eKtab
EN ع
مقالات في الشعر والنقد والدراسات المعاصرة
Read free sample

مقالات في الشعر والنقد والدراسات المعاصرة

by د. أحمد إسماعيل النعيمي

Page 1

المقدمة

دأب بعض الباحثين في هذا التخصص من المعرفة أو ذاك- على جمع أبحاثهم أو مقالاتهم أو محاضراتهم، في كتاب جامع مانع- خشية ضياعها أو نسيانها من جهة، والرغبة في إفادة قراء بعينهم من جهة أخرى.

من هذا المنطلق آثرت إيداع ما توافر لديَّ من مقالات سبق أن نشرتها في الصفحات الثقافية لعدد من الصحف والمجلات العراقية، طوال زمن غير قصير، في هذا الكتاب، الذي تصدره عنوان (مقالات في الشعر والنقد والدراسات المعاصرة). وما هو جدير بالذكر أن ما تم جمعه من هذه المقالات، هو حصيلة استقراء عدد غير قليل من دواوين الشعراء القدماء، وطائفة من المظان الأدبية والنقدية، فضلاً عما أمدتني به الدراسات الحديثة، وبعض مجاميع الشعراء المعاصرين، من رؤى وأفكار ومنطلقات، أسهمت جميعها في بلورة هذه المقالات بعنواناتها ومضامينها.

ونظراً لتعدد توجهاتها –أي المقالات- فقد عمدت إلى عرضها في عنوانات ثلاثة أبواب رئيسة، مستغرقة عدداً من الفصول ذات الصلة المباشرة وشبه المباشرة بتلك الأبواب، فالباب الأول الذي تصدره عنوان (الخطاب الشعري.. من المنظور الإبداعي) اكتنف ثلاثة فصول رئيسة، معنية جميعها بعملية الإبداع الشعري من الجوانب الفكرية، والسمات الفنية، مستوحاة من الخطابات الشعرية المستشهد بها، متجاوزاً العنوانات التقليدية، والأحكام الجاهزة، التي اشبعت بحثاً واستقصاء، أما الباب الثاني وعنوانه الرئيس (قراءات في عوالم النقد)، فقد توزع بين ثلاثة فصول، الأول معني بالنقد التنظيري (النقد والنقاد) معالجاً فيه كل ما يتعلق بالناقد وأحكامه وآرائه من النواحي كافة، مع تطرق إلى ما عدّ إبداعاً من منظور المعايير النقدية. وغدا الفصل الثاني من النقد التنظيري مهتماً بعرض (قضايا ومصطلحات) واختص الفصل الثالث بـ (النقد التطبيقي) لطائفة من المجاميع الشعرية المعاصرة –دراسة وتفسيراً وتحليلاً- فضلاً عن بعض المجاميع القصصية.

وبشأن الباب الثالث (الأخير)، ذي عنوان (الدراسات المعاصرة- عرضاً وتقويمأً-) فقد ارتأيت ان يضم ثلاثة فصول الأول، أهتم بعرض (الدراسات الحديثة) ذات الصلة باللغة العربية وآدابها، والثاني عني بتقديم الأطاريح والرسائل الجامعية، مسجلاً ما لها وما عليها. والفصل الثالث، سلطت فيه الأضواء على الآفاق الأكاديمية من حيث ما هو كائن، وما يجب ان يكون، عارضاً أهمية الأستاذ الجامعي وكفاءته وابحاثه ومناقشاته وفصاحته في حواراته مع طلابه الجامعيين في المرحلتين الدراسيتين الأولية والعليا.

ذلك مجمل محتوى هذه المقالات –بمختلف منطلقاتها- التي آمل ان تحظى باستحسان من يتطلع إلى ما هو جاد ورصين في العرض والتحليل والنتائج في ما يكتب وينشر، ومن الله –عز وجل- العون والتوفيق.

-الباحث-

Page 2

الشعر ومنبع إبداعه...

يذهب كثير من النقاد والباحثين إلى عد (العاطفة) أحد أهم عناصر عملية الإبداع الأدبي، يليها الخيال والمعنى والأسلوب.. وتراءى لبعضهم ان الأديب أو الشاعر لا يكتب أو ينظم الا إذا هزته تجربة عاطفية، وهي وحدها الكفيلة بان تمنح الأدب الخلود! ولاسيما إذا توافر في هذه التجربة صدق الوجدان!

بيد أننا حين ندقق النظر في ماهية الشعر بخاصة، ونعي انه فن أولاً وأخيراً، أدركنا ان الشاعر فنان، والفنان في حقيقته هو من يشعر بما لا يشعر به غيره، ويخلق عالماً مغايراً للواقع المرئي، في تشكيل فني منبعه موهبة فطرية خلاقة، معززة بامتلاك ناصية اللغة والوعي بأسرارها وإمكاناتها غير المحدودة وتطويعها في ضرب من النسيج، وجنس من التصوير المؤطر بخيال يتيح لنا التمييز بين رسام للشعر وآخر ناظم له!

وهذه المعايير لفن الشعر تبقى أحادية الجانب. ما لم يترك النص الشعري في نفوس المتلقين المتعة والفائدة ويخلب البابهم وعقولهم، ويصادر عواطفهم.

حتى يمكننا القول ان العاطفة المرادفة للاستجابة أو التأثر هي التي تتوافر في المتلقي لا المبدع أو الشاعر، الذي حسبه أن يلون الأشياء كما يشعر بها، ويعرضها كما يشتهي هو! ومما يزيد القناعة بذلك قول الشاعر الإنجليزي (ميلر): (نحن معشر الشعراء ننجح في الأوهام خيراً من نجاحنا في الحقائق) وهو رأي له مصداقيته كونه منبثقاً من شاعر، والشعراء أفهم الناس بالقريض وأسراره، كما نعده أكثر دلالة وعمقاً من مقولة (أعذب الشعر أكذبه)!

وللدلالة على ما نقوله نشير إلى الملاحم الشعرية القديمة (كلكامش، الالياذة، الأوديسة) وغيرها، فهي في جوهرها (اسطورية) ولكنها على الرغم من ذلك اكتسبت (الخلود الشعري) في تجاوزها حدود عصرها بأبعادها الفكرية والجمالية، ويقال الشيء نفسه عن القصائد الشعرية عبر تاريخ عصور الأدب العربي التي مازالت نابضة بالحياة، ولم تكن تمت بصلة إلى العواطف!..

وإذا ما وقع الحافر على الحافر، في ما قاله الشعراء ويقولونه فذلك ما دفعتهم إليه تجربتهم الشعورية المستغرقة لعواطفهم الإنسانية واحاسيسهم المرهفة. وشأن الشاعر في هذا المجال، شأن الفنان (الممثل) فتظاهره بشعور ذي تأثير في جمهوره وهو مغاير لدواخله النفسية يمثل قمة الإبداع وعظمته!

وعليه يمكننا القول ان الشعور في معناه الشمولي والواسع هو أساس الخلق والإبداع في الشعر بخاصة، والفنون بعامة، وهذا الشعور الواعي يستمد كينونته من عالم اللاشعور ولا يقصد من وراء ذلك إرجاع الصور الفنية إلى أحلام أو صور بدائية وحسب، بل إلى الكشف عن التسامي بالعواطف والرغبات، والوقوف على أصالة الشعر، وأسباب استجا بة الناس له، ومنبع خلقه الفني أيضاً.

Page 3

الشعر وأنماط لغته...

قد يسهم هذا المقال المتواضع في إضافة شيء يستحق الذكر إلى مناقشات الحلقة الدراسية المعنية بمحور (الشعر واللغة) التي تعقد على هامش مهرجان المربد الشعري.

مبتدئين بالقول ان هناك حقيقة مؤكدة هي ان كلمة العلماء والفلاسفة والنقاد والباحثين لم تتفق على تحديد مفهوم جامع مانع للشعر. فهو يضيق عند طائفة، ويتسع عند طائفة أخرى، فضلاً عن اختلاف الآراء في بواعث نظم الشعر وشحذ القريحة له. والتباين في تسمية موضوعاته أو أغراضه، وتعيين عددها!

بيد أننا وجدنا في رأي (الجاحظ) في الشعر، ما يغني معرفتنا بهذا الفن، ويبلور مفهوماً وافياً له، ولاسيما في إدراكه ان سر الشعر كامن في لغته الشاخصة ملامحها في ضرب من النسج، وجنس من التصوير مع مزية الوزن القافية. ولو دققنا النظر ملياً في ماهية النسج، لتبين لنا انه مرادف للنظم، والنظم لغة: هو التأليف والصياغة والسبك، وضم شيء إلى شيء آخر، ومنه يقال: نظمت اللؤلؤ، أي جمعته في السلك، ومن المجاز الكلام، وذلك ما يفسر دواعي تداول مصطلح نظم الشعر وشيوعه في الدراسات الأدبية والنقدية. بدلاً من قولنا كتابة الشعر! هذا من جهة، ومن جهة أخرى ينبئنا (الجاحظ) ان الشعر قد ينتظم في لغة تقريرية ذات أبعاد فكرية خالية من التصوير.. وهي في الوقت نفسه.. تعد ملمحاً من ملامح فنية الشعر والأمثلة في هذا الشأن أكثر من ان تحصى، وحسبنا في هذه من الشواهد:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً

وياتيك بالأخبار من لم تزود

من ذا الذي ترضى سجاياه كلها

كفى المرء نبلا ان تعد معايبه

لا يعرف الشوق الا من يكابده

ولا الصبابة الا من يعانيها

وقد وسع هذا المفهوم للشعر، (عبد القاهر الجرجاني) في نظرية النظم المودعة تفاصيلها في كتابه الذائع الصيت (دلائل الإعجاز) وخلاصتها (ان النظم هو تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض مع توخي معاني النحو فيما بين الكلم، وان تقتفي في النظم آثار المعاني، وتربتها على حسب وترتبها في النفس) فالجديد الذي أضافه الجرجاني هو توخي معاني النحو في ذلك النظم، مع تأكيده ان ليس للألفاظ فضيلة وهي متفردة، الا من خلال حصولها على صياغة من التأليف مخصوصة، وذلك ما ينطبق على جنس الشعر بخاصة، والخطاب النثري بعامة، من منطلق ان النظم مجهود يبذله الشاعر والأديب في الترتيب، وفي الاختيار، حتى يصبح النص وافياً بأداء المعنى.

اما قول (الجاحظ) ان الشعر (جنس من التصوير) أيضاً. فقد شخص بحسه النقدي الثاقب، ان الشعر قد يتعدى النسج إلى ضرب من الصور، وبذلك يغدو الشاعر ناظماً ورساما في آن معاً. ويبدو ان النقد القديم كان واعياً ان الصورة عماد الشعر وقوامه، ولم يكن - في حاجة- لتأكيد على ان الشاعر مصور أو رسام، من خلال الكلمات المؤتلفة في نسج أو نظم، مع قدرة فائقة على التحكم في المجاز.

ويبدو ان بعض النقاد المحدثين قد سلم بما افاض به الجاحظ، ومنهم الناقد الغربي سي. دي لويس، في رؤيته ان الصورة (رسم قوامه الكلمات مشحون بالعاطفة والخيال) اما غيره فقد وسع من مفهومها انطلاقاً من المدارس النقدية الحديثة المتأثرين بها. وتكاد تتفق آراؤهم على كون الصورة تشكيلاً لغوياً وجمالياً تستحضر فيه لغة الإبداع الهيئة الحسية أو الشعورية للأجسام والمعاني بصياغة تمليها قدرة الشاعر وتجربته- في نقل الواقع إلى فضاء الإبداع الشعري- على وفق تعادلية فنية بين طرفين هما المجاز والحقيقة دون ان يستبد طرف بآخر.

ولعل الصورة التي رسم أبعادها الشاعر العربي افصاحاً عما بكابده من شدة الوجد والهيام، أفضل انموذج يؤكد حقيقة مفهوم الصورة ووظيفتها وأهميتها، وذلك في قوله:

هل الوجد الا ان قلبي لو دنا

من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر

Page 4

الشاعر واللغة..

هناك رابطة حقيقية بين الشاعر ولغته تتجسد أبعادها في كون اللغة فطرة في نفسه يغرف منها بلا انتهاء، فهي كنزه وثروته ووحيه والهامه، وكلما ازدادت صلته بها، وتحسس لها، كشفت له عن أسرارها المذهلة، وفتحت له كنوزها المذهلة.. حتى يحيلها إلى ضرب من النسج، أو جنس من التصوير في سياق لغوي مملوء بالايحاءات والدلالات.

وهذا التصور لعلاقة الشعراء باللغة لا يحول دون خروجهم – في بعض الأحايين- على قواعدها وأصولها.

غير ان بعض العلماء والنقاد التمس العذر للشعراء في هذا الخروج ضمن ما اصطلح على تسميته بـ(الضرورة الشعرية) وهي في أوجز من معانيها (ما وقع في الشعر من خروج على القياس، مما لم يقع في النثر، سواء كان للشاعر عنه مندوحة أم لا)! وذلك بسبب احتياج الشاعر إلى إقامة الوزن.

ولا تبدو هذه الضرورة –كما يخيل الينا- دفاعاً عن الشعراء، بقدر ما هي إثبات لكفاءة العلماء وعلو شأنهم في اللغة، ومعرفتهم بأسرارها وابنيتها وقواعدها، إلى جانب افصاحها عن التنافس القائم بينهم، إذا أخذنا في الحسبان من يجد (الضرورة الشعرية) ضرباً من الخطأ أو مجانبة الصواب!.

ومن خلال استقرائنا لبعض نصوص الشعراء القدماء يتضح لنا ان الخطأ النحوي الذي يقع فيه هذا الشاعر أو ذاك لا علاقة للوزن الشعري به مطلقاً، على نحو ما نطالعه في قول جرير:

ان العيون التي في طرفها حور

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

وقول الآخر:

الم يأتيك والأنباء تنمي

بما لاقت لبون بني زياد

باثبات الياء في حال الجزم، فسوغ ذلك بعض العلماء، في قوله: انها لغة بعض العرب، يجرون المعتل مجرى السالم في جميع أحواله، ويرى أحد الباحثين المحدثين: انه من لغة الشعر في نحوها وابنيتها!!.

وفي رأينا المتواضع ان الشاعر غلب عليه الايقاع النغمي لأداة الجزم (لم) ضمن السياق الشعري، مما جعله عازفاً عن استخدام أداة النفي (لا) التي هي دونها في الايقاع مع استقامة الوزن معها، وحسبنا ان نعرف ان القدرة التعبيرية للألفاظ ذات صلة ببراعة الشاعر في اختيارها، وضم بعضها إلى بعض في موسيقية تعتصر كل إمكانياتها الإيقاعية والجرسية، وان أدى ذلك إلى الخروج على القياس النحوي المطرد!.

ومما يؤكد حقيقة ان الشعراء يخطأون كما يخطأ الناس، ويغلطون كما يغلطون، ان بعض اللغويين والنحاة عمد إلى إصلاح اللحن الذي وقع فيه الشاعر الجاهلي امرؤ القيس في قوله:

اليوم أشربْ غير مستحقب

اثما من الله ولا واغل

فابدلوا الفعل المضارع المجزوم (اشرب) بلا علة بـ(الهو) أو (اسقى) ليستقيم مع القاعدة النحوية.

وإذ نكتفي بهذه الشواهد- وهي فيض من غيض- فحسبنا ان نشير إلى أن الشعراء في أي زمان معرضون للوقوع في أخطاء لا تحتاج إلى إيجاد مسوغات أو تخريجات لا سند لها.

وقد أولى النقاد المعاصرون هذه القضية اهتماماً كبيراً، لعل نازك الملائكة كانت أكثرهم حرصاً، فقد انبرت تحذر من التغاضي عن الأخطاء اللغوية والنحوية التي يقع فيها بعض الشعراء، لاسيما المبتدئين منهم، مؤكدة انه ليس من حق أي شاعر ان يخرق القواعد الراسخة، أو يصوغ الكلمات على غير القياس الوارد، أو يبتدع أنماطاً من التعبير الركيكة التي تخدش السمع المرهف.

وهي بذلك تلقي على كاهل الشعراء كافة مسؤولية عدم الاستهانة باللغة العربية، والاستخفاف بقواعدها الرصينة، والوعي بأهميتها.. والا يتناسوا ان عملية الإبداع الشعري أو الأدبي في جوهرها ظاهرة لغوية لا سبيل إلى التأتي اليها الا من حماية اللغة التي بامكانها اكتساب الخلود في الإبقاء على نقائها.

Page 5

الخطاب الشعري ومعايير خلوده..

يرى بعض النقاد المعاصرين ان خلود الخطاب الشعري يكمن في امتلاكه بعداً فنياً يسمو به فوق حدود الزمان، بكلمة أدق عندما يغدو ذلك الخطاب نموذجاً لا زمانياً، بامكانه النهوض – بما يمتلكه من طاقات متجددة- بعبء الهواجس والرؤى والأفكار والتجارب الإنسانية.

غير ان هذا الخلود لا يمكن ان يتحقق –في رأينا المتواضع- (خارج نطاق النقد) لعلة بسيطة هي ان عملية الإبداع النقدي نفسها تعد أحد المعايير التي تسوغ خلود هذا الخطاب الشعري أو ذاك، من منطلق ان الجهد النقدي هو معادل موضوعي لبعدي الزمان والمكان. إذا أخذنا في الحسبان عناية النقاد في مختلف عصورهم التاريخية بخطابات شعرية بعينها. ومحاولتهم سبر أغوارها، وتحليل محتواها من حيث الألفاظ والمعاني والصور والأسلوب والإيقاع، ولاسيما انهم انتهوا إلى عدها أنموذجاً يحتذى للمقارنة أو الموازنة، فضلاً عن تعدد قراءاتهم لها، واختلافهم في معايير جودتها وأبعادها الجمالية والفنية، وذلك كفيل بأن يمنحها الديمومة في التكرار، أو توالي الاستشهاد بها في المصنفات والمظان والدراسات الأدبية والنقدية، في باب تأكيد حقيقة هذه الظاهرة أو تلك، أو اسناد هذا الرأي أو ذاك وهذا في حد ذاته ملمح من ملامح الخلود الشعري. ثم لا ننسى ان خلود أي خطاب مرهون بدورانه على ألسنة المتلقين بمختلف مستوياتهم واتجاهاتهم وأزمانهم وبيئاتهم. ولعل خطابات (المتنبي) أصدق شاهد على هذه الحقيقة، عندما أتخذ ترديد الناس لقصائده على مر الزمان، معياراً للفخر بشاعريته مودعاً هذا المنطلق في قوله:

وما الدهر الا من رُواة قصائدي

إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشداً

ولم يكن (أبو الطيب) مفرطاً في هذا الفخر أو التباهي، إذ شاطره الرأي بعد نحو قرنين (ابن رشيق القيرواني) – أحد كبار نقاد القرن الخامس للهجرة- في نعته المتنبي بـ(مالئ الدنيا وشاغل الناس) وبقي كذلك هذا الشاعر الكبير إلى يومنا هذا، أثر اكتساب الكثير من نتاجه الشعري سمة المستقبلية أو اللازمانية واللامكانية – ان صح التعبير- وقد اجتمعت في ذلك النتاج الموضوعية والذاتية، الواقع والمثال، الحقيقية والمجاز، الرمز والمباشرة، التقريرية والتصويرية في بنية شعرية تفصح عن جهد فني خلاق يخلب الألباب، واحتواء على التجارب الإنسانية في ابعادها الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والدينية معاً سوّغ اختزان الذاكرة لها، والاحتجاج بها في مواقف مماثلة أو مشابهة للبواعث التي الجات (المتنبي) إلى التعبير عنها شعراً، فمن لا يردد بين الحين والآخر خطاباته المجتزأة من روائع قصائده، منها على سبيل المثال لا الحصر:

وإذا لم يكن من الموت بدُّ

فمن العجز ان تكون جباناً

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم

ليالي بعد الظاعنين شكول

طوال وليل العاشقين طويل

ويقال الشيء نفسه عن خطابات شعرية آخر (قديمة وحديثة) امتلكت ذات المواصفات المتوافرة في نصوص (أبي الطيب) وقد صدق الرأي النقدي القائل: (ان تغلغل الفاظ القصيدة ولغتها وروحها وصورتها وإيقاعها في وعي المتلقي بعفوية وتلقائية، هو جزء من زمن الشعر فنياً، وخلوداً حضارياً في الوقت نفسه) وهذا لا يعني استلهام الشعراء لغة التخاطب اليومي استلهاماً مباشراً تحقيقاً للخلود، بل حين يجعل الشاعر سامع شعره أو قارئه يقول: هكذا كنت أتحدث لو استطعت ان أتحدث شعراً!

وفي العصر الحديث استجد معيار آخر لخلود الخطابات الشعرية وبقائها نابضة بالحياة، ولاسيما في اختيار بعضها للأداء الغنائي المقرون بلحن موسيقي متفرد أو متميز، يفرض حضوره على سامعيه، من خلال أصوات متفردة أيضاً، ولنا في بعض قصائد الشعراء (أبي فراس الحمداني) و(أحمد شوقي) و(إبراهيم ناجي) و(نزار قباني) وغيرهم شواهد حية على اكتساب تلك القصائد الصفة المستقبلية، بعد تحقيقها المتعة في الاستماع إليها وهي مغناة تفوق ما تحققه قراءتها، وبذلك تغدو المتعة الشعرية معياراً مضافاً من معايير حدوده الخطاب الشعري في تمكنها من تجاوزه خلود الزمانية والمكانية في آن معاً.

Page 6

النص الشعري بين الوضوح والرمز..

بعض قراء الشعر يقف إزاء هذا النص الشعري أو ذلك موقف الحائر والمتردد في فهم مضمونه وتحليل صوره الفنية، وفي أحسن الأحوال إذا توصل هذا البعض إلى استيعابه فانه لا يعدو الا فهماً معجمياً بعد توصل بالمعجمات العربية لشرح مدلول الألفاظ الواردة في ذلك النص. وبذلك نكون قد قيدنا الشعر بشروح جامدة لا حياة فيها، ولعل نظرة إلى شروح المعلقات (السبع والتسع والعشر) – على سبيل المثال لا الحصر- كافية لتأكيد هذه الحقيقة.

بيد ان الواقع خلاف ذلك تماماً، انطلاقاً من مبدأ يقرّ بان للنص الشعري معنيين احدهما ظاهر (قاموسي) والآخر (رمزي) مكنون في الصورة الفنية، وهو معنى أرحب بكثير من الأول الضيق الأفق.

وهذه الرمزية هي معيار الشاعرية الحقة، وبها يصنف الشعراء إلى طبقات، ولا أدل على ذلك من قول أبي هلال العسكري في الصناعتين: (ان ما كان معناه مكشوفاً بيننا فهو من جعله الرديء). وسنورد أمثلة شعرية تؤكد مصداقية رأي العسكري. وصواب ما ننهجه في هذا الاتجاه.

فمثالنا الأول هو قول النابغة الذبياني في مدح جيش الملك عمرو الغساني:

إذا ما غزوا في الجيش حلق فوقهم

عصائب طير تهتدي بعصائب

لا حاجة بنا ان نورد معنى البيت الظاهر للقارئ.. ولكننا نؤكد الرمز المعنى بالشجاعة التي أيقنتها تلك الطيور المحلقة على شكل جماعات تعقب جماعات وهي متأهبة لوليمة سيكون خصوم جيش الملك طعامها.. اما إذا تأملنا مدح المتنبي لسيف الدولة الحمداني حيث يقول:

وقفت وما في الموت شك لواقف

كأنك في جفن الردى وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة

ووجهك وضاح وثغرك باسم

نثرتهم فوق الاحيدب نثرة

كما نثرت فوق العروس الدراهم

فإننا لن نشك لحظة واحدة بمقدار الشجاعة التي أسبغها المتنبي على ممدوحيه.. بيد ان ذلك لا يعني مدحاً بالمتنبي اطلاقاً.. إنما نرمي بالقول إلى ان الرمز غير الغامض في النص الشعري هو أبلغ تأثيراً في نفس المتلقي من ذلك الوضوح المباشر الذي يكتنفه.

ونأخذ مثالاً آخر وليكن بيت عنترة بن شداد العبسي من معلقته الذائعة الصيت حيث يقول:

فتركته جزر السباع ينشئه

يقضمن حسن بنائه والمعصم

إذ يجيء البيت خاتمة لنزال خاضه عنترة مع فارس(كره الكماة نزاله) انتهى بسقوط خصمه صريعاً تتناوله السباع، وتأكل بمقدم أسنانها بنانه الحسن ومعصمه الحسن (وهو المعنى القاموسي الوارد في شرح تلك المعلقة)، ولكننا لا نجد في هذا المعنى شيئاً ذا بال يجعلنا نتعاطف معه ونثني على شجاعة عنترة.. الا عندما نحلل البيت تحليلاً فنياً ونستجلي المعنى الرمزي الذي اراده الشاعر، وقصد اليه، ونلخصه بقولنا ان عنترة لم يختر السباع اعتباطاً، فهو أراد ان يرفع من مقام خصمه بمستوى يوازي تلك السباع بما عرف عنها من قوة وفتك خلال صراعاتها، فضلاً عما تتحلى به من شجاعة تفوق ما عند نظيرها من الحيوانات الأخر.. من الجانب الآخر لا يعقل ان تتناول السباع فرسيتها بهذه الطريقة، وانما أراد عنترة ان تناول تلك السباع للبنان والمعصم كان مثار أعجاب هذه السباع بهما، ولحملها السيوف والرماح التي قاتلت بها قتال الأبطال الكرام الذين يحرصون على الاقدام ولا يخشون مناياه!

وأظن ان المعنى تغير تماماً، واصبحت متأثراً به، في حين لم يعطك المعنى القاموسي الأول أي تأثر وجداني يذكر.. وعندما نسوق بيتاً لجرير في رثاء الفرزدق هو قوله:

فتى عاش يبني المجد تسعين حجة

وكان إلى الخيرات والمجد يرتقي

سنلاحظ الفرق الكبير بين البيتين، فالأول اكتنفته صورة فنية مكنون فيها الرمز الذي اشرنا إليه آنفاً، والثاني فيه ذلك الوضوح المباشر الخالي من صورة فنية يغلفها رمز يأخذ بلبك كما حصل ذلك مع بيت عنترة.

ان هذه الأمثلة الشعرية التي أوردناها هي غيض من فيض، الا أننا نقصد ان ينظر إلى النص الشعري نظرة تخرج من اسار المعنى القاموسي الضيق الأفق، والا غدا الشعر جامداً لا حياة فيه.

وربما يظهر سؤال: وكيف نهتدي إلى اكتشاف الرمز المكنون في الصورة الفنية للبيت الشعري.

والجواب على ذلك يتحدد بمرتكزات أساسية على المتلقي أو القارئ ان يلم بها قبل ولوجه النص الشعري منها:

• ضرورة الإلمام بعصر الشاعر وما يمتاز به من خصائص لفظية ومعنوية.

• الاحاطة بسيرة الشاعر وطبيعة شعره من حيث السمات الفنية والأغراض الشعرية التي يتطرق إليها.

• معرفة باعث هذه القصيدة أو تلك عند الاستشهاد بها لأن هناك نمطاً شعرياً (قصائد ومقطوعات وأبيات) وليد بواعث موضوعية صرف يقوم بقيامها. وينتهي بانتهائها.

• تحديد الغرض الذي نظمت فيه القصيدة.. لأن بعض القصائد تحتوي على أكثر من غرض.. وعندئذ يقتضي من القارئ ان يستوعب (الوحدة الموضوعية) في هذه القصيدة أو تلك، لأن الشاعر تعمد هذا الوحدة وجعل متلقيه يربطون بينها بعد استيعاب تام لها، لأن النظرة الأولى للقصيدة تجعل القارئ يشعر بتفككها وعدم ترابط أجزائها.. وهذا لا يحدث أطلاقاً إذا ما عرفنا ان القصيدة هي مجموعة أبيات تؤلفها!

• كذلك ننصح القارئ ان يستوعب مدلول الألفاظ القاموسية حتى يسخرها في تحديد أبعاد الصورة الفنية وما تحتويه من معنى رمزي يشكل لب النص الشعري.. لا يقف عندها حسب. واضرب مثلاً بشأن الملاحظة الأخيرة كي تتجسد الصورة للقارئ بشكل واضح وجلي.. يقول امرؤ القيس في آخر أبيات معلقته:

كأني غداة البين يوم تحملوا

لدى سمرات الحي ناقف حنظل

فعندما نطلع على مدلول لفظه (سمرات الحي) وتعني (الأشجار الشوكية) ولفظة الحنظل وهو نبات مر المذاق الذي يدمع العين. نربط عندئذ بين حالة الوداع التي كان امرؤ القيس يعيشها وبين تلك الأشجار الشوكية وذلك الحنظل.. فالتلاؤم موجود بينهما.. أي ان الوداع غير محبب إلى النفس كهذا النوع من الأشجار، وهو مر على النفس كمرارة هذا النبات.

نخلص مما تقدم ان النظرة إلى النص الشعري يجب ان تكون وفقاً لهذه التعابير سواء كان هذا النص قديماً أو حديثاً، فلا فرق في ذلك، وعدا هذه النظرة فأننا سنكون مقصرين نحو النص الشعري بعدم إظهار قيمته الحقيقية.

Page 7

براعة الاستهلال في فن الشعر..

يخطئ من يظن ان الاستهلال أو ما يسمى أيضاً (الابتداء) أو (المطلع) مجرد افتتاح، أو تشكيل لآفاق الخطاب الشعري وعوالمه. لا كونه مرتكزاً لبنية الخطاب ووحدته العضوية والموضوعية، وهذا ما يحرص عليه الشعراء قديماً وحديثاً –فضلاً عن اتخاذهم الاستهلال معياراً لجودة ما تصدح به قرائحهم وداعية لانشراح المتلقي، واستمالة لاصغائه. واستعطافاً لسمعه، بعد ان ادركوا ان ما يصبون إليه في هذا الشأن. رهن بتوافر معايير عدة في البعدين الفكري والفني. أبرزها سهولة اللفظ، وحسن العبارة وصحة الدلالة، وبراعة الايجاز، واشباع المعنى، وتناسب الصدر مع العجز، وارتباط أوله بأخره، ومناسبته لمقام السامع أو المتلقي ولاسيما المقصود بذلك الخطاب.

كما فطن الشعراء إلى أهمية الايقاع في الاستهلال بخاصة، آخذين في حسبانهم ان الشعر بعامة، خفقة تعتمد النغم، واللحن والجرس في تغذية المشاعر والأفئدة، وتحقيق الانفعال والاستجابة، وهذا الإيقاع وما ينجم عنه من صوت وهو مفتاح التأثيرات الأخرى في المنجز الشعري. ومن يدقق النظر ملياً في معظم الاستهلالات في الخطابات الشعرية وبخاصة العمودية منها، يلاحظ فيها ظاهرة (التصريع) دون سائر الأبيات في الأغلب الأعم. والتصريع في أوجز مفهوم (ما كان في البيت الواحد قافيتان أو رويان)، وقد غدا منهجاً فنياً تقليدياً موروثاً على مر عصور الشعر والشعراء الذين طمعوا ان يكون تأثيره أقوى في أذان سامعيهم، ومردوده مستلماً في نفوسهم ولاسيما اتحاد هذا الايقاع في التصريع اتحاداً عضوياً بالوزن واصوات الألفاظ والتركيب وجرس الحروف.

وتكمن أهمية نغمة التصريع في الاستهلال المتولدة من تلك العناصر المؤتلفة، في اطرادها في سائر أبيات الخطاب، بكلمة أدل ان الشاعر يظل أسيرها أي أسير وزن بعينه، وقافية بعينها حتى النهاية أو الخاتمة، بعد ان تملكته هذه النغمة عفوياً أو تلقائياً، وفرضت نفسها في هذا الموقف الشعري أو ذلك مما يوفر للمتلقي الاستماع إلى موسيقى لا الفاظ فحسب ينتظم فيها الايقاع إلى أقصى حد ممكن من دون أي نشاز!

ولنا ان نلتمس تلك المعطيات والملامح والمعايير في هذه المطالع المنتخبة من بعض الخطابات الشعرية القديمة، لعل في مقدمتها استهلال امرئ القيس في معلقته وقد عده النقاد القدماء أفضل ابتداء صنعه شاعر، لأنه وقف واستوقف وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل في مصراع واحد، وذلك في قوله:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

ومثله في الشهرة استهلال الشاعر (كعب بن زهير) في لاميته التي عرفت بـ(البردة) وقد طغت شهرة القصيدة واستهلالها، على كل ما نظم الشاعر وما استهل به فمن لا يتذكر:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

متيم أثرها لم يفد مكبول

ويقال الشيء نفسه عن نونية (ابن زيدون) التي عارضها أكثر من شاعر، ولا نغالي إذا قلنا ان لاستهلالها أثراً في تعلق الناس بها، وذيوع صيت مبدعها، وصيت من وجه اليها هذا الخطاب:

أضحى التنائي بديلاً من تدانينا

وناب عن طيب لقيانا تجافينا

ولا نعدم ظاهرة الاستهلال في الشعر الحر إذ حرص كثير من شعرائه على براعة الاستهلال وجودته، ينشدون فيه، ما نشده نظراؤهم، ويفصحون من خلاله عن رهافة حسهم الموسيقى. ومهارتهم الفنية في الصياغة والتصوير. ولنا في استهلال (انشودة المطر) للسياب –على سبيل المثال لا الحصر- ما يقيم القناعة بذلك. فقد ذاعت شهرته لكثرة تردد الألسن:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح يناى عنهما القمر

أثر وعي الشاعر ان القافية هي نقطة القوة والصلابة والايقاع في كيان هذا الاستهلال الذي يخلب الألباب. وقد لا نجانب الصواب إذا قلنا – في الختام- ان العزوف عن ترديد خطابات بعينها، أو تلاشيها من الذاكرة، مرده إلى عجز بعض الشعراء عن استثارة القلوب بقوادح الاسماع منذ الوهلة الأولى. وذلك ما يميز استهلال من آخر في فن الشعر.

Page 8

التجربة الشعرية وبواعثها..

ان المقصود بالتجربة الشعرية، افضاء ما في نفس الشاعر من خواطر ومشاعر وهواجس وأفكار وحوادث وتجارب ورؤى، مودعاً إياها في ضرب من النسج أو جنس من التصوير، المؤطرين في بنية عضوية موسيقية تنبثق ايقاعاتها ونغماتها من التراكيب والألفاظ والحروف، بوصفها تفعيلات الوزن الشعري المحددة تسميته أو نوعه، المطرد إلى نهاية يستقر فيها هي القافية، المسهمة في ذلك الايقاع أيضاً المتوالي في غاية التناسق والانتظام.

بكلمة أدل ان لكل تجربة شعرية بعدين، الأول شاخص في الأفكار والخواطر والاخيلة والعواطف، وهذه في طبيعتها لا شعرية، والآخر: كامن في العملية الشعرية نفسها التي تتشكل من وضع تلك المضامين في قوالب فنية خاصة. تحدد الخصائص الشكلية أو المظاهر الخارجية لجنس الشعر ولغته، المميزة اياه عن بقية الاجناس الأدبية.

وليس ضرورياً ان يكون الشاعر قد عانى التجربة بنفسه حتى يعرضها، أو يعبر عنها، إذ يكفي ان يكون قد ألم بأبعادها واستوعب عناصرها. وهذا ما يسوغ لنا استبعاد رأي من يعد عنصر العاطفة أو صدق المشاعر والتجارب شرطاً لازماً من شروط خلود التجارب الشعرية، أو عملية الإبداع الشعري، إذا أخذنا في الحسبان ان الشعر فن، والشاعر فنان، الذي حسبه ان يشعر بما لا يشعر به غيره، ويلون الأشياء كما يشتهي أو تتراءى له، ويخلق عالماً وذلك ما يفسر لنا دلالة كلمة شاعر! حتى يمكننا القول ان مصداقية العاطفة المرادفة للاستجابة أو التأثر، هي التي يحرص الشاعر على بعثها في نفوس متلقي شعره، بمعنى آخر ان الفنان ولاسيما (الشاعر) لا ينبغي ان يغدو نتاجه على اساس من انفعاله الخاص، بل على أساس ذلك الانفعال الذي يريد ان يثيره لدى المتلقي... انه أشبه بالممثل – وبخاصة المؤدي دوراً على خشبة المسرح- الذي مهمته ليست ان يتأثر بل ان يؤثر في جمهوره. ويكفي ان يؤشر هذا الاتجاه قمة في الإبداع أو الخلق في أي فن من الفنون.

والشعراء أنفسهم ادركوا هذه الحقيقة وسعوا إلى تحقيقها في كل زمان ومكان، فهذا الشاعر (المزرد بن ضرار) يعي ان الأثر الفني للشعر يزداد روعة وجمالاً، كلما تكرر سماعه أو النظر إليه، أو تكررت قراءاته، وبعث الإعجاب والتعاطف والتأثير والاستجابة في جمهور المتلقين، فنطالع رؤيته هذه في قوله:

وقد علموا في سالف الدهر أنني

ممن إذا جد الجراء ونابل

زعيم لمن قاذفته بأوابد

يغني بها الساري وتحدي الرواحل

تكرُّ فلا تزداد الا استنارة

إذا رازت الشعر الشفاه العوامل

وأبو الطيب المتنبي هو الآخر حرص على ان يترك شعره أثراً في جمهوره.. حتى غدا ذلك معياراً الفخر بشاعريته. اليس هو القائل:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

واسمعت كلماتي من به صمم

ومما يزيد القناعة بعدم أكتراث الشعراء بصدق تجاربهم الشعرية، ما نوه به (البحتري) في هذا الخطاب:

كلفتمونا حدود منطقكم

والشعر يُغني عن صدقه كذبه

ويشاطر الشاعر الغربي (ولر) نظراءه الشعراء في هذا الشأن. وذلك في رده على من سأله عن أبعاد تجاربه الشعرية ومدى مصداقيتها فقال في كلمة منثورة: ( نحن معشر الشعراء ننجح في الأوهام خيراً من نجاحنا في الحقائق)، وهو رأي جدير بالاعتماد كونه معبراً عن رأي شاعر، والشعراء أفهم الناس بالقريض واسراره!

وإذا ما وقع الحافر على الحافر، أي إذا ما توافر عنصر الصدق في التجربة الشعرية. فذلك مبعثه الشعور أيضاً المستغرق لعواطف الشعراء الإنسانية، وأحاسيسهم المرهفة، وعليه يمكننا القول ان الشعور في معناه الشمولي والواسع هو أساس الخلق والإبداع في التجارب الشعرية بخاصة، والفنون الجميلة الأخر بعامة.

Page 9

اللمحة الشعرية.. رؤية إبداعية...

تتفاوت حظوظ الشعراء ومواهبهم الفنية في نقل الواقع المرئي إلى فضاء الإبداع، فمنهم من اختار أن يلتقط ما هو متداول أو مألوف أو سطحي، دون ان يكون هذا الالتقاط جهداً فنياً خلاقاً يشار إليه بالبنان، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر تشبيه المرأة- على مر العصور- بالبدر والشمس والدرة والدمية والزهرة، والرجل بالبحر والغيث والأسد والجبل والكواكب والنجوم... الخ حتى بدت في أشعارهم نزعة واضحة للمحاكاة والتقليد والتكرار وقد جنى عليهم ذلك ضيقا في معانيهم، من غير اغفال تلك البراعة في صوغها صوغاً جديداً لا يبعث على الملل أو السأم في النفوس.

وهناك من الشعراء من أثر ان يكسر رتابة تردد الفاظ ومعان وصور بعينها بالتقاطه من الفضاء الرحب الطليق المترامي من حوله ما يحدث في طرفة عين أو لمحة بصر ليدل ذلك على ما بلغته حاسة البصر عند بعضهم من الدقة والعمق والتأثير الكبير في تكوين الطبيعة الفنية الخاصة لشعرهم ومما لاشك فيه ان هذا الالتقاط لا يعتمد على العين الناظرة فحسب، إنما على قوة الملاحظة والفطنة والقدرة على استنباط الكثير من الخواطر النادرة، والمعاني المبتكرة والصور الجميلة فهذا امرؤ القيس يتفرد في تصويره طول الليل وفتوره وبطئه بتململ بعير لا يريد ان يبرح مكانه ولو كان تشبيه الليل بالبعير الجاثم في الأساس لما بلغ الشاعر مستوى الإبداع الذي بلغه في الصورة الأولى، وذلك ما نطالعه في قوله:

فقلت له لما تعطي بصلبه

واردف اعجازاً وناء بكلكل

الا ايها الليل الطويل الا انجلى

بصبح وما الاصباح فيك با مثل

ويقال الشيء نفسه عن عنتر العبسي الذي التقط صورة نادرة حتى وقع عليها، إذ شبه الذباب في حركة اجنحته السائبة بروضة حين يسقط برجل مقطوع اليدين يقدح النار من عودين أو زندين فلا تقتدح، فيستمر في قدحه لا يفتر، إلى جانب توظيفه طنين الذباب في صورة سمعية مستوحاة من شارب سكران هزته الذكرى وامالته النشوة مودعاً هذه الصورة في قوله:

فترى الذباب بها يغني وحده

هزجا كفعل الشارب المترنم

غرداً يحك ذراعه بذراعه

فعل المكب على الزناد الاجذم

اما الشاعر (حميد بن ثور) فهو يرسم صورة للذئب قل نظيرها واعجب النقاد اعجاباً شديداً بها من حيث دقتها وبراعتها كما في قوله:

ينام باحدى مقلتيه ويتقي

باخرى المنايا فهو يقظان نائم

ويتملكنا العجب والدهشة إزاء تشبيه السياب اعناق الطيور المذبوحة والدامية التي تجمعها يد صياد باثداء العجائز التي قطعها الغزاة المحتلون، وقد غدت هذه الصورة المتولدة من لمحة خاطفة جامعة مانعة للقضية الموضوعية كلها والجزء الفاعل والمؤثر في نفس المتلقي حين يقرأ هذا المقطع المجتزأ من قصيدة المومس العمياء:

وأعناق الطيور مرنحات من خطاه

تدمي كاثداء العجائز يوم قطعها الغزاه

وحسبنا في هذا المختار من الشواهد ان نعي اين يكمن الإبداع في الشعر ومن هو الشاعر الخلاق؟!

Page 10

أخطاء الشعراء وهم أم حقيقة..

هناك رابطة خفية بين الشاعر ولغته تتجسد ابعادها في كون اللغة أصبحت فطرة في نفس الشاعر يغرف منها بلا انتهاء ويحيلها إلى ضرب من النسج، أو جنس من التصوير، يقوم أساساً على إقامة علاقة جديدة بين الألفاظ، مع ابتداع سياق لغوي مملوء بالايحاءات والدلالات ورسم صور مشحونة بالعاطفة والخيال وتلك معايير اللغة الشعرية الحقة التي بامكانها اكتساب الخلود الشعري في تجاوزها حدود عصرها بخصائصها الجمالية، وقيمها الفكرية. وذلك ما أكده (ميخائيل نعيمة) في كتابه ذائع الصيت (الغربال) بشأن أهمية اللغة فهو يراها (كنز الشاعر وثروته ووحيه والهامه، وكلما ازدادت صلته بها وتحسس لها كشفت له عن أسرارها المذهلة، وفتحت له كنوزها الدفينة).

الا ان هذا التصور لابعاد هذه العلاقة بين الشعراء واللغة لا يحول دون وقوعهم في أخطاء نحوية أو لغوية لدى استخدامهم إياها في عملية الإبداع الشعري، وهي أخطاء تمثل استثناء لا ظاهرة مطردة وان كان جمهور العلماء ويعدهم النقاد المحدثون قد التمسوا العذر للشعراء حين عدوا أخطاءهم مباحة، ومما يقع في باب الضرورة الشعرية، لكونهم أمراء الكلام! حتى خلصوا إلى ان هذه الضرورة وتلك الإمارة تتيح ان يكون للشعر عربية غير عربية الأدب المنثور! بيد أننا لو دققنا النظر ملياً في مقولة (الشعراء أمراء الكلام) التي أطلقها الخليل بن أحمد الفراهيدي، لتبين لنا ان (عبقري بصري) قد جوّز للشعراء خروجاً محدوداً خلاصته (اطلاق المعنى وتقييده. وتصريف اللفظ وتعقيده، ومد المقصور، وقصر الممدود والجمع بين لغات الكلام، والتفريق بين صفاته، واستخراج ما كلت الألسن عن وصفه ونعته والاذهان عن فهمه وإيضاحه.. فيقربون البعيد ويبعدون القريب، ويحتج بهم ولا يحتج عليهم)، لا ان يجعلوا الاسم المرفوع منصوباً أو مجروراً أو العكس، أو يجعلوا الفعل المضارع المرفوع مجزوماً بلا حجة كما صنع امرؤ القيس في قوله:

اليوم أشرب غير مستحقب

أثماً من الله ولا واغل

ومما يؤسف له ان جمهور العلماء سارعوا إلى تخريج بعض هذه الأخطاء لا دفاعاً عن الشعراء وإقراراً بمعرفتهم أسرار اللغة إنما اثباتاً لكفاءتهم وعلو شأنهم بأساليب العربية وقواعدها وابنيتها ولهجاتها وافصاحاً للتنافس القائم بينهم. من ذلك مناصرتهم الفرزدق إذ يقول:

وعض زمان يا ابن مروان لم يدع

من المال الا مسحتا أو مجلف

إذ أوجدوا تخريجاً لذلك الاسم المرفوع، الوارد في بيت الشاعر: وما يقيم القناعة في ما نحن بشأنه ان (عبد الله بن اسحاق الحضرمي) العالم النحوي واللغوي انفرد وحده بتخطئة الفرزدق. وكان مصيباً كل الإصابة في هذا الشأن، ويقال الشيء نفسه عن بيت جرير:

ان العيون التي في طرفها حور

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

فقوله (لم يحيين) حقه الجزم، ولكنه لم يجزم فنادى بعضهم ان ذلك مما يقع في باب الضرورة الشعرية وتناسوا ان الشاعر غلب عليه الإيقاع النغمي في أداة الجزم (لم) وجعله عازفاً عن أداة النفي (لا) التي دونها في النغم مع استقامة الوزن الشعري بها أيضاً. والشواهد الشعرية الأخرى تكاد تقع في هذا المجرى، إذ رغبنا في ما استشهدنا به النظر إلى ان الشعراء القدماء والمحدثين كائنات إنسانية معرضة إلى الوقوع في مثل هذا النوع من الأخطاء، فإذا كان جهابذة اللغة العربية لم يسلموا من النقد في هذه المسألة اللغوية أو النحوية فحري بالشعراء ان يخطئوا أيضاً.

وفي العصر الحديث انبرت الشاعرة والناقدة (نازك الملائكة) تحذر النقاد المعاصرين من التغاضي عن الأخطاء اللغوية والنحوية والإملائية، وعدم إشارتهم إليها، واحتجاجهم عليها، كأنهم بذلك يفترضون ان من حق أي شاعر ان يخرق القواعد الراسخة وان يصوغ الكلمات على غير القياس الوارد، وان يبتدع أنماطاً من التعابير الركيكة التي تخدش السمع المرهف، ومن هذا المنطلق القت على كاهل الشعراء مسؤولية عدم الاستهانة باللغة العربية والاستخفاف بقواعدها الرصينة إذ ينبغي عليهم ان يعوا ان اللغة مرآة تنعكس فهيا حياة الأمة التي تتكلمها ويملكوا من أمرها مالا يملك الإنسان الاعتيادي من أمر لغته، ويدركوا أنها أداة الخلق الفني.