الإهداء...
إلى كلِّ هؤلاء العلماء الذين وردوا في الكتاب...،
وإلى القادمين الذين سيكونون على سير هؤلاء...،
وإلى طلابي النجباء في كلية التربية الأساسية في حديثة،
متمنياً أنْ يكونوا مثل هؤلاء...،
وإلى محمد العامري، ومحمد الزُهيري، اللذين علماني أياماً أن أكون مثلهم ومثل هؤلاء..في الدين والعلم والدرس والبحث...،
إليكم جميعاً إشعاراً بمودة كبيرة...،
ووفاءً بلا مثيل.
محمد الساير.
مُقدمة
بسم الله العظيم الرحيم، بسم الله وبه أستعين، وعليه أتوكل، وهو حسبي ونعم الوكيل، وبعد؛
هذه مقالاتي الجديدة التي نشرت في الصحف والجرائد المختلفة في العراق، أحب اليوم إذاعتها في هذا الكتاب المتواضع البسيط، الذي أتمنى أن ينال كل الرضا والقبول والثناء.
وقد تنوعت هذه المقالات واعتنت بالشخوص العلمية والفكرية في العراق والوطن العربي. وهذه الشخوص كانت من المكانة اللائقة والمنزلة الكبيرة التي استحقت منا كل هذا الذكر الطيب، والعرفان العظيم بما صنعوا، علماً، ونتاجاً، وعملاً، وإدارةً، وتدريساً، وبحثاً...
والعنوان كان منمقاً، ومتفائلًا جداً بهذه الأزهار التي تعرفت عليها في سنين حياتي الطويلة، وهي أزهار مفعمةً بالأمل، والحياة والعمل الدؤوب في سبيل العلم، وأهله وطلبته في كلِّ مكان وزمان.
إني لأرجو الله - سبحانه وتعالى-، مخلصاً أن يكون هذا العمل من العناية والقراءة من الجميع، والرجاء أيضاً أن يكون محلَّ النقد العلمي البناء، والتشريح المنهجي العملي، لنكون جميعاً قريبين من الحقيقة التي تحتاج منا إلى تعب كثير، وحركة مجدة للوصول إليها، ولاسيما في مثل هذا الزمن الذي قلَّ فيه الوفاء، وكثر فيه الخطل، والنفاق على حساب الضمير، والكرامة، وقول الحق، والعياذ بالله.
سائلا الله المولى الجليل أن يجعل الجميع في حفظه ورعايته، وان يرزقنا العمل بما يرضيه، ومنه التوفيق والعافية، ولاحول ولاقوة إلا بالله، هو ناصر المؤمنين، ومُعزهم.
د.محمد عويد الساير.
المدينةُ...والإحساس بالمكانِ في شعرِ شاكر ألعاشور
في البدءِ يجبُ أنْ نقول أنَّ الأستاذ شاكر ألعاشور، شاعرٌ مرهفُ الحسِّ، قوي التعبير، رقيق المشاعر، شديد التأثر لما يحيط به من أحداثٍ وارهاصاتٍ تعتلي حياة الفرد والإنسان في كلِّ مكانٍ وزمانٍ، ومع أيِّ شخصٍ، وفي أية واقعةٍ....
وهو - ألعاشور-، التراثي، والمحقق، والناقد. وقد أُشتهر بالشعر في جيل الشعر والكلمة في العام الماضي في العراق. واصدر الديوان خلف الديوان، والمجموع الشعري بعد المجموع، حتى استوفت أعماله الشعرية مجلداً كبيراً استحق الدراسة برسالةٍ جامعيةٍ مرموقةٍ في جامعة البصرة العريقة. وقد اطلعت على هذا الجهد الأكاديمي الطيب، فرأيتُ أنَّ الباحثَ أتى على أغلب شعر الشاعر ألعاشور من النواحي الموضوعية، وخصائصها الفنية يستحق الإعجاب والعرفان.
وأحببتُ في هذا المقالِ، أنْ أتكلَّم عن شيءٍ مهمٍ في شعر ألعاشور، وهو قد يكون فات الباحث الكريم أنْ يوسع من الحديث عنه، أو أنْ يجلبَ له العنوان المستقل، أو التفصيل الواجب. وهو معذورٌ في ذلك إذ قد لا تتسعُ هذه الأعمال لكلِّ الأشياء، كما أنَّ الوقت وتوجيهات المشرف قد لاتدع للطالب والباحث الحرية الكاملة في تقصي البسيط الصغير.
تترددُ المدينة كثيراً في شعر ألعاشور وبين أبياته - تلميحاً وتصريحاً-.بما يعيدُ له الذكريات الطيبة، والأحداث المهمة، أو يذكِّرهُ برحلةٍ، أو شخصٍ... وما إلى هنالك من أمورِ الحياةِ ومشاغلها، وأحزانها وأفراحها.
ومن هنا كان هذا المقال الذي سيختصُّ بالدراسة التحليلية فقط. وسيمرُّ على نماذج من شعر ألعاشور في هذا الجانب، إذ هو لا يستوعب كلَّ شيء...وفي فهمكم كفاية.
لقد جاءت البصرة، وبحرها، وتراثها، ومرفأها، وفنارها، في أغلب دواوين شعر ألعاشور الأولى، وفي قصائده المبكرة كما كُتبتْ تواريخ هذه القصائد في دواوينها في نهاية كلِّ قصيدة...ومن هنا فالبصرة، وبحرها، وروما نسيتها- من خلال البحر ومافيه-، وموروثها الثقافي والفكري والعلمي والديني الكبير، كلُّ هذه المسميات وغيرها كانت حاضرةً في ذهن وأبيات ألعاشور، وكما في التفصيل الآتي:
فهو:
_ يختارُ عنوانات قصائده ومجموعاته الشعرية من خلال هذه المدينة وما فيها من طبيعة وحضارة وتراث.
_ يميلُ إلى البحر وما فيه من دلالات حين ينظر إليه ويحاكيه، ويقصُّ علينا ما فيه من أهوالٍ، ودفءٍ، وبردٍ، وتأملٍ...
_ يتغزلُ بالعيون، والذوائب من خلال هذا التأمل والحنين الرومانسي لجسد المرأة وما يثيره من انعكاساتٍ روحية تتلائمُ مع ألعاشور وشعره وفلسفته الشخصية، وخلفيته المعرفية.
_ وهو غريبٌ من خلال هذه الثيمة الصابرة الصامدة. غريبٌ كغربة هذا البحر ومداهُ البعيد، الذي يبدو ألَّا نهاية لموجه المتدفق، وتياراته المسكينة التي تصل إلينا صوتاً وحركةً وألماً، لا أملاً أو تفاؤلاً.
غريبٌ كغربة السياب وأبنه غيلان الذي جاء عنواناً لقصيدةٍ من قصائد ألعاشور.
ومَن سوى البحر يحكي تلك المشاعر؟! ومَن غيره يحدثنا عن هذه الأزمة النفسية التي تكاد تفتكُ بالإنسان ومشاعره لتضعنا أمام هذا الإبداع، وهذه الصورة المعيشة التي لا تحتاجُ منا لتعليقٍ أو شرحٍ أو سردٍ.
- وهو - الشاعر-، صامدٌ بصمود هذا الفنار العجيب (!) وطولِهِ الكبيرِ الذي يطلُّ على الآخرين وينظرُ إليهم بعنفوانٍ وشموخٍ. ولعلَّ هذا الصمود وهذا الكبرياء أحتاج إليه الشاعر ألعاشور ليوافق أحداث مدينته التي صبرت، وطال صبرها. والى بيان أنه الكبير الذي لا يهتزّ، والأصيل الذي لا يشكو على الرغم من كل الظروف التي مرَّ بها، وعرفها محبوه وأترابه في نفسه، وبيته، ومدينته.
فهو يحسن استنطاق المكان، ويعرف دلالته وما جاء له. وهذا سرُّ خلود المكان في شعره، وشوقنا لمعرفة ما فيه وما يرمز إليه حين يُذكره، أو يصفه، أو يتغنى بأنه منه، وفيه، واليه....
ومن هنا كانت هذه الثيمة ظلّاً ملازماً للعاشور. بثَّها أحزانه، وحكتْ مشاعره على طريقٍ طويلٍ من الشعرِ والعيشِ والبكاءِ والأملِ.
وليست البصرة - بصورها وظواهرها كلها-، هي الوحيدة التي جاءت في شعر ألعاشور. فالشطرة تبرز من خلال شخصٍ يعطيه الشاعر صورة الفلاح البسيط حتى من خلال اسمه(أرحيِّم)، ومن خلال ما قام به من فعلٍ يستحقُ الخلود والذكر والبقاء. وهذا مثيرٌ آخر من مثيرات المكان. كيف لا وهو لا يأتي إلا من خلال الحدث أو الشخوص. فلنستمع لهذا المقطع من قصيدة ألعاشور(أرحيِّم):
كان أرحيِّمْ
حين أراح على الحائطِ ظهرَهُ
يبكي:
لو أنَّ الريحَ بريدٌ يحملني
نحوَ الشطرةْ،
أتُراكِ تُعدّينَ طعامَ الأطفالِ الآنَ،
أمْ أنَّكِ تستلقينَ، الآنَ على صوتِكِ
في أُغنيةِ المحبوبِ الغائبِ؟
ولـ (سانتياغو) ذكرٌ أيضاً في شعر ألعاشور. وتبدو هذه القصيدة تميلُ إلى مكابدةٍ شخصيةٍ، وحدثٍ كبيرٍ عاشه ألعاشور في بدءِ حياتِهِ الأدبيةِ.فهو يختارُ لها عنواناً بين التكشف والحب. ويحكي ثورة صاحب (البار) الذي ينطلق من خلاله إلى المحبوبة التي يسبغُ عليها صفات الشجاعة، والدم والرصاص، وأرى أنَّ لوحات النص متناسقةً إلى حدٍ ما، وبروز المدينة في بدء الأشطر الشعرية، وبالتصريح بها وباسمها جلب اللوحات الأخرى، وجعلتها تتداعى، وتكبر، وتستدعي الأحداث والشخوص ليكونَ نصّاً متكاملاً في النظمِ والشعورِ والبناءِ.
فقد كانت المدينة في هذا النص بؤرة القصيدة، وعنوان وحدتها ومشاعرها. وهنا لا أستطيع أن أستشهد بالنص كلّهِ لطولِهِ. ولا أن أقتطع منه مقطعاً لحلاوتِهِ. فأتمنى أنْ يسأل القارئ عن شعر الشاعر ألعاشور، وأن يحتويه، ويعرفَ ما فيه من أسرارٍ ومسمياتٍ.
وأما (إستنبول)، تلك المدينة الإسلامية، الضاربة في التراثِ والحضارةِ والخلافةِ، فكان لها أثرٌ في نص ألعاشور الشعري من خلال (حلاّقٍ) بسيطٍ، ودكانٍ متواضعٍ فقيرٍ. إذ نرى ألعاشور يحكي لنا بصورةٍ عفويةٍ وبمشاعر رقيقةٍ ملموسةٍ حكايته مع هذه المدينة وحلاّقها كرابيت في القصيدة التي حملتْ اسمَهُ وحكتْ مهنتَهُ ومكانَهُ، ورمزتْ لمدينتِهِ. يقولُ الشاعر ألعاشور:
كلّ صباحٍ، أتشهَّى أنْ أرقبَهُ.
كان يحطُّ على كرسيٍّ في بابِ
الدكانِ، وينسى نفسَهْ.
يرسمُ وجهَ فتاةٍ بدخانِ سجارتِهِ،
أو يرسمُ أشجاراً عاريةً،
ويكلُّمُ نفسَهْ.
.........
.........
وتظهر لنا (إستنبول) مرة أخرى من خلال شارع مهم من شوارعها وهو شارعُ (بايزيد). وهو شارعٌ كبيرٌ في هذه المدينةِ الكبيرةِ. سُمّي بهذا الاسم نسبةً إلى جامع السلطان بايزيد الذي يقع في هذا الشارع. والعاشور يحكي لنا مغامرةً حلوةً من مغامراته الشخصية بسحرٍ لطيفٍ، وبلفظٍ مدلٍّ مقنعٍ، وبصورٍ قشيبةٍ، حدثتْ له في هذا الشارعِ وظلَّ يذكرُ تلكَ المغامرةَ بكلِّ ما فيها.
وتستدعي هذه المغامرة- شأن القصائد الأخرى-، الشخوص والحوار والحدث، وأماكن أُخرى، طبيعية وحضرية، إلى أن تنتهي القصيدة بنشوةِ العاشقِ، وفرحِ المغامرِ، وطربِ الشاعرِ المتمكنِ.
وأمّا بيروت، فوردت في شعر ألعاشور في قصيدته(بلادي وعينان صادقتان)، إذ برزتْ هذه الثيمة المكانية من خلال ساحةٍ مهمةٍ فيها وهي (ساحة الشهداء)، وفي اسمها ما يكفي للتعبير عن قدسيتِها ومكانتِها وشموخِها.
وعلى الرغم من غلاف الحزن المأساوي الذي غلّف قصيدة ألعاشور هذه، وكل ذاك البكاء والتعب المر الذي جاء في قصيدة ألعاشور إلا إن ألعاشور أحسن استنطاق المكان، واتى به في أول النص لينهالَ علينا بكل هاتيك المشاعر والأحزان، وهي مشاعر حقيقيةٌ ومعيشةٌ، وصادقةٌ ومعبرةٌ....
فالعاشور شاعرٌ مبدعٌ، وفي شعره ما يستحقُ القراءة، والتغني، والانشاد، والخلود. وفي قصائدِهِ تعبُ الشاعرِ العراقي الحقيقي الذي عاش في تلك الحقب بكلِّ ما فيها. فهو من شعرِهِ، الإنسانُ، والحبيبُ، والثائرُ، والأبُ، والأخُ، والصديقُ.......
ترقيعُ المكانِ في دراما رمضان...فرقة ناجي عطا الله أنموذجاً
ينهضُ المكانُ بأحداث هذا المسلسل كلِّها، ويستدعي الشخوص أجمعها.فالمسلسل ولا أبالغُ في ذلك أبداً، مكانٌ في مكانٍ في مكانٍ.إذ تنطلقُ رحلة هذه الفرقة من مصر، فهي موطن المسلسل، ومكان الأبطال والمؤلف والمخرج.وهم جميعاً لايغادروها إلا في التوهم والتخييل، وخلق الأماكن المشابهة من خلال الشخصيات والأحداث لما سيأتي من وقائع المسلسل وأجزائه.
ففلسطين.وكيف لا وهي المكان الذي يمثل بؤرة الحدث المهم، والشماعة الحقيقية التي قامت عليها أهم حدث في المسلسل، ألا وهي سرقة المصرف الإسرائيلي الملعون، كانت المحطة الأولى لأبطال المسلسل، ولإحداثه. وفي هذه الأحداث فيها ما فيها من فرح وترح، سأعرج على بعضها في نهاية مقالي هذا.
فلبنان، فسوريا، فالعراق فالصومال فمصر مرةً أخرى. هذا هو البناء الدائري لأحداث المسلسل، وأجرائته ومسمياته. والكاتب أختار الطرق البرية الصعبة التي تنقلُ الأبطال والأحداث من مكانٍ إلى آخر، ومن بلدٍ إلى غيره_ كما شاهدنا_ ومن مدينةٍ إلى أُخرى، ومن بيتٍ إلى سواه داخل البلد الواحد_ كما رأينا في لبنان والعراق_، وهو أمرٌ أتاح لأبطال المسلسل- ولو توهماً- السؤال عن كلِّ شيءِ، وعن أيِّ شيءِ يخصُّ المكان الذي يذهبون إليه، ويقيمون فيه.
يحكي المكان في هذا المسلسل أحداث كل بلدٍ مرَّ به أهله وأُناسه ، وقام بصناعته الكاتب يوسف معاطي، وجسده الأبطال، وقاموا بتمثيله كلاً على حدة.
فمن خلال غزة قصَّ الكاتب نضال أهلها واستشهاد شبابها. ومن خلال لبنان وسوريا، وضع الكاتب يده على جرح الأمة (فلسطين)، وكيفية وضع السبل الكفيلة لتحريرها، وتخليصها مما هي فيه.
ومن خلال العراق، شرح الكاتب قصة الطائفية البغيضة، وكيف هدمت الشخص العراقي، وأثارت كلَّ المآسي في البلد، وفككت المجتمع، وتركته في أشلاءٍ وفرقةٍ وضياعٍ.وهذه جزئية مألوفة ودلالة مهمة من دلالات المكان وموحياته.
ومنها إلى الصومال، مافيه من فُوضى، وغيابٍ للسلطة المركزية، وشيوع السلب والنهب، وبيع الذمم والضمائر بما لايرضي سيداً ولا مملوكاً!
تحكي هذه الأماكن استرسالاً غير منقطعاً من الأحداث والمناسبات، وكنا نأملُ أنْ تكونَ في مكانها الحقيقي لا بأماكن متخيلة، أو شكلية وضعها صاحب الديكور والتصاميم في كل حدثٍ من أحداث المسلسل.
إنَّ المكان أتاح للكاتب أنْ يعبر عما يريد، ومنح كل شخصية من شخصيات المسلسل بعدها الواقعي المعيش، وتركها في حركة مستمرة لتؤدي الحوار بصورة سلسة ومنطقية جداً جداً.
ولذا، جلب المسلسل كل هذا الانتباه والاهتمام للمشاهد، وهو يتابعُ أحداثه وحلقاته الواحدة تلو الأخرى إلى النهاية.
ومع كل هذه الأبعاد، والدلالات والرؤى التي طرحها المكان في المسلسل، لاننسى الدلالات الاجتماعية التي تركها كل مكان جاء في المسلسل، من التعرف على ثقافة الشعوب، وعاداتها وتقاليدها في الملبس والزينة والأكل والفرح والحزن.فضلا عن مكونات هذه الشعوب ونسيجها الداخلي من خلال أطيافها العرقية والدينية والقومية.
ومع هذه الدلالات، برزت في المسلسل دلالات نفسية للأمكنة التي ظهرت فيه، وتكلمنا عنها وشاهدها المشاهد، من خلال الغربة والقلق النفسي من أي مكان على المال الوفير الذي مع الشخوص. والحنين إلى مصر، وتمني الوصول إليها بسلامٍ وظفرٍ.
إذن، فترقيعُ المكان من خلال هذه البلدان مدَّ أحداث المسلسل، وحواره، واستدعى الشخصيات الكثيرة مع كل بلدٍ ومدينةٍ وشارعٍ...وهذا الترقيع لم يخلقْ فجوةً بين الحدث والشخوص والحوار وإنما كانت هذه الأمكنة بمثابة الوعاء _وهي كذلك_، حوى كل شيء، وقام بكل شيء، إثارةً وإمتاعاً وتشويقاً.وبقيت بعض الأمكنة الصغيرة تساند الأمكنة الأم.من البنك، والنفق الطويل المظلم، والسفارة المصنوعة، والمطار التركي المتخيل في ذهن من صنعه، إذْ أدت جانباً معيناً من المسلسل وأومضت لما سيأتي بعدها من حدثٍ أو سفرٍ أو متاعب.
هذا كل شيء عن المكان ودلالاته في هذا المسلسل الذي خطف أضواء الصحفيين، والإعلاميين، وعيون المشاهدين في رمضان الخير.أتمنى أنَّه بادرة جديدة للمسلسلات القادمة من هذا النوع، وليكنْ أنموذجاً طيباً لإعمال أخرى قد تشابهه الفكرة والرؤية والمضمون، على أنْ نحذرَ التقليد ألقسري، والمحاكة الهزيلة التي ليس فيها إلا التكرار والإطالة وضياع الجهد والوقت والمال.......
زوايا مخفيةٌ في أدبِنا العربي
لا يمكنُ لأحدٍ مهما كان أن ينسى فضلَ الشاعر أبي تمَّام في صنعتهِ واختيارهِ لكتابه الحماسة. ذلك الكتابُ الذي يعدُّ مفخرةً أدبيةً ونقديةً في التبويبِ والتنظيمِ، والاختيارِ، والابتكارِ. بدليل كلِّ تلك الدراسات التي تناولتْ الكتابَ وشرحتَهُ، وكلِّ تلك المسميات المتشابهة، والخطط الممنهجة التي جاءتْ بعد الكتاب وحملتْ أسمه.
ولكن، ألا تستحق منا تلك الكتب القراءة، والاحتواء، والعناية. وقد كَتب فيها الدكتور عبد الله عسيلان كتاباً قيَّماً سمَّاه(كتب شروح الحماسة)، ومن قبله أو معه كتب الدكتور محمد حسن نقشة صنو هذا العنوان أو شبيهه وزاد عليه(دراسة نقدية). أفلا يكونُ الجراوي التادلي صاحب الحماسة المغربية الذي نساهُ وتناساهُ الجميع من بين يستحقون الذكر، والإشادة، والدراسة؟!
وكيف يمكن أنْ نغفلَ الجاحظَ وأثرَهُ الأدبي والفلسفي والفكري والاجتماعي في موسوعاتِهِ، ورسائلِهِ، ومختاراتِهِ، وشعرِهِ، وتصانيفِهِ. ولكن، هل هو الوحيد الذي لقُّب بهذا اللقب من علمائنا الأجلاء القدامى؟ هناك جاحظٌ آخر من علماء القرن السادس الهجري - تقريبا-، وهُو عالمٌ وأديبٌ أيضاً. وصاحبُ كتابٍ رائعٍ وقيّمٍ سمّاه (سحر البيان الحاكي قطع الجنان)، لما يزلْ مخطوطاً في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم 463أدب. إلى الآن لم يشرْ أحدٌ من الباحثين والدارسين والمحققين في الأدبِ العربي وبلاغتِهِ ونقدِهِ إلى هذا الكتابِ وما فيه من أمورٍ علميةٍ ومنهجيةٍ، وآراءٍ، وشعرٍ، ونثرٍ. ولم يفكر أحدٌ في تحقيقه وإخراجه للناس على الرغم من التطور الهائل والكبير الذي أصابَ علمَ التحقيقِ، وكثرة المحققين - الأصلاء والسرّاق!-، وكثرة دور النشر والمطابع - الأصيلة والهزيلة! - ولا أدري لماذا؟!
القاضي الجرجاني، عالمٌ وناقدٌ ومصنفٌ جليلٌ. صحيح هو لم يكن منصفاً في أحكامه النقدية التي قالها في المتنبي في كتابه الشهير (الوساطة بين المتنبي وخصومه)، إلا إن فكرةَ الكتابِ وعنايتِهِ بهذا الشاعرِ الكبيرِ جلبَ له كلَّ تلك الشهرةِ والسمعةِ الحسنةِ بين الناقدين والمفكرين والمصنفين في القرن الرابع الهجري.
والجرجاني شاعر وله ديوانٌ مطبوعٌ طبع وحُقق في بغداد، ودمشق، والقاهرة، والكثير منا تجافى عن هذه الحقيقة العلمية المهمة، التي لا يمكن تجاهلها أو نسيانها لأيِّ سببٍ من الأسبابِ، فلماذا التقصيرُ ولماذا الإنكارُ والتجاهلُ، لا أدري ولا أعرف؟!
وما قلناه عن الجرجاني من سعة علمٍ، وإحاطةٍ، وحسٍّ نقدي، وتصنيفٍ منهجي يستحقُ الاهتمام والذكر، نقوله بشكلٍ أكبر على الناقد والأديب والمصنف والإخباري والشاعر أبن رشيق القيرواني صاحب الكتاب الأشهر (العمدة في صناعة الشعر وأدبه ونقده)، ذلك الكتاب النقدي الفريد الذي حوى أكثرَ الآراءِ النقديةِ، وأهمها. وأوسعَ من المختارات الشعرية والنثرية للشعراء العرب إلى وفاة مصنفه في القرن الخامس الهجري، وأبدى التعليقات النقدية الرائعة ووسَّع من آفاق النقد الأدبي العربي في المشرق والمغرب...ولكن، أليس لابنِ رشيقٍ كتابٌ آخر هو (قراضة الذهب في نقد أشعار العرب)، وهو محققٌ مشهورٌ متداولٌ بتحقيق الدكتور منيف الموسى. ونشرته مشكورةً مأجورةً دار الفكر اللبناني ببيروت سنة 1991م؟!فشهرةُ كتاب العمدة - مهما كانت-، لا يمكن أن تحجم من أهمية هذا الكتابِ وفضلِهِ على الأدبِ العربي ونقدِهِ، وشعرِهِ، وأن تترك هذا العلقَ النفيسَ في ظلامٍ مجهولٍ، ونكرانٍ ظالمٍ بلا مسوغٍ أو مبررٍ.
وقسْ أيُّها القارئ اللبيب على هذه الشاكلة الرهيبة من التجني والتهميش عشرات الدواوين العباسية والأندلسية ودواوين الحقب الوسيطة ومجموعاتها الشعرية وحتى وصل الأمر إلى دواوين الشعراء المحدثين، فلا عاد أحدٌ يذكرهم، أو يتناقلُ شعرهم، أو يتحدث عنهم بأيِّ حديثٍ نقدي أو أدبي، أو حتى يحفظ أشعارهم ويُنشدُها أمام الآخرين، ويشددُ على إعطائها المكانة المستحقة علماً وأدباً ونظماً وحفظاً.
من هنا يجبُ أن نعودَ إلى الوفاءِ لمثلِ هذهِ الآثارِ الأدبيةِ، والدواوينِ، والكتبِ، فنحنُ أمة الوفاءِ، ونحن أهلُ الأدب العربي الكبير الذي يعلمنا أن نحفظَ الفضلَ لأهلهِ، والقولَ لصاحبهِ... مهما كان وأينما كان وحيثما كان.
صنعةُ الديوان الشعري العربي وتحقيقُه... عبد الرازق حويزي أنموذجاً
الأستاذ الدكتور عبد الرازق حويزي عالمٌ جليلٌ، وأستاذٌ فاضلٌ، ترك بصمته العلمية والمنهجية، وفضله العلمي والبحثي على طلبته وزملائه، في أكثر من مكانٍ واحدٍ، وفي أكثر من جامعةٍ وكليةٍ وقسمٍ. وعند الكثيرين من دور النشرِ، وعند لجان التحرير للمجلات العلمية المحكمة في الوطنِ العربي الكبيرِ.
وقد عُرف الدكتور حويزي بصنعة وتحقيق الدواوين الشعرية، ونقدها بشكلٍ واسعٍ في العصر الحديث في هذا القرن. ومِن هنا أحببتُ أنْ يكون هذا المقال تعريفاً، وتذكيراً بتلك الصنعةِ وذلك النقدِ. ووفاءً لفضلِهِ على الباحثين والدارسين والمحققين العراقيين في كلِّ زمانٍ ومكانٍ.
علماً أنّي سألحقُ هذا المقال بمقالٍ آخر يتناول جوانب نقد التحقيق وسماته عند الدكتور حويزي، إنَّ شآء الله تعالى، وبأذنه، وبكرمه.
في صنعة دواوين الشعر العربي، يسعى الدكتور حويزي إلى أنْ يكون الشاعر الذي يجمع شعره يستحق الدراسة والتوثيق والتحقيق والإخراج إلى الجمهور الجامعي، والأدبي. ففي تحقيقه وصنعته لشعر الناقد والأديب والإخباري والمصنف علي بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى 392هـ، صاحب كتاب) :الوساطة بين المتنبي وخصومه)، بيَّن المحقق الفاضل حويزي أهمية هذا الشاعر لشخصيته إذ يجعلها في مصاف الشعراء الكبار في هذا القرن، ويبرز أهميتها الأدبية بعدما برزت أهميتها النقدية. وقد صدر هذا المجموع والتحقيق المهم في القاهرة سنة 2003 بطبعته الثانية في 178صحيفة من القطع الكبير.وأحتوى المجموع الشعري على دراسة واسعة للشاعر، وخلفياته الاجتماعية، والثقافية، والمعرفية.وتناولت الدراسة هذه المسميات في العنوانات الآتية:نسبه ومولده ووفاته وأسرته، شخصيته وأخلاقه من شعره، ثقافته ومؤلفاته، الجرجاني قاضياً، اتصاله برجال عصره، القاضي الجرجاني الرحالة، أهم مصادر شعره، منهجنا في جمع شعره وتحقيقه. وأظنُّ أنَّ جهد الباحث والمحقق واضحٌ جداً في العنوانات التي قدمها للدراسة هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى فأنّ المحقق عرض لكلَ هذه العنوانات بشعر الجرجاني، وحلَّله، وأستشفَّ منه حياته ومناصبه الوظيفية إذ ضنت المظان ببعض هذه الأخبار المهمة للقارئ والباحث. فضلاً عن الأمانة العلمية العالية التي يتمتع بها المحقق والجامع الدكتور حويزي وهاك قوله عن مَن جمع شعر الشاعر الجرجاني قبله: (وقعتُ بعد الانتهاء من مرحلة جمع الشعر وتحقيقه وشرحه وتنسيقه وكتابته على الحاسوب على إشارة في إحدى هوامش مجلة الذخائر البيروتية...، تنصُّ هذه الإشارة على أنَّ الدكتور سامي المنصوري قام بجمع شعر الجرجاني ونشره في مجلة المورد العراقية عام 2000، ولم أتمكن من الإطلاع على هذا المجموع على الرغم من بذل المحاولات المتكررة، نظراً للأحوال السيئة التي يمر بها القطر العراقي الشقيق على الصعيدين الداخلي والخارجي، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ لهذا القطر وحدته، وحريته، وعربيته، وموارده).وأعتقد أني لست بحاجة الى التعليق والتوضيح لما جاء في الفقرة السابقة.
في النص الشعري المجموع المحقق، سار الدكتور حويزي على الخطوات المنهجية والعلمية في تحقيق شعر القاضي والناقد الجرجاني من:أستقصاء شعر الجرجاني من المظان الكثيرة التي أوردت شعره، ومحاولة الموازنة بين هاته المظان وتبيين الاختلاف في رواياتها بحسب الأقدم إلى آخر مصدر، وضبط الأبيات الشعرية ومعالجتها عروضياً وقافيةً، وترقيم الوحدات الشعرية المجموعة وترتيبها بحسب حروف الروي، وترقيم الأبيات الشعرية داخل كل وحدة من هذه الوحدات، وترجمت الأعلام والأماكن والأحداث التي وردت في المجموع الشعري كله، فضلاً عن وضع الفهارس العلمية والمنهجية المناسبة للتحقيق والجمع.
ومثل هذا الجهد العلمي المتميز، والأمانة العلمية النادرة عند الباحثين والدارسين والمحققين اليوم، فعله المحقق والجامع حويزي في دواوين ومجموعات شعرية أخرى، ومنها:
_ ديوان عمرو بن أحمر الباهلي(ت75 هـ)، جمع وتحقيق ودراسة وشرح، في الأصل الجزء الثاني من رسالته للماجستير، جامعة الأزهر، 1992.
_ شعر أبي الفرج بن هندو(ت323هـ)، نُشر في مجلة الذخائر البيروتية على قسمين ؛ القسم الأول: في العدد 21-22، على الصفحات:80-134.
القسم الآخر: في العدد 25-26، على الصفحات: 133-144.
_ ديوان أبن الظهير الاربلي (677هـ)، نُشر في مكتبة كلية الآداب بالقاهرة، 2006، 287 صحيفة.
_ ديوان جعفر بن شمس الخلافة (ت622هـ)، نُشر في مركز حمد الجاسر بالرياض، سلسلة إصدارات (23)، ط1، 2010، 258صحيفة.
_ شعر عبد الرحيم العباسي (ت963هـ)، جمع وتحقيق ودراسة، قيد النشر والإشهار.وهو في المؤتمر العلمي لكلية دار العلوم، فرع الفيوم، 2005.
_ ديوان أبي الجوائز الو اسطي (ت 460هـ)، تحقيق ودراسة، قيد النشر والصدور.
_ شعر محمد بن ايدمر (ت بعد 710هـ)، جمع وتحقيق ودراسة، قيد الانجاز.
في الختام، نتمنى للدكتور عبد الرازق حويزي المزيد من التألق والنجاح وهو يخرّج نفائس الأدب العربي وشعره ولاسيما في عصوره الوسيطة التي وُصفت من الجميع بالانحطاط والإهمال للفكر والأدب والتشتت والضياع.
ويطيب لي أن أشكره مرتين، مرةً على ما أسلفت، وأخرى على ما أرسله لي من هدايا قيمةٍ وثمينةٍ، وتقديمه النصح والإرشاد والمعونة العلمية والمنهجية والبحثية اللازمة للباحثين والدارسين والمحققين العراقيين في عصور الأدب العربي في شتَّى الموضوعات والاتجاهات، ومن الله السداد.
منهجُ الأستاذِ شاكر ألعاشور
في تحقيقِ الديوانِ الشعري وصنعتِهِ
دراسة وتطبيق
الأستاذ المحقق، والأديب، والناقد شاكر ألعاشور، واحدٌ من أعلام العراق، له الكثير من المؤلفات التي تشهدُ لهُ بالعلم الواسع، والإطلاع الطيب، والمنهج العلمي السديد، والإخلاص في العمل المحقًّق مهما كان بسيطاً أو صغيراً.
وهو شاعرٌ أيضاً ينتمي إلى تلك الحقبِ البهيةِ من شعراءِ القرنِ الماضي في العراقِ، والوطنِ العربي. وقد صدرتْ مجموعتُهُ الشعريةُ الكاملةُ في دمشق مؤخراً، وضمَّت أعماله الشعرية كافة. وقد دُرستْ هذه المجموعة برسالةٍ جامعيةٍ مرموقةٍ في جامعة البصرة. مهدِ الشاعرِ ألعاشور، وموطنِهِ الأصلِ، وملهمِهِ، وسببِ شهرتِهِ.
وهذا المقالُ إطلالةٌ على أعمال ألعاشور التحقيقية للديوان و المجموع الشعري.
في تحقيقِ الديوان الشعري. يسعى المحقق ألعاشور، إلى أنْ يكونَ عمله متكاملا من الناحيتين المنهجيةِ والعلميةِ والتوثيقيةِ، بل، وحتّى الطباعية. واليك هذه النماذج التطبيقية لنبرهن على صحة ما نقولُ ونزعمُ.
ففي تحقيقِهِ لديوان الشاعر أبي الفتح ألبستي، الذي يعدُّ أكبرَ أعمالِ المحققِ، وأهمها صدوراً ونشراً في بدء هذا العام، نظر المحقق ألعاشور في ترجمة ألبستي النظرة البسيطة والفاعلة والوافية. لكثرة ما كُتب عنه، ولشهرته الكبيرة التي لا تحتاجُ إلى إعادة أو تكرار أو إطالة. ثم أتبع النظرة الأولى بنظرةٍ أُخرى لشعره، وأسباب نشر الديوان كاملا بعد النشرات التي سبقت هذه النشرة، وأهمية التحقيق الجديد، وفضله على التحقيقات الأخرى بالزيادات الكثيرة، التخريجات المتنوعة، والإحاطة الممكنة لما صدر من مصادر الشعر العربي، والإفادة منها في تحقيق ديوان ألبستي، وتوثيقه، وتخريجه وعمل فهارسه.
وصنع المحققُ ألعاشور ذيلاً للنسخ الخطية التي أكمل تحقيقها، ولديوان الشاعر ألبستي. وقد جاء هذا الذيل من المظان الأدبية المختلفة، فضلا عن كتب التراجم والطبقات والمختارات، وكتب ومقالات أهل الاستدراك على الدواوين الشعرية المنشورة.
ومن ثمَّ ألحقَ المحقق هذا العمل بفهارس وافيةٍ شافيةٍ تناولتْ المفردات الواردة في تحقيق الديوان. ومنها انتهى بالنظرةِ الأخيرةِ التي اعتنتْ بأهمِّ المظانِ والمصادرِ التي استقى منها ألعاشور مادةَ الدراسةِ، وصنع الذيل على الديوان، وتخريجات القصائد والمقطعات التي أخلَّت بها النسخ الخطية.
وفي تحقيقه(صنعته) لشعر سُويد بن أبي كاهلٍ اليشكري(تُوفي بعد سنة 60هـ).قدًّم المحقق ألعاشور بدراسةٍ منهجيةٍ عن الشاعر وشعره. وأوسع الحديث عن عينيته التي تعدُّ من المطولات في الشعر العربي _قديمه وحديثه_، ومن عيون قصائد الشعر العربي المهمة التي عُرف بها الشاعر، وعُرفتْ له نظماً وإنشاداً في كثير من كتب الأدب والتاريخ والنقد التي ترجمت للشاعر اليُشكري أو ذكرته، أو تحدثت عن شعره.
رتًّب الأستاذ ألعاشور الوحدات الشعرية للشاعر بحسب الترتيب الأبتثي المعروف. ورقَّم الوحدات الشعرية بشكلٍ متسلسلٍ، ورقّم الأبيات الشعرية داخلَ كلِّ وحدة من هذه الوحدات، وعرَّف بالأماكنِ، والأحداثِ والشخصياتِ والوقائعِ...وما إلى غير ذلك من أمورٍ علميةٍ ومنهجيةٍ موجبةٍ، يحتاجها القارئ ويسألُ عنها.
وبعد أنْ انتهى الأستاذ ألعاشور من تحقيقِ الشعرِ صحيح النسبة للشاعر اليُشكري، جاء إلى الشعر متدافع النسبة بينه وبين الشعراء الآخرين. وهو في هذا الشأن العلمي المهم.يضع عنواناً مستقلاً لذلك، ويرقّم الوحدات الشعرية، وأبياتها. ويبين الشعراء الذين نُسبت إليهم هذه الأبيات مع شعر شاعره، وكيف؟! ولماذا؟! وكم؟! وأين وقع هذا التدافع في مصادرِ الأدبِ والتراجمِ.
ولا يتوانى المحقق ألعاشور في صنعِ الفهارسِ التكميليةِ والعلميةِ المهمةِ حتَّى لأبسطِ الأعمال المحققةِ التي يقومُ بها. تدفعُهُ إلى ذلك خطواتِ المنهجِ العلمي السديدِ الذي يسيرُ عليه. والأمانة العلمية للذين أخذ منهم، وشكر فضلهم في التحقيق والصنعة والتخريج، من أمثال الدكتور المحقق محمد جبار المعيبد، والمحقق الدكتور هاشم الطعّان _يرحمهما الله_...وغيرهما.
وفي تحقيقه لديوان محمد بن حازم الباهلي (ت217أو 218هـ)، الذي نُشر مؤخراً عن دار تموز في دمشق، لسنة 2011، في 180 صحيفة من القطع الكبير والحلة القشيبة. قام المحقق ألعاشور بإتمام الصنعة، وإحكام المهنة على أكمل وجهٍ وأتمّه حتى ترى الشاعر وشعره وحياته وبعضاً من الدراسة في الأغراض والاتجاهات التي وردتْ في شعرِه فضلاُ عن آراءِ العلماءِ والنقادِ في هذا الشعرِ وقائلِهِ.
وأمّا عن التحقيقِ فلا يتعدى الخطوات السابقة المحكمة من ترتيبِ الشعرِ المجموعِ الترتيب الصحيح والعلمي، وترقيمِ الوحدات الشعرية وأبياتِها، وتخصيص حقلاً للشعرِ متدافعِ النسبةِ بينَ شعرِ أبن حازمٍ والشعراءِ الآخرين.
ومثلَ ما فعل ألعاشور في تحقيق ديوان ألبستي، وصنع وتحقيق شعر اليُشكري، فعل مع المجموعاتِ الشعريةِ المحققةِ والمصنوعةِ التي صدرتْ له مؤخراً، ولعلَّ أهمها:
_ شعرُ جعيفران الموسوس (ت 248هـ)، وقد صدرَ عن دار تموز رند في دمشق، سلسلة دواوين صغيرة(1)، للعام 2012م، في 95صحيفةٍ، من القطعِ الصغيرِ.
فيه جهدٌ طيبٌ، وصبرٌ جميلٌ على متابعةِ شعرِ هذا الشاعرِ وجمعِ ما تبقى من شعرِهِ وترتيبِهِ وإصداره، وصنعِ فهارسِهِ على وفقِ آخرِ المظانِ الأدبيةِ والتاريخيةِ والنقديةِ.
_ شعرُ عوف بن الأحوص (تُوفي سنة 57 قبل الإسلام)، وصدرَ عن الدارِ نفسِها في السنةِ نفسِها في السلسلةِ نفسِها(2)، في 69صحفيةٍ.
كذلك ينمازُ هذا العملُ بالجهدِ المحمودِ، والإضافة المتميزةِ والمستحقةِ من الدارسةِ والتخريجِ والاختصاصِ بالشاعرِ وشعرِهِ عن جهدِ الدكتور عبد الكريم يعقوب الذي درسَ شعرَ العامريين، وأفرد باباً مستقلاً لشعرِ هذا الشاعرِ وحياتِهِ.
_ شعرُ أبي شُراعة القيسي (من شعراء الدولة العباسية)، في الدار نفسِها، والسلسلةِ والسنةِ (3)، في 93 صحيفةٍ.
فيه مجموعٌ لطيفٌ يستحقُ العنايةَ والاهتمامَ لشاعرٍ عباسي كبيرٍ من شعراءِ الدولةِ العباسيةِ الكبيرةِ...وغيرُ هذه الدواوين المحققة والمجموعات الشعرية المصنوعة.
من منهجِ الأستاذِ المحققِ ألعاشور في تحقيق الديوانِ والمجموعِ، أنْ يذكرَ أصحابَ الفضلِ عليه وعلى الشاعر من باحثين ومحققين ودارسين.
ومن منهجِهِ أنْ يذكرَ مصادرَ التخريج للوحدةِ الشعريةِ في بدءِ النصِ بعد الترقيم، وأنْ يوسعَ في هذا التخريجِ الشيء الكثير والمغني والمهم.
ومن منهجه أيضاً، صنع الفهارس، وصنع الشعر متدافع النسبة في حقول ٍ خاصةٍ والإحاطة بأغلب المظان الجديدة التي أوردت شعر الشاعر الذي يحققهُ (يصنعه).
على الرغمِ من أنه يذكر في الدراسة التي يضعها للشاعر أنَّ بابَ الاستدراكِ
والإضافةِ مفتوحٌ للآخرين لسعةِ المصادرِ من الخزانةِ الأدبيةِ العربيةِ، وعدم الإحاطة به مهما كان الشخص، وأينما كان.
وكذلك من سماتِ منهجِهِ أنْ يصفَ خطواتَهُ في جمعِ الشعرِ وصنعتِهِ وتحقيقِهِ. وهذه فقرةٌ مهمةٌ أرى أنَّ أغلبَ المحققين قد تجافوا عنها في الحقبِ الأخيرةِ بلا سببٍ أو مسوغٍ.
في الختام، أقدَّمُ الشكرَ الجزيلَ، والامتنانَ الوافرَ للمحققِ والأديبِ ألعاشور على صبرِهِ وأناتِهِ وهو يخرّجُ لنا المزيدَ من نفائسِ الأدب العربي وآثارِهِ الأصيلةِ. وأسألُ اللهَ العظيمَ أنْ يطيلَ في عمرِهِ خدمةً لهذهِ النفائسِ، وتلك الآثارِ، ومِن الله السداد.