الإهداء......
إلى الصغيرة نور محمّد الساير,
والى الأندلس العظيمة,
أنتما أكثر الأسماء ترددا في الحياة,
فعلّكما لاتنسياني حيا وميتا.
المحبّ لكما محمّد.
مقدّمةُ الكتاب
المقالة جنس أدبي نثري ظهر في القرن الماضي, في مصر ولبنان والشام والعراق, وانتقل إلى باقي الدول العربية, حتى اصبحت تنافس باقي أشكال الأدب, ولاسيما القصيدة والمسرحية والرواية. إن لم تتفوق عليها وتتغلب.
والمقالة. فكرة وموضوع.فمن جهة الفكرة, فهي تطرح شيئا ما يريده الكاتب, ويسعى لبيانه للمتلقي وللقارئ, تخصّ مجتمع الكاتب أو حياته الشخصية, وأحداثها وملابساتها.
ومن جهة الموضوع, فهي إما تكون مقالة سياسية, أو مقالة اجتماعية, أو مقالة أدبية, أو مقالة نقدية, أو مقالة فلسفية, أو تعرّف بكتاب, أو جهد, أوتحكي سيرة شخص مهم للكاتب ولعصره, أو آثار ذلك الشخص, أو تحلل قصيدة أونصّا شعريا, أو تشرح رواية, والى غير هذه الموضوعات التي عرفت بالمقالة, وقرأ فيها الناس هذه المسميات, ومفهومها, وآثروها بالعناية والمتابعة على باقي أجناس الأدب, مارّة الذكر والتفصيل.
ولعلّ سائلا يسألنا, وذلك من حقّه, ما الفرق بين المقالة الأدبية والمقالة النقدية؟ فنقول:إنّ المقالة الأدبية غالبا ما تختصّ بأمور التراث, أو المعاصر المرتبط بالتراث.وأمّا المقالة النقدية فهي التي تلك التي تخصّ الشكل الجديد من أنواع النظم والقصيد, أو النص الروائي, أو قصيدة النثر ومن هنا فرّقنا باجتهاد شخصي بين هذين النوعين من المقال.
إنّ النقد المعاصر - البنيوي والأسلوبي- ظهر من خلال المقالة النقدية وقد عرّفت هذه المقالة بهذه النصوص, ولاسيما في قصيدة النثر, وأشهرت أصحابها وكاتبيها, ومن هنا استحقت المقالة هذا الدور الريادي الكبير على الساحة الأدبية في القرن الماضي والقرن الحالي, وسارت جنبا إلى جنب مع الشعر والرواية في الشهرة, والمتابعة والاهتمام من قبل القرّاء والباحثين والدارسين.
ولابدّ للمقالة من عنوان يختاره كاتب المقالة, ولابدّ للعنوان أن يوافق فكرة المقالة ومضمونها, اللذين يريدهما الكاتب من مقالته, ومن عنوانه الذي أختاره لهذه المقالة.
ولابدّ أن تكون المقالة مكتوبة بلغة صحيحة وسليمة ومفهومة, بعيدة عن الإطالة والتكرار والملل الذي ينتج منهما, وان تكون سهلة الشرح والمضمون, لا أن تتكون من النقاط المتسلسلة أو الكثيرة والمعقدة, إذ تفقد تركيز القارئ وتجلب له الكره لها ولصاحبها وناشرها.
إنّ هذه المقالات لهي جهد سنين طوال لصاحبها, وقد نشرت في صحف ومجلات عراقية كثيرة, تابع فيها الأحداث الأدبية التي جرت على الساحة العراقية, وتكلم فيها عن أساتذته, أو ما شاهده, أو ماسمعه, فكانت مقالته متنوعة وشاملة- كما سيلحظ القارئ الكريم- للأمور الأدبية والاجتماعية والفكرية والثقافية.
وقد خلت هذه المقالات من الأمور الدينية, ومن الأمور السياسية تماما, إذ إنّها ليست من شأن الكاتب, وكثيرا ما يحرص على مجافاتهما, وتركهما للغير, ممن يختص بهما أو يعرف بكتابتهما, ومن الله التيسير, انّه نعم المولى ونعم النصير.
الدكتور محمد عويد محمد الساير
الثعالبيّ (ت 429 هـ). .. شاعراً
الثعالبي شخصية أدبية وآثارية مشهورة. وهو مصنف بارع، وأديب ذو أدب فائق، غطَّت شهرته الآفاق، وانزاحت كتبه في كل الأمصار، وهي ما تزال تحقَّق وتُطبع وتُنشر إلى يومنا هذا وقد زادت على المائة عنوان بين مصنف واثر ورسالة وكتاب.
والحقيقة غطَّت هذه الكتب على شهرة الثعالبي الأدبية، وعلى قوله الشعر. وشعره لا يتعدى المجموع البسيط الذي ظهر في الشعر العباسي وفي عصر المتنبي والمعري، ومن هنا أحببتُ أن يكون هذا المقال تعريفاً بشعر الثعالبي وببعض خصائص شعره، وأتمنى أن ينال هذا الشعر جهداً أوسع، ومساحة اكبر من الدراسات الأدبية تبين قيمة شعر الثعالبي، وأغراضه، واتجاهاته، ودلالاته.
والمقال - وهذا من البداهة – لا يستطيع حصر الشواهد كلها في أغراض الثعالبي الشعرية، ولا أن يعمل المسارد والجداول الخاصة بهذه الشواهد وذلك الشعر. وإنما سيكتفي بالدراسة الوصفية لبعض الشواهد والإحالة على نماذجها المماثلة قدر الإمكان والمستطاع.
طرق الثعالبي اغلب الأغراض الشعرية التي عُرفت في الأدب العربي فمن هذه الأغراض ما جاء ليبرز علاقته مع الآخرين وكمنت هذه الأغراض في المديح والرثاء والغزل. ومن هذه الأغراض ما أباح عن مكنون عواطف الشاعر – الثعالبي – وهتك سرَّ مشاعره وذلك ما كمن في غرض الوصف بأنواعه، وذكر الأمكنة المختلفة ومظاهرها الكثيرة. ومن هذه الأغراض ما بيَّن علاقة الثعالبي مع الزمن وصروفه وتقلُّباته وهو ما جاء في شعر الحكمة والشكوى، ومنها ما أباح عن علاقاته الاجتماعية كالتهنئة بأنواعها ودلالاتها. وبعض مقطعات الحنين إلى أيام الصبا ومعاهد الشباب وذكرياتهم. وأخيراً ما جاء من هذه الأغراض الشعرية وقد خُصِّص للشعر الديني، أو قل الشعر الذي قاله الشاعر في المناسبات الدينية المختلفة التي تمر على الأمة المسلمة في كلِّ مكان، كالشعر الذي يُقال في التهنئة بعيد الفطر، وأيام رمضان المبارك. .. وهلم جرَّاً.
إذا جئنا إلى المعاني المدحية في شعر الثعالبي وجدناها لا تخرج عن معاني المديح التقليدية من كرم وشجاعة وعدل ووفاء. ولكن الثعالبي عبَّر عن مشاعره الفيَّاضة بهذه الصفات والخصائل لممدوحيه – الأدباء والحكام – من خلال المقطوعة التي هي اغلب شعره بل ؛ جلُّه. وتُحسب له هذه البراعة في هذا الغرض الذي غالباً ما يأتي مع البحور الطويلة والقصائد الكبيرة – نسبياً – كما أن ألفاظ الثعالبي وصوره – في هذا الغرض وفي غيره – اختلفت عن ألفاظ وصور الشعراء الآخرين وهذا ناجم وكما قال الدكتور محمود عبد الله الجادر – يرحمه الله – محقِّق الديوان عن تعلُّقِ الثعالبي ببيئته وشدَّة ولعه بمكانه، وذلك ما نلحظه في شعره بأغراضه المختلفة. يقول الثعالبي في بعض مقطَّعات المديح هذه:
أقول إذا سألوني عن مروءة من
ما لا يُقاسُ باندادٍ وأكفاءِ
محمدٌ لمروءات الأنام غدا
كالزندِ للنارِ والينبوعِ للماءِ
(ديوان الثعالبي: تحقيق د. محمود عبد الله الجادر، بغداد، ط1، 1990: ق3)
ويقول مادحاً أبا العباس مأمون بن مأمون خوارزمشاه:
شيئان واللهِ ما أملُّها
وليس لي في سواها اربُ
فإنْ تَقُلْ ما هما؟ أجِبْ وأقلْ
باب خوارزمشاه والأدبُ
(ق 10 وللمزيد من هذا الغرض يُنظر: ق20، ق23، ق42، ق50، ق52، ق55، ق63، ق 72، ق74...).
أما عن الغزل فقد جاء بنوعيه: الغزل بالأنثى والغزل بالمذكر، وقد كثر هذا الأخير في شعره وتعدَّى إلى الوصف يدل على الإعجاب والاستحسان على نحو ما يأتي في شعر الوصف من ذكر الملاحة في الغلمان والنعومة فيهم والدلال وحسن المنظر والمنطق.
وجاء غزل الثعالبي بين أحضان الطبيعة، وهذا أمر مستحسن في مثل هذا الغرض الشعري. إذ غالباً ما تأتي مقطَّعات الغزل – وهي كثيرة في شعر شاعرنا الثعالبي – في مظاهر الطبيعة وبين مباهجها وأشجارها وأنهارها وأزهارها. .. وما إلى ذلك. يقول الثعالبي من مقطَّعاته الغزلية:
فديتُك يا أتمَّ الناس حُسْنَاً
وأصلحهم لمتخذٍ حبيبا
فوجهك نزهةُ الأبصار حسناً
وصوتك متعة الأسماع طيبا
وسائلةٍ تسائلُ عنك قُلنا
لها في وصفك العجبَ العجيبا
رنا ظبياً وغنى عندليباً
ولاحَ شقائقاً ومشى قضيبا
(ق11)، ويقول أيضاً:
ريقُ الحبيبِ كريقِ المُزنِ والعنبِ
أذاقني ثمراتِ اللهو والطربِ
وقد سبت مني الأيام صفوتها
فكيف أهربُ منها وهي في طلبي
(ق 13وللمزيد من هذا الغرض ينظر: ق15، ق16، ق25، ق38، 90،...)
وأظنُّ أني لست بحاجة إلى تكرار مسوغات الوصف ومبررات قول الشعر فيه، بعدما عرفنا ما للبيئة والطبيعة من أثر مهم وكبير في حياة أديبنا الثعالبي وفي شعره. وهذا ما جعل هذا الغرض ينثال بين أغراضه الشعرية المختلفة انثيالاً هادئاً ومتوقعاً. كما انه جاء في مقطعات خاصة، فمنها ما جاء في وصف بركة كما رأها، هاك قوله فيها:
أيا طيبَ عيشي أرى بركةً
تسوقُ إلى روضها ماءَها
إذا أنت واجهتها في الدجى
حسبتَ الكواكب حصباءَها
(ق1)، وقوله في الربيعيات:
طلعَ الربيعُ بطلعةِ السراءِ
إذا جاءَنا بالنعمةِ البيضاءِ
فابرزْ إلى الصحراءِ في أيامهِ
حتى ترى الغبراءَ كالخضراءِ
واشربْ على الحمراءِ والصفراءِ من
صهباءَ تذهبُ غُمَّة السوداءِ
(ق4)، وقوله في غلام مليح:
قالوا تشوَّكَ خدَّاه وشاربُه
فقلتُ لا تنكروا ما ليسَ بالعجبِ
الشوكُ في شجراتِ الوردِ محتمل
والشوكُ لا عجبٌ في مجتنى الرطبِ
(ق12)، وله مقطعات في وصف غلامين على هذه الشاكلة (ينظر: ق66، ق75، ق77، ق80، ق95، ق127، ق129). وكل هذه المقطعات برزت جمال وجه هذا الغلام، أو قصَّتْ مغامرة معه، أو وصف لونه وشكله ومنطقه أي أن بعض من هؤلاء الغلمان كان شاعراً، وهذا ما أدعى أوصافاً أُخرى للثعالبي فضلاً عن حسن اللون والمنظر والهيئة والشكل.
ومن الأوصاف الأخرى التي جاءت في شعر شاعرنا الثعالبي وأثبتت مقدرته وتمكنه من غرض الوصف ما قاله في وصف الليالي (ق2، ق18، ق68، 69) وكذلك ما قاله في وصف الحيوانات (ق51، ق57، ق123). وما قاله في وصف الضياع وما فيهن (ق92، ق99، ق100. ..)، وما وصف به بعض المظاهر الكونية كقوله في وصف الريح (ق17)، وقوله يصف الماء الأزرق (138)، وقوله يصف كسوفاً للبدر (ق83)، وكل هذه الأوصاف وغيرها جاءت في شعر الثعالبي، مما ميزت شعره بالصور الحية، المفعمة بالحركة والألوان وتركت مقطعاتها في سحر لفظي وتركيبي وموسيقي جعلته في مصاف الشعراء الوصافين على الرغم من قلَّة شعره، ومجيء أكثره على شكل مقطعات.
وعن الرثاء؛ فقد قلَّ كثيراً في شعر الثعالبي، ولم يأت بين مقطعاته وقصائده إلاَّ في القليل النادر. ولعل مرد ذلك لأسباب كثيرة منها وأهمها أن أغلب شعر الثعالبي في المقطعات وغرض الرثاء – وكما هو معلوم للجميع – لا يكتفي بالمقطوعة لسرد أوصاف المرثي أو المرثية وذكر خصاله أو خصالها. ومن هذه الأسباب أيضاً أن الثعالبي عرف بعض الأغراض الشعرية الأخرى في شعره التي تشابه الرثاء في مضمونها ومعانيها كالحكمة والشكوى، ومثل هذه الأغراض قد تكون غطَّت على معاني الثعالبي الرثائية، وقد يكون الثعالبي هرب من الرثاء وأحزانه إلى مثل هذه الأغراض التي تتضمن شكوى الدهر والزمان من فقد الأحباب والأهل والحكمة من هذا الفقد وكيف العيش بدون صديق أو سمير مع كثرة الخطوب والنوازل.
ومن أشعاره في الرثاء قوله في تعزية الأمير خوارزمشاه عن ابن له:
قُلْ للمليكِ الأجلِّ قدرا
لا زلتَ بدراً تحلُّ صدرا
إني أعزيكَ عن عزيزٍ
كان لريبِ الزمانِ عُذرا
وكان طهراً فصار أجراً
وكان ظهراً فصار ذخرا
(ق71)، وقال في رثاء السلطان محمود الغزنوي:
عجباً من تماسكِ الافلاكِ
ومساغ الزُّلالِ في الاحناكِ
وثباتِ الجبالِ بعد زوال أل
طودِ ذي الطولِ مالكِ الاملاكِ
فلسانُ الزمانِ شاكٍ وطوف أل
دهرِ باكٍ والرزءُ في الملكِ ناكِ
(ق147)، وله مقطعات في الحكمة. وفي هذه المقطعات العظة من التجارب مع الناس، والتحرز منهم، والخوف من الدهر وتصاريفه، وعدم الحرص على الدنيا وزينتها. وقد جاء الثعالبي بهذا الغرض على الغاية من البراعة في اللفظ والمعنى، ودقة استعمال الصور، وحسن استعمال البديع وأثره الصوتي في المقطعات ولاسيما في هذه الأغراض.
وله أشعار في الخمر (ينظر: ق37، ق69، ق94، ق108، ق117، ق131، ق135، ق155،...)، وفي الحنين (ينظر: ق27، ق28)، وله في التهنئة بقدوم شهر رمضان المبارك (ق151)، والتهنئة بمولود جديد (ق161)، والتهنئة بدار جديد (ق189).
وهذه الأشعار عكست الحياة الاجتماعية للعصر العباسي الذي عاش فيه الثعالبي، وبيَّنت جوانب مهمة من تلك الحياة في مظاهرها المختلفة، وأحداثها المتنوعة.
ولا يعني أن الثعالبي الذي عرف شعر الشكوى والرثاء والحنين والحكمة أنه شاعر حزين، أو أن مظاهر الحزن بادية في شعره وظاهرة عليه، فقد عُرف في شعره بعضاً من مظاهر الهزل والإمتاع، وجاءت أيضاً في شعره بعض الأحاجي والألغاز (ينظر: ق61، ق67، ق93...)، وهذا دليل آخر على سعة تصوير المناحي الاجتماعية في شعر الثعالبي وكبير عنايته بها.
ومثلما جاء المكان الطبيعي والمكان الأليف في شعر الثعالبي جاء المكان المعادي في شعر الشاعر أيضاً. فله مقطعات – وقصائد أيضاً – في وصف هذا المكان المعادي المظلم، وبيان أثره في مَن أُودع فيه، أو سكنه. (ينظر: ق29، ق45، ق87). وجاءت هذه الأشعار في وصف هذا المكان، والحديث عن عظم المصيبة والمأساة لمن كان نصيبه في الدنيا، وكذلك قدم الثعالبي حكمته في الموعظة من هذه المصيبة، والتقرب إلى الله – عز وجل – لكشفها، وجاء بالتسلية والتصبر للمسجون حتى يتم الله عليه الفرج والخروج وفي ذلك تجربة معيشة من رجل عرف كل شيء في هذه الدنيا خيرها وشرها حقها وباطلها جيدها ورديئها كيف لا وهو الثعالبي الذي عرف أكثر البلدان وأكثر الأشخاص وكتب عنها وعنهم، وألَّف فيها وفيهم.
وفي الختام يسعدني أني برزت شعر مصنف وآثاري وإخباري كبير شهدت له الأمصار والأماكن بسعة علمه، وعظيم ذاكرته، وكبير فهمه وحفظه. وهذه الدراسة لا تسع كل شعر هذا الشاعر والمصنف والآثاري والإخباري، ولعلِّي أعود إلى هذا الشعر يوماً لدراسته دراسة مفصلة كالدراسات التي تتناول المستويات المعروفة كالتركيبي، والصوتي، والدلالي. أو دراسة القيم الجمالية في شعره في المقطعات وما إلى هذه العنوانات.
كما أني أرجو الباحثين والدارسين الاهتمام بهذا الشعر، ووضعه في المكانة اللائقة والمستحقة التي يستحقها الثعالبي ويعرف بها، فكم من رسالة تناولت الشعر العباسي في عصره ولم تحوِ – وللأسف الشديد – شعر الثعالبي بين الدواوين المستخدمة والمجموعات التي ضمتها قائمة المصادر في نهاية تلك الرسائل والاطاريح.
ولا يسعني أخيراً إلاَّ أن أقف وقفة إجلال واحترام ودعاء بالرحمة، والمغفرة لأستاذنا الكبير الأستاذ الدكتور محمود عبد الله الجادر – يرحمه الله تعالى – محقق الديوان، ومبرز آثار الثعالبي، فله وللمصنف كل التقدير والتحية، وعليهما ألف ألف رحمة، وأظنُّ أني أطلت عليكم، فيا رب حسن الختام والسلام.
التحقيقُ ونقدُ التحقيق
(الخطوات والمنهج) في آثار عباس هاني الجراخ
اثبت الأخ المحقق، والدكتور المؤلف عباس هاني الجراخ نفسه في التأليف، والتصنيف، وعمل الفهارس على الساحتين العراقية والعربية، فله اليوم أكثر من ثلاثين مؤلفاً في العلوم والفنون المختلفة، وخطواته التي يجب أن تُتبع، ومناهجه التي اصبحت قواعد للباحثين والدارسين والمحققين يجب الاطلاع عليها، والأخذ منها، والسير على خطواتها.
وقد حقق الدكتور الجراخ أكثر من مخطوطة على أصولها ونسخها التي عثر عليها من الأصدقاء، أو من المكتبات الخاصة والعامة. وفي التحقيق سار المحقق الجراخ على خطوات التحقيق الأصولية والعلمية، في:
- إثبات أهمية النص المحقق، والجدوى من تحقيقه وإصداره، وإشهاره للناس وهو في هذا الشأن يستغرق الصفحات الطوال في الحديث عن هذه الأهمية، وهاتيك الجدوى، بأسلوب علمي وأدبي بليغ لا يُملُّ ولا يسأم.
ويصل في هذا الحديث إلى نتائج ملهمة، توجب الاقتناع بها وتأييد صاحب الكتابة فيها، ومن ثمَّ ينتقل إلى الفِقر الآتية من الدراسة.
- إثبات براعة المصنف، وتفوقه في التأليف ولاسيما في الكتاب الذي يحققه له. وهو بهذا يؤيد الفقرة الأولى، ويأتي لنصه المحقق، ولمصنفه بالتميز والاستحقاق مما يجعلنا في قناعة تامة بضرورة إخراجه، وبذل الجهد والوقت والمال والسؤال في سبيل تحقيق هذه الضرورة، ورؤيتها واقعاً ملموساً وشاهداً واضحاً عنده وعند الآخرين.
- الحديث المطول العلمي والمنهجي عن صاحب المخطوط. وهو في هذا يتكلم عن حياة المصنف من (اسمه، رحلاته، ولادته، وفاته، وأهم آثار المؤرخين والأدباء في حياته وآثاره).
ومن ثمَّ ينتقل للحديث عن آثار المصنف – إن كانت له آثار – ويقسمها إلى: المطبوعة، المخطوطة، المفقودة.
ويأتي بالحديث عن كل فقرة بالتوثيق، والنقد، والإضافة لما ذكره القدامى والمحدثون في اسم هذا الكتاب أو ذاك، ولما حققه فلان، أوصدَّره آخر.. وهلم جراً.
- في الحديث عن المخطوطة، يأتي الدكتور الجراخ بابتكارات علمية جديدة فهو يوسع الحديث عن المصنفات التي أثّرت في المخطوط الذي يحققه، ومن ثمَّ التي تأثَّرت به. وكذلك المخطوطات، والإصدارات التي حملت عنوان الكتاب نفسه، أو الذي يشابهه في الفكرة والمنهج والمضمون.
كل هذا الحديث يكون بالأدلة العلمية، وبالاستدراك والإضافة، والتوثيق، والتفصيل، ومناقشة آراء الآخرين من محققين وباحثين، وتأييدها أو الرد عليها.
- ومنها يصف المخطوطة وصفاً منهجياً دقيقاً، ويذكر أماكنها، وكيف حصل عليها ومتى، ويثبت نماذج من مصورة كل مخطوطة– إذا كان هناك أكثر من مخطوطة– ولاسيما صفحة العنوان، والورقة الأولى والورقة الأخيرة.
وإن كانت هناك طبعات قديمة وحجرية للمخطوط الذي يحققه يشير إليها، ويبين مدى الإفادة منا، وإن كانت هناك طبعات محققة للمخطوط الذي يحققه يشير إليه، ويُعرِّف به، ويذكر الأسباب التي دعته لإعادة التحقيق، وكيف يعد التحقيق الأول ساقطاً من النواحي العلمية والمنهجية الحديثة التي اقرها أهل هذه الصنعة وشهد لها الجميع، وانصاع لخطواتها في التحقيق والتوثيق، والإخراج.
ومن أهم تحقيقاته في هذا المجال:
- محاضرة الأديب ومسامرة الحبيب: علي الحلي (ت1335هـ).
- معجم الشعراء: للمرزباني (ت 384هـ).
- جمهرة نسب قريش وأخبارها: للزبير بن بكار (ت 256هـ)، جزءان.
- تقريظ مناظرة الحرمين: للفيروز آبادي (ت 817هـ).
- ذيل مرآة الزمان: لليونيني (ت726هـ).
- الشفاء في بديع الاكتفاء: لمحمد بن حسن النواجي (ت 859هـ).
- فضُّ الختام عن التورية والاستخدام: للصفدي (ت 764هـ).
- المقصد الأتم في شرح لامية العجم: لكمال الدين الدميري (ت808هـ) بالمشاركة.
- ديوان سيف الدين المشد (ت 656 هـ).
- الورقة: لمحمد بن داود الجراح (ت 296 هـ).
ومما يلحق التحقيق أيضاً جمع الشعر وتوثيقه وتخريجه ودراسته، وقد استطاع الدكتور الجراخ أن يُضيف كلمة تحقيق لهذا الجمع والتوثيق من خلال أطروحته العلمية الكبرى الموسومة بـ: (تحقيق النصوص الادبية واللغوية ونقدها في العراق). ومن خصائص جمع الشعر وتحقيقه لديه أنه يأتي بالدراسة الشاملة والكاملة والتامة للشاعر الذي يجمع شعره. ويتحدث عن أهمية جمع شعره، ومن ثمَّ يضع الدراسة المفصلة لهذا الشعر المجموع من النواحي الموضوعية، والصنعة الشعرية، والموسيقى. .. وغير ذلك.
والدكتور الجراخ أمين جداً، ومحافظ ثقة عندما يتحدث عن جهود الآخرين الذين سبقوه في جمع شعر الشاعر الذي يجمعه، كما أنه يذكر الأسباب التي دعته لإعادة الجمع، وما في الجمع من هنات، وسقطات، وملاحظ، وما في الجمع الجديد من ميزات، وإضافات، واستدراكات.
ولعل من أهم جهوده في هذا المجال:
- يوسف بن زيلاق الموصلي (ت 660هـ)، حياته وشعره.
- شعر محمد بن داود الأصفهاني (ت297 هـ).
- موفق الدين القاسم بن أبي الحديد (ت 656هـ)، حياته وشعره.
- شعر يوسف بن لؤلؤ الذهبي (ت680هـ).
- أحمد بن علي بن معقل الأزدي (ت644هـ)، سيرته، شعره، موقفه من ابن جني.
- شعر ابن النقيب الفُقيسي (ت 687هـ).
- شعر تقي الدين السروجي (ت693هـ).
- شميم الحلي (ت601هـ)، - حياته وشعره -.
- علي ابن البطريق الحلي (ت642 هـ)، - حياته وشعره -.
- شعر الزبير بن بكار (ت256هـ).
- شعر يعقوب بن صابر ألمنجنيقي (ت626هـ).
- شعر ابن العرندس الحلي (ت840هـ).
- شعر الحلة في القرن السابع الهجري... وغيرها كثير.
إذا أتيتُ إلى نقد التحقيق، وسماته، وأصوله. فيعدُّ الدكتور عباس من أوائل المهتمين بهذا العلم. ومِن أهم مَن ألَّف. ويعُّد كتابه القيم (في نقد التحقيق) الذي طُبع في العراق وسوريا، من أجلِّ وأكبر الكتب المؤلفة في هذا الشأن. وقد شهد الجميع من باحثين ودارسين ومحققين ومؤلفين بنفاسة هذا الكتاب، وما أدَّاها في الساحة الأكاديمية من صدىً طيب، وأثر جميل، يحق لنا جميعاً أن نفخر به، وأن نعتز بمؤلفه، وقد كتبت عنه الدكتورة نادية العزاوي (أستاذة الأدب العباسي في الجامعة المستنصرية) وأشادت به وبقيمته، وعلم صاحبه، كما أشاد به وذكره الدكتور صباح نوري المرزوك، والدكتور سامي علي جبار المنصوري، والدكتور أحمد حاجم الربيعي، والأستاذ المحقق عبد العزيز إبراهيم، والدكتور محمد عويد الساير. ..وغيرهم.
أمَّا عن خطوات ومنهج الدكتور الجراخ في نقد التحقيق، فهي:
- يذكر الكتاب المحقق الذي يريد تحقيقه، وطبعاته ومن حققه بالاشتراك، أو إذا كان هناك أكثر من محقق، وأين نُشر ومتى، وهل أُعيد نشره، فإن أُعيد فإنه يهتم بآخر الطبعات والنشرات، نقداً وتعليقاً وتتمة.
- يذكر النسخ الخطية التي فات المحقق الاطلاع عليها، وما فائدتها لو اطلع المحقق عليها، وما فيها من جديد وإضافة للنص المحقق ولمحققه.
- الزيادة في التخريجات الجديدة على وفق آخر المظان الأدبية والعلمية الصادرة.
- تبيان سقطات المحقق، وهناته في النص المحقق، وتقصيره في ترجمة شخص، أو حدث، أو التعريف بمكان، أو عزو الشعر ونسبته لصاحبه. وما إلى غير ذلك من الفقرات العلمية والمنهجية المهمة.
- ملاحظة الفهارس التي يعملها المحقق، ومدى إفادتها للكتاب المحقق، أو للقارئ، وما بذله المحقق في سبيل عملها، ثناءً أوتقصيراً ولوماً.
- إذا كان هناك أكثر من تحقيق فإنَّه يوازن بين النصين المحققين ويخرج بنتائج مهمة تجعلنا أقرب إلى النشر العلمي والمنهجي لأحد النصين، ونشيد بفضل صاحبه، وحسن صنيعه في التحقيق والدراسة.
ومن آثاره في هذا المجال فضلاً عن كتابه (في نقد التحقيق):
- فوات الدواوين.
- نغال الإيغال.
- تحقيق النصوص الأدبية واللغوية ونقدها في العراق.
- مناهج تحقيق المخطوطات.
- نظرات نقدية في كتب التراث.
- في نقد التأليف.
- معجم الدواوين المحققة في العراق.
أخيراً ؛
أتمنى للأخ أبي حوراء الدكتور عباس هاني الجراخ التوفيق الدائم، والتألق المستمر في سبيل نشر وتحقيق الكثير من المخطوطات، وشعر الشعراء، وكتابة الدراسات القيمة والجادة التي تتناول الكتب المحققة والمؤلفة، نقداً واستدراكاً، وإضافة، وتعليقاً، وفهرسة، وتتمة.
وآخراً ؛
أتمنى من الجميع أن يشمروا عن ساعد الجد ليكونوا كأخيهم الدكتور الجراخ – والكلام موجه لأخوتي في العراق – فإنه علم يستحق الفخر به، وبنتاجه، ولنكن اصلاء أوفياء في البحث والتأليف، وأن نكفَّ عن الكلام والثرثرة التي لا فائدة منها، فإنما العلماء بآثارهم وما يؤلفون. ومن الله السداد والتوفيق.
عنايةُ العراقيين بآثار الثعالبي. .. تعريفٌ وتصنيفٌ.
هذا مقال تعريفي ومختصر شمل عناية العراقيين بآثار الثعالبي الأديب والمصنف ولأخباري والشاعر.
وقولي تعريفي ومختصر يستحق التوضيح والتفصيل. فالتعريف لأن المقال لا يتسع لكل ما كتبه العراقيون عن هذا الأديب الأريب، والمصنف الحجة. وقولي مختصر لأن المقال هو مفتاح لبحث كبير سيأتي في قابل الأيام لصاحب هذه السطور، وسمه بـ: (الثعالبي في آثار الدارسين العراقيين)، فيه تفصيل أكثر، وعرض اكبر لما نشره العراقيون من كتب الثعالبي ومصنفاته، ومحققوه من هذه الكتب والمصنفات.
ولذا سيكون هذا المقال مبسطاً وموجزاً للحديث عن أهم تلك الآثار التي نشرت بتحقيق عراقي، وجهد عراقي، نال العناية والإعجاب في أغلبها. وكذلك هو تصنيف لهذه الآثار، وأشبه بالفهرسة لها على أنه – المقال – سيبتعد عن بعض البحوث والرسائل الجامعية ؛ أنه –كما أسلفت –لا يتسع لكل هذه الجهود الكبيرة في نشر آثار الثعالبي، ولتوافر البحث الآخر الذي سيضمها ويوسع الحديث عنها وعن جهود أصحابها وكاتبيها.
بدءاً, هناك من اختص بآثار الثعالبي من العراقيين وفي مقدمتهم الأستاذ الدكتور محمود عبد الله الجادر – يرحمه الله –, وكذلك أستاذنا الكبير وشيخ المحققين العرب الأستاذ هلال ناجي – عليه رحمة الله – فلهم في آثار الثعالبي أكثر من مصنف محقق ودراسة وكتاب.
كتب الدكتور الجادر – يرحمه الله – رسالته للماجستير في أدب الثعالبي ونقده. وهي دراسة – في وقتها وإلى يومنا هذا – تشهد لباحث عراقي بالأصالة والتميز والإبداع والقدرة على النقد، والتحليل والتقويم. وقد طُبعت هذه الرسالة في أكثر من مكان واحد في بغداد وبيروت، ونفدت هاتان الطبعتان من الأسواق لجهدهما الكبير، وبراعة مؤلفها في استنطاق المصادر المهمة, وإبراز الثعالبي الأديب الناقد كما حملت هذه الرسالة هذا العنوان وكما جاءت في الكتاب المطبوع.
قدم الجادر لكتابه: (الثعالبي أديباً وناقداً) بدراسة مهمة وكبيرة عن الشاعر والأديب والناقد الثعالبي اتبع هذه الدراسة بقائمة من آثار الثعالبي التي بقيت منهلاً مهماً، ومصدراً حقيقياً للباحثين الذين جاؤا بعده والذين اعتنوا بآثار الثعالبي دراسة وتحقيقاً ونشراً.
ومن ثمَّ جاءت الدراسة النقدية والادبية المتمثلة بدراسة شعر الثعالبي من النواحي الموضوعية والخصائص الفنية والأسلوبية – على عهد المؤلف – وكانت دراسة جادة شهد لها الجميع من باحثي الأدب العربي ودارسيه، وكذلك وكذلك كان طريقاً مهماً للباحث – رحمة الله عليه – في كتبه اللاحقة التي كانت تعنى بتحليل النص الشعري العربي – ولاسيما الجاهلي – وتبرز فيه مواطن الإبداع والجمال والتميز.
وجاءت بعدها آثار الثعالبي التي حققها الدكتور الجادر ونشرها. ولعلَّ من أهم تلك الآثار هو نشر ديوان الثعالبي في بغداد سنة 1990. إذ وضع هذا التحقيق لبنة مهمة في الأدب العربي في العصر العباسي، كذلك أضاف جهداً عراقياً مهماً وأصيلا لجهود العراقيين في التحقيق والتوثيق والتخريج عامة وفي آثار الثعالبي خاصة. ولا أنسى أن انوه بجهد الدكتور الجادر في الاستدراك والتصحيح لهذا الشعر عن الجهد الذي نشره الدكتور محمد فتاح الحلو وفضل السبق عليه في الجهد وزيادة النصوص الشعرية المحققة والفهارس. .. وما إلى ذلك.
بدء الدكتور الجادر بدراسة موجزة عن حياة الثعالبي وعن شعره، ومن ثمَّ أهم الخطوات عمله في هذا المجموع. وجاء إلى النصوص الشعرية فأثبت أرقام كل نص شعري، ورقَّم الأبيات، ووازنها بين الروايات المختلفة لها، ومن ثمَّ اثبت البحر الشعري، وغرض كل نص شعري، وعرَّف في الهوامش التي جاءت بعد التخريج بالأماكن والأحداث والشخصيات التي تحتاج إلى تعريف وشرح على الغاية من الإتقان في التخريج والتعريف والاستنطاق للمظان المهمة التي استلزمها كل تعريف وشرح.
ومثل هذا الجهد في المتابعة والتخريج وصنع الفهارس اللازمة للتحقيق، والدراسة الممتعة للثعالبي وللأثر الذي يحققه، عمله الدكتور الجادر مع آثار الثعالبي التي نُشرت بتحقيقه. إذ نشر كتاب الثعالبي (أجناس التجنيس) بعد نشرة الدكتور إبراهيم السامرائي الناقصة والمتواضعة، ونشر أيضاً كتاب الثعالبي (اللطف واللطائف) في الكويت وبغداد.
وأما عن الأستاذ هلال ناجي – رحمه الله – فيعدُّ كتاب: (الأنيس في غرر التجنيس) من أهم آثار الثعالبي التي نُشرت بتحقيقه. وتعود هذه الأهمية إلى أنه يصدر للعالم لأول مرة، وكذلك إثبات هذا الأثر المهم للثعالبي بعد أن كان يُظن أنه لشميم الحلي ويعرف به.
ونشر الأستاذ هلال والدكتور زهير غازي زاهد كتاب الثعالبي: (التوفيق للتلفيق). وعلى الرغم من اشتراك الدكتور زاهد مع الأستاذ هلال في تحقيق هذا الكتاب، إلاَّ أن جهد الأستاذ هلال واضح جداً في قراءة المخطوطة، وكتابة المقدمة للتحقيق والتعريف بآثار الثعالبي المطبوعة والمخطوطة والمفقودة، وكل هذا الجهد نهض به الأستاذ هلال، بأسلوبه البليغ، وقلمه الرائع في العرض والموازنة والرد على الآخرين، والتعريف بحياة الثعالبي، والمخطوطة وقيمتها العلمية، والأدبية، والفكرية.
ولا يخفى على الجميع ما في هذه الكتب من صعوبة ومشقة على الرغم من صغرها، إذ أن الثعالبي يورد الكثير من الشعر في مصنفاته فضلاً عن بعض الكلمات التي تحتاج إلى شرح وتأويل في هذه النصوص الشعرية، وكذلك الأسماء للشخصيات والكتب والمصطلحات البلاغية التي تأتي مع هذه المصنَّفات. وذلك ما وفِّق إلى شرحه وتخريجه وبيانه الأستاذ هلال في تحقيق الكتاب الأول، ومع شريكه في تحقيق الكتاب الثاني، فرحمه الله عالماً ومحققاً وأديباً وإنساناً.
ومن الأساتذة العراقيين الآخرين الذين اهتموا بآثار الثعالبي تحقيقاً ونشراً الدكتور قحطان رشيد صالح الذي نشر كتابين للثعالبي الأول منهما: كتاب: (لباب الآداب) بجزأين. والآخر: كتاب: (غرر البلاغة في النظم والنثر). وعلى الرغم من جهود الدكتور قحطان في قراءة مخطوطة هذه الكتب ونسخها الكثيرة والمقابلة بين هذه النسخ، وتخريج الشواهد، وإصدار هذه الكتب باسمه وبتحقيقه إلاَّ أن هذه التحقيقات لاقت كثيراً من النقد في بعض الملاحظ المنهجية والعلمية التي وقع فيها الدكتور قحطان، وكان المفروض ألاَّ يقع فيها، وهو الأستاذ الكبير، أو على الأقل يتجاوزها في طبعات جديدة لهذه الكتب، إلاَّ أن ذلك لم يحدث إلى يومنا هذا على الرغم من التطور الهائل الذي انتاب علم التحقيق، وأركانه، وخطواته. وظهور نقد التحقيق إلى جانب هذا العلم وهو في غايته خدمة للمحقق وتحقيقه الأول، إلاَّ أن الدكتور قحطان لم ينتبه لذلك، ولا ادري لماذا؟!.
ومن تحقيقات الآخرين الأخرى لآثار الثعالبي وكتبه. تحقيق الأستاذ شاكر ألعاشور لكتاب الثعالبي: (تحسين القبيح وتقبيح الحسن) صدر هذا الكتاب عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في الجمهورية العراقية، سلسلة إحياء التراث الإسلامي (38) لسنة 1981.
والأستاذ ألعاشور محقق ثبت له فضل على علم التحقيق يشهد بذلك أكثر المحققين العراقيين، ويعترفون له بالفضل، كالدكتور صباح نوري المرزوك، والدكتور عباس هاني الجراخ، والدكتور محمد حسين الاعرجي. .. وغيرهم، وكان آخر تحقيقاته ديوان أبي الفتح ألبستي في دمشق وهو الطبعة المحققة تحقيقاً علمياً ومنهجياً والتي أضافت على الطبعات الأخرى أكثر من ألف بيت شعري صحيحة النسبة للبستي موثقة توثيقاً علمياً على أصل خطي نادر.