونها الشرفاء، واضطهد فيها أصحاب المبادئ الوطنية.
الحمد لله رب العالمين،
لكل شيء آفة، وآفة الشعوب الآمنة والمجتمعات المستقرة (الفكر الطائفي والتكفيري والعنفي)، فهذه الشرور والجراثيم تصيب عقل الفرد وإدراكه حتى يتخلى عن إنسانيته، وأكثر فئات المجتمع استهدافاً من هذا الفكر هم فئة (الشباب والناشئة)، لذا فإن مروجي هذا الفكر وسماسرته ينتهجون أساليب عدة للوصول إلى تلك العقول الطرية من أجل أعطابها وإيقاف مراكز الأمن فيها، ومن ثم تحويلها إلى مسوخ تستهدف أوطانها ومجتمعاتها.
إن أدواء وأسقام العصر تستغل الأحداث الإقليمية المتسارعة للترويج عن نفسها، فتبدأ بنشر حلولها السامة وعلاجاتها الفتاكة، دعوات فرز واصطفاف، وكراهية وبغضاء، فتبدأ بنشر سمومها بكلمات إقصائية لمخالفيها في الرأي، فيصفوهم بأنهم ليسوا على المنهج وخارج النسيج والملة، وهي مصطلحات لا تنسجم مع سماحة الدين وميزان العقل والعلاقة بين الناس.
مقالات في الوعي الوطني كتبت لتكشف عن وباء العصر (الطائفية والتكفير والعنف) والتحذير منها، فالمتابع يرى خطورة هذا الفكر ودرجة تأثيره في المجتمعات، ثم إنها محاولة لتجديد الخطاب الإسلامي القائم على الاعتدال والوسطية والتسامح مع المحافظة على أصول الدين وثوابته.
صلاح بن يوسف الجـودر
الشعب حين وقف في وجه الطائفية
في عام 1968م وجه (ويلسون) رئيس وزراء بريطانية الأسبق خطاباً يختلف عما اعتاده أبناء هذا الوطن من خطابات الغرور والغطرسة والاستعلاء، بدءاً من (فرمانات) السير لويس بيلي وجورج كروزن وبيرسي كوكس والميجر ديلي وأخرهم المستشار تشارلي بلغريف الذين تعاقبوا جميعاً على إذلال أبناء هذا الوطن، لقد جاء خطاب (ويلسون) ليسدل الستار على مرحلة القهر والإذلال لأبناء هذا الوطن الذي كان ينشد الحرية، فأعلن (ويلسون) وهو في بلاده عن انسحاب القوات البريطانية من جزر البحرين وإعطائها الاستقلال الذي ناضلت من أجله سنين طويلة، هذه السنين التي سقط خلالها الشهداء، وعاش في سجونها الشرفاء، واضطهد فيها أصحاب المبادئ الوطنية.
Page 2
فما مناطق المحرق وسترة والفاضل والحورة والقضيبية والمخارقة وغيرها إلا ساحات شهدت على نضالات أبناء هذا الوطن وتصديهم للمستعمر الأجنبي الذي عاش على ثقافة (فرق تسد)، هذه الثقافة التي كرسها بأيدي المتآمرين الذين كانوا يشعلون الفتنة في هذا الوطن بأطروحاتهم الطائفية، وسمومهم التجزيئية، ودعواتهم التحريضية، كل ذلك من أجل بث الفرقة والتنافر والاقتتال وحمل السلاح فيما بينهم، لذا فإن إعلان نهاية الوصاية البريطانية قد وضع حداً لتلك الفترة العصيبة من تاريخ هذه الأمة ومعاناة أبنائها.
في 14 أغسطس/ آب عام 1971م أعلنت الدولة البهية التي لا تغيب عن أرضها الشمس (بريطانيا) عن انسحابها الرسمي من جزر البحرين، فتم الإعلان عن نيل البحرين حريتها واستقلالها، وأن لأبنائها الحق الكامل في إدارة شؤون حياتهم بعد السنوات الطويلة من الكفاح والتضحية، فكانت هذه ثمرة جهاد المناضلين الأول الذين ذاقوا النفي والسجن والتعذيب.
لم تأتِ نضالات هذا الشعب من فراغ ولم تكن مجرد صدفة، ولكنها جاءت بعد تكتف أبناء هذا الوطن (سنّة وشيعة) من أجل تجاوز مفهوم طائفية حب الذات إلى ثقافة الوحدة الوطنية، ومن مفهوم الإقصاء والإبعاد إلى ثقافة قبول الرأي والمشاركة في البناء، وأكد على هذا التوجه ارتباط هذا الشعب بالحركات الوطنية في العالم العربي التي ناهضت المستعمر وأرغمته على الخروج، هذه الحركات التي أكسبت شعب البحرين القوة والصبر والتلاحم في سبيل نيل تلك المطالب.
لقد نالت البحرين استقلالها واحتفل الشعب وقيادته ورموزه السياسيون والدينيون بالحرية، وأصبحت دولة عربية مستقلة ذات سيادة لا تتبع لأي دولة ولا تخضع إلى أي سلطان سوى سلطان الشعب (مصدر السلطات)، ولكن أثناء تلك الفرحة جاءت أطماع إيران لتستهدف حرية هذا الشعب، فنادت بضم جزر البحرين لولاياتها وإرغامها تحت وصايتها وإخراجها من الانتماء العربي، ودفعاً للمزاعم الإيرانية في تلك الفترة ناشد شعب البحرين الأبي المجتمع الدولي من أجل الوقوف معه لتقرير مصيره قبل أن يعود أبناء هذا الوطن للنضال والكفاح من أجل التحرر من جديد.
تم تعيين السيد يوثانت رئيساً على وفد من الأمم المتحدة ليرى شعب البحرين ما يقرر، فقام الوفد بزيارة الكثير من القرى والمدن والأندية والمؤسسات والتقى بأبناء هذا الوطن ليقرر مصيره بنفسه، فاختار أبناء هذا الوطن حياة الحرية والاستقلال على حياة التبعية والإذلال، فكانت كلمة الشعب دولة عربية إسلامية مستقلة. فتمسك الشعب بجميع تلاوينه وانتماءاته بمبادئ العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة، ودولة المؤسسات وسيادة القانون، وطن يسع الجميع، لا فرق بينهم في الحقوق والواجبات.
مع بداية عهد ميثاق العمل الوطني كانت شكوك الإصلاح تسيطر على الكثيرين خاصة وأنها تعقب فترة قانون أمن الدولة سيء الصيت، شكوك حول جدية النظام في عملية الإصلاح، هل ستبيض السجون ويعاد المبعدين؟، هل ستنال المرأة حقوقها المدنية والسياسية فتترشح وتنتخب؟، هل سيصبح لدينا صحافة حرة متنوعة تخاطب العقول وتنور الافهام؟، وللأمانة التاريخية فإن الوطن قد تجاوز كل هذه الأمور في سنواته الأولى، هذا التجاوز الذي ما استطاعت القوى السياسية مجاراته والتعاطي السليم معه.
ولكن بعد السنوات الأربع التي مارس فيها مجلس النواب صلاحياته تبقى ملفات عالقة لابد من إعادة دراستها والسعي للمشاركة في معالجتها بشيء من الهدوء والسكينة بعيداً على التشنج والتصعيد وتوتير الأجواء.
فمن تلك المشاكل التي يجب معالجتها ووضع الحلول الناجعة لها قضية الإسكان، فمع أنها قضية اجتماعية يعاني منها الجميع إلا أنها تتحول إلى مطالب سياسية تقوم بها بعض الجمعيات السياسية ويستعرضها بعض المرشحين الجدد لكسب الأصوات!!، فكم عدد الطلبات المدرجة بوزارة الإسكان التي لم تعالج؟، وما مصير أصحاب الطلبات القديمة؟، وإلى أين وصلت حقوق الأرملة والمطلقة في هذا الملف؟.
وملف العاطلين عن العمل هو كذلك في حاجة لمزيد من التفعيل، وللأمانة فإن المشروع الوطني للتوظيف رغم تشكيك المشككين فيه في بعض المجالس والمنتديات والسعي لاصطياد الهفوات وتحويلها إلى قضايا طائفية إلا أن المشروع قد بدأت علامات الانفراج فيه واضحة، لا نشك بأن هناك طلبات لا تتناسب مع المؤهلات ولكن الغالبية العظمى من العاطلين بدأت تتجاوب مع المشروع.
وملف الانتخابات النيابية القادمة هي كذلك من مكاسب هذا الشعب، فكم هو عدد السنين التي طالب فيها الشعب بقيام برلمان يكون للمواطن العادي صوت فيه، يوصل همومه، ويعرض مشاكله؟، بعد السنوات الأربع الماضية بدأت الجمعيات المقاطعة تقتنع بأن العمل من تحت قبة البرلمان هو الأصلح لمعالجة القضايا، فها هي القوى السياسية باختلاف تلاوينها تؤكد مشاركتها في الانتخابات القادمة، سواءً بقوائمها الحزبية، أو شخصياتها المستقلة، أو حتى الدعم اللوجستي الذي ستقدمه تلك الجمعيات لبعض المرشحين، ويبقى هاجس الابتلاء لتلك الجمعيات فهناك قوى داخل كيانها لا زالت مقتنعة بثقافة المقاطعة، فهي وإن صوتت مع المشاركة إلا أنها مفطومة على قضية اسمها المقاطعة من أجل المقاطعة!.
إننا بهذا الإنجاز الكبير الذي تحقق عبر السنوات الأربع الماضية وإن كان قد شابه شيء من التصعيد الطائفي والهذيان الحزبي الضيق إلا إننا لا زلنا مقتنعين بأهمية المساواة والعدالة والحرية، بعيداً عن أطروحات النماذج البشرية الممسوخة ودعواتها الطائفية المقيتة!!.
في 14 أغسطس/ آب عام 1971م أعلنت الدولة البهية التي لا تغيب عن أرضها الشمس (بريطانيا) عن انسحابها الرسمي من جزر البحرين، فتم الإعلان عن نيل البحرين حريتها واستقلالها، وأن لأبنائها الحق الكامل في إدارة شؤون حياتهم بعد السنوات الطويلة من الكفاح والتضحية، فكانت هذه ثمرة جهاد المناضلين الأول الذين ذاقوا النفي والسجن والتعذيب.
لم تأتِ نضالات هذا الشعب من فراغ ولم تكن مجرد صدفة، ولكنها جاءت بعد تكتف أبناء هذا الوطن (سنّة وشيعة) من أجل تجاوز مفهوم طائفية حب الذات إلى ثقافة الوحدة الوطنية، ومن مفهوم الإقصاء والإبعاد إلى ثقافة قبول الرأي والمشاركة في البناء، وأكد على هذا التوجه ارتباط هذا الشعب بالحركات الوطنية في العالم العربي التي ناهضت المستعمر وأرغمته على الخروج، هذه الحركات التي أكسبت شعب البحرين القوة والصبر والتلاحم في سبيل نيل تلك المطالب.
لقد نالت البحرين استقلالها واحتفل الشعب وقيادته ورموزه السياسيون والدينيون بالحرية، وأصبحت دولة عربية مستقلة ذات سيادة لا تتبع لأي دولة ولا تخضع إلى أي سلطان سوى سلطان الشعب (مصدر السلطات)، ولكن أثناء تلك الفرحة جاءت أطماع إيران لتستهدف حرية هذا الشعب، فنادت بضم جزر البحرين لولاياتها وإرغامها تحت وصايتها وإخراجها من الانتماء العربي، ودفعاً للمزاعم الإيرانية في تلك الفترة ناشد شعب البحرين الأبي المجتمع الدولي من أجل الوقوف معه لتقرير مصيره قبل أن يعود أبناء هذا الوطن للنضال والكفاح من أجل التحرر من جديد.
تم تعيين السيد يوثانت رئيساً على وفد من الأمم المتحدة ليرى شعب البحرين ما يقرر، فقام الوفد بزيارة الكثير من القرى والمدن والأندية والمؤسسات والتقى بأبناء هذا الوطن ليقرر مصيره بنفسه، فاختار أبناء هذا الوطن حياة الحرية والاستقلال على حياة التبعية والإذلال، فكانت كلمة الشعب دولة عربية إسلامية مستقلة. فتمسك الشعب بجميع تلاوينه وانتماءاته بمبادئ العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة، ودولة المؤسسات وسيادة القانون، وطن يسع الجميع، لا فرق بينهم في الحقوق والواجبات.
مع بداية عهد ميثاق العمل الوطني كانت شكوك الإصلاح تسيطر على الكثيرين خاصة وأنها تعقب فترة قانون أمن الدولة سيء الصيت، شكوك حول جدية النظام في عملية الإصلاح، هل ستبيض السجون ويعاد المبعدين؟، هل ستنال المرأة حقوقها المدنية والسياسية فتترشح وتنتخب؟، هل سيصبح لدينا صحافة حرة متنوعة تخاطب العقول وتنور الافهام؟، وللأمانة التاريخية فإن الوطن قد تجاوز كل هذه الأمور في سنواته الأولى، هذا التجاوز الذي ما استطاعت القوى السياسية مجاراته والتعاطي السليم معه.
ولكن بعد السنوات الأربع التي مارس فيها مجلس النواب صلاحياته تبقى ملفات عالقة لابد من إعادة دراستها والسعي للمشاركة في معالجتها بشيء من الهدوء والسكينة بعيداً على التشنج والتصعيد وتوتير الأجواء.
فمن تلك المشاكل التي يجب معالجتها ووضع الحلول الناجعة لها قضية الإسكان، فمع أنها قضية اجتماعية يعاني منها الجميع إلا أنها تتحول إلى مطالب سياسية تقوم بها بعض الجمعيات السياسية ويستعرضها بعض المرشحين الجدد لكسب الأصوات!!، فكم عدد الطلبات المدرجة بوزارة الإسكان التي لم تعالج؟، وما مصير أصحاب الطلبات القديمة؟، وإلى أين وصلت حقوق الأرملة والمطلقة في هذا الملف؟.
وملف العاطلين عن العمل هو كذلك في حاجة لمزيد من التفعيل، وللأمانة فإن المشروع الوطني للتوظيف رغم تشكيك المشككين فيه في بعض المجالس والمنتديات والسعي لاصطياد الهفوات وتحويلها إلى قضايا طائفية إلا أن المشروع قد بدأت علامات الانفراج فيه واضحة، لا نشك بأن هناك طلبات لا تتناسب مع المؤهلات ولكن الغالبية العظمى من العاطلين بدأت تتجاوب مع المشروع.
وملف الانتخابات النيابية القادمة هي كذلك من مكاسب هذا الشعب، فكم هو عدد السنين التي طالب فيها الشعب بقيام برلمان يكون للمواطن العادي صوت فيه، يوصل همومه، ويعرض مشاكله؟، بعد السنوات الأربع الماضية بدأت الجمعيات المقاطعة تقتنع بأن العمل من تحت قبة البرلمان هو الأصلح لمعالجة القضايا، فها هي القوى السياسية باختلاف تلاوينها تؤكد مشاركتها في الانتخابات القادمة، سواءً بقوائمها الحزبية، أو شخصياتها المستقلة، أو حتى الدعم اللوجستي الذي ستقدمه تلك الجمعيات لبعض المرشحين، ويبقى هاجس الابتلاء لتلك الجمعيات فهناك قوى داخل كيانها لا زالت مقتنعة بثقافة المقاطعة، فهي وإن صوتت مع المشاركة إلا أنها مفطومة على قضية اسمها المقاطعة من أجل المقاطعة!.
إننا بهذا الإنجاز الكبير الذي تحقق عبر السنوات الأربع الماضية وإن كان قد شابه شيء من التصعيد الطائفي والهذيان الحزبي الضيق إلا إننا لا زلنا مقتنعين بأهمية المساواة والعدالة والحرية، بعيداً عن أطروحات النماذج البشرية الممسوخة ودعواتها الطائفية المقيتة!!.
Page 3
خاب وخسر من أيقظ الفتنة
لقد انتكست طموحات الكثيرين من أبناء هذا الوطن وهم يرون حالات التخوين والتشكيك والتمترس خلف الكيانات الطائفية، هذه الانتكاسة التي بدأت تلاحظ في المقترحات البرلمانية والندوات والمكالمات والتي يخشى أن تتحول بين ليلة وضحاها إلى هاجس يعاني منه الكثيرون.
لقد جاءت حالات التخوين والتشكيك عبر المسجات المسمومة التي انتشرت بين أبناء الطائفتين (السنّة والشيعة)عشية مقترح (سب الصحابة)، وكانت توزع بنفس الدرجة والعدد على الطائفتين، وليس لتلك الممارسات إلا تفسير واحد وهو رغبة البعض في تجزئة الوطن وتقسيمه عبر ثقافة السب والشتم في فترة من أصعب الفترات التي تمر بها أمتنا وكأنها تمهيد لتنفيذ مشروع الدول الثماني الصناعية (مشروع الشرق الأوسط الكبير) والذي يعتمد على تقسيم المنطقة إلى كانتونات طائفية وعرقية.
لا أحد ينكر بأن أدبيات السب والشتم واللعن هي من أسهل الأدبيات، فلا تحتاج إلى مناهج علمية، ولا دراسات أكاديمية، ولا أطروحات تحليلية، كل ما في الأمر هو أن يتصفح الطائفي الجديد بعض الكتب التاريخية وبعض المواقع الالكترونية التي سطرت في صفحاتها ثقافة السباب والشتائم ومن ثم اجتزاء مواقف منها وتحويلها إلى محاضرات وأشرطة يتهافت عليها الموهومون بغلبة الطائفة!!.
ففي الوقت الذي بدأ العالم فيه يتحدث عن التكتلات والكيانات الوحدوية فإن هناك من يتعدى بسب السنّة وتكفيرهم والبحث في صفحات التاريخ ما يعزز هذا الطرح وإعطائه الشرعية اللازمة، وفي المقابل أصوات تدعوا لسب الشيعة وتكفيرهم وإخراجهم من الملة!!.
لقد جاء مقترح النائب السعيدي الأخير(تجريم سب الصحابة) كالقنبلة الموقوتة، وقابلتها ردة فعل لها نفس القوة وفي الاتجاه المعاكس، وعند فقهاء القانون فإن مقترح السعيدي حق كفله الدستور، ولكن لنعيد النظر في المقترح نفسه أو غيره من المقترحات ولنتساءل هل بدأنا قبل ذلك بنشر ثقافة التسامح واحترام الآخر في المجالس والمنتديات؟، هل خاطبنا الأتباع والمريدين بأن يكفوا عن التشكيك والطعن في الآخرين قبل أن نطالب الآخرين بالتوقف عن نشر ثقافة التفتيش والتشكيك في النوايا، هل نزلنا من بروجنا العالية ومن زوايانا الجانبية في دور العبادة من أجل الالتقاء بالآخر والاستماع إليه؟!.
ليس السعيدي هو الطائفي الوحيد في هذا الوطن، ولكن كل أبناء هذا الوطن طائفيون ومذهبيون وحزبيون وقبائليون، وليس عيباً بأن ينتمي الفرد إلى طائفة أو حزب أو قبيلة وأن يعتز بانتمائه، ولكن العيب أن يتحول هذا الانتماء إلى تعصب أعمى، فلا يرى إلا نفسه ولا يدافع إلا عن طائفته ولا يتحدث إلا عن حزبه، وكأن الآخرين لا حق لهم في اعتناق معتقد ما!، أو أبداء رأي ما!، ولربما يرى بأن الآخرين ليس لهم حق في الحياة أصلاً!!.
ولعلي جلست مع أحد الأغرار الصغار من الذين يروجون لثقافة التصدي والتحدي وكسر العظم وهو لا يعلم خطورة الأمر، وحتى نكون على بينة من أمرنا قبل أن تأخذنا موجة السباب والشتائم بدأت ببعض الأسئلة، من وراء هذه الحملات ومن قائدها؟، وما الهدف من الترويج لها؟، وهل هذا هو الأسلوب الأمثل لمعالجة تلك القضايا؟، وهل الوطن تحول فعلاً إلى عراق وأفغانستان؟، فكان جوابه واحداً لا يتغير: لا أعلم!!.
إن أخوف ما نخاف عليه أن تشهد الساحة المحلية حالة جديدة من التصعيد الطائفي التكنولوجي، فيتم استخدام الانترنت ووسائل الاتصال الحديثة من أجل الدفع في هذا الاتجاه، وما ذاك إلا من أجل تحقيق مكاسب انتخابية على حساب البسطاء من الناس والسذج من البشر الذين يتأثرون ببعض الخطب والأشرطة والنشرات المصورة ذات الحجم الصغير(A5)!!.
ليس غريباً أن يسعى الطائفيون المتعصبون الجدد الراغبون في دخول البرلمان أن يتبنوا الخط التصعيدي واستغلال حب الناس للصحابة أو آل بيت النبي، كل ذلك من أجل الترويج لمشاريعهم التجزيئية والانشطارية والتفتيتية، الأمر الذي يعرض ( السلم الاجتماعي) وأجواء الانفتاح إلى منزلق خطير يعادل ما حدث في تجربة سنة 1975م حينما توقفت التجربة وبدأ الجميع يتجرع آلام الهزيمة والشتات!!.
لاحظ المراقبون والمتابعون للمشهد السياسي بأنه كلما جاء ملف حساس مثل(تقرير الرقابة المالية الأول والثاني وملف التقاعد والتأمينات واتفاقية التجارة الحرة وقانون الجمعيات والاستيلاء على الأراضي وغيرها) تجد نفس الصرخات الطائفية وبأساليب مختلفة!!، فلماذا كلما جاء ملف مهم وحساس بدأت النشرات والندوات والتصعيد وكأنها معادلة مدروسة لتمييع القضية الأساسية وإفقادها أهميتها، إن هذا هو أسلوب البطالين السياسيين الذين يسعون إلى أهدار الوقت واستنزاف الطاقات.
إن لكل شيء ضريبة، وإن ضريبة حرية التعبير والكلمة قد كانت من خلال ترويج ثقافات جديدة لم تكن موجودة من قبل في هذا الوطن، هذه الثقافات التي ظهرت بين الناس وبشكل خطير، وهي ثقافة السباب والشتائم، وقد عرف شيخ الإسلام السباب بقوله: (هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يُفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم، كاللعن والتقبيح ونحوه).
فإذا كان هذا هو حال الوطن وتلك هي حساسية المرحلة، فمن الواجب على رموزنا الدينية والوطنية التحرك لاحتواء الأمر وتوجيه الناس إلى المطالبة بقضاياهم الوطنية وتجاوز مرحلة السباب والشتائم، وذلك من خلال الحكمة التي قال عنها نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم:(الحكمة ضالة المسلم أينما وجدها أخذها)، من هنا فإن الحكمة يجب أن تكون في الاستقرار، الحكمة في التعامل مع الآخر، الحكمة في المطالب المشروعة، فهل نشهد اهتماماً بقضايانا الوطنية أم نعود إلى الخلف؟.
لقد انتكست طموحات الكثيرين من أبناء هذا الوطن وهم يرون حالات التخوين والتشكيك والتمترس خلف الكيانات الطائفية، هذه الانتكاسة التي بدأت تلاحظ في المقترحات البرلمانية والندوات والمكالمات والتي يخشى أن تتحول بين ليلة وضحاها إلى هاجس يعاني منه الكثيرون.
لقد جاءت حالات التخوين والتشكيك عبر المسجات المسمومة التي انتشرت بين أبناء الطائفتين (السنّة والشيعة)عشية مقترح (سب الصحابة)، وكانت توزع بنفس الدرجة والعدد على الطائفتين، وليس لتلك الممارسات إلا تفسير واحد وهو رغبة البعض في تجزئة الوطن وتقسيمه عبر ثقافة السب والشتم في فترة من أصعب الفترات التي تمر بها أمتنا وكأنها تمهيد لتنفيذ مشروع الدول الثماني الصناعية (مشروع الشرق الأوسط الكبير) والذي يعتمد على تقسيم المنطقة إلى كانتونات طائفية وعرقية.
لا أحد ينكر بأن أدبيات السب والشتم واللعن هي من أسهل الأدبيات، فلا تحتاج إلى مناهج علمية، ولا دراسات أكاديمية، ولا أطروحات تحليلية، كل ما في الأمر هو أن يتصفح الطائفي الجديد بعض الكتب التاريخية وبعض المواقع الالكترونية التي سطرت في صفحاتها ثقافة السباب والشتائم ومن ثم اجتزاء مواقف منها وتحويلها إلى محاضرات وأشرطة يتهافت عليها الموهومون بغلبة الطائفة!!.
ففي الوقت الذي بدأ العالم فيه يتحدث عن التكتلات والكيانات الوحدوية فإن هناك من يتعدى بسب السنّة وتكفيرهم والبحث في صفحات التاريخ ما يعزز هذا الطرح وإعطائه الشرعية اللازمة، وفي المقابل أصوات تدعوا لسب الشيعة وتكفيرهم وإخراجهم من الملة!!.
لقد جاء مقترح النائب السعيدي الأخير(تجريم سب الصحابة) كالقنبلة الموقوتة، وقابلتها ردة فعل لها نفس القوة وفي الاتجاه المعاكس، وعند فقهاء القانون فإن مقترح السعيدي حق كفله الدستور، ولكن لنعيد النظر في المقترح نفسه أو غيره من المقترحات ولنتساءل هل بدأنا قبل ذلك بنشر ثقافة التسامح واحترام الآخر في المجالس والمنتديات؟، هل خاطبنا الأتباع والمريدين بأن يكفوا عن التشكيك والطعن في الآخرين قبل أن نطالب الآخرين بالتوقف عن نشر ثقافة التفتيش والتشكيك في النوايا، هل نزلنا من بروجنا العالية ومن زوايانا الجانبية في دور العبادة من أجل الالتقاء بالآخر والاستماع إليه؟!.
ليس السعيدي هو الطائفي الوحيد في هذا الوطن، ولكن كل أبناء هذا الوطن طائفيون ومذهبيون وحزبيون وقبائليون، وليس عيباً بأن ينتمي الفرد إلى طائفة أو حزب أو قبيلة وأن يعتز بانتمائه، ولكن العيب أن يتحول هذا الانتماء إلى تعصب أعمى، فلا يرى إلا نفسه ولا يدافع إلا عن طائفته ولا يتحدث إلا عن حزبه، وكأن الآخرين لا حق لهم في اعتناق معتقد ما!، أو أبداء رأي ما!، ولربما يرى بأن الآخرين ليس لهم حق في الحياة أصلاً!!.
ولعلي جلست مع أحد الأغرار الصغار من الذين يروجون لثقافة التصدي والتحدي وكسر العظم وهو لا يعلم خطورة الأمر، وحتى نكون على بينة من أمرنا قبل أن تأخذنا موجة السباب والشتائم بدأت ببعض الأسئلة، من وراء هذه الحملات ومن قائدها؟، وما الهدف من الترويج لها؟، وهل هذا هو الأسلوب الأمثل لمعالجة تلك القضايا؟، وهل الوطن تحول فعلاً إلى عراق وأفغانستان؟، فكان جوابه واحداً لا يتغير: لا أعلم!!.
إن أخوف ما نخاف عليه أن تشهد الساحة المحلية حالة جديدة من التصعيد الطائفي التكنولوجي، فيتم استخدام الانترنت ووسائل الاتصال الحديثة من أجل الدفع في هذا الاتجاه، وما ذاك إلا من أجل تحقيق مكاسب انتخابية على حساب البسطاء من الناس والسذج من البشر الذين يتأثرون ببعض الخطب والأشرطة والنشرات المصورة ذات الحجم الصغير(A5)!!.
ليس غريباً أن يسعى الطائفيون المتعصبون الجدد الراغبون في دخول البرلمان أن يتبنوا الخط التصعيدي واستغلال حب الناس للصحابة أو آل بيت النبي، كل ذلك من أجل الترويج لمشاريعهم التجزيئية والانشطارية والتفتيتية، الأمر الذي يعرض ( السلم الاجتماعي) وأجواء الانفتاح إلى منزلق خطير يعادل ما حدث في تجربة سنة 1975م حينما توقفت التجربة وبدأ الجميع يتجرع آلام الهزيمة والشتات!!.
لاحظ المراقبون والمتابعون للمشهد السياسي بأنه كلما جاء ملف حساس مثل(تقرير الرقابة المالية الأول والثاني وملف التقاعد والتأمينات واتفاقية التجارة الحرة وقانون الجمعيات والاستيلاء على الأراضي وغيرها) تجد نفس الصرخات الطائفية وبأساليب مختلفة!!، فلماذا كلما جاء ملف مهم وحساس بدأت النشرات والندوات والتصعيد وكأنها معادلة مدروسة لتمييع القضية الأساسية وإفقادها أهميتها، إن هذا هو أسلوب البطالين السياسيين الذين يسعون إلى أهدار الوقت واستنزاف الطاقات.
إن لكل شيء ضريبة، وإن ضريبة حرية التعبير والكلمة قد كانت من خلال ترويج ثقافات جديدة لم تكن موجودة من قبل في هذا الوطن، هذه الثقافات التي ظهرت بين الناس وبشكل خطير، وهي ثقافة السباب والشتائم، وقد عرف شيخ الإسلام السباب بقوله: (هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يُفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم، كاللعن والتقبيح ونحوه).
فإذا كان هذا هو حال الوطن وتلك هي حساسية المرحلة، فمن الواجب على رموزنا الدينية والوطنية التحرك لاحتواء الأمر وتوجيه الناس إلى المطالبة بقضاياهم الوطنية وتجاوز مرحلة السباب والشتائم، وذلك من خلال الحكمة التي قال عنها نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم:(الحكمة ضالة المسلم أينما وجدها أخذها)، من هنا فإن الحكمة يجب أن تكون في الاستقرار، الحكمة في التعامل مع الآخر، الحكمة في المطالب المشروعة، فهل نشهد اهتماماً بقضايانا الوطنية أم نعود إلى الخلف؟.
Page 4
حينما تلد الطائفية ربتها
لا يمكن بحال من الأحوال أن تتفشى الطائفية في مجتمع إلا بأيدي بعض أبنائها المهووسين بحب الزعامة والاستفراد، ولا يمكن لها أن تستشري في شرايين الوطن إلا من خلال التعصب الأعمى والتشدد المقيت، فتاريخ هذا الوطن لم يسجل إلا حالة واحدة بلغت فيها الطائفية حد الصدام والاقتتال، لذا نرى بأن إشعال الفتنة الطائفية في عام 1953م إنما جاءت بأيدٍ كانت تدعي حب الوطن، واحترام الآخر، وتدعو للتماسك، في الوقت الذي تدس السم في خطاباتها وندواتها وجلساتها الليلية، الأمر الذي استدعى الانصراف عن كل القضايا والتركيز على هذا الداء من أجل استئصاله.
عند تحليل الصورة التي كانت عليها الأحداث في الخمسينيات من القرن الماضي نجد بأن أدعياء الوطنية هم الذين كانوا ينثرون سموم الطائفية والمناطقية بعد أن أصيبت عقولهم بهوس الزعامة والبروز، وهذا ما أكده المناضل عبدالرحمن الباكر في مذكراته (من البحرين إلى المنفى ص 49) مبيناً أوصاف أولئك الذين أشعلوا نار الفتنة وتخلوا عن مبادئهم مع أول صرخة لاقتسام الوطن (ومن المؤسف أنه انساق وراء تلك الفتنة العمياء كثيرون من الشباب نسوا واجبهم الوطني وتخلوا عن مبادئهم انسياقاً وراء العاطفة الهوجاء وخصوصاً بعض شبابنا المثقف في المحرق، وقد أسفت غاية الأسف حينما علمت بأن منهم من كان يدعي أنه فوق الطائفية والإقليمية وقد انجرف وراء هذا التيار وحمل راية التعصب الأعمى وتطورت الحالة إلى أن تحولت إلى إقليمية ضيقة، محرقي، ومنامي، وكانت ضربة قوية وجهت إلى الشباب الذي كان يعمل دائماً لخنق هذه النزعة البغيضة في مهدها، وكأن الذي بنيناه طيلة أربعة أعوام من جهد مضن وسهر وعرق ذهب هدراً تحت وطأة التعصب الطائفي الأعمى).
الصورة نفسها التي ذكرها الباكر تتكرر اليوم في ساحات الوطن، ونفس الوجوه الطائفية تعيد نفسها مع تعديل في بعض الأسماء والمواقع، ونفس الممارسات بتقنية حديثة، مواقع الكترونية طائفية، مسجات تخوينية من أرقام مجهولة، جلسات انزوائية لنخب طائفية، كل ذلك من أجل الطائفة، وحب الطائفة، والتضحية من أجل الطائفة، وهي في حقيقتها تأجيج للساحة واستعداد للاقتتال!!.
عند السؤال عن الاستفادة من تلك الاستفزازات؟، وما الداعي لتأصيل ثقافة التطرف والعنف وعدم قبول الآخر؟، وهل ننتظر حتى يتحول الاختلاف في وجهات النظر إلى عنف دموي؟، تجد أن الإجابة في أغلبها هي السكوت والانزواء، لقد بلغ العنف الدموي في بعض الدول بأن تجاوز حدود الدين والجنس والطائفة، ولعل التاريخ أكبر شاهد على استباحة الكثير من الدماء، فكم من الأدباء والمفكرين والعلماء والفنانين تمت استباحة دمائهم في الحروب الطائفية، ولمزيد من الاستقراء فلينظر الفرد منا إلى معاناة الصومال الذي أنهكته الحرب الأهلية وتحول إلى بلد العصابات المؤدلجة والمليشيات المسلحة التي تتنازع فيما بينها!!.
في مأتم الحاج علي بن أحمد بفريج الحياك وقبل أربعة أعوام تم لقاء ساخن جمع الطائفتين، سنّة وشيعة، ودار الحديث عن الطائفية ومن الذي يزرع الطائفية؟، وعند عملية جرد للحسابات وجد المجتمعون بأن الجميع قد شارك في هذا العمل، فكم هيئة حكومية طائفية؟، وكم صندوق خيري طائفي؟، وكم جمعية تعاونية طائفية؟، وكم نقابة عمالية طائفية؟، وكم جمعية سياسية أو إسلامية أو نسوية طائفية، والقائمة تطول وكأنها قوالب جاهزة لا تهتم بالقضايا المجتمعية إلا من منظور طائفي ضيق.
لقد حان الوقت لنتساءل عن أبعاد الأطروحات الطائفية التي تستغل حرية التعبير والديمقراطية، ويكبر التساؤل حينما نرى البعض وهو يمارس هواية تكوين الكيانات السياسية الطائفية، حتى استنفذت جميع المسميات وتم الاستيراد من الخارج!، لذا فإن مسؤولية الوطن هي مسؤولية جماعية، ولندع لمخيلتنا أن تذهب بعيداً لو أن الجميع قد ترك الممارسات الطائفية تسري في جسد الوطن دون أن يتصدى لها فكم من الأبرياء سيدفعون الثمن؟، وما حجم الخسائر التي سيتكبدها الوطن بعد أن يتم تقسيمه على أساس طائفي أو مذهبي أو مناطقي؟، لا شك أن هناك رابحون ولكنهم ليسوا بقدر الخاسرين في هذا الوطن.
كم من الاتفاقيات السرية قد مزقت الأمة العربية؟، وكم من المؤامرات التي قسمت البلاد العربية إلى كنتونات صغيرة، ولكن الداء الطائفي أخطر من كل ذلك فهو يقسم الوطن الواحد إلى سنّة وشيعة، لذا فإن المسؤولية تحتم على الجميع العمل من أجل اجتثاث جذور النزعات الطائفية في مهدها لينعم الجميع بالوئام والأمان.
خلال السنوات الماضية كثر المتخندقون في حفر الطائفية والتحزب، التخندق الذي أفرز لنا نماذج طائفية لا ترى إلا نفسها، ولا تتحدث إلا عن ذاتها، حتى أصبح من الصعب تفكيكها، لذا فإن العلاج لا يبدأ بتوجيه الخطابات الجماهيرية في الوقت الذي تتجاهل فيه النخب نقد ذاتها، أو تصحيح مسارها، لقد أصبحت تلك النخب في مأزق من كيفية الخروج من ذلك النفق المظلم وبأقل الخسائر، فإما مع الوحدة الوطنية حتى لو انفضت من حولها تلك الجموع وإما مع الأصوات الطائفية في كياناتها السياسية.
وبعيداً عن الدعوات الارتجالية لتنظيم ندوة هنا أو ندوة هناك والتي ترفع فيها شعارات التعايش السلمي والمواطنة والمصير المشترك، هل فعلاً نحن نسعى لتأكيد تلك اللحمة الوطنية التي نادى بها الباكر والشملان والعليوات قبل خمسين سنة، أم هي للاستهلاك من أجل أن تلد الطائفية ربتها بشهادة أدعياء الوطنية؟.
لا يمكن بحال من الأحوال أن تتفشى الطائفية في مجتمع إلا بأيدي بعض أبنائها المهووسين بحب الزعامة والاستفراد، ولا يمكن لها أن تستشري في شرايين الوطن إلا من خلال التعصب الأعمى والتشدد المقيت، فتاريخ هذا الوطن لم يسجل إلا حالة واحدة بلغت فيها الطائفية حد الصدام والاقتتال، لذا نرى بأن إشعال الفتنة الطائفية في عام 1953م إنما جاءت بأيدٍ كانت تدعي حب الوطن، واحترام الآخر، وتدعو للتماسك، في الوقت الذي تدس السم في خطاباتها وندواتها وجلساتها الليلية، الأمر الذي استدعى الانصراف عن كل القضايا والتركيز على هذا الداء من أجل استئصاله.
عند تحليل الصورة التي كانت عليها الأحداث في الخمسينيات من القرن الماضي نجد بأن أدعياء الوطنية هم الذين كانوا ينثرون سموم الطائفية والمناطقية بعد أن أصيبت عقولهم بهوس الزعامة والبروز، وهذا ما أكده المناضل عبدالرحمن الباكر في مذكراته (من البحرين إلى المنفى ص 49) مبيناً أوصاف أولئك الذين أشعلوا نار الفتنة وتخلوا عن مبادئهم مع أول صرخة لاقتسام الوطن (ومن المؤسف أنه انساق وراء تلك الفتنة العمياء كثيرون من الشباب نسوا واجبهم الوطني وتخلوا عن مبادئهم انسياقاً وراء العاطفة الهوجاء وخصوصاً بعض شبابنا المثقف في المحرق، وقد أسفت غاية الأسف حينما علمت بأن منهم من كان يدعي أنه فوق الطائفية والإقليمية وقد انجرف وراء هذا التيار وحمل راية التعصب الأعمى وتطورت الحالة إلى أن تحولت إلى إقليمية ضيقة، محرقي، ومنامي، وكانت ضربة قوية وجهت إلى الشباب الذي كان يعمل دائماً لخنق هذه النزعة البغيضة في مهدها، وكأن الذي بنيناه طيلة أربعة أعوام من جهد مضن وسهر وعرق ذهب هدراً تحت وطأة التعصب الطائفي الأعمى).
الصورة نفسها التي ذكرها الباكر تتكرر اليوم في ساحات الوطن، ونفس الوجوه الطائفية تعيد نفسها مع تعديل في بعض الأسماء والمواقع، ونفس الممارسات بتقنية حديثة، مواقع الكترونية طائفية، مسجات تخوينية من أرقام مجهولة، جلسات انزوائية لنخب طائفية، كل ذلك من أجل الطائفة، وحب الطائفة، والتضحية من أجل الطائفة، وهي في حقيقتها تأجيج للساحة واستعداد للاقتتال!!.
عند السؤال عن الاستفادة من تلك الاستفزازات؟، وما الداعي لتأصيل ثقافة التطرف والعنف وعدم قبول الآخر؟، وهل ننتظر حتى يتحول الاختلاف في وجهات النظر إلى عنف دموي؟، تجد أن الإجابة في أغلبها هي السكوت والانزواء، لقد بلغ العنف الدموي في بعض الدول بأن تجاوز حدود الدين والجنس والطائفة، ولعل التاريخ أكبر شاهد على استباحة الكثير من الدماء، فكم من الأدباء والمفكرين والعلماء والفنانين تمت استباحة دمائهم في الحروب الطائفية، ولمزيد من الاستقراء فلينظر الفرد منا إلى معاناة الصومال الذي أنهكته الحرب الأهلية وتحول إلى بلد العصابات المؤدلجة والمليشيات المسلحة التي تتنازع فيما بينها!!.
في مأتم الحاج علي بن أحمد بفريج الحياك وقبل أربعة أعوام تم لقاء ساخن جمع الطائفتين، سنّة وشيعة، ودار الحديث عن الطائفية ومن الذي يزرع الطائفية؟، وعند عملية جرد للحسابات وجد المجتمعون بأن الجميع قد شارك في هذا العمل، فكم هيئة حكومية طائفية؟، وكم صندوق خيري طائفي؟، وكم جمعية تعاونية طائفية؟، وكم نقابة عمالية طائفية؟، وكم جمعية سياسية أو إسلامية أو نسوية طائفية، والقائمة تطول وكأنها قوالب جاهزة لا تهتم بالقضايا المجتمعية إلا من منظور طائفي ضيق.
لقد حان الوقت لنتساءل عن أبعاد الأطروحات الطائفية التي تستغل حرية التعبير والديمقراطية، ويكبر التساؤل حينما نرى البعض وهو يمارس هواية تكوين الكيانات السياسية الطائفية، حتى استنفذت جميع المسميات وتم الاستيراد من الخارج!، لذا فإن مسؤولية الوطن هي مسؤولية جماعية، ولندع لمخيلتنا أن تذهب بعيداً لو أن الجميع قد ترك الممارسات الطائفية تسري في جسد الوطن دون أن يتصدى لها فكم من الأبرياء سيدفعون الثمن؟، وما حجم الخسائر التي سيتكبدها الوطن بعد أن يتم تقسيمه على أساس طائفي أو مذهبي أو مناطقي؟، لا شك أن هناك رابحون ولكنهم ليسوا بقدر الخاسرين في هذا الوطن.
كم من الاتفاقيات السرية قد مزقت الأمة العربية؟، وكم من المؤامرات التي قسمت البلاد العربية إلى كنتونات صغيرة، ولكن الداء الطائفي أخطر من كل ذلك فهو يقسم الوطن الواحد إلى سنّة وشيعة، لذا فإن المسؤولية تحتم على الجميع العمل من أجل اجتثاث جذور النزعات الطائفية في مهدها لينعم الجميع بالوئام والأمان.
خلال السنوات الماضية كثر المتخندقون في حفر الطائفية والتحزب، التخندق الذي أفرز لنا نماذج طائفية لا ترى إلا نفسها، ولا تتحدث إلا عن ذاتها، حتى أصبح من الصعب تفكيكها، لذا فإن العلاج لا يبدأ بتوجيه الخطابات الجماهيرية في الوقت الذي تتجاهل فيه النخب نقد ذاتها، أو تصحيح مسارها، لقد أصبحت تلك النخب في مأزق من كيفية الخروج من ذلك النفق المظلم وبأقل الخسائر، فإما مع الوحدة الوطنية حتى لو انفضت من حولها تلك الجموع وإما مع الأصوات الطائفية في كياناتها السياسية.
وبعيداً عن الدعوات الارتجالية لتنظيم ندوة هنا أو ندوة هناك والتي ترفع فيها شعارات التعايش السلمي والمواطنة والمصير المشترك، هل فعلاً نحن نسعى لتأكيد تلك اللحمة الوطنية التي نادى بها الباكر والشملان والعليوات قبل خمسين سنة، أم هي للاستهلاك من أجل أن تلد الطائفية ربتها بشهادة أدعياء الوطنية؟.
Page 5
حتى تلفظ الطائفية أنفاسها الأخيرة
(هناك مساعٍ نيابية لوضع برنامج عمل كنواة لمشروع وطني يستهدف تعزيز التحركات الداعية إلى الوحدة ونبذ الطائفية، وإلى إقامة موسم سنوي لتعزيز مفهوم المواطنة والوحدة الوطنية والتعايش) هذا مقتطف من تصريح النائب السلفي الشيخ علي مطر حينما أستشعر خطورة المرحلة وأن هناك ممارسات طائفية على أرض الوطن – بقصد وبدون قصد-، فسارع من موقع المسؤولية ومن خلال الكتل النيابية باختلاف توجهاتها لوأد تلك الفتنة التي نثرت بسموم الشك والمؤامرة والاستفراد بين أبناء الشعب الواحد.
لقد حذرنا مراراً وتكرراً من خلال المنابر وأعمدة الصحف والمنتديات سواء في الساحة السنية أو الشيعية لتلك الممارسات الطائفية الطائشة، وتصدينا مع المخلصين والغيورين للطائفية المقيتة التي بدأت تنخر في جسد الوطن، وعانينا سهام التصفية والتخوين والعمالة من أولئك الذين يسعون لإشعال فتيل الطائفية هنا وهناك، لقد حاولوا كثيراً وكثيراً من خلال أسطوانتهم المشروخة التي تجتر الأحداث المظلمة في التاريخ من أجل إشعال الفتيل وإضرام النار في جوانب الوطن، هذه الأحداث التي لم تكن في يوم من الأيام سوى عبث مجنون راح ضحيته الأبرياء والبسطاء من الناس، لقد حفظ الله سيوفنا من تلك الفتن، وترك لنا الذكرى نستلهم منها الدروس والعبر!.
في محاولتنا الجادة لنزع فتيل الطائفية قمنا بالمشاركة في الكثير من الفعاليات في المحرق وبوري والدراز وعراد، واستضفنا في العام الماضي الشيخ علي سلمان والدكتور عبدالعزيز أبل من أجل البحث عن (سبل معالجة النزعة الطائفية)، خاصة بعد تصاعد وتيرة المصادمات في العراق، وتأثيراتها على دول المنطقة، وقد أثبتت الزيارات التي قمنا بها مع الشيخ علي سلمان بدءاً بمجلس خليفة المنصور وانتهاءً بمجلس شويطر وجناحي بأن لها الأثر الطيب بين أبناء الطائفتين، ولكن من جهة أخرى كانت تقابل بحالات الرفض والاستهجان والتصدي من أولئك الذين يخافون على مقاعدهم الطائفية وخروجهم من المعادلة السياسية، خاصة وأنهم لا يجيدون السباحة إلا في مستنقعات الشحن الطائفي.
لذا فإن دعوة الشيخ السلفي النائب علي مطر لإقامة موسم سنوي يجمع كل الأطياف لتعزيز الوحدة الوطنية قد حظيت بقبول كبير لدى المهتمين بالشأن العام، خاصة وأنها تأتي من أحد المؤسسين الأوائل للسلفية في البحرين، فما تعرضنا له قبل سنوات من إقصاء بسبب هذا التوجه نرى الشيخ علي مطر يتبناه ويدافع عنه وذلك للحاجة الملحة في تعزيز الوحدة الوطنية والتعايش السلمي وفتح باب الحوار، لقد جاءت مساعي الخير لتعزيز الوحدة الوطنية هذه المرة من نائب سلفي قدير، ذي مكانة عالية، مع إننا نادينا كثيراً بتلك الحاجة وأتبعناها بمقالات وخطب وزيارات ومشاورات، ولم نكتفِ بالشعارات الرنانة دون العمل الجاد، وكشفنا عن وجه الطائفية القبيح من خلال مقال نشر في جريدة الأيام بتاريخ 4 يونيو2002م تحت عنوان (وأد الطائفية سبيل الوحدة الوطنية)، هذا الموضوع الذي جاء صدمة للكثيرين الذين لم يسمعوا في حياتهم سوءاً عن الطائفة ونصرة الطائفة ومآل الطائفة، والسبب أنهم تربوا على حب الذات والانزواء وعدم الإصغاء للآخرين!!.
لقد تأكد لجميع القوى الدينية والسياسية، وبالذات السلفية السنية والسلفية الشيعية بأنه لا محيص عن الوحدة والتعايش السلمي واحترام الآخر، وأن الأحداث التي تمر بها المنطقة لظروفها المكانية والزمانية من ضرب أفغانستان واحتلال العراق وتهديد إيران وسوريا ولبنان والسعودية، من قبل أمريكا والإرهاب، تفرض أمراً واجباً وهي الاعتصام بحبل الله المتين لقوله تعالى ﮋﭱ ﭲ ﭳ ﭴﮊ آل عمران [103]، والدعوة إلى التوحد من خلال مؤتمر عام يعزز الوحدة الوطنية ويدعو للتعايش السلمي بما يكفل للجميع الأمن والاستقرار.
في السنوات الخمس الماضية رفعت على أرض الوطن الكثير من الشعارات التي تثير الطائفية وتزرع بذور الفرقة والخلاف، فمن المقترحات البرلمانية ذات النزعات الطائفية، واللافتات الاستفزازية، والأشرطة التجزيئية، والكتب التكفيرية، وتقسيم الوطن إلى فئتين، فئة مع الحسين وفئة ضد الحسين، انتهاءً بالاستفزاز الديني والمذهبي وكأن ساحات الوطن على موعد مع الاحتراب!.
حتى بلغ الأمر لدى بعض الناس أن يرفض كل ما تقول لسبب بسيط أنك تختلف معه مذهبياً، وإن كان ما تقول حقا، لذا تراه يصنفك ويفرزك ليحدد درجة الحق الذي معك، فهو يبدأ أولاً بالتصنيف سنِّياً أو شيعياً، فإن لم يجد ذلك فإنك إما طائفي أو حكومي، ويرفض أن تكون وطنياً، وهذا ما حدث في هذا الأسبوع حينما لم يجد أحد المتصلين هاتفياً وصفاً سوى (الحكومي)، فأقرب وصف هو الحكومي حتى النخاع، وعند تحليل المكالمة نجده يقول: (لقد اتصلوا وقالوا لي عن الموضوع وكشفوا لي الحقيقة!!، وأنت تعلم بأنهم يكرهوننا!!، وأكثر من ذلك أنك أصبحت حكومياً لأنك تنتقد الطائفة في سلوكها!!)، وحينما سألته عن الذين اتصلوا ليخبروه؟ وبعد أن قدمت له دعوة للجلوس والحوار الهادئ، غضب وارتفع صوته وضاعت كلماته ثم قطع الخط وانصرف، مكالمة كلها شكوك وأوهام وتوجس، يشم من رائحتها داء الطائفية فهو مشحون من أشخاص يخاف أن يذكرهم، يتكلم ولا يريد أن ينصت، كلمات قليلة كفيلة بتوجيهه وإرساله كالقنبلة الموقوتة، فهو يتكلم عن أشخاص أخبروه وشحنوه لا ليستفسر ويسمع ولكن ليهدد!!.
لقد ابتليت لبنان وقبرص وايرلندا وأخيراً العراق بويلات الفتنة الطائفية، وبالطائفيين المتعصبين، ودفعت تلك الشعوب أرواح أبنائها ثمناً رخيصاً من أجل أوهام بعض المتشككين، والنهاية أن الجميع قد خسر، لأن الحروب الطائفية ليس فيها فائز أو منتصر، ويكفي العدو المتربص بالأمة أن يجد طابوراً خامساً مشبعاً بنزعات الطائفية يعمل لحسابه دون أن يدفع له درهماً واحداً، فيقوم بالمهمة الرئيسية وبالوكالة الشرعية عن المحتل.
لقد نهانا ديننا الحنيف من التحزب والتعصب لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (دعوها فإنها منتنة)، وقد جاء في دستور المملكة ما يعزز هذا الأمر ففي المادة (23) يكفل الدستور حرية الرأي والتعبير دون المساس بأسس العقيدة الإسلامية ووحدة الشعب وبما لا يثير الفرقة والطائفية.
لا يختلف اثنان بأن هناك ممارسات طائفية على أرض الوطن، والوطن لا يخشى هذه الممارسات وذلك لسبب بسيط وهو أن أصحاب الفكر الطائفي الانعزالي إن لم يعودوا إلى رشدهم ويتركوا نشازهم فإن الجميع سيرفضهم يوماً ما، لقد عاش شعب البحرين سنين طويلة شعباً واحداً متنوع المذاهب والأطياف، لم تفرقه يوماً تلك الاختلافات، فهل نعي خطورة المرحلة ونقف مع كل من ينادي بالوحدة الوطنية، أم نلتزم السكوت حتى يأتي اليوم الذي لا نستطيع فيه الحديث إلا بأسلحة الدمار الشامل؟!.
(هناك مساعٍ نيابية لوضع برنامج عمل كنواة لمشروع وطني يستهدف تعزيز التحركات الداعية إلى الوحدة ونبذ الطائفية، وإلى إقامة موسم سنوي لتعزيز مفهوم المواطنة والوحدة الوطنية والتعايش) هذا مقتطف من تصريح النائب السلفي الشيخ علي مطر حينما أستشعر خطورة المرحلة وأن هناك ممارسات طائفية على أرض الوطن – بقصد وبدون قصد-، فسارع من موقع المسؤولية ومن خلال الكتل النيابية باختلاف توجهاتها لوأد تلك الفتنة التي نثرت بسموم الشك والمؤامرة والاستفراد بين أبناء الشعب الواحد.
لقد حذرنا مراراً وتكرراً من خلال المنابر وأعمدة الصحف والمنتديات سواء في الساحة السنية أو الشيعية لتلك الممارسات الطائفية الطائشة، وتصدينا مع المخلصين والغيورين للطائفية المقيتة التي بدأت تنخر في جسد الوطن، وعانينا سهام التصفية والتخوين والعمالة من أولئك الذين يسعون لإشعال فتيل الطائفية هنا وهناك، لقد حاولوا كثيراً وكثيراً من خلال أسطوانتهم المشروخة التي تجتر الأحداث المظلمة في التاريخ من أجل إشعال الفتيل وإضرام النار في جوانب الوطن، هذه الأحداث التي لم تكن في يوم من الأيام سوى عبث مجنون راح ضحيته الأبرياء والبسطاء من الناس، لقد حفظ الله سيوفنا من تلك الفتن، وترك لنا الذكرى نستلهم منها الدروس والعبر!.
في محاولتنا الجادة لنزع فتيل الطائفية قمنا بالمشاركة في الكثير من الفعاليات في المحرق وبوري والدراز وعراد، واستضفنا في العام الماضي الشيخ علي سلمان والدكتور عبدالعزيز أبل من أجل البحث عن (سبل معالجة النزعة الطائفية)، خاصة بعد تصاعد وتيرة المصادمات في العراق، وتأثيراتها على دول المنطقة، وقد أثبتت الزيارات التي قمنا بها مع الشيخ علي سلمان بدءاً بمجلس خليفة المنصور وانتهاءً بمجلس شويطر وجناحي بأن لها الأثر الطيب بين أبناء الطائفتين، ولكن من جهة أخرى كانت تقابل بحالات الرفض والاستهجان والتصدي من أولئك الذين يخافون على مقاعدهم الطائفية وخروجهم من المعادلة السياسية، خاصة وأنهم لا يجيدون السباحة إلا في مستنقعات الشحن الطائفي.
لذا فإن دعوة الشيخ السلفي النائب علي مطر لإقامة موسم سنوي يجمع كل الأطياف لتعزيز الوحدة الوطنية قد حظيت بقبول كبير لدى المهتمين بالشأن العام، خاصة وأنها تأتي من أحد المؤسسين الأوائل للسلفية في البحرين، فما تعرضنا له قبل سنوات من إقصاء بسبب هذا التوجه نرى الشيخ علي مطر يتبناه ويدافع عنه وذلك للحاجة الملحة في تعزيز الوحدة الوطنية والتعايش السلمي وفتح باب الحوار، لقد جاءت مساعي الخير لتعزيز الوحدة الوطنية هذه المرة من نائب سلفي قدير، ذي مكانة عالية، مع إننا نادينا كثيراً بتلك الحاجة وأتبعناها بمقالات وخطب وزيارات ومشاورات، ولم نكتفِ بالشعارات الرنانة دون العمل الجاد، وكشفنا عن وجه الطائفية القبيح من خلال مقال نشر في جريدة الأيام بتاريخ 4 يونيو2002م تحت عنوان (وأد الطائفية سبيل الوحدة الوطنية)، هذا الموضوع الذي جاء صدمة للكثيرين الذين لم يسمعوا في حياتهم سوءاً عن الطائفة ونصرة الطائفة ومآل الطائفة، والسبب أنهم تربوا على حب الذات والانزواء وعدم الإصغاء للآخرين!!.
لقد تأكد لجميع القوى الدينية والسياسية، وبالذات السلفية السنية والسلفية الشيعية بأنه لا محيص عن الوحدة والتعايش السلمي واحترام الآخر، وأن الأحداث التي تمر بها المنطقة لظروفها المكانية والزمانية من ضرب أفغانستان واحتلال العراق وتهديد إيران وسوريا ولبنان والسعودية، من قبل أمريكا والإرهاب، تفرض أمراً واجباً وهي الاعتصام بحبل الله المتين لقوله تعالى ﮋﭱ ﭲ ﭳ ﭴﮊ آل عمران [103]، والدعوة إلى التوحد من خلال مؤتمر عام يعزز الوحدة الوطنية ويدعو للتعايش السلمي بما يكفل للجميع الأمن والاستقرار.
في السنوات الخمس الماضية رفعت على أرض الوطن الكثير من الشعارات التي تثير الطائفية وتزرع بذور الفرقة والخلاف، فمن المقترحات البرلمانية ذات النزعات الطائفية، واللافتات الاستفزازية، والأشرطة التجزيئية، والكتب التكفيرية، وتقسيم الوطن إلى فئتين، فئة مع الحسين وفئة ضد الحسين، انتهاءً بالاستفزاز الديني والمذهبي وكأن ساحات الوطن على موعد مع الاحتراب!.
حتى بلغ الأمر لدى بعض الناس أن يرفض كل ما تقول لسبب بسيط أنك تختلف معه مذهبياً، وإن كان ما تقول حقا، لذا تراه يصنفك ويفرزك ليحدد درجة الحق الذي معك، فهو يبدأ أولاً بالتصنيف سنِّياً أو شيعياً، فإن لم يجد ذلك فإنك إما طائفي أو حكومي، ويرفض أن تكون وطنياً، وهذا ما حدث في هذا الأسبوع حينما لم يجد أحد المتصلين هاتفياً وصفاً سوى (الحكومي)، فأقرب وصف هو الحكومي حتى النخاع، وعند تحليل المكالمة نجده يقول: (لقد اتصلوا وقالوا لي عن الموضوع وكشفوا لي الحقيقة!!، وأنت تعلم بأنهم يكرهوننا!!، وأكثر من ذلك أنك أصبحت حكومياً لأنك تنتقد الطائفة في سلوكها!!)، وحينما سألته عن الذين اتصلوا ليخبروه؟ وبعد أن قدمت له دعوة للجلوس والحوار الهادئ، غضب وارتفع صوته وضاعت كلماته ثم قطع الخط وانصرف، مكالمة كلها شكوك وأوهام وتوجس، يشم من رائحتها داء الطائفية فهو مشحون من أشخاص يخاف أن يذكرهم، يتكلم ولا يريد أن ينصت، كلمات قليلة كفيلة بتوجيهه وإرساله كالقنبلة الموقوتة، فهو يتكلم عن أشخاص أخبروه وشحنوه لا ليستفسر ويسمع ولكن ليهدد!!.
لقد ابتليت لبنان وقبرص وايرلندا وأخيراً العراق بويلات الفتنة الطائفية، وبالطائفيين المتعصبين، ودفعت تلك الشعوب أرواح أبنائها ثمناً رخيصاً من أجل أوهام بعض المتشككين، والنهاية أن الجميع قد خسر، لأن الحروب الطائفية ليس فيها فائز أو منتصر، ويكفي العدو المتربص بالأمة أن يجد طابوراً خامساً مشبعاً بنزعات الطائفية يعمل لحسابه دون أن يدفع له درهماً واحداً، فيقوم بالمهمة الرئيسية وبالوكالة الشرعية عن المحتل.
لقد نهانا ديننا الحنيف من التحزب والتعصب لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (دعوها فإنها منتنة)، وقد جاء في دستور المملكة ما يعزز هذا الأمر ففي المادة (23) يكفل الدستور حرية الرأي والتعبير دون المساس بأسس العقيدة الإسلامية ووحدة الشعب وبما لا يثير الفرقة والطائفية.
لا يختلف اثنان بأن هناك ممارسات طائفية على أرض الوطن، والوطن لا يخشى هذه الممارسات وذلك لسبب بسيط وهو أن أصحاب الفكر الطائفي الانعزالي إن لم يعودوا إلى رشدهم ويتركوا نشازهم فإن الجميع سيرفضهم يوماً ما، لقد عاش شعب البحرين سنين طويلة شعباً واحداً متنوع المذاهب والأطياف، لم تفرقه يوماً تلك الاختلافات، فهل نعي خطورة المرحلة ونقف مع كل من ينادي بالوحدة الوطنية، أم نلتزم السكوت حتى يأتي اليوم الذي لا نستطيع فيه الحديث إلا بأسلحة الدمار الشامل؟!.
Page 6
قرن الخلاف والتناحر
ما إن أنهيت كتابة المقال السابق (الطريق إلى الإرهاب والتطرف والغلو) حتى جاء خبر المخطط الإرهابي الذي كشفته الأجهزة الأمنية بالمملكة العربية السعودية وعن إلقائها القبض على 172 متشدداً، البعض منهم قد تدرب على قيادة الطائرات لتدمير المواقع النفطية والعسكرية كما وقع في الولايات المتحدة الأميركية في الحادي عشر من سبتمبر حين تم تدمير برجي التجارة ووزارة الدفاع الأميركية، لقد تأكد لنا بما لا يدع مجالاً للشك بأن المخططات الإرهابية ليست لدولة دون أخرى، ولا لمنطقة دون سواها، فها هي الشقيقة المملكة العربية السعودية ودول الجوار تتعرض لنفس التهديد وبنفس السيناريو.
لقد أعاد هذا المخطط التدميري إلى نفوس أبناء المنطقة المخاوف من خطورة ظاهرة التطرف والغلو والإرهاب التي انتشرت بين فئات الشباب، وكشف المخطط الإرهابي عن مدى اللوعة والأسى التي في نفوسنا بعد أن اعتقدنا بأننا في مأمن من تلك المخططات، لماذا يريدون تدمير أوطاننا وترويع أبنائنا والقضاء على مستقبلنا؟، لماذا يسعون لقتل الشيخ الكبير والمرأة الضعيفة والطفل الصغير؟، لماذا يحاولون إيقاف عملية البناء والتطور في ديارنا؟، لماذا أصلاً يتبنون منهج القتل والدمار والتخريب؟، كم حذرنا من خطورة هذا المنهج؟، وكم أنذرنا من مغبة ذلك المسلك؟.
إن المتابع والمراقب للساحة السياسية اليوم يلحظ وبشكل كبير بأن هناك أيدي خفية تريد إشعال المنطقة وبشتى الوسائل، من تفجير المنشآت النفطية والعسكرية والمدنية، وبث بذور الخلاف والشقاق بين الطوائف والأعراق، ومحاولة أفساد العلاقة بين الحاكم والمحكومين، لقد ارتفعت راية الغلو والتعصب والتنطع في الدين كما وصفها بعض مشايخنا، وأصبح الفرد والحزب والتيار يدعي الحق المطلق وما عند الآخرين إنما أحلام وأوهام، حتى خرجت علينا فرق التكفير والتفسيق والتبديع بدعاوى الإصلاح والخير للأمة، فلم يسلم منها عالماً أو مصلحاً أو مربياً إلا لمزوه بالمداهنة والسطحية وبيع الدين بالدنيا، وما كل ذاك إلا من أجل خلخل الصفوف ونشر الفوضى.
قد يتساءل البعض منا ما الهدف من زحزحة الأمن في الشقيقة المملكة العربية السعودية وفي هذا الوقت بالذات؟، إن الأمر لا يحتاج إلى كثير عناء أو مجاهدة، ويمكن حصره في الآتي:
أولاً: إن الفكر التكفيري يحاول ومنذ فترة التغلغل والوصول إلى مراكز الشباب في المملكة، ومن ثم محاولة غسل أدمغتهم وتحويلها إلى أجهزة استقبال، تنفذ ما تتلقاه من سماسرة القتل والدمار، فالفكر التكفيري ينشط في مثل هذه البيئات (بيئات الشباب) لأن الشاب أكثر قبولاً لتلك الأفكار وأكثر حماسة لتنفيذها دون النظر في عواقبها، فمن السهل إقناع الشاب بالأوضاع الصعبة التي يعيشها، فهو دون عمل ولا مسكن ولا مستقبل، من هنا يكون صيداً سهلاً للأعداء يستغلون طيبته وحياءه وخجله، فيبدون تمرير إنكار المنكر، وأنه المسؤول عنه دون غيره من خلال تأصيل حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)، فيصبح الشاب أداة طيعة في أيدي أعداء الأمة الذين يقيدونه في سجلاتهم ضمن الطابور الخامس في وطنه.
ثانياً: إن المملكة العربية السعودية دون غيرها قد لعبت في الفترة الأخيرة دور المصلح بين الأشقاء العرب الأمر الذي أغاظ الأعداء، فقد جاءت تلك المساعي بنتائج إيجابية، اتفاق الطائف بين الفرقاء اللبنانيين، واتفاق مكة المكرمة بين الفصائل الفلسطينية (منظمة فتح وحركة حماس)، وتخفيف الشحن الطائفي الذي بدأ بالظهور في المنطقة حينما اجتمع الملك عبدالله برئيس الجمهورية الإيرانية، وأكثر من ذلك فإنها استضافت القمة العربية في أصعب أوقاتها، القمة التي أعتبرها المراقبون أنها من أنجح القمم العربية، هذه المساعي التي قامت بها المملكة العربية السعودية كانت كفيلة بأن تكون هدفاً لمخططات الإرهاب والتدمير من أجل إشغالها في نفسها وإبعادها عن هموم أمتها.
إن المخطط الذي كشفت عنه أجهزة الأمن السعودية ليس مقتصراً على المملكة العربية السعودية ولكنه يتعداها لتدمير المنطقة برمتها، فعدد 172 متشدداً مع أسلحتهم ليس بالشيء الهين، من هنا جاء التأكيد على دور علماء الأمة ودعاتها ومفكريها وإعلاميها وتربويها من أجل القيام بمسؤولياتهم تجاه الشباب، وتحصينهم من ظاهرة الغلو والتطرف والإرهاب، الأمر الذي يستوجب وضع المناهج والبرامج وإقامة ورش العمل والندوات للكشف عن خطورة هذا الفكر ومروجيه، مع دفع الحجة بالحجة والدليل بالدليل من كتاب الله وسنّة نبيه وأقوال العلماء، إن مسؤوليات المجتمع اليوم تحتم عليهم الدعوة إلى الاعتدال والمساواة والحرية.
إن أجمل ما وصف به إمام الحرم المكي ورئيس مجلس الشورى السعودي الشيخ صالح عبدالله بن حميد هذا العصر في أحدى خطب الجمعة بأنه (قرن الخلاف والتناحر الفكري)، وأن عصر الصحوة في تراجع كبير والسبب خروج فرق التكفير والتبديع والتفسيق للمجتمع، هكذا جاء عن شيخنا ابن حميد، وهو وصف اختزل فيه حال الأمة وما أصابها من ضعف ووهن، فهل نتصدى للفكر التكفيري والإرهابي والغلو والعنف والإقصاء أم نستمر في قرن الخلاف والتناحر والكذب والزور والبهتان الذي يمارسه رويبضة العصر في كياناتهم السياسية ومجالسهم الليلية؟؟.
ما إن أنهيت كتابة المقال السابق (الطريق إلى الإرهاب والتطرف والغلو) حتى جاء خبر المخطط الإرهابي الذي كشفته الأجهزة الأمنية بالمملكة العربية السعودية وعن إلقائها القبض على 172 متشدداً، البعض منهم قد تدرب على قيادة الطائرات لتدمير المواقع النفطية والعسكرية كما وقع في الولايات المتحدة الأميركية في الحادي عشر من سبتمبر حين تم تدمير برجي التجارة ووزارة الدفاع الأميركية، لقد تأكد لنا بما لا يدع مجالاً للشك بأن المخططات الإرهابية ليست لدولة دون أخرى، ولا لمنطقة دون سواها، فها هي الشقيقة المملكة العربية السعودية ودول الجوار تتعرض لنفس التهديد وبنفس السيناريو.
لقد أعاد هذا المخطط التدميري إلى نفوس أبناء المنطقة المخاوف من خطورة ظاهرة التطرف والغلو والإرهاب التي انتشرت بين فئات الشباب، وكشف المخطط الإرهابي عن مدى اللوعة والأسى التي في نفوسنا بعد أن اعتقدنا بأننا في مأمن من تلك المخططات، لماذا يريدون تدمير أوطاننا وترويع أبنائنا والقضاء على مستقبلنا؟، لماذا يسعون لقتل الشيخ الكبير والمرأة الضعيفة والطفل الصغير؟، لماذا يحاولون إيقاف عملية البناء والتطور في ديارنا؟، لماذا أصلاً يتبنون منهج القتل والدمار والتخريب؟، كم حذرنا من خطورة هذا المنهج؟، وكم أنذرنا من مغبة ذلك المسلك؟.
إن المتابع والمراقب للساحة السياسية اليوم يلحظ وبشكل كبير بأن هناك أيدي خفية تريد إشعال المنطقة وبشتى الوسائل، من تفجير المنشآت النفطية والعسكرية والمدنية، وبث بذور الخلاف والشقاق بين الطوائف والأعراق، ومحاولة أفساد العلاقة بين الحاكم والمحكومين، لقد ارتفعت راية الغلو والتعصب والتنطع في الدين كما وصفها بعض مشايخنا، وأصبح الفرد والحزب والتيار يدعي الحق المطلق وما عند الآخرين إنما أحلام وأوهام، حتى خرجت علينا فرق التكفير والتفسيق والتبديع بدعاوى الإصلاح والخير للأمة، فلم يسلم منها عالماً أو مصلحاً أو مربياً إلا لمزوه بالمداهنة والسطحية وبيع الدين بالدنيا، وما كل ذاك إلا من أجل خلخل الصفوف ونشر الفوضى.
قد يتساءل البعض منا ما الهدف من زحزحة الأمن في الشقيقة المملكة العربية السعودية وفي هذا الوقت بالذات؟، إن الأمر لا يحتاج إلى كثير عناء أو مجاهدة، ويمكن حصره في الآتي:
أولاً: إن الفكر التكفيري يحاول ومنذ فترة التغلغل والوصول إلى مراكز الشباب في المملكة، ومن ثم محاولة غسل أدمغتهم وتحويلها إلى أجهزة استقبال، تنفذ ما تتلقاه من سماسرة القتل والدمار، فالفكر التكفيري ينشط في مثل هذه البيئات (بيئات الشباب) لأن الشاب أكثر قبولاً لتلك الأفكار وأكثر حماسة لتنفيذها دون النظر في عواقبها، فمن السهل إقناع الشاب بالأوضاع الصعبة التي يعيشها، فهو دون عمل ولا مسكن ولا مستقبل، من هنا يكون صيداً سهلاً للأعداء يستغلون طيبته وحياءه وخجله، فيبدون تمرير إنكار المنكر، وأنه المسؤول عنه دون غيره من خلال تأصيل حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)، فيصبح الشاب أداة طيعة في أيدي أعداء الأمة الذين يقيدونه في سجلاتهم ضمن الطابور الخامس في وطنه.
ثانياً: إن المملكة العربية السعودية دون غيرها قد لعبت في الفترة الأخيرة دور المصلح بين الأشقاء العرب الأمر الذي أغاظ الأعداء، فقد جاءت تلك المساعي بنتائج إيجابية، اتفاق الطائف بين الفرقاء اللبنانيين، واتفاق مكة المكرمة بين الفصائل الفلسطينية (منظمة فتح وحركة حماس)، وتخفيف الشحن الطائفي الذي بدأ بالظهور في المنطقة حينما اجتمع الملك عبدالله برئيس الجمهورية الإيرانية، وأكثر من ذلك فإنها استضافت القمة العربية في أصعب أوقاتها، القمة التي أعتبرها المراقبون أنها من أنجح القمم العربية، هذه المساعي التي قامت بها المملكة العربية السعودية كانت كفيلة بأن تكون هدفاً لمخططات الإرهاب والتدمير من أجل إشغالها في نفسها وإبعادها عن هموم أمتها.
إن المخطط الذي كشفت عنه أجهزة الأمن السعودية ليس مقتصراً على المملكة العربية السعودية ولكنه يتعداها لتدمير المنطقة برمتها، فعدد 172 متشدداً مع أسلحتهم ليس بالشيء الهين، من هنا جاء التأكيد على دور علماء الأمة ودعاتها ومفكريها وإعلاميها وتربويها من أجل القيام بمسؤولياتهم تجاه الشباب، وتحصينهم من ظاهرة الغلو والتطرف والإرهاب، الأمر الذي يستوجب وضع المناهج والبرامج وإقامة ورش العمل والندوات للكشف عن خطورة هذا الفكر ومروجيه، مع دفع الحجة بالحجة والدليل بالدليل من كتاب الله وسنّة نبيه وأقوال العلماء، إن مسؤوليات المجتمع اليوم تحتم عليهم الدعوة إلى الاعتدال والمساواة والحرية.
إن أجمل ما وصف به إمام الحرم المكي ورئيس مجلس الشورى السعودي الشيخ صالح عبدالله بن حميد هذا العصر في أحدى خطب الجمعة بأنه (قرن الخلاف والتناحر الفكري)، وأن عصر الصحوة في تراجع كبير والسبب خروج فرق التكفير والتبديع والتفسيق للمجتمع، هكذا جاء عن شيخنا ابن حميد، وهو وصف اختزل فيه حال الأمة وما أصابها من ضعف ووهن، فهل نتصدى للفكر التكفيري والإرهابي والغلو والعنف والإقصاء أم نستمر في قرن الخلاف والتناحر والكذب والزور والبهتان الذي يمارسه رويبضة العصر في كياناتهم السياسية ومجالسهم الليلية؟؟.
Page 7
الخلطة السرية لمواجهة الطائفية
لقد دار في الجلسة الخاصة التي جمعت رموز العمل السياسي بكل ألوانهم الديني والليبرالي والقومي من أمثال الشيخ علي سلمان وابراهيم شريف وجاسم مراد وغيرهم حول هاجس الطائفية التي أطلت برأسها الشاحب في الأيام الماضية من خلال الخطب التحشيدية والأشرطة المسمومة والنشرات المدسوسة والممارسات الطائشة من كلا الطائفتين، لقد حفلت تلك الأمسية(1) بالكثير من الأطروحات الجريئة والصريحة حول سهام الفتنة الموجهة إلى خاصرة الوحدة الوطنية، حتى وصفها أحدهم (أنها ورشة عمل سرية لمواجهة الطائفية)!!.
لقد أقر المجتمعون على أن أرض الوطن ساحات مشتركة للجميع، تمارس كل الطوائف فيها شعائرها دون استفزاز أو تعدٍ على حريات الآخرين، فالأصوات الطائفية التي تنعق هنا أو هناك، والتي تريد إثبات وجودها من خلال حشد الشارع على الطرف الآخر ما هي إلا محاولات بائسة في ظل وجود رجال مخلصين على قدر كبير من المسؤولية.
لا أحد ينكر بأن التمسك بمعتقد معين، أو دين معين، أو مذهب معين هو حق طبيعي ناتج عن حرية المعتقد (لا إكراه في الدين)، ولكن يبقى التعصب والغلو والتطرف هو الداء الذي يجب التصدي له، لأنه إقصاء ومحاربة ونفي لفكر الآخر ومعتقده.
لعل أجمل ما جاء في تلك الأمسية هي مداخلة الأستاذ إبراهيم الجمعان(2) حينما قال: إننا بدأنا بالوطنية، ثم هبطنا إلى المناشدة إلى الوحدة الوطنية، ثم استجدينا من أجل الوحدة الوطنية، ثم تحول خطابنا إلى الدعوة للسلم الاجتماعي، وأخوف ما نخاف أن يأتي اليوم الذي يبدأ فيه الصدام.
من هنا يجب التأكيد على أن اعتراف مريض الأحقاد والأوهام بمرضه هو نصف العلاج الذي يحتاجه، وأن رضوخه للفحوصات والتحاليل المخبرية هو السبيل لنجاته قبل أن يستفحل به المرض، ويأتي تشخيص الطبيب لداء الأحقاد الذي أصيب به فئام من الناس وهم لا يشعرون، فمن الواضح الجلي أن أمتنا قد ابتليت بالكثير من مصابي انفصام الشخصية ممن لا يزالون يعانون من المشكلات التي خلفتها سنون أمن الدولة سيئ الصيت من تشكيك وتخوين واتهام للآخرين!!.
إن الحراك السياسي الراهن بكل ما فيه من آلام ومعاناة هو ظاهرة صحية عاشتها الكثير من شعوب العالم قبلنا، فالتجاذبات بين القوى السياسية المختلفة ما هي إلا تسخين لمعرفة قوة التحمل لدى الأطراف الأخرى. خلال الفترة الماضية من عمر ميثاق العمل الوطني جاء النقد للكثير من السلوكيات البالية والخاطئة، الأمر الذي استوجب توجيه النقد لجميع الفعاليات دون استثناء لأفراد أو مؤسسات، برامج عمل وأهداف، لقاءات وندوات، اعتصامات ومسيرات، كل ذلك النقد جاء من أجل تخفيف السير وتوجيه المسيرة.
ولكن مع الأسف الشديد فإن الكثير من أصحاب المصالح الرخيصة أصيب بداء التملق والتزلف لأصحاب النفوذ والسلطان، فتجدهم يدافعون وينافحون عن ممارسات تفضح ادعاءات، وأفعال تخالف الأقوال!!. فحينما نبدأ بتوجيه النقد لصاحب المكانة العالية دينياً أو دنيوياً نجد بأن أصحاب المصالح الرخيصة قد رفعوا عقيرتهم خوفاً على أصحاب الجحور من كشف المستور!!.
ولسنا هنا في وارد من النقد البناء أو الهدام فذلك مبحث آخر تناوله الكثيرون، ولسنا هنا من أجل الحديث عن النقد الذي فيه التشفي والانتقام الذي يزيد الهوة ويبعث على الفرقة والخصومة بين الأطراف فذلك سبيل الواشين وأصحاب القلوب المريضة!!. ولكنا نتحدث عن النقد الذي يبدأ بنقد الذات، ويصوب الخطأ حتى ولو كان ذا قربى، إننا بعد مرور أربعة أعوام من عمر ميثاق العمل الوطني نؤكد من جديد بأننا في أمسّ الحاجة إلى كل نقد هادف وبناء، نقد يبني ولا يهدم، يصحح ولا يوبخ، يدفع إلى الأمام ولا ينادي بصفحات الماضي المشحون، إننا اليوم في حاجة لتأصيل أعراف صحيحة مبدأها أنه ليس هناك أحد فوق النقد!!.
في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ أمتنا نحن في حاجة إلى تقويم الذات وإعادة المراجعات، ولا يكون إلا بممارسة النقد، النقد القائم على المراجعة وليس التراجع عن المبادئ والقيم.
إن النقد الذي تحتاجه أمتنا اليوم هو النقد السياسي، النقد يستلزم من جميع القوى المجتمعية إلى أن تكون موضوعية في نقدها، صادقة في طرحها، تقول للمخطىئ أخطأت وللمحسن أحسنت، وألا تجعل القدسية والعصمة حول شخوص من أجل حجب النقد عنهم، وألا تخشى من أي نقد ولا أن تتوجس منه، ولتعلم بأن كل نقد مهما أختلف فهو في بداية أمره مستنكر بحكم أن النفوس تعشق المألوف، وتكره التجديد والتحديث، يجب الإقرار بأننا مع الاعتراف بالخطأ والقصور، وقبول النقد بصدر رحب، ينبغي للناقد أن يتقبل النقد كما يوجه هو النقد للآخرين.
في تلك الأمسية كان الحديث عن محاربة الطائفية، وفضح الممارسات الطائفية، لا من أجل أثبات الوجود لهذا الفريق أو ذاك، كلاّ، ولكن لأن الوطن لا يتسع لممارسات الطائفيين، فهل تعي جماهير شعبنا أطماع المستعمر وخطر الطائفية والطائفيين؟، أم تلتزم الصمت حتى يخرج عليها من ينعق بدعوات الفرقة والاختلاف؟!، وللإجابة عن تلك التساؤلات يجب أولاً إيجاد أصناف من البشر يجيدون توجيه النقد ويبدؤن بنقد الذات!!.
لقد دار في الجلسة الخاصة التي جمعت رموز العمل السياسي بكل ألوانهم الديني والليبرالي والقومي من أمثال الشيخ علي سلمان وابراهيم شريف وجاسم مراد وغيرهم حول هاجس الطائفية التي أطلت برأسها الشاحب في الأيام الماضية من خلال الخطب التحشيدية والأشرطة المسمومة والنشرات المدسوسة والممارسات الطائشة من كلا الطائفتين، لقد حفلت تلك الأمسية(1) بالكثير من الأطروحات الجريئة والصريحة حول سهام الفتنة الموجهة إلى خاصرة الوحدة الوطنية، حتى وصفها أحدهم (أنها ورشة عمل سرية لمواجهة الطائفية)!!.
لقد أقر المجتمعون على أن أرض الوطن ساحات مشتركة للجميع، تمارس كل الطوائف فيها شعائرها دون استفزاز أو تعدٍ على حريات الآخرين، فالأصوات الطائفية التي تنعق هنا أو هناك، والتي تريد إثبات وجودها من خلال حشد الشارع على الطرف الآخر ما هي إلا محاولات بائسة في ظل وجود رجال مخلصين على قدر كبير من المسؤولية.
لا أحد ينكر بأن التمسك بمعتقد معين، أو دين معين، أو مذهب معين هو حق طبيعي ناتج عن حرية المعتقد (لا إكراه في الدين)، ولكن يبقى التعصب والغلو والتطرف هو الداء الذي يجب التصدي له، لأنه إقصاء ومحاربة ونفي لفكر الآخر ومعتقده.
لعل أجمل ما جاء في تلك الأمسية هي مداخلة الأستاذ إبراهيم الجمعان(2) حينما قال: إننا بدأنا بالوطنية، ثم هبطنا إلى المناشدة إلى الوحدة الوطنية، ثم استجدينا من أجل الوحدة الوطنية، ثم تحول خطابنا إلى الدعوة للسلم الاجتماعي، وأخوف ما نخاف أن يأتي اليوم الذي يبدأ فيه الصدام.
من هنا يجب التأكيد على أن اعتراف مريض الأحقاد والأوهام بمرضه هو نصف العلاج الذي يحتاجه، وأن رضوخه للفحوصات والتحاليل المخبرية هو السبيل لنجاته قبل أن يستفحل به المرض، ويأتي تشخيص الطبيب لداء الأحقاد الذي أصيب به فئام من الناس وهم لا يشعرون، فمن الواضح الجلي أن أمتنا قد ابتليت بالكثير من مصابي انفصام الشخصية ممن لا يزالون يعانون من المشكلات التي خلفتها سنون أمن الدولة سيئ الصيت من تشكيك وتخوين واتهام للآخرين!!.
إن الحراك السياسي الراهن بكل ما فيه من آلام ومعاناة هو ظاهرة صحية عاشتها الكثير من شعوب العالم قبلنا، فالتجاذبات بين القوى السياسية المختلفة ما هي إلا تسخين لمعرفة قوة التحمل لدى الأطراف الأخرى. خلال الفترة الماضية من عمر ميثاق العمل الوطني جاء النقد للكثير من السلوكيات البالية والخاطئة، الأمر الذي استوجب توجيه النقد لجميع الفعاليات دون استثناء لأفراد أو مؤسسات، برامج عمل وأهداف، لقاءات وندوات، اعتصامات ومسيرات، كل ذلك النقد جاء من أجل تخفيف السير وتوجيه المسيرة.
ولكن مع الأسف الشديد فإن الكثير من أصحاب المصالح الرخيصة أصيب بداء التملق والتزلف لأصحاب النفوذ والسلطان، فتجدهم يدافعون وينافحون عن ممارسات تفضح ادعاءات، وأفعال تخالف الأقوال!!. فحينما نبدأ بتوجيه النقد لصاحب المكانة العالية دينياً أو دنيوياً نجد بأن أصحاب المصالح الرخيصة قد رفعوا عقيرتهم خوفاً على أصحاب الجحور من كشف المستور!!.
ولسنا هنا في وارد من النقد البناء أو الهدام فذلك مبحث آخر تناوله الكثيرون، ولسنا هنا من أجل الحديث عن النقد الذي فيه التشفي والانتقام الذي يزيد الهوة ويبعث على الفرقة والخصومة بين الأطراف فذلك سبيل الواشين وأصحاب القلوب المريضة!!. ولكنا نتحدث عن النقد الذي يبدأ بنقد الذات، ويصوب الخطأ حتى ولو كان ذا قربى، إننا بعد مرور أربعة أعوام من عمر ميثاق العمل الوطني نؤكد من جديد بأننا في أمسّ الحاجة إلى كل نقد هادف وبناء، نقد يبني ولا يهدم، يصحح ولا يوبخ، يدفع إلى الأمام ولا ينادي بصفحات الماضي المشحون، إننا اليوم في حاجة لتأصيل أعراف صحيحة مبدأها أنه ليس هناك أحد فوق النقد!!.
في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ أمتنا نحن في حاجة إلى تقويم الذات وإعادة المراجعات، ولا يكون إلا بممارسة النقد، النقد القائم على المراجعة وليس التراجع عن المبادئ والقيم.
إن النقد الذي تحتاجه أمتنا اليوم هو النقد السياسي، النقد يستلزم من جميع القوى المجتمعية إلى أن تكون موضوعية في نقدها، صادقة في طرحها، تقول للمخطىئ أخطأت وللمحسن أحسنت، وألا تجعل القدسية والعصمة حول شخوص من أجل حجب النقد عنهم، وألا تخشى من أي نقد ولا أن تتوجس منه، ولتعلم بأن كل نقد مهما أختلف فهو في بداية أمره مستنكر بحكم أن النفوس تعشق المألوف، وتكره التجديد والتحديث، يجب الإقرار بأننا مع الاعتراف بالخطأ والقصور، وقبول النقد بصدر رحب، ينبغي للناقد أن يتقبل النقد كما يوجه هو النقد للآخرين.
في تلك الأمسية كان الحديث عن محاربة الطائفية، وفضح الممارسات الطائفية، لا من أجل أثبات الوجود لهذا الفريق أو ذاك، كلاّ، ولكن لأن الوطن لا يتسع لممارسات الطائفيين، فهل تعي جماهير شعبنا أطماع المستعمر وخطر الطائفية والطائفيين؟، أم تلتزم الصمت حتى يخرج عليها من ينعق بدعوات الفرقة والاختلاف؟!، وللإجابة عن تلك التساؤلات يجب أولاً إيجاد أصناف من البشر يجيدون توجيه النقد ويبدؤن بنقد الذات!!.
Page 8
أُمراء الطوائف لا تبكوا على اللبن المسكوب
في أمسية آفاق التلاقي الوطني الذي نظمته جمعية الوفاق بالتنسيق مع جمعية العمل الديمقراطي (وعد) هذه الندوة التي شارك فيها آخرون كممثلين لجمعيات سياسية ذات طابع ديني وليبرالي، حتى اعتبرت أمسية التلاقي من نوادر الأمسيات بين زعماء العمل السياسي وأمراء الطوائف في البحرين(3).
فبعد الزيارة التاريخية التي قام بها الشيخ عبد الأمير الجمري قبل خمسة أعوام لجمعية الإصلاح وما تلاها من زيارات توقف البرنامج، وانقطع التواصل، وظهرت الفجوة، وكثر المشككون من فائدة التلاقي، حتى استفحل الأمر وبرز رويبضة الطائفية بدعواتهم الممجوجة، ليتحركوا كيفما شاؤوا، دون حسيب أو رقيب، اندسوا في تكوينات المجتمع، برلمان وحركة وجمعية وصندوق خيري وناد!!، ليتصيدوا في الماء العكر، بنشر سمومهم الطائفية عند السنّة تارة، وعند الشيعة تارة أخرى، فقاموا بتقسيم المجتمع إلى طوائف ومذاهب ومناطق، والطائفة الواحدة إلى مشارب وجماعات.
لقد تحرك أمراء الطوائف حينما رأوا الطائفيين يجهرون بأفكارهم المريضة، ودعواتهم المسمومة، فتم تنظيم ذلك الملتقى بين أبرز فرقاء العمل السياسي والديني، الذين وضعهم التاريخ في هذا المحك الصعب، فإما أن تترحم عليهم الجماهير وإما أن تلعنهم إلى يوم الدين!، ولعل أبرز ما يمكن تسجيله في تلك الأمسية هو:
حالات المجاملة والخجل السياسي بين المنتديين وعدم ملامسة صميم القضية ولب المشكلة، ولعل السبب في ذلك راجع إلى حالة التخوف من فلتات اللسان التي قد يترجمها الطائفيون ضدهم، وربما بسبب قلة اللقاءات بينهم.
• ضعف الحضور والذي لم يتجاوز العشرات، فأمسية تتناول المساواة والتعايش السلمي واحترام الآخر يكون الحضور فيها كحضور مباراة في دوري الناشئين!!، فإذا ما تمت المقارنة بينها وبين ندوات الاصطفاف الطائفي – وما أكثرها هذه الأيام- فإن هناك فارقاً كبيراً في أعداد المشاركين، فكم من مسيرة ومظاهرة وإعلان عن قيام جمعية أو حركة يتجمع من حولها الآلاف!!.
• من أبرز الاستنتاجات في تلك الأمسية أن خيوط اللعبة السياسية لم تعد بأيدي المنتدين، أو هكذا أحس المجتمعون، فقد تحولت بعض الرموز السياسية مجرد ديكورات تتنقل من مكان لآخر من أجل استرضاء الشارع، فلا تأثير لها في نسيجها السياسي، والسبب أن هناك من يخالفها في التوجه ويمارس معها أسلوب التطهير المباشر.
في ظل مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أعلنت عنه الولايات المتحدة إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تبعه من مؤتمرات ولقاءات، فإن المسؤولية اليوم تقع على جميع الفعاليات دون استثناء من أجل تفويت الفرصة على المخطط الأميركي، لذا يجب قراءة المشهد السياسي قراءة متأنية، واستخلاص الدروس والعبر مما يحدث في المحيط الإقليمي وخاصة في العراق، ومن ثم وضع العلاجات الناجعة لوأد تلك النعرات التي بدأت تطل على ساحات الوطن.
لعل أكبر نموذج للمشروع الأميركي في المنطقة هو الحالة العراقية، والذي يكرس الطائفية بين السنّة والشيعة، فيتم عبر الفضائيات المخصصة لبرمجة العقول العربية تدويل النموذج العراقي كاصطفاف طائفي، وتقسيم الأوطان إلى سنّة وشيعة، ولعل المتمعن في الساحة العراقية اليوم يستخلص السبب الرئيسي للاعتداء الآثم على مرقد العسكرين ومن ثم الاعتداء على مساجد المسلمين وقتل الأئمة ورجال الدين، لم يكن ذلك الاعتداء إلا من أجل زرع الفتن بين السنّة والشيعة وهذا ما يسعى إليه المحتل حينما يمارس سياسة (فرق تسد)، من هنا جاءت الحاجة لتنظيم هذا الملتقى والذي يعتبر بداية للخروج من نفق الطائفية المظلم، ودراسة الظاهرة بكل أبعادها.
لقد شهدت ساحات الوطن في الفترة الأخيرة الكثير من الممارسات الطائفية التي لم يعهدها أبناء البحرين، من يافطات وكتب وأشرطة ومسجات وكتابات على الجدران والبيوت ودور العبادة، وتم التصدي لبعضها من خلال بعض المحاضرات الارتجالية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، حتى تصاعدت الوتيرة وانتقلت إلى حقول التعليم، ومراكز الشباب، فها هي عدوى الطائفية تتنقل بكل سهولة ويسر في فصول الدراسة، الأمر الذي سيصيب الجميع بالصدمة حينما يعلم بأن أحد الطلبة قد وجه سؤالاً لمعلمه: هل أنت سني أم شيعي؟، هكذا سيتم قريباً الفرز والاصطفاف الطائفي عند الصغار، فمن المسؤول عن مثل هذه الثقافة؟، ومن المستفيد من برمجة عقول الناشئة طائفياً؟، فهل مناهج وزارة التربية والتعليم فيها ما يعزز ذلك فتتم مراجعتها؟، أم هم فرسان المنابر وأصحاب الأقلام حتى يتم إيقافهم ومحاسبتهم؟، أم هي من تأثيرات الأسرة والمجتمع فيتم تصحيحها؟.
لا شك بأن ما يتناقله الصغار في المدرسة هو من أحد المصادر التي يتلقى منها، إذا ليس من المنطق ولا من العقل أن يتم توجيه سؤال حائر دون أن يكون هناك مصدر أو مصادر؟!، فالمدرسة والمنزل ودور العبادة ومراكز الشباب جميعها أماكن يمكن أن تكون ذات تأثيرات مباشرة للفرز والتصنيف الطائفي!!.
ولكن أشد تلك النزعات هي التي تصدر من أمراء الطوائف، والذين يحلو لهم أحياناً ممارسة هواية ترضية الخواطر واللعب على الحبل، فكم من دعوة للوحدة قابلتها دعوات للاستنهاض الطائفي؟، وكم من برنامج يطالب بحق المواطن في مقابل المطالب الكثيرة باسم الطائفة؟.
إن الدول التي تسعى لتعزيز مفهوم الوحدة الوطنية يجب عليها أن تبتعد عن ثقافة التشكيك والتخوين، وأن تحترم كل طائفة ذاتها حينما تحترم الطائفة الأخرى بما يكفل للجميع العيش بسلام، ولكن إذا غاب الحوار الوطني وساد الشارع ثقافة الرأي الواحد، والمصدر الواحد، والفكر الواحد حينها يظهر الصراع بين الطوائف ومليشيات الشوارع!!.
من خلال الاتصالات التي تلقيتها في الأيام الماضية اتضح جلياً بأن هناك الكثير من أبناء هذا الوطن يرفضون الممارسات الأحادية الجانب والتي تلقي العقول وتحجر على الأفهام، لا شك أننا جميعاً مع دعوات التعايش السلمي والوحدة الوطنية، ولكن الأجمل هو حينما نتبعها بممارسات حقيقية على أرض الوطن حتى لا تدع لأدعياء الطائفية من (شمة هواء)، فكم من مقال أو عمود قد ألهب ضمائر وهيج قلوباً؟، وكم من نشرة وكتابات على جدران البيوت قد أشعلت أوطاناً وأحرقت مجتمعات؟.
لقد جاءت أمسية آفاق التلاقي الوطني لتؤكد على الأطروحات التي كنا ننادي بها منذ بداية المرحلة الإصلاحية التي دشنها جلالة الملك حينما وضع ميثاق العمل الوطني عام2001م، هذه الأطروحات التي قوبلت في تلك الفترة بشيء من السخرية والاستهزاء من جانب، وبوسائل الإقصاء والإبعاد من جانب آخر!، نعم لا زلنا نعتقد بخلو المجتمع من داء الطائفية، ولا زلنا نراهن على استطاعة أبناء هذا الوطن الغيورين(شيعة وسنّة) بأن يتجاوزوا هذه المرحلة الحرجة من تاريخ أمتنا، ولكن يجب أن لا نغفل عن أمر خطير وهو أن هناك محاولات كبيرة لتغيب الشارع عن آثار الحروب الطائفية التي مرت بها بلدان مثل لبنان، فكم بكينا ونحن نرى القتل في نشرات الأخبار؟، وكم تألمنا ونحن نرى الدمار على صفحات الجرائد؟، فهل يعي من بيده كبريت الطائفية بأنها سوف تبدأ بثوبه قبل أن يلقى إلى النار وبئس المصير؟؟.
في أمسية آفاق التلاقي الوطني الذي نظمته جمعية الوفاق بالتنسيق مع جمعية العمل الديمقراطي (وعد) هذه الندوة التي شارك فيها آخرون كممثلين لجمعيات سياسية ذات طابع ديني وليبرالي، حتى اعتبرت أمسية التلاقي من نوادر الأمسيات بين زعماء العمل السياسي وأمراء الطوائف في البحرين(3).
فبعد الزيارة التاريخية التي قام بها الشيخ عبد الأمير الجمري قبل خمسة أعوام لجمعية الإصلاح وما تلاها من زيارات توقف البرنامج، وانقطع التواصل، وظهرت الفجوة، وكثر المشككون من فائدة التلاقي، حتى استفحل الأمر وبرز رويبضة الطائفية بدعواتهم الممجوجة، ليتحركوا كيفما شاؤوا، دون حسيب أو رقيب، اندسوا في تكوينات المجتمع، برلمان وحركة وجمعية وصندوق خيري وناد!!، ليتصيدوا في الماء العكر، بنشر سمومهم الطائفية عند السنّة تارة، وعند الشيعة تارة أخرى، فقاموا بتقسيم المجتمع إلى طوائف ومذاهب ومناطق، والطائفة الواحدة إلى مشارب وجماعات.
لقد تحرك أمراء الطوائف حينما رأوا الطائفيين يجهرون بأفكارهم المريضة، ودعواتهم المسمومة، فتم تنظيم ذلك الملتقى بين أبرز فرقاء العمل السياسي والديني، الذين وضعهم التاريخ في هذا المحك الصعب، فإما أن تترحم عليهم الجماهير وإما أن تلعنهم إلى يوم الدين!، ولعل أبرز ما يمكن تسجيله في تلك الأمسية هو:
حالات المجاملة والخجل السياسي بين المنتديين وعدم ملامسة صميم القضية ولب المشكلة، ولعل السبب في ذلك راجع إلى حالة التخوف من فلتات اللسان التي قد يترجمها الطائفيون ضدهم، وربما بسبب قلة اللقاءات بينهم.
• ضعف الحضور والذي لم يتجاوز العشرات، فأمسية تتناول المساواة والتعايش السلمي واحترام الآخر يكون الحضور فيها كحضور مباراة في دوري الناشئين!!، فإذا ما تمت المقارنة بينها وبين ندوات الاصطفاف الطائفي – وما أكثرها هذه الأيام- فإن هناك فارقاً كبيراً في أعداد المشاركين، فكم من مسيرة ومظاهرة وإعلان عن قيام جمعية أو حركة يتجمع من حولها الآلاف!!.
• من أبرز الاستنتاجات في تلك الأمسية أن خيوط اللعبة السياسية لم تعد بأيدي المنتدين، أو هكذا أحس المجتمعون، فقد تحولت بعض الرموز السياسية مجرد ديكورات تتنقل من مكان لآخر من أجل استرضاء الشارع، فلا تأثير لها في نسيجها السياسي، والسبب أن هناك من يخالفها في التوجه ويمارس معها أسلوب التطهير المباشر.
في ظل مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أعلنت عنه الولايات المتحدة إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تبعه من مؤتمرات ولقاءات، فإن المسؤولية اليوم تقع على جميع الفعاليات دون استثناء من أجل تفويت الفرصة على المخطط الأميركي، لذا يجب قراءة المشهد السياسي قراءة متأنية، واستخلاص الدروس والعبر مما يحدث في المحيط الإقليمي وخاصة في العراق، ومن ثم وضع العلاجات الناجعة لوأد تلك النعرات التي بدأت تطل على ساحات الوطن.
لعل أكبر نموذج للمشروع الأميركي في المنطقة هو الحالة العراقية، والذي يكرس الطائفية بين السنّة والشيعة، فيتم عبر الفضائيات المخصصة لبرمجة العقول العربية تدويل النموذج العراقي كاصطفاف طائفي، وتقسيم الأوطان إلى سنّة وشيعة، ولعل المتمعن في الساحة العراقية اليوم يستخلص السبب الرئيسي للاعتداء الآثم على مرقد العسكرين ومن ثم الاعتداء على مساجد المسلمين وقتل الأئمة ورجال الدين، لم يكن ذلك الاعتداء إلا من أجل زرع الفتن بين السنّة والشيعة وهذا ما يسعى إليه المحتل حينما يمارس سياسة (فرق تسد)، من هنا جاءت الحاجة لتنظيم هذا الملتقى والذي يعتبر بداية للخروج من نفق الطائفية المظلم، ودراسة الظاهرة بكل أبعادها.
لقد شهدت ساحات الوطن في الفترة الأخيرة الكثير من الممارسات الطائفية التي لم يعهدها أبناء البحرين، من يافطات وكتب وأشرطة ومسجات وكتابات على الجدران والبيوت ودور العبادة، وتم التصدي لبعضها من خلال بعض المحاضرات الارتجالية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، حتى تصاعدت الوتيرة وانتقلت إلى حقول التعليم، ومراكز الشباب، فها هي عدوى الطائفية تتنقل بكل سهولة ويسر في فصول الدراسة، الأمر الذي سيصيب الجميع بالصدمة حينما يعلم بأن أحد الطلبة قد وجه سؤالاً لمعلمه: هل أنت سني أم شيعي؟، هكذا سيتم قريباً الفرز والاصطفاف الطائفي عند الصغار، فمن المسؤول عن مثل هذه الثقافة؟، ومن المستفيد من برمجة عقول الناشئة طائفياً؟، فهل مناهج وزارة التربية والتعليم فيها ما يعزز ذلك فتتم مراجعتها؟، أم هم فرسان المنابر وأصحاب الأقلام حتى يتم إيقافهم ومحاسبتهم؟، أم هي من تأثيرات الأسرة والمجتمع فيتم تصحيحها؟.
لا شك بأن ما يتناقله الصغار في المدرسة هو من أحد المصادر التي يتلقى منها، إذا ليس من المنطق ولا من العقل أن يتم توجيه سؤال حائر دون أن يكون هناك مصدر أو مصادر؟!، فالمدرسة والمنزل ودور العبادة ومراكز الشباب جميعها أماكن يمكن أن تكون ذات تأثيرات مباشرة للفرز والتصنيف الطائفي!!.
ولكن أشد تلك النزعات هي التي تصدر من أمراء الطوائف، والذين يحلو لهم أحياناً ممارسة هواية ترضية الخواطر واللعب على الحبل، فكم من دعوة للوحدة قابلتها دعوات للاستنهاض الطائفي؟، وكم من برنامج يطالب بحق المواطن في مقابل المطالب الكثيرة باسم الطائفة؟.
إن الدول التي تسعى لتعزيز مفهوم الوحدة الوطنية يجب عليها أن تبتعد عن ثقافة التشكيك والتخوين، وأن تحترم كل طائفة ذاتها حينما تحترم الطائفة الأخرى بما يكفل للجميع العيش بسلام، ولكن إذا غاب الحوار الوطني وساد الشارع ثقافة الرأي الواحد، والمصدر الواحد، والفكر الواحد حينها يظهر الصراع بين الطوائف ومليشيات الشوارع!!.
من خلال الاتصالات التي تلقيتها في الأيام الماضية اتضح جلياً بأن هناك الكثير من أبناء هذا الوطن يرفضون الممارسات الأحادية الجانب والتي تلقي العقول وتحجر على الأفهام، لا شك أننا جميعاً مع دعوات التعايش السلمي والوحدة الوطنية، ولكن الأجمل هو حينما نتبعها بممارسات حقيقية على أرض الوطن حتى لا تدع لأدعياء الطائفية من (شمة هواء)، فكم من مقال أو عمود قد ألهب ضمائر وهيج قلوباً؟، وكم من نشرة وكتابات على جدران البيوت قد أشعلت أوطاناً وأحرقت مجتمعات؟.
لقد جاءت أمسية آفاق التلاقي الوطني لتؤكد على الأطروحات التي كنا ننادي بها منذ بداية المرحلة الإصلاحية التي دشنها جلالة الملك حينما وضع ميثاق العمل الوطني عام2001م، هذه الأطروحات التي قوبلت في تلك الفترة بشيء من السخرية والاستهزاء من جانب، وبوسائل الإقصاء والإبعاد من جانب آخر!، نعم لا زلنا نعتقد بخلو المجتمع من داء الطائفية، ولا زلنا نراهن على استطاعة أبناء هذا الوطن الغيورين(شيعة وسنّة) بأن يتجاوزوا هذه المرحلة الحرجة من تاريخ أمتنا، ولكن يجب أن لا نغفل عن أمر خطير وهو أن هناك محاولات كبيرة لتغيب الشارع عن آثار الحروب الطائفية التي مرت بها بلدان مثل لبنان، فكم بكينا ونحن نرى القتل في نشرات الأخبار؟، وكم تألمنا ونحن نرى الدمار على صفحات الجرائد؟، فهل يعي من بيده كبريت الطائفية بأنها سوف تبدأ بثوبه قبل أن يلقى إلى النار وبئس المصير؟؟.
Page 9
فلنبنِ ألف جسر للأئمة
الوصايا المزيفة، الإعلانات المشبوهة، الكيانات الطائفية، والاستنهاض الشعوبي، جميعها وجوه تنكرية للحفلة الكبرى المرتقبة للرقص على أنغام الطائفية والآحادية والانزوائية التي ستقيمها الأيدي الملوثة في ساحات الوطن!!.
في نشوة الانفتاح السياسي ودعوات الإصلاح الدستوري أغفلت فعاليات المجتمع الديني والليبرالي والديمقراطي وحتى النسوي عن نشر الوعي الوطني بين الناس وتحصينهم من ملوثات القرن الجديد الذي تنعكس أوضاعه المأسوية على الساحة المحلية، فما يجري في العراق من تفجيرات وما يحدث في باكستان من تصفيات، وما يجتر في القنوات الفضائية من صفحات دموية كلها تلقي بظلالها على الساحة الداخلية ولو بشيء من الكراهية ونبذ الآخر، ومن أبرز تلك الملوثات سموم الطائفية التي تصنف الفرد وتفرزه بحسب اسمه أو مكان سكنه أو كيفية صلاته ودعائه!!.
والطائفية وتقسيم الأوطان يعشقهما كل صاحب نفوذ بين طائفته، وذلك للاحتفاظ بمكانته الدينية، فيسعى للمحافظة على تلك المكانة بدعوات (ليخرجن الأعز منها الأذل) وشعارات الفرقة الناجية، والنفس البشرية بطبيعتها تميل إلى ما اعتادت عليه وتربت بين أحضانه، لذا فإن الطائفية ليست لدين دون غيره، ولا لبشر دون سواهم، ولكنها حالة مرضية تفرض سطوتها على المجتمع كلما وجدت الأرضية المناسبة والأشخاص الذين يقتاتون من خلالها ويتعيشون!!.
لذا فإن الوطن العربي من المحيط إلى الخليج وما فيه من خيرات (بترول ومياه) هو مدعاة لتكالب الأعداء عليه وتمزيقه، وأكبر صور المؤامرة هي الدعوة القادمة على الدبابة الأميركية والتي أطلقها رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في العراق عبدالعزيز الحكيم بتقسيم العراق وتجزئته.
إن الجرائم التي يتعرض لها الشعب العراقي منذ سقوط نظام صدام لا تساوي شيئاً في مقابل جريمة تقسيم العراق وجعله نموذجاً لكل شعوب المنطقة، لقد جاء رفض الشارع العراقي بشقيه الشيعي والسني لأوهام الحكيم وهذا ما أكده علماء السنّة والشيعة في العراق.
لقد جاءت مأساة جسر الأئمة المؤدي إلى ضريح الإمام أبي حنيفة النعمان والإمام موسى الكاظم لتؤكد بأن الشعب العراقي أكبر من تلك الدسائس والمؤامرات والجرائم وذلك حينما وقف صفاً واحداً لاستنكار ورفض تلك الأفعال، لقد أثبت الشعب العراقي بكل طوائفه بأنه ينتمي إلى أمة واحدة: ﮋ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﮊ الأنبياء [92]، لقد انهار جسر الأئمة بالمئات من شيعة العراق، نساءً وشيوخاً وأطفالا، سقطوا في نهر دجلة، فتحرك أبناء الأعظمية -ذات الغالبية السنية- لإنقاذ إخوانهم الزائرين ممن سقط في النهر، ومن بين الذين شاركوا في عملية الإنقاذ الشاب عثمان علي، الذي أنقذ بمفرده ثمانية أشخاص من الغرق، ولكن النهر ابتلعه بعد أن خارت قواه وهو يحاول أن ينقذ امرأة.
فكم في الفلوجة والنجف والكوفة والأعظمية من أمثال الشهيد الغريق عثمان علي الذي أفدى بروحه لإنقاذ تلك النفوس البريئة دون أن تؤثر فيه تلك السموم الطائفية التي يسعى لبثها البعض، ولم تفت من عزيمته صراخات الطائفيين ولا دعوات الفدراليين!. إن حادثة جسر الأئمة لتذكرنا بالموقف البطولي الذي قام به أبناء قريتي الدير وسماهيج من محاولة لإنقاذ ضحايا الطائرة المنكوبة التي سقطت قبالة سواحلهم قبل أعوام(4)، فلم ينظر أولئك المتطوعون إلى هوية الضحايا ولا لانتماءاتهم ولكنه الحس الوطني الذي تربى عليه الفرد وظهر في سلوكه.
لم يتأثر شعب العراق من ممارسات القوى الخارجية التي جاءت لتحتل الأرض وتستعمر الشعب وذلك لسبب بسيط أن الشعب العراقي لديه من المناعة الشيء الكثير، فكم من محاولات التقسيم والتفرقة التي تعرض لها الشعب العراقي عبر تاريخه الطويل سواءً من الدولة الصفوية أو العثمانية أو حركة القرامطة، فها هو الشعب العراقي يفوت على المحتل الجديد الفرصة كما فوتها على أولئك الغزاة، من هنا نجد أن جسر الأئمة قد أثبت بأن الإمامين الجليلين (أبي حنيفة والكاظم) هما عنوانا الوحدة والاجتماع بين طوائف الشعب العراقي.
إن تحرك أبناء الفلوجة والأعظمية ذات الغالبية السنية إلى نصرت إخوانهم الشيعة قد كانت بالمثل حينما تعرض أبناء الفلوجة للحصار فجاءت النصرة من الكوفة والنجف، هذه هي الحالة العراقية التي تستعصي على كل متآمر وتقهر كل عميل، فما بالنا لا نأخذ دروس الإئتلاف والاجتماع والتضحية فنبني بيننا ألف جسر للأئمة؟!.
الوصايا المزيفة، الإعلانات المشبوهة، الكيانات الطائفية، والاستنهاض الشعوبي، جميعها وجوه تنكرية للحفلة الكبرى المرتقبة للرقص على أنغام الطائفية والآحادية والانزوائية التي ستقيمها الأيدي الملوثة في ساحات الوطن!!.
في نشوة الانفتاح السياسي ودعوات الإصلاح الدستوري أغفلت فعاليات المجتمع الديني والليبرالي والديمقراطي وحتى النسوي عن نشر الوعي الوطني بين الناس وتحصينهم من ملوثات القرن الجديد الذي تنعكس أوضاعه المأسوية على الساحة المحلية، فما يجري في العراق من تفجيرات وما يحدث في باكستان من تصفيات، وما يجتر في القنوات الفضائية من صفحات دموية كلها تلقي بظلالها على الساحة الداخلية ولو بشيء من الكراهية ونبذ الآخر، ومن أبرز تلك الملوثات سموم الطائفية التي تصنف الفرد وتفرزه بحسب اسمه أو مكان سكنه أو كيفية صلاته ودعائه!!.
والطائفية وتقسيم الأوطان يعشقهما كل صاحب نفوذ بين طائفته، وذلك للاحتفاظ بمكانته الدينية، فيسعى للمحافظة على تلك المكانة بدعوات (ليخرجن الأعز منها الأذل) وشعارات الفرقة الناجية، والنفس البشرية بطبيعتها تميل إلى ما اعتادت عليه وتربت بين أحضانه، لذا فإن الطائفية ليست لدين دون غيره، ولا لبشر دون سواهم، ولكنها حالة مرضية تفرض سطوتها على المجتمع كلما وجدت الأرضية المناسبة والأشخاص الذين يقتاتون من خلالها ويتعيشون!!.
لذا فإن الوطن العربي من المحيط إلى الخليج وما فيه من خيرات (بترول ومياه) هو مدعاة لتكالب الأعداء عليه وتمزيقه، وأكبر صور المؤامرة هي الدعوة القادمة على الدبابة الأميركية والتي أطلقها رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في العراق عبدالعزيز الحكيم بتقسيم العراق وتجزئته.
إن الجرائم التي يتعرض لها الشعب العراقي منذ سقوط نظام صدام لا تساوي شيئاً في مقابل جريمة تقسيم العراق وجعله نموذجاً لكل شعوب المنطقة، لقد جاء رفض الشارع العراقي بشقيه الشيعي والسني لأوهام الحكيم وهذا ما أكده علماء السنّة والشيعة في العراق.
لقد جاءت مأساة جسر الأئمة المؤدي إلى ضريح الإمام أبي حنيفة النعمان والإمام موسى الكاظم لتؤكد بأن الشعب العراقي أكبر من تلك الدسائس والمؤامرات والجرائم وذلك حينما وقف صفاً واحداً لاستنكار ورفض تلك الأفعال، لقد أثبت الشعب العراقي بكل طوائفه بأنه ينتمي إلى أمة واحدة: ﮋ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﮊ الأنبياء [92]، لقد انهار جسر الأئمة بالمئات من شيعة العراق، نساءً وشيوخاً وأطفالا، سقطوا في نهر دجلة، فتحرك أبناء الأعظمية -ذات الغالبية السنية- لإنقاذ إخوانهم الزائرين ممن سقط في النهر، ومن بين الذين شاركوا في عملية الإنقاذ الشاب عثمان علي، الذي أنقذ بمفرده ثمانية أشخاص من الغرق، ولكن النهر ابتلعه بعد أن خارت قواه وهو يحاول أن ينقذ امرأة.
فكم في الفلوجة والنجف والكوفة والأعظمية من أمثال الشهيد الغريق عثمان علي الذي أفدى بروحه لإنقاذ تلك النفوس البريئة دون أن تؤثر فيه تلك السموم الطائفية التي يسعى لبثها البعض، ولم تفت من عزيمته صراخات الطائفيين ولا دعوات الفدراليين!. إن حادثة جسر الأئمة لتذكرنا بالموقف البطولي الذي قام به أبناء قريتي الدير وسماهيج من محاولة لإنقاذ ضحايا الطائرة المنكوبة التي سقطت قبالة سواحلهم قبل أعوام(4)، فلم ينظر أولئك المتطوعون إلى هوية الضحايا ولا لانتماءاتهم ولكنه الحس الوطني الذي تربى عليه الفرد وظهر في سلوكه.
لم يتأثر شعب العراق من ممارسات القوى الخارجية التي جاءت لتحتل الأرض وتستعمر الشعب وذلك لسبب بسيط أن الشعب العراقي لديه من المناعة الشيء الكثير، فكم من محاولات التقسيم والتفرقة التي تعرض لها الشعب العراقي عبر تاريخه الطويل سواءً من الدولة الصفوية أو العثمانية أو حركة القرامطة، فها هو الشعب العراقي يفوت على المحتل الجديد الفرصة كما فوتها على أولئك الغزاة، من هنا نجد أن جسر الأئمة قد أثبت بأن الإمامين الجليلين (أبي حنيفة والكاظم) هما عنوانا الوحدة والاجتماع بين طوائف الشعب العراقي.
إن تحرك أبناء الفلوجة والأعظمية ذات الغالبية السنية إلى نصرت إخوانهم الشيعة قد كانت بالمثل حينما تعرض أبناء الفلوجة للحصار فجاءت النصرة من الكوفة والنجف، هذه هي الحالة العراقية التي تستعصي على كل متآمر وتقهر كل عميل، فما بالنا لا نأخذ دروس الإئتلاف والاجتماع والتضحية فنبني بيننا ألف جسر للأئمة؟!.
Page 10
معلومة التكفير وفكرة التفجير
ما زالت أصداء المحاضرة التي ألقاها الشيخ عدنان عرعور في الأسبوع الماضي تحدث ردود أفعال متباينة لدى الأوساط الشعبية وخاصة الشباب منهم، وسبب تلك الأصداء هي حالة الذهول التي أصابت الحضور بسبب وفرة المعلومات وتنوعها والتي سردها المحاضر في تلك الأمسية، وأهم ما استعرضه ظاهرة (التكفير)، وبين أن من أكبر أسباب انجراف الشباب وراء ظاهرة (التكفير) هو بعد العلماء والمشايخ عنهم، وكذلك بسبب حالة الكبت والاضطهاد التي تمارس ضدهم في عصر يدعي أنه عصر الديمقراطية والحرية والشفافية!!، لقد أجاد المحاضر في الربط بين التكفير كحالة مرضية تصيب فكر الإنسان وبين التفجير كنتيجة حتمية لتلك الحالة المرضية، فـ (التكفير والتفجير) حالتان فيهما الإفساد، فالأول إفساد للعقل والثاني أفساد وتخريب للمجتمع.
لقد أقيمت المحاضرة على أرض هذا الوطن في فترة الديمقراطية والحرية والشفافية وإبداء الرأي والرأي الآخر، فامتلأت الصالات بتلك الجموع الغفيرة المتعطشة لمثل هذه المحاضرات وبسبب نوعيه المحاضرة عن أم القضايا ومشكلة المشاكل (الإرهاب)، القضية التي لا يزال العالم يعاني من ويلاتها ونار لهيبها، فبسبب الإرهاب تم ضرب أفغانستان والعراق، وبسبب الإرهاب تم ادراج إيران وكوريا الشمالية ودول أخرى في محور الشر، وبسبب الإرهاب لا تزال القائمة الأميركية تبحث عن شاة جديدة تسرح بها بعيداً عن القطيع حتى توجه إليها نفس التهمة!، ومع علمنا الأكيد بأن (الإرهاب) إنما هو فكرة يهودية أميركية، إلا أنها تنفذ بأيدي (إرهابية)، إلا أن من واجب العلماء والدعاة والمفكرين وأصحاب الأقلام السعي الجاد لوضع الحلول الناجعة لهذه المشكلة والداء الخطير الذي بدأ يدب في شريان الأمة طوعاً وكرهاً.
لقد أجاد الداعية عرعور حينما شخص الداء ووضع الدواء، لقد وضع (الإرهاب) في دائرة التكفير، هذا المرض ليس بالجديد، فحينما يتحول التكفير إلى تفجير هنا تكون المعضلة والمشكلة المستعصية، الذي يأتي من ورائها كل دمار وخراب!، فهذا يفجر نادياً وآخر يفجر طائرة وآخر يفجر مفكراً وآخر يفجر أسرة، وآخر إن لم يجد فقد يفجر عقله!!.
وإن كانت أجهزة الإعلام العربي بكل وسائلها وتقنياتها قد أعدت برامجها على وتيرة الإرهاب قبل الكباب، فهي (أجهزة الإعلام العربي) تسبح بحمد أمريكا بكرة وأصيلاً، لقد جاءت تهمة الإرهاب وألصقت بـ(العالم الإسلامي) بعد سقوط الدب الروسي مباشرة، والسؤال الذي يطرح نفسه دائماً هو: هل من الواجب أن تكون أمتنا الإسلامية إمعة لتلك الدول العظمى، حتى وإن دخلوا جحر ضب؟!.
إن كنا نريد أن نقوم بواجبنا على هذا الصعيد، وأن نعد إجابات للأسئلة النهضوية الملحة من واقع شريعتنا، فلا بد من إعادة النظر بأساليبنا في التنشئة والتكوين، قبل أن تفد علينا إجابات من الخارج، ينشغل مثقفونا في تفنيدها والرد عليها، دون أن نصنع من ثقافتنا شيئاً يلائم هذا الواقع بمستحدثاته التي لا تتوقف.
فإذا كان أمر التكفير وفكرة التفجير بهذه الدرجة من الأهمية وجب على المربين تحمل المسؤولية في تربية هذه الناشئة بما يكفل لها حرية النقد واتخاذ القرار، وبقي أن نشير إلى أن هناك تطوراً واضحاً في صفوف التيار الإسلامي إذا ما قورن بالعقود الماضية، ووعياً متزايداً يبشر بارتفاع مستمر لمؤشر القياس، مما يدعونا إلى مزيد من الوقفات والمراجعات تجنبنا الوقوع في نفس الأخطاء التي وقعنا فيها في السنوات الماضية، وحتى نتفادى التكفير الذي يؤدي إلى التفجير!.
ما زالت أصداء المحاضرة التي ألقاها الشيخ عدنان عرعور في الأسبوع الماضي تحدث ردود أفعال متباينة لدى الأوساط الشعبية وخاصة الشباب منهم، وسبب تلك الأصداء هي حالة الذهول التي أصابت الحضور بسبب وفرة المعلومات وتنوعها والتي سردها المحاضر في تلك الأمسية، وأهم ما استعرضه ظاهرة (التكفير)، وبين أن من أكبر أسباب انجراف الشباب وراء ظاهرة (التكفير) هو بعد العلماء والمشايخ عنهم، وكذلك بسبب حالة الكبت والاضطهاد التي تمارس ضدهم في عصر يدعي أنه عصر الديمقراطية والحرية والشفافية!!، لقد أجاد المحاضر في الربط بين التكفير كحالة مرضية تصيب فكر الإنسان وبين التفجير كنتيجة حتمية لتلك الحالة المرضية، فـ (التكفير والتفجير) حالتان فيهما الإفساد، فالأول إفساد للعقل والثاني أفساد وتخريب للمجتمع.
لقد أقيمت المحاضرة على أرض هذا الوطن في فترة الديمقراطية والحرية والشفافية وإبداء الرأي والرأي الآخر، فامتلأت الصالات بتلك الجموع الغفيرة المتعطشة لمثل هذه المحاضرات وبسبب نوعيه المحاضرة عن أم القضايا ومشكلة المشاكل (الإرهاب)، القضية التي لا يزال العالم يعاني من ويلاتها ونار لهيبها، فبسبب الإرهاب تم ضرب أفغانستان والعراق، وبسبب الإرهاب تم ادراج إيران وكوريا الشمالية ودول أخرى في محور الشر، وبسبب الإرهاب لا تزال القائمة الأميركية تبحث عن شاة جديدة تسرح بها بعيداً عن القطيع حتى توجه إليها نفس التهمة!، ومع علمنا الأكيد بأن (الإرهاب) إنما هو فكرة يهودية أميركية، إلا أنها تنفذ بأيدي (إرهابية)، إلا أن من واجب العلماء والدعاة والمفكرين وأصحاب الأقلام السعي الجاد لوضع الحلول الناجعة لهذه المشكلة والداء الخطير الذي بدأ يدب في شريان الأمة طوعاً وكرهاً.
لقد أجاد الداعية عرعور حينما شخص الداء ووضع الدواء، لقد وضع (الإرهاب) في دائرة التكفير، هذا المرض ليس بالجديد، فحينما يتحول التكفير إلى تفجير هنا تكون المعضلة والمشكلة المستعصية، الذي يأتي من ورائها كل دمار وخراب!، فهذا يفجر نادياً وآخر يفجر طائرة وآخر يفجر مفكراً وآخر يفجر أسرة، وآخر إن لم يجد فقد يفجر عقله!!.
وإن كانت أجهزة الإعلام العربي بكل وسائلها وتقنياتها قد أعدت برامجها على وتيرة الإرهاب قبل الكباب، فهي (أجهزة الإعلام العربي) تسبح بحمد أمريكا بكرة وأصيلاً، لقد جاءت تهمة الإرهاب وألصقت بـ(العالم الإسلامي) بعد سقوط الدب الروسي مباشرة، والسؤال الذي يطرح نفسه دائماً هو: هل من الواجب أن تكون أمتنا الإسلامية إمعة لتلك الدول العظمى، حتى وإن دخلوا جحر ضب؟!.
إن كنا نريد أن نقوم بواجبنا على هذا الصعيد، وأن نعد إجابات للأسئلة النهضوية الملحة من واقع شريعتنا، فلا بد من إعادة النظر بأساليبنا في التنشئة والتكوين، قبل أن تفد علينا إجابات من الخارج، ينشغل مثقفونا في تفنيدها والرد عليها، دون أن نصنع من ثقافتنا شيئاً يلائم هذا الواقع بمستحدثاته التي لا تتوقف.
فإذا كان أمر التكفير وفكرة التفجير بهذه الدرجة من الأهمية وجب على المربين تحمل المسؤولية في تربية هذه الناشئة بما يكفل لها حرية النقد واتخاذ القرار، وبقي أن نشير إلى أن هناك تطوراً واضحاً في صفوف التيار الإسلامي إذا ما قورن بالعقود الماضية، ووعياً متزايداً يبشر بارتفاع مستمر لمؤشر القياس، مما يدعونا إلى مزيد من الوقفات والمراجعات تجنبنا الوقوع في نفس الأخطاء التي وقعنا فيها في السنوات الماضية، وحتى نتفادى التكفير الذي يؤدي إلى التفجير!.