eKtab
EN ع
مقدمة في اقتصاديات البيئة
Read free sample

مقدمة في اقتصاديات البيئة

by د. نوزاد عبد الرحمن الهيتي

Page 1

مقدمة

البيئة هي المحيط الذي تعيش فيه الكائنات الحية من إنسان وحيوان ونبات. وقد برز في النصف الثاني من القرن الماضي العديد من القضايا البيئية، ربما لايخلو مجتمع على وجه الأرض من التأثر بها، لكونها عالمية الطابع، وفي مقدمة تلك القضايا، التغير المناخي، التلوث البيئي، تفشي الأوبئة، الحياة الفطرية، الكوارث الطبيعية، التصحر وغيرها، ولكون هذه القضايا في مجملها عالمية الطابع، فالتغيرات المناخية على سبيل المثال لاتتقيد بالحدود السياسية للدول. وقد برز الاهتمام بها وخاصة في ستينيات القرن الماضي، وما تزايد المؤتمرات الأممية التي اهتمت بالشؤون البيئية، مثل مؤتمر ستوكهولم بالسويد عام 1972م، مؤتمر ريودي جنيرو بالبرازيل عام 1992م، ومؤتمر جوهانسبيرج بجنوب أفريقيا عام 2002م، ومؤتمر بالي بأندونسيا عام 2007، إلا أحد أبرز الأوجه لجدية ما تواجهه البيئة العالمية من مخاطر.

وقد أفرزت التطورات البيئية التي مر بها العالم خلال السنوات الخمسة والعشرين المنصرمة فرعا جديدا من فروع العلوم الاقتصادية أطلق عليه علم الاقتصاد البيئي الذي يشكل الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة التي أصبحت تمثل الشغل الشاغل لكافة دول العالم بصرف النظر عن فلسفاتها التنموية وأسلوب إدارة اقتصاداتها الوطنية.

لقد جاء ظهور علم اقتصاد البيئة في عقد الثمانينات من القرن العشرين بعد أن أدرك مجموعة من الباحثين والمفكرين بأن التحسينات في السياسة والإدارة البيئية وحماية رفاهية الأجيال القادمة تعتمد أساساً على الجمع بين مجالات الفكر هذه.

إن الاقتصاد البيئي ليس النموذج الوحيد الذي يستند على افتراضات ونظريات مشتركة، بل إنه يمثل التزاماً بين علماء الاقتصاد وعلماء البيئة وغيرهم بوصفهم أكاديميين وممارسين يستكشفون أنماطاً من التفكير المشترك وتسهيل وتنفيذ سياسات اقتصادية وبيئية.

لقد اشترك علماء الاقتصاد وعلماء البيئة في تشجيع المنظمات الدولية على تطوير نظم مساءلة شملت البيئة. وبتشجيع من هذه الجهود تم تشكيل الجمعية الدولية لعلم الاقتصاد البيئي في ورشة عمل عقدت في برشلونة أواخر عام 1987م. وتم إطلاق مجلة علم الاقتصاد البيئي في عام 1989م. وعقد منذ ذلك الحين العديد من المؤتمرات العالمية الدولية المهمة، وأسست معاهد تعنى بالاقتصاد البيئي في أرجاء العالم وتمنح الشهادات العليا في علوم الاقتصاد البيئي المختلفة.

ويأتي هذا الكتاب للتعريف بأسس ومفاهيم وأدوات الاقتصاد البيئي والتطورات ذات الشأن باقتصاديات البيئة في دولة قطر، حيث قسم إلى ستة فصول، تناول الفصل الأول الإطار العام للعلاقة بين الاقتصاد والبيئة وتم فيه توضيح المفاهيم العامة للبيئة والاقتصاد البيئي والتطورات الحاصلة في الفكر الاقتصادي للبيئة.

واستعرض الفصل الثاني مفهوم الموارد الطبيعية وأهميتها وتقسيماتها وطبيعة العلاقة بين الموارد والسكان والتقدم التكنولوجي، بينما ركز الفصل الثالث على العلاقة بين البيئة والتنمية من خلال التطرق لموضوعات التنمية المستدامة والعلاقة بين البيئة والفقر والتنمية الحضرية والنمو الاقتصادي والتلوث.

وتطرق الفصل الرابع للمحاسبة البيئية والتدهور البيئي وأسبابه وتكاليفه، علاوة على استعراض موضوع التقييم البيئي للمشروعات التنموية. أما الفصل الخامس فقد ناقش موضوع التجارة والبيئة مستعرضاً أهم التطورات التي حصلت في المجال البيئي في إطار منظمة التجارة العالمية، والاتفاقيات الدولية البيئية المتعددة الأطراف ذات العلاقة بالتجارة كما ناقش أهم مهام واختصاصات المنظمات الدولية المعنية بقضايا البيئة.

وتناول الفصل السادس قضية التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض، وذلك من حيث عرض الأدلة التي أدت إلى حدوث هذه الظاهرة، وأسبابها في العصور القديمة والحديثة، وتعريف للغازات المسببة لارتفاع درجة حرارة الأرض حالياً، وآثارها على الأنظمة البيئية المختلفة والحياة البشرية، والسياسات والمبادرات المتبعة عالمياً للحد من عواقبها السلبية، كما يتناول مدى مساهمة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في ظاهرة التغيرات المناخية.

وفي الختام نأمل أن نكون قد وفقنا في عرض أهم التطورات والموضوعات المرتبطة بالاقتصاد البيئي الذي يعد واحداً من أهم فروع العلوم الاقتصادية في عالمنا المعاصر، والله الموفق.

Page 2

مقدمة

من الصعب التمييز بوضوح بين البيئة الطبيعية والاقتصاد، ويمكن القول إن الاقتصاد جزء من الطبيعة، فالبشر كائنات حية، شأنهم في ذلك شأن الحيوان والنبات، وغالباً ما تشبه أنشطتهم الاقتصادية وأنشطتهم الأخرى أنشطة الحيوان المماثلة. ومن وجهة نظر إيكولوجية، لا يوجد فرق مطلق بين البشر وغيرهم من الكائنات الحية، ولكن يوجد فرق نسبي، حيث ينبغي للبشر أن يقبلوا حقيقة أنهم جزء من الطبيعة وعليهم أن يتصرفوا بصورة لا تخل بالتوازنات الطبيعية، وينبغي استغلال قوتهم الفكرية لإيجاد ظروف معيشية تقلل إلى أقصى حد من آثارها على بيئة الكائنات الحية الأخرى. وينبغي للبشر أن يتقبلوا حقيقة أن حياتهم تشكل جزءا من نظم إيكولوجية تتشكل بأنشطتهم وبأنشطة الكائنات الحية الأخرى بالتفاعل مع البيئة المادية غير الحية (1).

يبحث هذا الفصل في التعريفات ذات الصلة بالاقتصاد البيئي وبيان الأدوات التي يستعين بها الاقتصاديون لقياس الأثر البيئي على النشاط الاقتصادي، كما يوضح هذا الفصل تطورات الفكر الاقتصادي المرتبط بالبيئة.

Page 3

المبحث الأول : مفهوم البيئة والاقتصاد البيئي والنظم البيئية

أولا: مفهوم البيئة

البيئة في اللغة العربية مشتقة من (بوأ) وهي مرادفة للمنزل والموطن، قال الله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُ والدَّارَ وَالإِيمَانَ... ﴾ (الحشر:9)، أي اتخذوا من المدينة المنورة بيئةً لهم وداراً(2)، ويراد بها أيضاً المحيط، فيقال مثلاً الإنسان ابن بيئته الاجتماعية وهكذا(3)، ويتطابق هذا التعريف العربي مع أصل كلمة البيئة في اللغة الإنجليزية ((Ecology، والمشتقة من الكلمة اليونانية (Oikos)، وتعني البيت أو المنزل و كلمة (Logos) وتعني علم(4)، وقد صيغت بواسطة العالم الألماني أرنست هيكل ((Ernst Haeckel للدلالة على العلم الذي يتناول العلاقة بين الكائنات الحية وبيئتها(5)، أما المعنى الاصطلاحي فقد واجه صعوبات جمة تبعاً لتعدد المفاهيم، ولكن في الاجتماع الذي خصص للتربية البيئية في بلجراد عام 1975م، عرّف الخبراء البيئة على أنها "العلاقات الأساسية القائمة بين العالم الطبيعي الفيزيائي وبين العالم الاجتماعي السياسي الذي هو من صنع الإنسان"(6). فالبيئة إذاً وفقاً لهذا التعريف تنقسم إلى: بيئة طبيعية، وبيئة بشرية أو حضارية، الأولى هي الوسط الذي يعيش فيه الإنسان، وتشمل المكونات الحية من نبات وحيوان، ذات الخصائص المختلفة تبعاً لتنوع المكونات غير الحية، والتي تشمل المناخ ومظاهر سطح الأرض، وتشكل هذه المكونات بنوعيها الحية وغير الحية وحدة مترابطة على هيئة منظومة بيئية (انظر شكل 1)(7)، أما البيئة البشرية أو الحضارية فهي من صنع الإنسان، نتيجة تفاعله مع مكونات بيئته(8)، وهي في الأصل بيئة طبيعية، ولكن الإنسان سعى إلى تطويعها من أجل تحقيق مصالحه، الأمر الذي أدى إلى حدوث خلل في توازنها الطبيعي(9).

Page 4

تعني كلمة البيئة بالمعنى الضيق حالة الهواء والماء والأرض والنباتات والحيوانات البرية. أما معناها الواسع فإنه يتمثل بمجموعة العوامل الطبيعية والاجتماعية والثقافية والإنسانية التي تؤثر على أفراد وجماعات الكائنات الحية ويحدد بقاءها وشكل علاقاتها(10).

وعلى هذا الأساس يمكن تلخيص مكونات البيئة بمفهومها الواسع على النحو التالي:

1) الطبيعة ((Nature:

وتشمل الأرض وما حولها من هواء وما ينمو عليها من نبات وما تحتضنه من حيوانات، وجدت بشكل طبيعي. وتمثل الطبيعة الموارد المتاحة للإنسان للحصول على حاجاته من غذاء وكساء ودواء ومأوى ومواد مختلفة.

2) السكان (Population):

هم مجموع الأفراد القاطنين على الأرض في عصر ما. والسكان هم المؤثر والمغير في المكون الطبيعي للبيئة من أجل حياة مريحة تليق بكرامة الحياة البشرية.

3) التنظيم الاجتماعي (Social Order):

يقصد به الأنشطة التي يمارسها السكان في علاقاتهم مع الوسط المحيط بهم، والذي يحتوي صور معيشتهم وأنماط حياتهم، بجميع ما فيها من نظم وتنظيمات للعلاقات، وإشباع للحاجات، ومعايشة المشكلات.

4) التكنولوجيا (Technology):

يقصد بها أنواع التقنيات المختلفة التي استحدثها الإنسان والتي مكنته من استثمار موارد البيئة لتلبية حاجاته وتطلعاته(11).

ولقد اتسع مفهوم البيئة مع تزايد إدراك الإنسان واتساع قاعدة معارفه وبات يشتمل على ما يلي(12):

· البيئة التقنية: وتشمل نواحي التنمية الصناعية واستخدام التكنولوجيات الخاصة بتوفير الطاقة واستخدام الموارد الطبيعية.

· البيئة الاقتصادية: وتشمل جوانب التنمية الاقتصادية وتكاليف حماية البيئة.

· البيئة الطبيعية: وتغطي جوانب حماية الموارد الطبيعية والوقاية من الأضرار الطبيعية.

· البيئة الثقافية: وتشمل العادات والتقاليد والمبادىء والقيم السائدة في المجتمع.

· البيئة الاجتماعية: وتشمل الوعي القومي العام والتربية البيئية والوعي الصحي والجريمة والحقوق والعادات.

· البيئة التنظيمية: وتضم الأهداف والتشريعات البيئية.

Page 5

ثانيا: مفهوم الاقتصاد البيئي

لقد أفرزت التطورات البيئية خلال العقود الثلاثة المنصرمة وجود فرع جديد من فروع العلوم الاقتصادية هو علم الاقتصاد البيئي أو اقتصاد البيئة والذي يعرف بأنه "العلم الذي يقيس بمقاييس بيئية الجوانب النظرية والتحليلية والمحاسبية للحياة الاقتصادية، ويهدف إلى المحافظة على توازنات بيئية تضمن نمواً مستديماً"(13).

ويلعب علم اقتصاد البيئة اليوم دوراً محورياً في تحديد المسارات المختلفة للإدارة الرشيدة للموارد الطبيعية بالشكل الذي يضمن استدامة التنمية، وبهذا يصبح هذا الفرع الجديد من العلوم الاقتصادية الأداة الرئيسة لإدماج الاعتبارات البيئية في عمليات صنع القرارات الخاصة بالتنمية في المجالات المختلفة(14).

ويمكن أن نميز بين مستويين لاقتصاد البيئة هما المستوى الجزئي (أي مستوى المنشأة) والمستوى الكلي (مستوى الاقتصاد ككل).

1) اقتصاد البيئة الجزئي:

يتمحور اقتصاد البيئة الجزئي حول اقتصاد المنشأة الذي يهتم ويحلل علاقة المنشأة بالبيئة الطبيعية والتطور النوعي للبيئة المحيطة، وأثر السياسات البيئية على المنشأة.

وتتمثل أهم وظائف اقتصاد البيئة الجزئي بالآتي:

· دراسة وتحليل إجراءات وآثار حماية البيئة على المنشأة وأهدافها وعلى تعظيم الربح.

· تقديم المشورات والنصائح للمنشأة المناسبة والمنسجمة مع متطلبات حماية البيئة.

· المساهمة في توجيه الإنتاج وفقا لمقتضيات التوجيهات والتعليمات واللوائح البيئية.

· دراسة الاستثمارات البيئية التي تحد من الأخطار البيئية.

· إعطاء المعلومات حول تكاليف حماية البيئة ونفقات الاستثمار وتأثير حماية البيئة على حسابات الأرباح والخسائر وتحليل الجدوى البيئية للمشاريع.

· إعطاء النصائح وتحليل المشكلات ودراسة آفاق المستقبل لبعض فروع الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات البيئية كمنشآت الخدمات والنقل وصناعة حماية البيئة والتجارة والتأمين.

2) اقتصاد البيئة الكلي:

يتناول اقتصاد البيئة الكلي مشكلات البيئة على مستوى الاقتصاد ككل، ويهدف إلى الوصول إلى مستويات أعلى من الرفاه الاجتماعي المستدام الذي يأخذ بالاعتبار المحافظة على نوعية البيئة عند مستويات عليا. ويعالج اقتصاد البيئة الكلي التقويم المادي والنقدي للأضرار البيئية وكذلك تقويم التحسن البيئي الناجم عن السياسة البيئية في نشاط القطاعين العام والخاص. بالإضافة إلى أنه يقوم بتحديد ودراسة الصلات القائمة بين البيئة والأهداف الاقتصادية الكلية، وكذلك الصلات القائمة بين السياسات الاقتصادية والسياسات البيئية(15).

وتتمثل أهم وظائف اقتصاد البيئة الكلي بتقديم المعلومات والاستشارات التي يمكن على أساسها اتخاذ القرارات وذلك من خلال تقويم مايلي:

· الأضرار البيئية وإجراءات حماية البيئة ونتائج تلك الإجراءات.

· تطور أدوات السياسة البيئية سواء المحلية منها أم العالمية، وتحديد إلى أي مدى تم حل المشكلات الموجودة.

· تأثير حماية البيئة على أهداف الاقتصاد الكلي وتحديدا على النمو الاقتصادي ومستوى التشغيل.

· أثر حماية البيئة على الأهداف الاقتصادية الكلية ذات الصلة، فالسياسة البيئية تؤثر في السياسات الأخرى، كالسياسات الإقليمية وسياسة النقل وسياسة الطاقة والموارد.

Page 6

ثالثا: مفهوم النظم البيئية

يقصد بالنظم البيئية مجموعات ذات أنظمة متداخلة في إطار البيئة الطبيعية التي يعيشون فيها. وهي ليست مجرد تجمعات للأنواع (Species) بل إنها أنظمة تتكون من مادة عضوية وغير عضوية وقوى طبيعية تتفاعل وتتغير. وهذه الأنظمة متداخلة بشكل معقد من خلال دورات وسلاسل غذائية. وتسهم تعقيداتها وحيوتها في تحقيق إنتاجيتها مما يجعلها عصية على التعامل.

ويمكن القول بأن الناس على صلة وثيقة بالنظم البيئية فهي متجسدة في الغابات التي نعيش فيها ونمارس الصيد في ربوعها ونقطع أخشابها ونتنزه فيها، وفي البحيرات والجداول المائية والأنهار التي نصطاد الأسماك فيها وننقل سلعنا فيها ونشرب مياهها. إنها الأراضي الخضراء التي نرعى فيها قطعاننا والسواحل التي نلعب فيها والمياه البحرية التي نصطاد منها الأسماك بالشباك. وتشمل النظم البيئية أراضي المزارع التي نحرثها، فضلا عن متنزهات المدينة والفضاءات الخضراء التي نجوبها. وعليه فإن كل سنتمتر في كرتنا الأرضية هو جزء لا يتجزأ من النظام البيئي.

ويشير تقرير موارد العالم لعام 2001 إلى أن مفهوم النظام البيئي ((Ecosystem يتناول النظم البيئية الساحلية والزراعية وتلك المتصلة بالغابات والأراضي الخضراء والماء العذب، وكلها على مستوى شامل (أنظر شكل 2). وإن كل جزء من هذه الأجزاء يشتمل على عدد من التنوعات المحلية. فالنظم البيئية للغابات على سبيل المثال، تتراوح بين الغابات المدارية المطيرة حول الدائرة الاستوائية إلى الغابات الشمالية مترامية الأطراف في العرض العليا، وهي أنظمة بيئية تختلف تماما في تفاصيلها، لكنها تتشابه في بيئاتها الأساسية وفي أنواع الفوائد التي تعطيها (16).

Page 7

ويعطينا تقسيم النظم البيئية على هذا الأساس الفرصة كي ندرسها على نحو شامل ونفكر بترو إزاء التحديات عند التعامل معها بشكل مناسب. على أن الانقسامات بين النظم البيئية أقل أهمية من الروابط بينها، فالأرض العشبية تفسح المجال إلى أراضي السفانا والتي تؤدي بدورها إلى الغابات. والماء العذب يصبح مالحاً قليلاً لدى وصوله منطقة ساحلية. وتتصل هذه الأنظمة بشكل وثيق لتكون سلسلة شاملة متصلة من الطاقة والمواد الغذائية والكائنات الحية – إنها المحيط الحيوي الذي نعيش فيه.

لماذا الاهتمام بالنظم البيئية ؟

تمدنا النظم البيئية بأسباب الحياة، فهي توفر لنا الطعام والمنسوجات والمياه، كما تؤدي النظم البيئية وظائف أساسية ممثلة في خدمات أخرى مثل تنقية الهواء والماء ومراقبة الطقس وإنتاج الأطعمة والتربة.

إن حصاد هبة النظم البيئية يعمل على ترسيخ اقتصاداتنا ويوفر لنا فرص العمل خصوصا في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، فالزراعة والغابات وصيد الأسماك توفر 50% من سائر المهن في العالم، و70% من المهن في مناطق إفريقيا جنوب الصحراء وشرق آسيا ومنطقة الباسفيك. ولدى 25% من شعوب العالم، فإن المحاصيل وأخشاب الأشجار والأسماك ما تزال تعطي الاقتصاد أكثر مما تعطيه السلع الصناعية. كما أن الزراعة العالمية وحدها تنتج ماقيمته 1300 مليار دولار سنوياً على شكل أطعمة ومنسوجات(17).

والنظم البيئية تغذي أرواحنا أيضا فهي توفر أماكن للتعبير الديني والمتعة الجمالية والاستجمام. ففي كل عام يحج ملايين الناس إلى أماكن مقدسة خارج بلدانهم أو يمضون عطلاتهم في مناطق ذات مناظر خلابة أو يتوقفون في متنزه أو في حدائقهم للتفكير أو الاسترخاء. إن التطور الإنساني والأمن الإنساني مرتبطان بشكل وثيق بإنتاجية النظم البيئية مما يجعل مستقبلنا يعتمد كثيرا على حيويتهما المستمرة.

Page 8

المبحث الثاني : أدوات الاقتصاد البيئي

أن مساندة الجهود المبذولة لتحقيق التنمية المستدامة تستدعي التعرف على مجموعة من الأدوات عميقة المغزى في الواقع الاقتصادي والاجتماعي وتتمثل هذه الأدوات بالآتي:

1) المؤثرات الخارجية (Externalities):

يقصد بالمؤثرات الخارجية تأثير يولده سلوك عامل اقتصادي على رفاهية الآخرين ولايكون لذلك التأثير ثمن نقدي أو تعاملات بالسوق، أو هو عبارة عن الآثار الناجمة من نشاط على نشاط أخر دون الأخذ بعين الاعتبار هذه الآثار في الحسابات الاقتصادية(18).

وتظهر المؤثرات الخارجية بأشكال شتى، بعضها إيجابي (الوفورات الخارجية)، في حين أن بعضها سلبي (الهدر الخارجي). وهكذا، فحين أسكب برميلاً من مادة حامضية في نهر ماء، فسوف يقتل ذلك الأسماك والنباتات، وحيث أنني لا أدفع لأي شخص مقابل هذا الضرر، فقد حدث هدر اقتصادي، وحين تكتشف طريقة أفضل لتنظيف بقعة نفطية، فإن نفع ذلك سيمتد إلى الآخرين دون أن يدفعوا لك شيئا مقابل ذلك، وهذا يشكل وفراً خارجياً.

وتأسيساً على ماسبق فإن المؤثرات الخارجية تقع عندما لا تتساوى الكلفة أو المنفعة الخاصة مع الكلفة أو المنفعة الاجتماعية، إن تصريف الملوثات في مجرى مائي مثلا يرفع عن كاهل المنشأة التي تخرج عنها الملوثات عبء معالجتها أو منعها، في حين يتحمل المجتمع عبء معالجة هذا التلف البيئي. ومن ثم، فإن حسابات المنشأة التي تظهر ربحاً صافياً لا تمثل حقيقة التكاليف الإجمالية لنشاط هذه المؤسسة لأنها تركت لغيرها، خارج نطاق عملها أن يتحمل هذه التكاليف. ومن ثم جاءت أفكار فرض ضرائب على التصريفات أو المناداة بمبدأ أن الملوث يدفع الثمن (Polluter Pays Principle) والرأي المفضل الآن عند المختصين باقتصاديات البيئة هو إدخال هذه التكاليف الإضافية في حسابات المنشأة بحيث تعكس أسعار منتجاتها تكاليف الهدر البيئي المترتب على إنتاجها وتسويقها، أو كلفة تعديل الفن التكنولوجي فيها لوقف هذا الهدر أو الإقلال منه بقدر الإمكان، بدلا من إنتاج الملوثات ثم العمل على معالجتها وفقا لما أشرنا إليه آنفاً(19).

نحن ندرك اليوم مسألتين هامتين أولهما، أن دحرجة المشكلات البيئية من مكان إلى آخر، أو من زمان إلى زمان، تؤدي إلى زيادات كبيرة في الآثار السلبية لهذه المشكلات، وفي تكلفة علاجها. والمسألة الثانية هي أنه بغض النظر عن توزيع عبء تحمل آثار التلوث، فإن المواطن هو الذي يدفع الثمن في المحصلة النهائية، سواء في ارتفاع أسعار السلع والخدمات، أم في حماية نفسه من الآثار السلبية.

2) الريع الاقتصادي ((Economic Rent:

يعد هذا المفهوم أحد أهم أدوات الاقتصاد البيئي، وبالرغم من أنه يرجع إلى القرن التاسع عشر، غير أن معناه السائد اليوم يرجع إلى ما نلاحظه من أنه عندما يكون أحد عناصر الإنتاج ذا عرض غير مرن - مثل قطعة الأرض أو مورد طبيعي غير متجدد - فإن كلفته لا تحدد استخدامه.

ولقد بات بارزاً للعيان اليوم بأن هذا المفهوم ينطبق على الماء والهواء اللذين لم نعتد في حساباتنا الاقتصادية أن نحدد لهما ثمناً، وواضح أنه يرتبط بالأوضاع التي تكون فيها الموارد غير مرنة أو شحيحة، وخصوصا في الأمد القصير، كما يحدث عند احتكار سلعة أو مورد معينين. ثم إن هذا الريع لا يرجع برمته إلى صاحب المورد أو السلعة، وإنما يذهب جزء منه إلى مستخدم المورد أو مستأجره أو من يشترون السلع الناشئة عن استغلاله في إنتاجها. أي أن سعر هذه المنتجات لا يعكس حصتها من الريع الاقتصادي للمورد منسوباً إلى ما استخدم في إنتاجها.

3) حسابات الدخل القومي (National Income Accounts):

تعد حسابات الدخل القومي أحد أهم أدوات التحليل الاقتصادي، وهي من أهم الحسابات الاقتصادية القومية لأنها تظهر بقيم مالية إنتاجية الاقتصاد الوطني للفترة المدروسة، وتعني حسابات الدخل القومي القيمة النقدية لكل السلع والخدمات التي تنتج خلال فترة زمنية معينة، آخذة بالاعتبار عوامل مثل التضخم النقدي أو استهلاك الأصول الرأسمالية(20).

وغني عن البيان فإن هذا لا يأخذ بعين الاعتبار النقص الصافي في الموارد الطبيعية والذي يساوي ما استخدم منها لإنتاج السلع والخدمات، وكذلك الهدر البيئي الناجم عن التلوث الذي واكب عمليات الإنتاج والاستهلاك. وواضح أن هذا خلل جوهري في التقدير، المسألة التي دفعت بمنظمة الأمم المتحدة لإعادة النظر في نظامها السائد للحسابات القومية، وإعداد حسابات قومية مرادفة للحسابات المألوفة تأخذ هذه المسألة بالحسبان، لكي تتوفر لصانعي القرار صورة أكثر دقة للآثار الكاملة للسياسات القومية. فمن الممكن لدولة مصدرة للنفط أو لأحد الخامات المعدنية أو المحاصيل الزراعية أن تستمر في استهلاك رصيدها من النفط أو الخام أو التربة الزراعية دون أن تعكس حساباتها القومية هذه الخسائر المتراكمة وحتى تنفد بصورة كلية.

4) معدلات الخصم (Discount Rates):

تعكس معدلات الخصم الخيار الشائع للإنفاق اليوم بدلاً من الانتظار للغد. وهي أداة مألوفة في حسابات تقييم جدوى المشروعات وترتبط عادة بأسعار الفائدة الحقيقية التي تتقاضاها البنوك في معاملاتها المالية. غير أن هناك جدلاً مستمراً حول سعر الفائدة المناسب لأغراض التخطيط القومي، فالأسعار المرتفعة لا تشجع على الاستثمار في المشاريع التي لايتحقق عائدها إلا بعد فترة زمنية طويلة، حتى ولو كانت حميدة بيئياً ومفيدة للأجيال القادمة. وهناك حسبة مشهورة قام بها اقتصادي أمريكي تبين هذه المسألة بصورة واضحة، فالقيمة الحاضرة لخسارة بيئية تقدر بمليون دولار وعندما تقع بعد مائة عام لا تتجاوز 75 دولار بسعر خصم 10%، أما إذا ارتفع سعر الخصم إلى 18%، فإن قيمتها اليوم لاتتخطى ستة سنتات(21).

وخلاصة القول فإن الاقتصاد البيئي مازال مجاله بكراً بدأ الاهتمام به حديثاً ومازال أمامه العديد من المشكلات المنهجية قبل أن يوفر لنا أدوات يمكن تطبيقها بصورة فعالة في التخطيط للتنمية المستدامة، ومن الإنصاف أيضا التنبه إلى أن الكثير من المعطيات الأساسية عن خصائص البيئة وردود فعلها للأنشطة التنموية المختلفة مازال غير متاح أو غير موثوق به بالقدر الكافي لتوفير قاعدة المعلومات الضرورية لاستخدام الأدوات الاقتصادية الجديدة لتحقيق التنمية المستدامة.

Page 9

المبحث الثالث : السلع الخاصة والسلع العامة

ترى النظريات الكلاسيكية التي تناولت البيئة الطبيعية أو الموارد الطبيعية أنها مورد لا ينضب، ولكي نستطيع أن نعرف حقيقة هذه المقولة، ينبغي علينا أن نميز بين السلع العامة (Public Goods) والسلع الخاصة (Private Goods)، فالسلع العامة تعرف بأنها السلع التي تستهلك بكميات متساوية من قبل المجتمع، كما أنها غير قابلة للتجزئة فيما بين الأفراد. أما السلع الخاصة فهي تلك السلع التي يمكن لأفراد معينين استخدامها، كما أن الافراد يتنافسون على هذا الاستخدام بحيث يمكن استثناء بعض الأفراد من استخدامها(22).

ويلاحظ أن البيئة ينطبق عليها التعريف بأنها سلعة عامة، غير أنه مع التدقيق والتحليل نستنتج أن هذا يعد أمراً صحيحاً قبل الثورة الصناعية أي قبل أن تمتد يد الإنسان للعبث بالبيئة، حيث كانت السلع البيئية (كالهواء النظيف، المياه النظيفة) غير محددة وتتسم بالوفرة. فقد كان الأفراد كافة يتمكنون من استهلاك هذه السلع البيئية دون مجال للتنافس فيما بينهم، بيد أن ما نلاحظه اليوم من ممارسات تنتهي بالتلوث البيئي ومن أهمها:

· إلقاء مخلفات المصانع في الانهار والبحيرات.

· التلوث النووي.

· التلوث الهوائي.

هذا ما أدى إلى حدوث تحول في طبيعة البيئة كسلعة، بما أنها فقدت جزءاً هاماً من مضمون تعريف السلع العامة، ولم تعد بالوفرة التي كانت عليها، حيث أن استهلاك الفرد في الوقت الحاضر يؤثر في استهلاك غيره من الأفراد(23).

وخير دليل على قولنا هذا هو قيام أحد المصانع بنشاط إنتاجي معين قد يؤثر سلباً على صحة الأفراد وبالتالي تحمل تكلفة العلاج والدواء، لأن استهلاك المصانع للهواء أو الماء يحمل المجتمع تكلفة مباشرة. وهكذا أصبح مفهوم البيئة مرتبطاً بمفهوم السلع ذات المنافع الجماعية لأنها سلع غير محدودة وليس لأحد حق ملكيتها ولكنها تشكل مجالاً للتنافس.

وعموما فإن السلعة العامة هي تلك السلعة التي يمكن تزويدها للجميع بنفس البساطة التي نزود فرداً واحداً بها. والحالة رقم واحد من السلع العامة هي الدفاع الوطني، فلاشيء مهم للمجتمع كالأمن. لكن الدفاع القومي كسلعة اقتصادية، يختلف كلياً عن سلعة خاصة كالخبز مثلا. فمن الممكن تقسيم عشرة أرغفة من الخبز بطرق عدة بين عدد من الأفراد، وما أكله لا يمكن لغيري أن يعيد أكله. لكن عند توفير الدفاع الوطني فإن تأثيره يشمل الجميع بالتساوي ولا فرق بين شاب أو عجوز، مسالماً أو عدوانياً، أميا أو متعلما – فسوف يحصل على القدر ذاته من الأمن القومي من الجيش كما هو الحال بالنسبة لكل مقيم في الدولة.

لاحظ التعارض الصارخ: قرار توفير مستوى معين من سلعة عامة مثل الدفاع الوطني سوف يقود إلى بناء عدد من الغواصات والصواريخ عابرة القارات والدبابات لحماية كل واحد منا. وبعكس ذلك، فإن قرار استهلاك سلعة خاصة مثل الخبز هو عمل فردي. يمكنك تناول 4 قطع من الخبز أو اثنتين أو رغيفاً كاملاً، فالقرار يعود إليك كلية ولا يلزم أحداً آخر بكمية معينة من استهلاك الخبز.

إن مثال الدفاع الوطني هو مثال صارخ ومتطرف عن السلع العامة لكن حين تفكر في التطعيم ضد الجدري، أو فرقة موسيقية في متنزه، أو سد في أعلى النهر لمنع أضرار الفيضان أسفل النهر، والعديد من المشاريع الحكومية المماثلة، فسوف تجد عناصر من السلع العامة متضمنة فيها.

وباختصار فالسلع العامة هي سلع لا يمكن تقسيم منافعها بين أفراد المجتمع، سواء أرغب الأفراد في شراء تلك السلعة العامة أم لم يرغبوا. والسلع الخاصة، خلافا لذلك، هي تلك التي يمكن تقسيمها وتوفيرها بصورة منفصلة لمختلف الأفراد، من دون تكاليف أومنافع خارجية للآخرين. ويتطلب التوفير الكفء للسلع العامة عملاً حكومياً، في حين يمكن توزيع السلع الخاصة بكفاءة من خلال الأسواق.

وعلاوة على السلع العامة، فإننا غالبا ما نرى "مكاره" عامة، وهي سلع عامة تفرض أعباء متساوية على جماعة من الناس. وهي نواتج جانبية للأنشطة الإنتاجية أو الاستهلاكية تخرج دون قصد، مثل نتائج الاحتباس الحراري، حيث يهدد احتراق الوقود الأحفوري بتغيير مناخ الأرض، وتلوث الهواء والماء الناجم عن المنتجات الكيماوية، وإنتاج الطاقة، واستخدام السيارات، والأمطار الحامضية الناجمة عن انبعاث أكسيد الكبريت من محطات توليد الطاقة وانتقاله لمسافات طويلة، والاشعاعات الصادرة عن تجربة الأسلحة النووية في الجو أو من حوادث عرضية مثل حادث مفاعل تشرينوبل الأوكراني، واستنزاف طبقة الأوزون نتيجة تراكم الكلوروفلوركربون وغيرها من الملوثات. لاحظ أن من تسببوا في جميع المؤثرات الخارجية المذكورة لم يقصدوا إيذاء أحد، فالمؤثرات الخارجية هي النتائج الجانبية المؤذية، وغير المقصودة للأنشطة الاقتصادية(24).

Page 10

المبحث الرابع : القيمة الاقتصادية للطبيعة

إذا كان علينا أن نختار استراتيجيات اقتصادية للبيئة الطبيعية، يجب أن نبدأ بالتعرف على القيمة الاقتصادية الموجودة هناك بالفعل. ويتمثل الاعتراف الأول في أنه في النهاية، ليس هناك رأس مال إلا ما تملكه الطبيعة، فرأس المال الشمسي - أي الطاقة المستمدة من الشمس بجميع أشكالها - ورأس المال الأرضي، من الأحياء وغير الأحياء تزودنا بجميع ما نحتاج إليه. هذه هي أنظمة دعم الحياة التي نعتمد عليها، فليس لدينا مصدر آخر للثروة أو مدخل إلى الحياة.

ما حجم هذا الوقف (خدمات الطبيعة) ؟ كم تبلغ قيمته بالنسبة لنا ؟ قدرت قيمة خدمات الطبيعة بصورة مختلفة أقلها اعتباراً أنها تساوي 16 تريليون دولاراً، وأعلاها تساوي قيمة الناتج القومي الإجمالي العالمي تقريباً أي نحو 18 تريليون دولاراً عام 1997م، وباحتساب مجموعة أكثر اكتمالاً من الخدمات وصلت القيمة إلى 54 تريليون دولاراً(25).

وفي عام 1997م قدرها أحد رواد اقتصاديات الطبيعة روبرت كوستانزا في المتوسط بقيمة 33 تريليون دولاراً إجمالاً، وذلك التقدير مقبول عموما، لكن لا يمكننا أن نكون واثقين تماما. وكما أشارت إليه جانيت إبراموفيتز، فالطبيعة ببساطة لها قيم مختلفة بالنسبة إلى الناس الذين يعيشون في أزمنة وأمكنة مختلفة، وكما هو الحال مع أي تقييم سوقي فسوف تنتج الاستطلاعات المختلفة قيما مختلفة لنفس السلع(26).

ولا تساعد تلك الجهود حقيقة أن حساباتنا الاقتصادية ليست فقط غير معدلة للتعبير عن قيمة أنظمة الطبيعة، بل إنها مضبوطة على نحو منحرف لاحتساب التدمير كمكسب والمحافظة كخسارة. وعلى سبيل المثال، فالغابة السليمة والقائمة، تدخل الحساب الاقتصادي في الوقت الحاضر كمجرد أصول غير محققة، حتى وهي تؤدي خدمات واسعة للحياة والاقتصاد البشريين. وعلى رغم كونها كاملة وغير مستغلة عادة فيما يرتبط بالقيمة الاقتصادية، فهي توفر الوطن للحشرات الملقحة والطيور والحيوانات، وبحماية التنوع الحيوي تعمل كمستودع للمواد الصيدلانية المنقذة للحياة المحتملة، فجذورها تتحكم في الفيضانات، وتصد الرياح، وتحفظ التربة من التآكل، وبذلك تبقي خصوبة التربة وتحافظ على الجداول المحتوية على الأسماك من التغرين (Silting). وهي تحافظ في نفس الوقت على إنتاجية التربة، والجدول والشبكة الواسعة للحياة في نظام بيئي سليم (اسأل فيلق المهندسين العسكريين عن تكلفة استعادة ذلك، بعد ذهاب الغابات – إذا كان بالإمكان عمل ذلك أصلاً)، فأوراقها تمتص وترشح الملوثات من المناطق الصناعية القريبة، ومن خلال نشاط التركيب الضوئي لنباتاتها تقوم ببث الاوكسجين حتى نتنفسه وتمتص الكربون، ومن ثم تمنع المزيد من احترار الكرة الأرضية.

إن مقدار ما نرغب في دفعه مقابل كل هذا – أو على الأقل، على سبيل المثال، مقابل الأوكسجين وحده، إذا لم نستطع الحصول عليه من الغابة ؟ سيرتفع المبلغ إلى مليارات بسرعة كبيرة، لكن كيف تبدو الغابة على كشف الحساب ؟ مثل العبء الضريبي، عندما نشرع في تدميرها بتقليل القيمة الصافية الحقيقية لخدمات الغابة المقدمة لنا، لا يظهر الدمار على الجانب السلبي وعلى العكس فجأة يبدو كل شيء إيجابياً من الناحية الاقتصادية. رواتب قاطعي الخشب، وأرباح الشركات التي وردت المناشير والجرافات وأرباح شركة الخشب التي تبيع كتل الأخشاب لبناء المساكن، وصنع الاثاث، ولب الورق، أو لمجرد التخزين في قيعان البحيرات اليابانية وأرباح صناعة البناء، ومتاجر بيع الأثاث بالتجزئة، وشركات صناعة الورق، جميعها محسوبة في الناتج المحلي الإجمالي، لكن الغابة ليست كذلك. وبالإضافة إلى ذلك عندما تتسبب شركة صناعة الورق بقتل جميع الأسماك في النهر بنفاياتها، فلا تخلع أي قيمة على الإطلاق على الأسماك التي لم يتم اصطيادها ولا على النظام البيئي الذي يدعمها. لكن عندما تفرض الحكومة أمراً بالتطهير، فكل الأجور والآلات التي تشارك في عملية التنظيف تمثل جزءاً من الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك نفقات مواقع دفن النفايات لخردة الأثاث غير المعاد تصنيعها ونفقات نقل تلك الجبال من الورق الذي نستهلكه.

ومع ذلك فتلك الجهود لا تؤدي إلى أي منتج مفيد على الإطلاق، باستثناء استعادة جزئية لما كان موجوداً من قبل، والذي كانت قيمته الاقتصادية، كما نتذكر تحسب على أنها صفر. وباعتبار أن القيمة كانت صفراً، فتكلفة الاستنزاف - أي خسارة خدمات الغابة تحسب بدورها على أنها صفرية. ومثال جانيت ابراموفيتز المفضل "لايطرح الضرر الناجم عن بقعة زيت هائلة من الناتج المحلي الإجمالي للأمة، لكن المبالغ التي تصرف على تطهيرها وعلى تأثيراتها الصحية تعد إضافات إلى الاقتصاد الوطني"(27).

إن محاولة تفسير رأس المال الطبيعي، واحتساب قيمة خدمات الطبيعة مستندة على الاعتراف بأن الموئل السليم حول العالم (الغابات، والأراضي الرطبة الساحلية، والبراري) أكثر قيمة لنا في كثير من الأحيان من المنتجات (مثل الخشب) أو الاستخدامات الإنتاجية (الحقول ومزارع الأسماك) التي يمكن تحويلها إليها. بوسع الموئل البري، شأنه شأن الغابة أن يدفع فواتيره الخاصة.