eKtab
EN ع
مقدمة إلى علم الدلالة الألسني
Read free sample

مقدمة إلى علم الدلالة الألسني

by د. قاسم المقداد

Page 1
إيضاحات
 
ليس في نيتي إثقال هذا الكتاب بمقدمة أخرى، ولا سيما وأن اثنتين منهما تزينان صدره. إنما هناك بعض التوضيحات السريعة التي أرى ضرورياً وضعها بين يديّ للقارئ العربي أوجز فيها بعضاً من مضمون الكتاب ، وأتحدث قليلاً عن ترجمتي له، مع قناعتي المطلقة بأن المترجم شأنه شأن مصنفي المعاجم جلّ ثوابه أن ينجو من اللوم..
 
أشار التقديم الفرنسي إلى أن مصطلح " علم الدلالة" sémantiqueيعود إلى ميشيل بريال (1832-1915) الذي قصد به دراسة معاني الكلمات تأسيسا لمشروعه العلمي على دراسة التاريخ وعلم النفس بهدف التخلص من الدراسات الشائعة في عصره، والتي كان جُلَّ اهتمامها ينصب على رؤى متعددة حول حياة الكلمات و"موتها"، وهو ميدان لم يكن خوضه بالأمر الهيّن.
 
فقد مَنَعَ بلومفيلد الأمريكي الألسنية من دراسة المعاني لاعتقاده بانتماء هذا النوع من الدراسات إلى علم النفس العصبي، أو من شأن العلوم والتقنيات. وكان السلوكيون- وبلومفيلد شيخهم- لا يرهقون أنفسهم في تفسير معنى "وردة" مثلاً إن وردت في ملفوظٍ معينٍ لأنهم يعتبرون ذلك من اختصاص عالم النبات... إلخ.
 
بعد مجيء سوسيرSaussure، انهارت بعض المفاهيم التي نادى بها بريال مثل الاهتمام بالسياق خارج الألسني مثلاً. وهو ما نسفته نظرية سوسير الذي قال بأن اللسان منظومة تشكل أرضية تقف الألسنية فوقها. وعلى الرغم من هذا التطور فإن نظرتي (سوسير) و(بلومفيلد) بقيتا نظريتين اختزاليتين، بمعنى أنهما لم يعطيا علم الدلالة حقَّه من البحث والتقصي. وهذه هي إحدى إشكاليات البنيوية التي كان سوسير من روادها.
 
برز بعد ذلك مفهوم المجالchamps أو الحقل الدلاليchamps sémantique خدمات جليلة إلى الدراسات المعجمية. فتحديد المجال الدلالي يقتضي البحث عن بنية معينة في ميدان الدلالات . وبشكل عامٍّ ، فإن المجالات الدلالية تنطلق من مجال ذهني (السكن، وعلاقات القرابة، والحياة السياسية...إلخ) والمعجمية تلجأ إلى وسائل لغوية تتيح إمكانية توضيح العلاقات القائمة بين العبارات المأخوذة عن مجال ذهني معين.
 
لكن الدراسات المعجمية لم تعطِ المعاني حقَّها لأنها لا تقوم إلا بدراسة دور هذه الوحدة أو تلك في نظامٍ لغويٍّ معينٍ. لذا صار لزاماً على الباحثين إغناء هذا الميدان بمعطيات جديدة، فجاء (برنار بوتييه) واقترح التحليل السيمي sémique ( المكون الأوليّ للعلامة)على غرار التحليل الفونولوجي. فمثلما يشكل الصُويتphonème أصغر وحدة بالنسبة لوظائف الأصواتphonologie فكذلك السيم sème ( ولم لا السمة!) يشكل أصغر وحدة على الصعيد الدلالي (الكرسي مثلاً، يتألف من السيمات التالية: أرجل، مسند، لشخص واحد... إلخ).
 
ويلاحظ أن التحليل هنا لا يقف عند كلمة كرسي فقط، لكنه يحاول الغوص في أعماق مكوناته الدلالية. وبرزت تيارات متعددة لتعالج قضايا الدلالة بأشكال وصيغ مختلفة، مثل: الوظيفةfonctionnalisme، والنسبيةrelativisme ، والتفسيرية، ولا ننسى مساهمة القواعد التوليدية والتحويلية في هذا الميدان، خصوصاً فيما يتعلق بمفهومي البنية العميقة والبنية السطحية... إلخ.
 
وقد لاحظ بركلي – مؤلف هذا الكتاب - أن كل مدرسة ألسنية، كانت تعالج موضوع علم الدلالة من وجهة نظر محددة. فهذه لا ترى المعنى إلا عبر علم التراكيب، وأخرى لا تراه إلا من خلال العلاقات التي بين المتحدث وبين محيطه الاجتماعي (براغماتية) وثالثة ورابعة..
 
من هنا كان اقتراح المؤلف لنظرية جديدة تدرس المعاني استناداً إلى مكونات السيميائية الثلاث: علم التراكيبsyntaxe، والدلالةsémantique ، والبراغماتيةpragmatique . ويعتبر المؤلف أن نظرية من هذا النوع، هي وحدها القادرة على مجابهة إشكالية دراسة المعنى أو الدلالة..
 
الكتاب الذي بين يدي القارئ هو كتاب تقديمي وقد نُوِّه إلى هذا في كل من التمهيد والمقدمة. لذا فهو كتاب موجز ومكثف، لم تكن ترجمته سهلة على الإطلاق.
 
أما قضية المصطلح فقضية شاقة. وفي ترجمتي هذه لجأت إلى عدة أنواعٍ من المصادر:
 
أولاً: ما اتُفِقَ عليه من المصطلحات المُعتَمَدة في كتب الاختصاص.
 
ثانياً: المعجمات المختلفة.
 
أخيراً: ما اجتهدت فيه شخصيا عبر الاشتقاق أو النحت أو القياس.
 
في هذه الترجمة، سيلاحظ القارئ كثرة الحواشي التي كانت ضرورية لتفسير بعض المفهومات أو المصطلحات اللغوية الواردة في سياق الكتاب، والتي لم يفسرها المؤلف، لسببٍ بسيطٍ هو أنها معروفة لدى الدارسين في الجامعات الغربية أما بالنسبة لنا فأعتقد أن الأمر لا يزال في بداياته. لذا أرجو أن أكون في هذه الحواشي قد ساعدت القارئ، وألا أكون قد أثقلت عليه.
 
في الفصول الأخيرة من هذا الكتاب تكثر المصطلحات الرياضية والمنطقية والفلسفية التي حاولت تذليل بعض ما صعب منها، لكنها ظلت صعبة وستعصى –حتماً- على القارئ العجول. أما إذا أراد هذا القارئ كسب ودَّها فلا أعتقد بأنها ستظل موصدة الأبواب دونه.
Page 2
تقديم للترجمة الفرنسية
 
يشكل كتاب هـ . بركلي مقدمة حقيقية إلى علم الدلالة، و يبدو أنه سيسدُّ فراغاً في المؤلفات التي تعني الأساتذة والطلاب العاملين في ميدان الألسنية. والحقيقة أن اللغة الفرنسية تفتقر حتى الآن ، لمثل هذا النوع من المقدمات( الكتب) بالمعنى المعروف للعبارة. فهناك مؤلفات، على الرغم من أهميتها، تركز جلَّ اهتمامها على مجال دلالي معين أو على نظرية معينة مع إنها تعالج علم الدلالة.
 
من هنا لم يكن بوسعنا، كأساتذة جامعة، إحالة طلابنا إلى مؤلف أساسي في هذا الميدان ليكون معيناً لهم في دراساتهم،بعد أن احتل علم الدلالة مكانة أساسية في الألسنية كما أنه يقع في مركز العلاقات القائمة بين الألسنية والفلسفة، أو بين المنطق وعلم الألسنة.
 
إن كتاب هـ. بركلي ، في الواقع، نصٌّ تقديمي لكن ذلك لا يعني أنه اختزاليّ، وهنا تكمن استحالة الجمع بين الأمرين. يبين الكتاب بوضوحٍ شديدٍ, تعقيد ما يسمى بعلم الدلالة الألسني sémantique linguistique والذي يعني تاريخياً تلك الاتجاهات التي اهتمَّ بها هذا العلم منذ قيام بريال BREAL بإدخال مصطلح علم الدلالة عند نهاية القرن التاسع عشر، ومنذ أن تمَّ الدمج النظري بين الألسنية والسيميائية sémiotique بشكلٍ عامٍّ.
 
من هنا يمكننا، عبر هذا الكتاب الوجيز، فهم صعوبة اعتبار علم الدلالة مجرد علم دلالة معجمية sémantique lexicale تتألفُ من مكوَّنات القواعد grammaire التي تركز اهتمامها على علم التراكيبsyntaxe ، كما لا يمكن ردَّه إلى مجموعة من العمليات المرتبطة بظروف الاتصال.
 
يبين هـ. بركلي، كيف ينبغي على قضية الدلالة في الألسنية أن تأخذ بعين الاعتبار المجالات الثلاثة المحددة في السيميائية وهي: "علم التراكيب"، و "علم الدلالة"، و"البراغماتية", وكيفية وجوب معالجتها قياساً إلى مختلف المستويات الخاصة بالألسن الطبيعية: كالقدرة الشاملة للسان, والألسن الخاصة ونظمها المختلفة, وتنظير الأداءات الفرديةperformances individuelles.
 
سنجد عبر فصول الكتاب شرحاً مفصلاً للمفاهيم الكلاسيكية لنظرية العلامةsigne وقضية المرجع référence والتقابل بين الدال والمدلول... إلخ.
 
كما سنجد دراسة للطرق الشكلية التي يمكن تطبيقها على الألسن الطبيعية، أو دراسة تطور القواعد التوليدية التحويلية بالقياس إلى علم المنطق وإلى الملفوظيةénonciation .
 
زد على هذا أن الكتاب ليس مجرد عرض لنظريات معينة، إنما يتجاوزه إلى الربط الصارم بين مختلف المنظوماتsystèmes ومفاهيمها.وبناء على هذا فهو يتيح لنا فهم أفكار عديدة بدءاً بأفكار Frege، مروراً بهيلمسلفHjelmslev وانتهاء بأوستينAustin، كما يساعدنا على فهم استمرارية هذه الإشكاليات ونقاط انقطاعها.
 
أخيراً، لايبدو لنا بركلي معلّماً فحسب (لاستناد كتابه هذا إلى محاضراته) إنما أيضاً باحثاً عظيم القيمة أيضاً. فهو لا يقف عند حدود تمييز المفاهيم والنظريات بما في ذلك أحداثها، بل يقترح نموذجاً يدمج فيه مختلف ميادين علم الدلالة الألسني ومستوياتها في نظرية "الكفاءة الاتصاليةcompétence communicative " التي تبدو لنا أحد أهم النماذج الموجودة حالياً.
 
إننا لا نزعم، من خلال تقديمنا لهذا الكتاب، تقديم محصلة، إنما نقدم نصّاً يتيح لنا إمكانية قراءة مؤلفات نظرية مفصلة، دون أن يفقدنا ذلك القدرة على رؤية الإشكالية بمجملها والتي تقع تلك المؤلفات ضمنها.
 
مرة أخرى يبدو لنا هذا الكتاب أنه سيسدُّ فراغاً هامّاً على صعيد الجامعات، و القراء المهتمين بقضية معاني الكلمات والجمل، أوعى صعيد المهتمين بظاهرة الملفوظية.
 
أما فيما يتعلق بالمترجمين فيبدو أنهما قاما بترجمة أمينة للنص مع صياغته بما يتناسب مع النص الأصلي.
 
جان كلود شوفالييه
 
س. دلسال
Page 3
مدخل
 
هذه المقدمة إلى علم الدلالة الألسني لا تتوجه إلى الطلاب من دارسي الألسنية أو فقه اللغة فحسب، إنما تعني المهتمين بالعلوم الإنسانية كلهم. فقد أضحى التعاون اليوم بين الألسنيين والباحثين الآخرين في ميدان العلوم الإنسانية ضرورة في هذا المجال من مجالات علم الدلالة، وأكثر من ذلك أيضاً، في مجال (البراغماتية) (دراسة أفعال الاتصال). وقد كتبتُ هذه المقدمة أملاً في أن تقدم نبذة عن مناهج علم الدلالة ونتائجها المؤقتة لكل من يصبو إلى تكوين فكرة حول هذا الموضوع.
 
هذا النصُّ بالأصل محاضرات ألقيتها خلال الفصل الأول من صيف 1971 على طلبة جامعة راتيسبون الألمانية، وفيه يجد القارئ بعض الإحالات إلى مؤلفات مصنفة في قائمة المراجع تشير إلى المؤلفات المشار إليها في متن النص فقط. فإذا أراد القارئ العودة إلى هذا المرجع أو ذاك من المراجع المذكورة، فإنه يستطيع الرجوع إلى الإشارات المرجعية الإضافية التي يرغب بالحصول عليها في مجال معين بسهولة.
 
أود أن أشكر هنا زميليَّ في جامعة راتيسبون، فرانز فون كوتشيرا، وبيتر ستوداشر لما قدماه من اقتراحات وانتقادات.
 
هربرت بركلي
Page 4
مقدمة
 
تكاثرت المؤلفات التي تعالج علم الدلالة تكاثراً كبيراً بحيث يسعنا القول بوجود بعث جديد في هذا الميدان الذي ينتمي إلى الألسنية.
 
هذا الأمر يحتم علينا ألا نستعرض سوى بعض عناصر التطور المعقد الذي أصاب هذا العلم. ولكي لا يكون هذا الاستعراض مبستراً لا بدَّ أوَّلاً من محاولة رسم حدود علم الدلالة الألسني بالنسبة للعلوم الأخرى القريبة منه مثل: علم الدلالة المنطقي – الفلسفيsémantique logico-philosophique , وهي ضرورة صاغها الفيلسوف البولوني آدام شاف Schaff في كتابة: (مقدمة إلى علم الدلالة) حينما قال: " بلغ علم الدلالة، بما هو فرع علمي حتى الآن، درجة كبرى من التعقيد, واكتسبت هذه عبارة (علم الدلالة) مفاهيم متعددة، حتى صار من الضروري إخضاعها إلى تحليل دلالي إذا ما أردنا تجنب الخلط المؤسف، والأخطاء التي برزت على صعيد علم المنطق" .
 
ذلك هو الهدف الذي آمل الوصول إليه محاولاً فيما سيلي تحديد هذا الميدان وتقديم شرح لبعض المفاهيم الأساسية في علم الدلالة.
 
وستتم دراسة موضوعنا الرئيسي (أي علم الدلالة الألسني الخطاب) من الخارج.إذ لايهدف هذا الاستعراض البحث عن نظرية دلالية – ألسنية وفق نموذج شكلي محدد، إنما هو في الواقع عبارة عن مقدمات إلى نظرية.
 
أودُّ أوَّلاً - دون المرور على تاريخ علم الألسنية أو الميدان الذي يعنينا هنا، أي علم الدلالة - إزالة سوء الفهم أو التفاهم الذي قد يقع.
 
حينما نتحدث اليوم عن علم الدلالة في الألسنية فإن هذه العبارة تشير إلى القضايا المتعلقة ببناء نظرية دلالية للألسن الطبيعية (من منظور شكلي/ أو جوهري) أي مسائل علم الدلالة الشامل، أو إلى قضايا دلالة علامات الخطاب (الكلمات) وتشكيلات combinaisons العلامات (تَشَكُّل الكلمات والجمل...إلخ). في لسانٍ طبيعيٍّ ما يُستخدم كأداة اتصال في مكانٍ محددٍ من قبل مجموعة اجتماعية معينة، وبالتالي فإن الأمر يتعلق بدراسة علم الدلالة التزامني synchronique.
 
والملاحظات الواردة في هذا الكتاب، تعالج السلسلة الأولى من تلك المسائل المطروحة علماً بأن كافة الأبحاث المتعلقة بالتطور التاريخي لدلالات أشكال الخطاب قد خرجت اليوم من صلب الأبحاث الجارية في ميدان الألسنية لأسبابٍ عدةٍ.
 
وحينما أدخل ميشيل بريال عام 1891 في كتابه (دراسة في علم الدلالة)مصطلح علم الدلالة في الألسنية ، كان وضع البحث آنذاك مختلفاً عما هو عليه الآن، لأنه كان متأثراً بالنظريات التي الشائعة يوم كانت الألسنية تطورية فقط. ولم يهتم بريال آنذاك بتحليل دلالات العناصر من وجهة نظر تزامنية بل صَبَّ جُلَّ اهتمامه على تحليل وشرح التغير الذي يصيب دلالات الكلمات. في الوقت الذي لم تدخل فيه المقولات التطورية والتزامنية في أساسها على يدي (فردينان دو سوسير) في كتابه (محاضرات في الألسنية العامة)، والذي يعود تاريخه إلى عام 1916 فقط، في ذلك الوقت كان بحث بريال (المذكور آنفاً) مبرراً في حدِّ ذاته. حيث كان بريال يرى في علم الدلالة أحد مجالات الألسنية غرضهُ البحث عن أسباب وثوابت عملية تغيّر معاني الكلمات.
 
وبالاستناد إلى معارف بلاغية واشتقاقية كلاسيكية متعددة، اقترح بريال التصنيف التالي لتغيّر الدلالة:
 
1- اتساع الدلالة واختزالها.
 
2- نقل المعنى.
 
3- تشوه المعنى(مدحاً أو قدحاُ، .) .
Page 5
أمثلة
 
- مثال على توسيع الدلالة: كلمةarmare في اللاتينية تعني "غطى الكتفين" "تسلح".
 
- مثال على التقليص:كلمة mha ، تعني في الألمانية الوسطى – العليا (من حيث الزمن) "ما يمكن حمله" أصبحت تعني: "أكياس من الحبوب يحملها الفلاح".
 
- مثال على انتقال المعنى (تغيّر): في اللاتينية contemplare تعني "مجموع العرافين في المعبد"، لكن معناها أصبح في اللغة الانكليزية "تأمل "contemplate وكذلك بالفرنسية).
 
- تشوه المعنى أو تحريفه بالتصغير: mha :list "استطاع" ، "عرف",وهي بالقوطية IEISON "عرف" "فن السخرية" (انظر كلمة LISTING حيلة، غاية، في اللغة الألمانية المعاصرة).
 
- تشوه المعنى تصغيراً وتفخيماً في الوقت نفسه: الكلمة CWEN كانت تعني في الانكليزية القديمة "امرأة" فصارت بالانجليزية الخطابة تعني QUEAN (بغي)، كما أعطت أيضاً QUEEN "ملكة".
 
في عام 1960، وهو العام الذي صدرت فيه الطبعة الأصلية لكتاب آدام شاف المشار إليه، كتب هذا الأخير "أن" هذا المفهوم [كان بريال يحدد مهام علم الدلالة على صعيد تاريخي فقط] بوصفه فرع من فروع الألسنية، قد استمر حتى اليوم على الرغم من الاختلافات الكبيرة بين المدارس الألسنية". وكان مثل هذا التأكيد مبرراً في عام 1960، أما حينما نتحدث اليوم عن علم الدلالة الألسني، فإننا نقصد بهذا علم الدلالة التزامني، أي وصف مضمون العلامات اللغوية (الأشكال) ووصف تعقيد العلامات (تركيب الكلمات، والجمل، والنصوص).
 
في أيامنا هذه، يعترف الجميع بأفضلية التزامنية على التطورية.
 
قبل القيام بوصف التغيرات التي تطرأ على دلالة الألفاظ، لا بدَّ من معرفة طبيعة الدلالة التي ترتبط بشكل الكلمة في زمن معين.
 
*****
Page 6
علم الدلالة المنطقي وعلم الدلالة الألسني
 
قبل أن نقوم بتمييز علم الدلالة المنطقي عن علم الدلالة الألسني، وفهم العلاقة المشتركة بين هذين الفرعين المعرفيين، ينبغي أن نحدد المكانة التي يحتلها علم الدلالة في علم المنطق المعاصر بسماته العامة على الأقل. والتمييز بين هذين الوجهين، الألسني والمنطقي، لا يتمُّ دفعة واحدة. لذا سنحاول تعريفه في إطار الفصول اللاحقة بعد رصد المواقف الأساسية المقترحة هنا.
 
1- غالباً ما يؤكدُ علم المنطق الخطاب على أن الألسن المسماة "بالطبيعة" (كاللسان الفرنسي، واللسان الألماني والانكليزي وغيرها هي ألسن تستخدم، عبر الاستعمال اليومي الذي يتمُّ بشكل غير مباشر ودون أدنى رقابة، كوسائل وأدوات، غرضها تمثيل البنى المنطقية للجمل).
 
هكذا يتسنى لنا تلخيص أسباب تكون اللغات المصطنعة لغايات الاستنتاج المنطقي أو بشكلٍ أعم، من أجل القيام بعمليات ذات نمط شكلي formel قائمة على تعابير منطقية:
 
فتعابير لغة طبيعية ما (كتشكيلات العلامات) تتمتع غالباً بأكثر من دلالة بالنسبة للبنية الإرجاعية référencielle وبالنسبة للعلاقات الداخلية. وهناك أمثلة معروفة تبين هذه الحقيقة نذكر منها الجمل التي فيها لَبْسٌ نحو:
 
- flying planes can be dangerous
 
قد تكون قيادة الطائرات خطيرة.
 
أو
 
"من الخطر قيادة الطائرات"
 
- قرأت كتاب بيير ai lu le livre de Pierre´j
 
(أي الكتاب الذي يملكه بيير)
 
أو
 
"الكتاب الذي مؤلفه بيير".
 
يعود سبب هذا الغموض إلى كون الألسن الطبيعية هي مجموعات تطورت عبر التاريخ، لذا تحتوي بنيتها على بعض "المصادفات".
 
على أية حال، هذا الغموض وعدم الدقة اللذان تتضمنهما بعض تعابير الألسن الطبيعية تبعاً لمختلف أحوال الاتصال، يمكن تجنبهما باللجوء إلى الجمل التفسيرية. ومن الطبيعي أن يعتمد فهمنا لمختلف تعابير اللغة الطبيعية المتعلقة بعددٍ من النقاط على السياق العام. وتتضمن الألسن الطبيعية عدة عناصر توضح هذا الأمر نحو أسماء الإشارة والضمائر المنفصلة (هذا, الذي, ذاك, أنا, أنت...) وظروف المكان والزمان (هنا، هناك، الآن، غداً...).
Page 7
وتشترك رتب الكلمات هذه بأنها تحيل إلى المتحدث وبشكل متناوب، أي إلى نوع من الارتباط السياقي مثل ما يؤكده المتحدث أو ما يطلبه "هنا والآن" وعلاقة أنا – بأنت في الحوار...إلخ.
 
إن اسم العلم والتميز الفردي يقابلان الرتبة المحددة آنفاً.
 
1. هتلر أو قاتل برينو "A. Hitler ou l’assassin de Bruno"
 
وما يقومان بوصفه يمكن أن يعترف به بوصفه أحادي المعنى دون إحالة إلى المتحدث. هناك عددٌ كبيرٌ من تعابير الألسن الطبيعية التي ينبغي أن تبقى غامضة لتستخدم عملياً في الاتصال. وينشأ هذا الغموض عن دلالة الكلمات المعزولة. ففي الخطاب الشائع على سبيل المثال ،يصعب العثور على معنى متميز للكلمتين: un mont ,une colline هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن عبارتي: بعض الكتب وكثير من الكتب، لا تحددان بدقة عدد المواضيع المقصودة.
 
ويمكن لمضمون التعبير الألسني أن يكون دائماً محدداً تبعاً لبنية الاتصال. قد تنتمي التعابير المستخدمة في الألسن الطبيعية إلى مستويات مختلفة من مستويات اللسان، كلغات مختلف الطبقات الاجتماعية واللغات المهنية والتقنية، حيث تقوم هذه الألسن بوظيفة ما وراء لغوية ويكون لها مضمون انفعالي أو ذاتي.
 
مجموع هذه الخصائص المتعلقة بتعابير الألسن الطبيعية، يجعل تلك اللغات عاجزة عن القيام بعمليات ذات نمط شكلي (لغة البرامج المستخدمة في الحاسبات والآلات)..
 
2. لتحقيق هذا الهدف (أي ممارسة عمليات ذات نمط شكلي) لا بدَّ من تكوين لغات مصطنعة تتيح إمكانية معالجة التعابير (تشكيلات العلامات) معالجة دقيقة جداً. هناك إذاً بين الألسن الطبيعية وبين اللغات المصطنعة العلاقة التالية: ما نكسبه في لغة متكونة اصطناعياً (في الرياضيات والفيزياء والكيمياء) هي الدقة في تمثيل مجال محدود نسبياً، لكن ما تفتقر إليه هذه اللغات هو بالضبط إمكانية استخدامها لغايات أشمل. لا يمكننا اللجوء إلى الألسن الطبيعية بهدف استخدامها في حاجات الاتصال المختلفة دون صعوبة، اللهم إلا في مجال تمَّ تحديده مسبقاً.
 
3. حينما نلجأ إلى لغة مصطنعة يمكننا حذف الإشارات والمعاني الإيحائية التي لا أهمية لها تبعاً للحالات، كما يمكننا إعطاء تصوّرٍ ما، دون حشو تلك الحالات أو تلافيها. وقد بنيت هذه اللغات المصطنعة على هذا الشكل لكي نجد - محل التعابير المعقدة للألسن الطبيعية - تعابير ذات بنية بسيطة نسبياً وسهلة الحصر والمراقبة. وهي طريقة تخفف من التفكير الملموس، وتلغي مصادر الخطأ في تمثل الظروف (المقامات) وأثناء المحاكمة المنطقية بشكل جذري. فضلاً عن هذا، إذا استخدمنا لغات شكلية متكاملة، يمكننا أن نستبدل المضمون الجوهري للأشياء بعملية خوارزمية( لوغارتمية) وحساب قائم على الصيغ (كتعابير العلامات الملموسة)، وهو إحدى نتائج الحساب المنطقي (لغة الحاسب الالكتروني).
 
رأينا أن الألسن الطبيعية لا تستطيع الوفاء بالحاجات التي نلتمسها في اللغات المصطنعة، إذ أنه يستحيل- في حالتها - اللجوء إلى عمليات من نمط خوارزميّ انطلاقاً من تعابير اللغة الشائعة.
Page 8
والعناصر الغامضة في الألسن الطبيعية لا تظهر في اللغات الشكلية: لنأخذ مثالاً على ذلك، مثال وظائف فعل الكون être:
 
1- علاقة تشابه (تساوي):
 
لندن عاصمة انجلترا. ويرمز لهذه العلاقة بـ:
 
ي = س
 
2- علاقة انتماء لمجموعة:
 
لندن مدينة كبيرة. ويرمز لذلك بـ:
 
أ E س
 
3- علاقة تَضَمُّن:
 
الحوت حيوان ثديي. ويرمز لذلك بـ:
 
ب < أ.
 
ومعنى الرموز السابقة:
 
«=» علاقة مساواة
 
«E» علاقة انتماء
 
«<» علاقة تضمن.
 
قبل التطرق إلى دراسة المكانة التي يحتلهاعلم الدلالة في مجال اللغات المصطنعة والتي يحتل بناؤها مكانة هامة في المنطق الخطاب، سنشير إلى البنية الشكلية العامة لهذه اللغات.
 
بما أن اللغات الشكلية ترفض رفضاً باتاً عدم الدقة والغموض, كما ترفض أي تغير أسلوبي في تعابيرها، فلا بدَّ من صياغة قواعد لا لبس فيها من أجل بناء هذه اللغات وتفسيرها، بمعنى آخر، يجب أن نعطي للتعابير الممكنة لهذه اللغات قواعد تكوين صريحة وغير غامضة. وهكذا، فإن أي قاعدة تشكيل (تكوين) مأخوذة عن لغة الحساب تتيح لنا القول بأن التعبير (2+2=4) هو تعبير مكون بشكل صحيح، وأن تعبير (2+=4) هو تعبير مكون بشكل سيء أو غير صحيح.
 
علينا إذاً أن نستنبط بطريقة ميكانيكية تقريباً أن التعبير المأخوذ عن أية لغة مصطنعة إما أن يكون تعبيراً صحيحاً أو غير صحيح، وهو أمر قابل للصياغة كما هو الحال في اللسان الطبيعي. وقد يعترينا الشك إزاء تعابير الألسن الطبيعية، فنسأل أنفسنا عما إذا كان من واجبنا قول هذا الشيء أو ذاك.
 
هنا نصل إلى إحدى قضايا الألسنية المعاصرة الهامة وهي قضية "أصالة" و "مقبولية" تعابير اللسان، إذ من الجائز أن يتكون تعبير ما تكوناً صحيحاً تبعاً لقاعدة نموذج تركيبي معين، لكن مقبوليته لا تكون مضمونة من حيث الاستخدام اللغوي المحسوس ، لأن العلاقة بين مفاهيم القواعدية والمقبولية ما تزال غير واضحة ومقنعة حتى الآن.
Page 9
في اللغة المصطنعة نقوم بصياغة "قاعدة التكون" القائمة على معنى ثابت لتركيب syntaxe اللغة المعنية، فنلاحظ توازناً شكلياً بين اهتمامات المناطقة والألسنيين مثل نوام تشومسكي.
 
كانت أعمال رسل RUSSEL و WHITEHEAD (راجع الكتاب الجماعي الشهير الذي نشر عام 1910 principa mathématica ) تشكل أساساً لكتاب ر. كارناب خلال الثلاثينات (النحو المنطقي للغة، 1934) الذي يقول فيه بأن التركيب المنطقي، كنظرية الأشكال اللغوية (أي التعابير اللغوية)، هي نظرية لا تهتم بهذا التعبير المصطنع أو ذاك، إنما فقط بطبيعة وتنضد الرموز المستخدمة لبناء هذه التعابير. والنحو المنطقي بمفهومه هذا يعالج الألسن بوصفها حسابات نوعية، ويقدم التعليمات اللازمة من أجل بنائها.
 
في المراحل الأولى من تطور علم التراكيب المنطقي (خصوصاً في حلقة "فيينا" شليك SCHLICK، نوراث NEURATH كارناب CARNAP ) اعتُبر من الضروري أن نجمع الإشكالية المنطقية فيه، أي في علم التراكيب، واستبعاد ما هو عاجز عن الدخول فيه لأنه كان يعدُ قضية فلسفية خاطئة. ومع ذلك فقد مهدت مرحلة "النشوة التركيبية هذه" لسقوطها في بداية الأربعينات، وذلك بتأثير عاملين اثنين:
 
1- لوحظ أن اللجوء إلى الصياغة بعبارات تركيبية لم يكن ملائماً لسلسلة من المفاهيم الضرورية في علم المنطق.
 
2- بين تارسكي TARSKI أنه بوسعنا استخدام مفهوم "الحقيقة" دون الوقوع في التناقض.
 
لقد وسع كارناب أبحاثه في علم المنطق الرمزي لتشمل قضايا ذات مكونة دلالية خصوصاً في اثنين من مؤلفاته هما:
 
INTRODUCTION TO SÉMANTICS (1942)
 
MEANING AND NECESSITY (1956)
 
من المهام الأولى التي يضطلع بها علم الدلالة (أولاً بالمعنى المنطقي حصراً): دراسة العلاقات القائمة بين التعابير الصحيحة تركيبياً وبين مدلولاتها (يمكن أن تكون المدلولات مواضيع محددة في الزمان وفي المكان أو أحداث أو وقائع أو مفاهيم ترتبط بها) بمعنى آخر، يتيح لنا إدخال المكونة الدلالية إمكانية تطبيق الحساب CALCUL الذي كان يستند بالأساس إلى علم التراكيب، على ميدان محدد بشكل جيد من الأشياء أو المفاهيم.
 
في هذا الخصوص، علينا أن نلاحظ بأن التعابير المحددة عن طريق الحساب الدلالي يجب أن تكون مبنية وفق قاعدة دقيقة تمنع الغموض. يبين مثال الحساب في منطق المحمولات PRÉDICATS أن التعابير النحوية الصحيحة لهذه اللغات يمكن أن تحتمل أكثر من تفسير دلالي مختلف تبعاً لمجال تطبيقها ( بُنَى حسابية، بيولوجية، لغوية...) وبناء على هذا، فإن فرضية (ليبنتز) القائلة بوجود لغة علمية شاملة لا تفقد من قيمتها أي شيء.
 
يمكن تلخيص ما هو مشترك بين علم الدلالة المنطقي وعلم الدلالة الألسني وما يفرقه عنه بالشكل التالي:
 
1- يقوم علم الدلالة المنطقي (أو علم الدلالة البحت) بدراسة عمليات الضبط régulations اللازمة لتفسير مضمون لغة شكلية ما ( كالحساب): (وكل ما يمس تصورنا لبعض المعطيات الخارجية و بقضية حقيقة الملفوظٍ) مثل: الترادف أو علاقة المعنى بآخر يوجد بين التعابير). وبناء على هذا فإن علم الدلالة المنطقي هو النموذج paradigme الشكلي لأيّ علم دلالة محدد مثل: (لغة الإعلام، لغة إشارات الطرق الضوئية، واللغة الحركية، والألسن الطبيعية).
 
2- علم الدلالة الألسني هو علم تجريبي يدرس مضمون العلامات وتراكيب العلامات الممكنة أو التي تظهر فعلياً في الألسن الطبيعية.
 
على أية حال ، إن القضايا التي يعرضها علم الدلالة الألسني تبدو من وجهة نظر ميدان تطبيقها، بالغة التعقيد قياساً بالبساطة النسبية التي تتمتع بها النظم الدلالية للغات المصطنعة (سنبرهن على ذلك في فصل لاحق من هذا الكتاب) .لكن أبحاث السنوات الخمس الأخيرة في علم الدلالة الألسني تبين – نظراً للتعقيد الدلالي الذي تتميز به الألسن الطبيعية – أنه قد تمَّ التوصل إلى نتائج, كما تؤكد هذه الأبحاث على أن المتطلبات الشكلية تتمحور حول نموذج علم الدلالة المنطقي.
 
*****
Page 10
السيميائية وعلم الدلالة
 
في هذا الفصل، سنتطرق إلى مفهوم (علم الدلالة) ومفاهيم أخرى تتصل به في إطار نظري واسع. كما سنحدد - في هذا الإطار- العلاقة بين علم الدلالة و علم التراكيب بالشكل الذي قدمناه. والإطار الذي سنأخذ به هنا للقيام بعمليات الوصف هو إطار النظرية العامة للعلامات التي نطلق عليها أيضاً اسم السيميائية، أي علم العلامات (في اليونانية semeion علامة).من هنا القول بأن الألسنية تعدُّ أحد فروع السيميائية.
 
3-1 السيميائية منهج نظري للمعرفة:
 
الفرضية القائلة بأن طرق تحليل أو تركيب SYNTHÉSE العلامات من شأنها أن تعطي نتائج هامة لفهم القضايا العلمية التي تشكل إحدى الأسس التي تقوم عليها السيميائية بوصفها نظرية للمعرفة. وفيما يلي الأسباب التي تسمح بطرح مثل هذه الفرضية:
 
1- العلم هو عمل جماعي يتم بالتآزر بين عدة باحثين عبر الزمن. وهذا العمل الجماعي يتطلب إيصال المعرفة عن طريق العلامات وخاصةً بفضل سلاسل مكونة تكويناً جيداً من الكلمات المعبر عنها شفوياً أو كتابياً. هذا الوسيط اللغوي لا يشكل ظاهرة ثانوية في تلك العملية الشاملة، إنما هو أداة أساسية من أدوات العلم.
 
2- للكلمات والجمل مظهر مادي ويدركها المرء بوصفها أشياء مادية. فلو استطعنا تمثيل المفاهيم والظروف التي لا لبس فيها بالكلمات وبمعزل عن العنصر الاجتماعي لَخَفّت عندها مهمة الألسنيين بشكلٍ كبيرٍ. لأن العقل الإنساني جُبِل على هذا، لدرجة يسهل عليه العمل أكثر لو استعان بالتصورات المادية الملموسة، وبهذا يُدرَكُ عالمُ التصوّرات بشكل أفضل. لنأخذ مثال الحساب: يمكننا القيام بعملية الحساب عقلياً، لكن حسابنا يكون أسهل وأوثق لو استعنّا بالعلامات الكتابية.
 
حتى لو جعلنا عملية إعادة التمثل اللغوي للمعارف العلمية من تطورات العلم أمراً ممكنا فإن من شأن هذه التعابير اللغوية نفسها أن تشكل خطراً على تطور المعرفة.
 
إن الكلمات والجمل تقودنا بسهولة إلى الالتباس، لأننا نظن على الأغلب بأن الكلمة من شأنها الإحاطة بمعنى مفهوم بشكل دقيق، وهو أمر نادر الوقوع؛ لأن هذه الكلمة تخفي في دلالتها عنصراً أو عناصر عدة قادرة على حرف أي بحث نحو الطريق الخاطئة تبعاً لأفكار ليبنتز.
 
وتستند الفكرة الجوهرية التي تنطوي عليها السيميائية وتطبيقها في الميدان العلمي إلى التمييزات التالية والتي تنطبق على نظم العلامات كلها، سواء تعلق الأمر بالألسن الطبيعية أم باللغات الاصطناعية والنظم الشكلية:
 
أ‌- تنتمي العلامة أو مجموعة العلامات إلى نظام علامات، أي أن العلامة لا تستخدم عادة كعنصرٍ وحيدٍ، إنما تندمج في مجموعة مفتوحة أو مغلقة من العلامات الأخرى كما هو الحال في نظم العلامات في الرياضيات، والكيمياء، والمنطق الرمزي، وإشارات نظام الطرق، والأعلام الصغيرة. حيث نرى عدداً كبيراً من نظم العلامات التي تقوم بدور هام على صعيد الحياة اليومية أو على صعيد المحيط التقني لحياة الإنسان المعاصر بمعزل تام أو نسبي عن نظم علامات الألسن الطبيعية. وفي أي نظام كان، تتصف العلامة بما يلي:
 
ب‌- للعلامة دائماً شكل مادي، أي أنها متمديّة MATERIALISÉ تحت أي شكلٍ كان (مثال: للعلامة شكل سمعي، ونظري، ولمسي, وحركي, وشمّي عند الحيوانات التي تتمتع بحاسة شميّة متطورة وحركية في لغة الصم والبكم). أما في النظم الأكثر تعقيداً فترتبط العلامات مع بعضها بروابط غالباً ما تكون زمانية – مكانية.
 
وهكذا تنتظم علامات اللغة عادة وفق مبدأ الخطية LINÉARITÉ. في حالة اللغة الشفوية يكون الأمر عبارة عن جريان زمني، أما في اللغة المكتوبة فهو تتابع في المكان. ونسمي العلاقات القائمة بين العلامات اللغوية – في إطار النظرية السيميائية – علاقات تركيبية ويمكن ملاحظة تنضد العلامات هذا في مستويات مختلفة. فقد يتعلق الأمر بمجموعات من العلامات (المكونة) التي تتمكن من الدخول في علاقة تعاقب مع مجموعات أخرى من العلامات. الأمر الذي يمكن مقارنته مع أحدث الترسيمات التقليدية المتعلقة بتقطيع الجمل (فاعل+ محمول+ مجموعة اسمية+ مجموعة فعلية).
 
ت‌- لا بدَّ لبعض الأشكال المادية، كالكلمات مثلاً والجمل أو إشارات المرور أن تتمتع بدلالةٍ ما كي تحظى بمكانة العلامة.
 
إن العلامات وانساق العلامات تعني دائماً بأنها حاملة للخبر أو موجهة لتثير ردَّ فعلٍ ما. وتسمى العلاقة القائمة بين شكل العلامات وبين ما هو معنى (مدلول): بالدلالة (وهذا تفسير موجز سنحدده فيما بعد).
 
ج- في كل عملية اتصال تتم بواسطة العلامات هناك- على الأقل- مرسلٌ ومتلقٍي. في الألسن الطبيعية يكون المرسل والمتلقي من البشر، ومع ذلك تبقى هناك احتمالات أخرى، إذ يمكن أن تتدخل بعض الحيوانات كالنحل أو حتى الآلات الحاسبة في ترسيمة المرسل – المتلقي. وتسمى العلاقات القائمة بين المرسل والمتلقي من جهة وبين العلامات وانساق العلامات من جهةٍ أخرى بالعلاقات البراغماتية. وقد تكون هذه العلاقات عبارة عن الظروف النفسية التي تدفع المرسل إلى استخدام علامة معينة دون غيرها. وأكثر العلاقات البراغماتية النموذجية هي تلك التي تعبر عن نفسها في الألسن الطبيعية عن طريق الاستخدام المختلف كأشكال الأفعال الخطابية.
 
ويُعلل استخدام هذه التعابير نفسها ببعض العوامل السوسيولوجية.