eKtab
EN ع
مخيم المواركة
Read free sample

مخيم المواركة

by جابر خليفة جابر

Page 1
(( اعتــــراف ))
 
لأن عمار إشبيليو، هو من أرسل هذه الرواية كاملة إلى بريدي الإلكتروني:
 
 
ولأنه -كما اعترف بنفسه - نقلها عن راوٍ آخر، من أسلافه، عاش قبل أكثر من أربعة قرون، واسمه، عمار إشبيليو، أيضا.
 
ولأن عمار إشبيليو الأول ذاك، هو الآخر ليس المؤلف الحقيقي للرواية، كما ذكر حفيده، عمار إشبيليو الأخير عنه.
 
ولأن عمار إشبيليو الأول لم يذكر لنا بالتحديد من هو مؤلف الرواية، المسمى ب حامد الأندلسي، هل هو شقيقهُ حامد بن قمرين، أم هو حامد بن كناري أخته؟
 
وغير هذا، لا أحد يعلم كيف اجتازت الرواية مئات السنين لتصل إلى عمار إشبيليو الأخير؟
 
لهذه الأسباب مجتمعة، ولكي لا يضيع القارئ في متاهة البحث عن المؤلف، قررت أن أدعي تأليف الرواية، وأضع اسمي على غلافها..
 
جابر خليفة جابر
Page 2
أحمـد رودميـرو
 
... بودي أن أتحدث لك أيضا عن الدكتور رودميرو، أحمد رودميرو، شخصية جذابة، ستعجبك كثيرا، إسباني كاثوليكي، تعرف على الإسلام منذ عشرين عاما، ثم أسلم، في الأصل كان من سلامنكا القريبة من البرتغال، لكن أصوله موريسكية، على ما أظن من إشبيلية، جنوب الأندلس ...
 
قالت له أمه حين رأته يقوم بحركات غريبة كأنها رأتها من قبل: أمادو ماذا تفعل؟ وكان هذا اسمه الإسباني.
 
- أصلي ماما، أصلي المغرب. تحدث لها من قبل عن عودته لدين الموريسكيين، قال أموراً كثيرة لم تفهم أغلبها، لكنها تحب أمادو، ابنها الوحيد، والحركات التي رأته يؤديها ظنّتها أوّل الأمر نوعا من الرياضة، لكن نقاط ضوء صغيرة تلامعت في ذاكرتها من بعيد فسألته: أمادو ماذا تفعل؟..
 
ثم قال لها: ماما أرجوك سميني أحمد وليس أمادو، بليس ماما.
 
- أوه أمادو.. كنت وأنا صغيرة متعلقة بجدك، أحبّه جدا أمادو، ولم أكن أفارقه، حتى إنّني كنت أترك أبي ليلاً لأنام في حضنه وأعبث بلحيته البيضاء المشذبة، كنت أتبعه أينما ذهب، ولم يكن ذاك يضايقه إلا عندما ينزل إلى القبو، كان يتخلص مني برفق ويغلق الباب خلفه، لكني إذا عرفت أنّه في القبو، لم أكن أفارق الباب وكنت أبذل جهدي لأقف على أطراف أصابعي كي أراه من شق المفتاح، وحين نجحت لأول مرة، رأيته وسط الشق الصغير تماما، رجل كبير كجدي في شق المفتاح الصغير، حير هذا الأمر عقلي آنذاك، وما حيرني أيضا الحركات الغريبة التي كان يؤديها وعيناه دامعتان، أمادو ما كان جدك يقوم به من قيام وانحناء وقعود، يشبه ما فعلته قبل قليل، كان يلصق جبهته بالأرض أيضا، ويبكي، يا إلهي هذا يعني أنّه كان يصلي المغرب أيضا.
 
- صديقي هذا ما حكاه لي الدكتور رودميرو نفسه، شخص لطيف أتمنى لقاءك به، يبدع الشعر والقصص وعازف كيتار، كان مولعا بالموسيقى أكثر، ومولعا بالتجريب في الأدب أيضا والبحث الدائم عن الجدة والغرابة في مؤلفاته، حتى قاده اهتمامه بالموشحات الأندلسية إلى أقصى أعماقه، أقصى أعماق القلب كما يعبر أحمد رودميرو نفسه، حيث كان الإسلام مختبئا وخائفا من محاكم التفتيش، الحكاية طويلة صديقي، سأمدك بالمزيد، أعرف أنك متعطش، المهم أنّه أسلم مذ ذاك، أشهر إسلامه وحج إلى مكة المكرمة.
 
سنلتقي غدا بإذن الله، أعترف أني كسول في الكتابة من قبل والآن كسول في الطباعة أيضا، لذا سأختصر، ولولا أني أحبك أيّها الموريسكي الذي لم أره، لما أتعبت نفسي، أنت تثير محبتي، إلى لقاء آخر، عبر النت طبعا، وأعتذر عن كسلي.
Page 3
عمّـار إشبيـليـو
 
هذه إحدى رسائل عديدة كان- عمار إشبيليو - وهذا هو اسمه أرسلها لي بمبادرة منه. أدهشتني أولى رسائله، لا أدري لماذا خاطبني بالموريسكي، تفاصيل كثيرة يعرفها عني، بعضها يعود لأيام الطفولة، يعرف اسم مدرستي، مدرسة الأندلس الابتدائية للبنين، وموقعها بالتحديد ذكره لي، على ضفة شط العرب، قرب جامع الفضلي في الفاو يوم كانت عامرة بأهلها.
 
حتى إنّه ذكر الكوسج المحنط والمعلق قريبا من مكتب مدير مدرستنا، أدهشتني معرفته بهذه التفاصيل عني، لا أدري كيف عرفها، إلا أنني لم استغرب كثيرا تحدثه عن الكتب التي قرأتها عن تاريخ الأندلس وشعبها، مدجَنين ومواركة تحت سطوة قشتالة وأراغون وغيرها من الممالك الكاثوليكية الشمالية، من الواضح أنه عرف ذلك من دخولي للمواقع المهتمة بالشأن الأندلسي، ولهذا ظن - عمار إشبيليو- إني من أصول موريسكية جاءت إلى الخليج العربي والبصرة مع السفن البرتغالية أيّام الاحتلال الإسباني للبرتغال، قال إن الآلاف من المواركة فعلوا هكذا، وأبحروا متخفين تحت قناع النصرانية إلى الهند والساحل الأفريقي وقد اكتشف الباحثون أنَّ مقابر العديد من القرى في أمريكا اللاتينية تتجه إلى القبلة.
 
وعزز ظنه قائلا: ألم تسأل نفسك يوما لماذا أدخلك أبوك في مدرسة اسمها الأندلس مع أن مدرسة أخرى كانت أقرب منها إلى داركم؟ لا شكّ أن أباك كان موريسكيا مخلصا رحمه الله.
 
لا أدري إنْ كان موضوع بعد المدرسة عن بيتنا صحيحاً أم لا، لكني استغربت معرفته بهكذا تفصيل. وكان رده أنّه يتابع كل مهتم بمأساة شعبه الأندلسي ويحب أن يعرف كل شيء عنه، وأضاف: لم أنت مندهش؟ شعب الأندلس أحبّه يا أخي، أحب الموريسكيين، رضعت حبهم وحكاياتهم طوال طفولتي، لم يترك أبي أي حكاية أو حدث يعرفه إلا وقصه علي ولا شيء أحب إليّ من سماعها، بل لا حياة لي الآن من دون استرجاع تلك الحكايات وتنفسها.
Page 4
هذه الحكايات تقطر ألماً ومرارة وإنسانية، وهي التي جمعتنا معا كصديقين، أنا والدكتور رودميرو، حتى إنّنا بعد تعارفنا لا نكاد نفترق إلا لنلتقي ثانية.
 
مع أنّ للدكتور رودميرو- أو أمادو كما يحلو لمواطنيه الأسبان تسميته - انشغالات كثيرة، فهو عضو ناشط في إحدى المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان في مدريد، وهو وإنْ كان مستقلا إلا أنّه شارك في الحملات الانتخابية بقوة لصالح مرشحين يعتقد بقربهم من توجهاته التي تتلخص بضرورة تخلص إسبانيا الملكية الديمقراطية من الظلال السوداء المخجلة لعهد الجنرال فرانكو وسياسات قشتالة القديمة وما ارتكبته من مجازر وإبادات جماعية للشعب الأندلسي وللعديد من الشعوب في الأمريكيتين، وآسيا وإفريقيا كذلك، ويرى أنَّ الاعتذار الملكي من اليهود أمر جيد لو أنّه شمل غيرهم، خاصة وأنّ ما تعرضوا له أقل بكثير مما تجرعه الأندلسيون وهنود المايا والأزتيك والآخرون. يصف الدكتور رودميرو ذاك الاعتذار بالبراغماتية السلبية التي تسيء لوطنه إسبانيا أكثر مما تنفع، باختصار صديقي، إنّ رودميرو يدعو إلى مجتمع متسامح متعدد الألوان والثقافات التي تتلاقى معا لرسم اللوحة الأروع لفنان إسبانيا العظيم، وهو الشعب الإسباني - كما يقول - بكل أطيافه وثقافاته المتلاقحة عبر التاريخ، وغالبا ما يقول لأصدقائه وتلاميذه وزائريه:
 
إنَّ مقولة فرانكو الشهيرة (في إسبانيا عليك أنْ تكون كاثوليكيا أو لا تكون أي شيء) باتت من الماضي وعلينا أن لا ندع لها أي حيز مهما كان صغيرا، لا في أفكارنا ولا أقوالنا ولا في أيّ من أفعالنا وسلوكنا مع بعضنا ومع الآخرين.
 
هل يكفيك هذا تعريفا بالدكتور أحمد رودميرو؟ أتركك اليوم، لأحدثك بعدها عن مخيمنا، انتظرني.
Page 5
أول المخيـم
 
قبل عام تقريبا – يقول عمار إشبيليو- وخلال أحد لقاءاتنا الطويلة المتكررة - كل يوم تقريبا - ولدت فكرة المخيم، من صاحبها أنا أم رودميرو؟ لا أدري، لكنه باشر بالسعي لتنفيذها في ذات اليوم وتحقق لنا نحن جماعة من المواركة الشباب ذاك الاجتماع الجميل، بعض الموريسكيات كن معنا وأيضا أساتذة وطلاب أسبان وقيل إن أديبا أرجنتينيا ومثقفين من أمريكا اللاتينية حضروا لعدة أيّام، كما تكرر حضور كاتب هولندي وزوجته...
 
اسمع صديقي، جلسات عديدة بصحبة الدكتور أحمد رودميرو سبقت انبثاق مشروع المخيم، لا أحلى منها غير أيام المخيم نفسها، جمعتنا هذه الجلسات لساعات، قرأت عليه بعض ما كتبت، كانت قصاصات سرد تتضمن ما يشبه الشعر...
 
حين قرأها سألني: شعر؟
 
قلت كوكتيل من الشعر والسرد وربما الرسم أيضا، من كل باقة وردة أو أكثر.
 
وأسمعته العديد منها..
 
أفرحني انشداده، لا تتصور كم فرحت وأنا أراه منشدا لما أقرأ وكان دامعا.
 
ورسمنا تلك الليلة- أول أيام 2009- بعد أربعة قرون من قرار الإبعاد الدامي، رسمنا برنامج المخيم، وكان حافلا وغريبا بمساراته..
Page 6
المـطرودون إلى البحـر
 
المطرودون إلى البحر تسحلهم إليها، شمس فالنسيا، تبقى من ثيابهم، سيتماوج البحر.. ثمة وهران في الأفق، والطريق إليها، سيغرق أيضا، خلفهم، في نهر الوادي الكبير – ربما - ستغرق الأندلس.
Page 7
مخيّـم المـواركـة
 
أقمنا مخيمنا الجوال في أماكن عدة، عسكرنا أولاً في غرناطة ثم أبعد قليلا على سفوح جبل البشرات وانتقلنا إلى ضواحي إشبيلية، جنوبها إلى جانب الطريق إلى قادس، وعلى ضفاف نهر شنيل عدة مرات، هنا وهناك، وتوقفنا - من دون أن نخيم - عند نهر حيدرة على مشارف غرناطة..
 
رغب بعضنا بالنزول تجاه المرية أو قرطاجنة لكن هذا لم يتحقق، أما المرة الأخيرة فقد كانت في غرناطة طبعا، وفي حي البيازين تحديدا، ثماني أو تسع مرات غيرنا مكان المخيم وكان تعبنا لذيذا، وقد أدركنا متأخرين أنّ الدكتور رودميرو أراد لتنقلاتنا أن تحاكي حالات الطرد المختلفة، وللاقتراب أكثر من مشهد البحر، عبرنا بالقوارب نهر شنيل ونهر حيدرة وعمل الجميع بالمجاذيف، صدقني لقد تم إلقاء اثنين منا في الماء وهم في دهشة وغضب، لكن المخيم كله أدرك السرّ لهذا، قدر الكثير من المواركة أن يلقوا في البحر، هكذا علق أحدهم وانتشرت المشاعر المختلفة من ضحك وانشراح إلى وجوم وحزن واستحضار للمأساة، إحدى الموريسكيات كانت تبكي، اسمها على ما أتذكر (مارتينا) وكان اثنان من الضيوف أحدهما إسبانياً يقومان بتصويرها، بكت وسط أضواء الكاميرات، مشهد مؤثر فعلا، ليتك كنت معنا يا صديقي.
 
المخيم بشكله وتنقلاته وطريقة توزيع الخيام القريبة إلى الفوضى والتشتت أريد لها أن تحاكي عمليات الطرد الوحشية التي تعرض لها شعب كامل بمختلف انتماءاته وأطيافه، أما الثيمة الأساس لفكرة المخيم فهي اجتماعاتنا أو حفلاتنا القصصية والتي ابتدأت بأن يطرح أيّ مشارك ما يعرفه من حكايات المواركة بجمل مكثفة، كتلك التي تبادلتها مع الدكتور رودميرو، يمكن أن أسميها قصاصات سردية أو حبات قصصية ..
 
أربعون حبة أو قَصاصة أو قُصيصة، لنقل أربعون جملة سرد مركزة وأزيد عرضت على المشاركين، ليقوم أحدهم أو أكثر بالانطلاق من أي جملة والتوسع فيها ضمن آفاق الخيال المنتمي إلى واقع كان معيشاً، وبمعنى آخر، بسط الواقع الموريسكي المتخيل ورسم مشاهده.
Page 8
وزعها الدكتور رودميرو على جميع الخيام بعد أن جمعها منها، وقال لهم ليختر كل منا جملة، جملتين، لا يهم، ولنعبر عنها بحكاية ويمكن الاستعانة بأيّة وسيلة إبداعيّة الشعر أو الرسم وحتى الموسيقى، الإبداع هو المبتغى وخصوبة الخيال..
 
إقـفــال
 
القذارة على جسر قرطبة،وحمامات الموريسك التسعمائة أغلقت.. ثبتي شمعك الأحمر جيدا يا قشتالة.. نساؤك وحدهن لن يغير الإغلاق، في أجسادهن حالا.
 
لا أدري إن كانت هذه البذرة القصصية لي أو للدكتور رودميرو أو لآخر من رواد المخيم.. ينبغي أن تتذكر أننا جميعا شاركنا في إعداد وكتابة هذه الجمل المكثفة، لقد اشتركنا حتى في كتابة الجملة الواحدة، كلمة من هذا أو ذاك، حتى نستقر على الصياغة الأخيرة لها.
 
أحد الشباب علق على جملة (إقفال) لكن باختصار:
 
فــرح
 
بعد سلامة الوصول إلى البر المغربي نقطة الفرح الوحيدة للموريسكيات الجميلات هي حمام بعيد - عن الأنظار- ليغسلن أدران قشتالة ولو بماء البحر..
 
نحن وزعنا القصاصات- آميكو- أو الجمل المكثفة على الجميع، مع أننا جميعنا شارك في إبداعها وحول القصاصة كتبت تعليقات عدة، أذكر لك منها ما كتبه مشارك آخر بعنوان
Page 9
ختم
 
على شمع الباب الخشبيةكان الختم بهيئة المسيح المصلوب كانت الأقفال أكبر.. حين تمر المورسكيات – بباب الحمام - يتلفعن جيدا بعباءاتهن، ولا يتذكرن.. سوى انتعاشة الماء، وغير خوابي الحنة.
 
أما المشاركة السردية الأولى فكانت من الخيمة الثامنة التي تضم خمسة أشخاص أصولهم من مدن متقاربة، تيرويل وكوينكا، وثلاثة من فالنسيا، وهي ميناء على المتوسط.
 
كانت مشاركتهم قصيرة وأحداثها مختزلة حين نشروها أول مرة، لكنهم عادوا مرارا لتطويرها، واشترطوا أنْ تنشر بنسختها الأخيرة وليس مجزأة كما هو الأصل، وهذا وإن جرى خلاف برنامج المخيم، لكن الإدارة اضطرت للموافقة بعد أن استطلعت آراء الجميع، بما فيهم الضيوف والزائرين.
 
تجربة الاستطلاع كانت ممتعة، وكانت مشاركتهم بعنوان (بستان الحرير).
 
قال أحد الضيوف وكان شاعرا أرجنتينيا اسمه خوليو سوريس:
 
إن الأقفال، وهو عنوان القصاصة السردية، تثير عند القارئ انثيالات شتى، منها السجن والمطاردة ومصادرة الحريات وتكميم الأفواه ومنها أنها تعني هنا، القبض على الحمّامات وإلقاءها في السجن، تخيل حمامات بأبنيتها ومغاطسها وروادها ملقاة داخل الزنازين، تخيل ذلك، هذه قراءتي كشاعر، أما كلمة الحرير فقد أسرَّ في أذني صديقي أمادو ( يقصد الدكتور أحمد رودميرو ) أنّ حروفها وصوتياتها قريبة من كلمة حرية بالعربي، وهذا يؤيد قراءتي، أنّ بستان الحرير وفقا للعربية يعني بصورة ما السعي للتحرر من الأقفال بصناعتها القشتالية الثقيلة على القلب والمتقنة..
 
بستان الحرير – آميكو- هو عنوان لما نشرته الخيمة الثامنة انطلاقا من جملة (أقفال).
Page 10
بستان الحرير
 
أراد مارتينو أنْ يجيد التقشتل ويتقنه مرتعبا من مصير حل بأبيه على يد رجال محكمة التفتيش في إشبيلية، فخرج إلى قرطبة ومنها إلى فالنسيا مبتعدا عن كل معارفه الموريسك، واستقر بها مستعينا بما يملك لشراء بيت وبستان حرير ليس بعيدا عنه.
 
وهناك بالغ الموريسكي مارتينو بإظهار نصرانيته، أغلب أصدقائه قشتاليون، كما أنّه بدا قشتاليا أكثر من القشتاليين أنفسهم، لا يتحدث إلا بالقشتالية ويضمن كلامه ازدراءً وتجريحا لكل ما هو موريسكي وغير كاثوليكي، كان مواظبا كل أحد على الذهاب للصلاة في الكنيسة، وحرص دائما على الظهور العلني في الأسواق أيّام الجمعة وخلال أعياد المسلمين المعروفة لئلا يتهم بالصلاة سرا في بيته كما هي تهمة كل موريسكي لا يأكل لحم الخنزير أو يتغيب عن الكنيسة، بيده نقش مارتينو علامة الصليب على قمصانه، ثم مثل دور الحب مع شقراء يبدو أنّ دم الفايكنغ المجوس يلوح في قسماتها المتوحشة، فعلا كانت جميلة بشقرتها وملامحها الجرمانية - كما تقول الحكاية - وقد انخدعت به، كان شابا أسمر فارعا ووسيما، ملامحه تشي بالقوة والرجولة، لكنه بعد أن أوقعها بشباكه لم يدم تمثيله معها طويلا، إذْ وفي أوّل خلوة لهما لم يستطع تحمل قربها ولا قبلاتها، سليلة الفايكنغ تلك لا يرى الماء جسدها، لم يطق رائحتها، والنهر حيث تستحم القشتاليات أحيانا بعيد عن بيتها، وقبل أن يعود زوجها من البحر توارى صاحبنا الموريسكي وتهرب من إلحاحها.
 
آميكو، صديقي، أكاد أرى استمتاعك بما تقرأ، تأمل هامش - أروى- وهي معلمة من تونس، أصولها من بلنسية، لكنها من خيمة قرطاجنة، انظر هامشها:
 
نهايات
 
لم تذكروا خاتمة الحكاية يا إخوة، لا شكّ أنّها مؤلمة، هل مر انسحاب الموريسكي من صاحبته بلا عقاب؟ لا أظنّ، خاصة في ظروف كتلك، الغلبة فيها للمرأة، والانتقام لها متاح، ومع أنّ النهاية كما ذكرتم محتملة، لكني أرسم أكثر من نهاية مختلفة للقصة..