Page 1
I
المقاربة
لو كانت الوردة تعلم أنّ لطافتها وجمالها سيسوقانها إلى إناء، لكان الأَوْلى والأجدر بها أن تقطع عنقها بأشواكها الذاتية. لكنها، في الواقع، وتجهل أيضاً، أنها من ذلك الجيب من الظلال تنهل نسغ بقائها. من هنا، وفي هذا السياق، أيضاً، يأتي عذري، أنا.
1
قرنٌ ينتهي، ينعطف قذراً، مكتظّاً بمآسٍ وبخَنَث باليمين. يهرب جارّاً قدميه، رأسه غارق بين منكبيه، مدركاً هلاكه الأبدي، مما يضيف على تفليسته خزياً بائساً.
نحن في مطار بينيتو ـ خواريز: أولادي يلهون، طفلي مصاب بملل، وزوجتي قلقة.
باريس على بعد عشر ساعات من الطيران المتواصل، وها نحن على وشك التحليق فوق الجانب الشرقي من الولايات المتحدة.
فهل سيشكّل لنا هذا وسيلة للطيران بأجنحتنا الذاتية؟ إنْ نعم، كيف؟ مثل إيكار أم مثل الفراشات؟ ملبّياً نداء "خريف الأوهام"، كنتُ أجهل ممّ ستُصنَع فصولي الصيفية، من شمسٍ في عطلة النقاهة أو من قيظٍ محموم، من واجهة الأنوار أو من محرقاتٍ يتعذّر إخمادها... أوان الحقيقة يهيّىء أحكامه، ويجهّز أوان الأكذوبة شِباكه. وأنا أعي براهين الأولى ومماحكات الثانية كنت أحتفظ ببرودتي. فإنْ كانت الأصالة تستند إلى المحسوس، فانّ الزيف سيعرف تماماً كيف يستعير منها لمسةَ مشابهةِ الحقّ التي تجيَّر لمصلحة الشكّ فتحيله أكثر صدقيّة من الأمر الواقع.
أليس الوعد أكثر إثارةً من الالتزام، أليست الشائعة أكثر دويّاً من الاقرار، والاعتراف أقلّ تحريضاً من الريبة؟ ما عصا موسى مقارنةً بعصا ديفد كوبرفيلد السحرية؟ ألا يضع بهلوان يسير على حدّ موسى، انتصاراته خلف تجلّيات مسيحٍ يمشي على الماء؟ فمنذ أن كان العالم عالماً، تواصل كلمة الخير كسر أسنانها عند كلام الغورو؛ الخير لم يغلب الشرّ قطّ، هو الشرّ يخلص دوماً إلى الغلبة، مثقلاً بافراطاته. ألهذا ينبغي الارتياب في شكل ممنهج بشيءٍ ما خلف كلّ معجزة؟ الورود لن تنبت من جديد أبداً، والعدول هو أكثر ما يُسامَح عليه بين حالات الاخلال بالواجب. وحين نحمل الأسلحة، فاننا لا نلقيها. مسألة شرف؟... ببساطة، مسألة حياة أو موت.
إنها الثانية إلاّ الربع. الاقلاع مرتقب بعد ساعة، لذلك، لدينا الوقت الكافي للتمتع بفنجان قهوة قبل الاقلاع.
دعتنا النادلة إلى طاولة، دوّنت طلباتنا ثم توارت.
المقاربة
لو كانت الوردة تعلم أنّ لطافتها وجمالها سيسوقانها إلى إناء، لكان الأَوْلى والأجدر بها أن تقطع عنقها بأشواكها الذاتية. لكنها، في الواقع، وتجهل أيضاً، أنها من ذلك الجيب من الظلال تنهل نسغ بقائها. من هنا، وفي هذا السياق، أيضاً، يأتي عذري، أنا.
1
قرنٌ ينتهي، ينعطف قذراً، مكتظّاً بمآسٍ وبخَنَث باليمين. يهرب جارّاً قدميه، رأسه غارق بين منكبيه، مدركاً هلاكه الأبدي، مما يضيف على تفليسته خزياً بائساً.
نحن في مطار بينيتو ـ خواريز: أولادي يلهون، طفلي مصاب بملل، وزوجتي قلقة.
باريس على بعد عشر ساعات من الطيران المتواصل، وها نحن على وشك التحليق فوق الجانب الشرقي من الولايات المتحدة.
فهل سيشكّل لنا هذا وسيلة للطيران بأجنحتنا الذاتية؟ إنْ نعم، كيف؟ مثل إيكار أم مثل الفراشات؟ ملبّياً نداء "خريف الأوهام"، كنتُ أجهل ممّ ستُصنَع فصولي الصيفية، من شمسٍ في عطلة النقاهة أو من قيظٍ محموم، من واجهة الأنوار أو من محرقاتٍ يتعذّر إخمادها... أوان الحقيقة يهيّىء أحكامه، ويجهّز أوان الأكذوبة شِباكه. وأنا أعي براهين الأولى ومماحكات الثانية كنت أحتفظ ببرودتي. فإنْ كانت الأصالة تستند إلى المحسوس، فانّ الزيف سيعرف تماماً كيف يستعير منها لمسةَ مشابهةِ الحقّ التي تجيَّر لمصلحة الشكّ فتحيله أكثر صدقيّة من الأمر الواقع.
أليس الوعد أكثر إثارةً من الالتزام، أليست الشائعة أكثر دويّاً من الاقرار، والاعتراف أقلّ تحريضاً من الريبة؟ ما عصا موسى مقارنةً بعصا ديفد كوبرفيلد السحرية؟ ألا يضع بهلوان يسير على حدّ موسى، انتصاراته خلف تجلّيات مسيحٍ يمشي على الماء؟ فمنذ أن كان العالم عالماً، تواصل كلمة الخير كسر أسنانها عند كلام الغورو؛ الخير لم يغلب الشرّ قطّ، هو الشرّ يخلص دوماً إلى الغلبة، مثقلاً بافراطاته. ألهذا ينبغي الارتياب في شكل ممنهج بشيءٍ ما خلف كلّ معجزة؟ الورود لن تنبت من جديد أبداً، والعدول هو أكثر ما يُسامَح عليه بين حالات الاخلال بالواجب. وحين نحمل الأسلحة، فاننا لا نلقيها. مسألة شرف؟... ببساطة، مسألة حياة أو موت.
إنها الثانية إلاّ الربع. الاقلاع مرتقب بعد ساعة، لذلك، لدينا الوقت الكافي للتمتع بفنجان قهوة قبل الاقلاع.
دعتنا النادلة إلى طاولة، دوّنت طلباتنا ثم توارت.
Page 2
طويلاً.
فيليب أولّلي لابرون، ممثل البرلمان الدولي للكُتّاب، جالس إلى يميني. ابتسم. أيدرك قلقي؟ أشكّ في هذا: لديه هموم مغايرة. من جهتي، ينتابني بعض حزن بسبب إفسادي لاحتفالاته في نهاية العام، مجبراً إياه على قطعها ليس إلاّ لمرافقتي. كان ذهب مع عائلته الصغيرة إلى أصدقاء في قرية صغيرة تبعد مئة كيلومتر عن كويوكان حيث يقطن لأنه يودّ استعادة نشاطه في ذاك المكان إثر مضايقات من مثقفين محلّيين استقبحوا أن توكَل كازا ريفوجيو (Casa Refugio) إلى غرينغو (شخص من أميركا اللاتينية) على الرغم من أنه أيضاً ليس روائياً، في حين أنّ الكتّاب المحليّين يلحّون على تعهّدها. مؤدّياً دوره جيداً أميناً للصندوق، تمسَّك فيليب بمهمّاته بجميع وسائل دفاعه لتشغيل شعراء متهرّبين. لكن ليس عناده ما يدفعه إلى الابتسام، ولا غدر حلفائه الطبيعيين، بل لأنه ينتظر مولوداً ؛ وينتظر، بحكمة، أن أذهب كي يعود إلى رفقة مارتا التي يرهقها الحمل.
لقد بذل جهده لجعل إقامتي المكسيكية أقل معاناة، نظراً لأنه علم أنّ إقامتي في فرنسا ستتبدّد على مشاكل إدارية، فعرض عليّ فوراً أن يستقبلني، ولم يرَ سكريتير الـ PIE كريستيان سلمون في الأمر سوءاً. فمن ناحية، يؤمّن نفوذ فيليب له هامشاً للتحرّك؛ ومن أخرى يظنّ أنّ منفى موقتاً نائياً قد يمنحني مسافة كافية للقيام بجردة لحياتي الغريبة ومراجعة قَدَر غير معقول، لكنّ مكسيكو بعيدة جدّاً عن هذه الجزائر الطيّبة العتيقة المقدّسة التي يتسبّب الابتعاد عنها بالدوار. إنني أفتقد أهلي، وأيضاً عاداتي الصغيرة.
ومع ذلك، فأنا سعيد بالذهاب...
ـ أين؟
كنت أقفز، أنظر حول الطاولة: فيليب منغمس في تعليقاته، طفلي مأخوذ في حركات أصابعه البهلوانية؛ أولادي مسترخون بعدما شربوا عصير التفاح؛ أن زوجتي فأخذت تتساءل اذا ما كانت نسيت شيئاً في المنزل...
ـ أين؟ صرخ الصوت من جديد.
أعود: إنّ نبل زان من غشمات بات لا يتعدّى نبل كلب أصيل يقف خلفي، فخوراً بوجه به قبح الجرذ، وبنظرة سوءٍ وتكشيرةٍ مقلقة.
زان أحد أهمّ المناهضين لروايتي حملان السيّد . ولأنّه قزم، مبروم، ويتيم، تعرّض للمضايقات والسخرية إلى أن سيطر التطرّف الاسلامي على بلدته ثمّ اقتاده إلى حيث عذابات القتل الجماعي والعبثيّات، فانتقم للبؤس الذي كان تسبّب له به أهل "غشمات" بمكرٍ عصي على التصديق، أما الرسائل التي لا تنفكّ تصلني من قرّائي، بعد أربعة أعوام على صدور الكتاب لدى جوليار، فإنها لا تتحدّث سوى عنه وحده. ونظراً لأن الجميع واثقون من أنّه سيلازمهم طويلاً، لذلك، فإنهم يتضرّعون إلى السماء ألّا يصادفوه في طريقهم.
انحنى عليّ، اضطهدني قائلاً:
ـ أين يمكن للكاتب أن يذهب؟ أيذهب فعلاً إلى مكانٍ ما حين يهرب من بلده؟
ـ لا يهرب أحدٌ من بلده. لا يهرب المرء إلّا من نفسه، من حقيقته أو من نكبته، كأنّ الروح يضيق بها جلدها فتحاول الخروج منه.
ركلتني زوجتي من تحت الطاولة.
ـ توقّف عن مناجاة نفسك، تذمّرت قائلة بصوت خافت، لكنه حازم كفاية لايقاظ فيليب.
تنبّه هذا الأخير إلى أنّه يوشك أن يغفو، فجلس ملقياً نظرةً على ساعته.
قال مداراةً لحساسيتها:
ـ النادلة تتأخّر.
ـ إنها تنسانا.
بحث عنها، فوجدها في آخر الغرفة، فبادرها بإيماءات لافتة، فأشارت إليه وهي ترتدي مريولها الأزرق بأن يصبر، واستدارت نحو زبائن آخرين.
فيليب أولّلي لابرون، ممثل البرلمان الدولي للكُتّاب، جالس إلى يميني. ابتسم. أيدرك قلقي؟ أشكّ في هذا: لديه هموم مغايرة. من جهتي، ينتابني بعض حزن بسبب إفسادي لاحتفالاته في نهاية العام، مجبراً إياه على قطعها ليس إلاّ لمرافقتي. كان ذهب مع عائلته الصغيرة إلى أصدقاء في قرية صغيرة تبعد مئة كيلومتر عن كويوكان حيث يقطن لأنه يودّ استعادة نشاطه في ذاك المكان إثر مضايقات من مثقفين محلّيين استقبحوا أن توكَل كازا ريفوجيو (Casa Refugio) إلى غرينغو (شخص من أميركا اللاتينية) على الرغم من أنه أيضاً ليس روائياً، في حين أنّ الكتّاب المحليّين يلحّون على تعهّدها. مؤدّياً دوره جيداً أميناً للصندوق، تمسَّك فيليب بمهمّاته بجميع وسائل دفاعه لتشغيل شعراء متهرّبين. لكن ليس عناده ما يدفعه إلى الابتسام، ولا غدر حلفائه الطبيعيين، بل لأنه ينتظر مولوداً ؛ وينتظر، بحكمة، أن أذهب كي يعود إلى رفقة مارتا التي يرهقها الحمل.
لقد بذل جهده لجعل إقامتي المكسيكية أقل معاناة، نظراً لأنه علم أنّ إقامتي في فرنسا ستتبدّد على مشاكل إدارية، فعرض عليّ فوراً أن يستقبلني، ولم يرَ سكريتير الـ PIE كريستيان سلمون في الأمر سوءاً. فمن ناحية، يؤمّن نفوذ فيليب له هامشاً للتحرّك؛ ومن أخرى يظنّ أنّ منفى موقتاً نائياً قد يمنحني مسافة كافية للقيام بجردة لحياتي الغريبة ومراجعة قَدَر غير معقول، لكنّ مكسيكو بعيدة جدّاً عن هذه الجزائر الطيّبة العتيقة المقدّسة التي يتسبّب الابتعاد عنها بالدوار. إنني أفتقد أهلي، وأيضاً عاداتي الصغيرة.
ومع ذلك، فأنا سعيد بالذهاب...
ـ أين؟
كنت أقفز، أنظر حول الطاولة: فيليب منغمس في تعليقاته، طفلي مأخوذ في حركات أصابعه البهلوانية؛ أولادي مسترخون بعدما شربوا عصير التفاح؛ أن زوجتي فأخذت تتساءل اذا ما كانت نسيت شيئاً في المنزل...
ـ أين؟ صرخ الصوت من جديد.
أعود: إنّ نبل زان من غشمات بات لا يتعدّى نبل كلب أصيل يقف خلفي، فخوراً بوجه به قبح الجرذ، وبنظرة سوءٍ وتكشيرةٍ مقلقة.
زان أحد أهمّ المناهضين لروايتي حملان السيّد . ولأنّه قزم، مبروم، ويتيم، تعرّض للمضايقات والسخرية إلى أن سيطر التطرّف الاسلامي على بلدته ثمّ اقتاده إلى حيث عذابات القتل الجماعي والعبثيّات، فانتقم للبؤس الذي كان تسبّب له به أهل "غشمات" بمكرٍ عصي على التصديق، أما الرسائل التي لا تنفكّ تصلني من قرّائي، بعد أربعة أعوام على صدور الكتاب لدى جوليار، فإنها لا تتحدّث سوى عنه وحده. ونظراً لأن الجميع واثقون من أنّه سيلازمهم طويلاً، لذلك، فإنهم يتضرّعون إلى السماء ألّا يصادفوه في طريقهم.
انحنى عليّ، اضطهدني قائلاً:
ـ أين يمكن للكاتب أن يذهب؟ أيذهب فعلاً إلى مكانٍ ما حين يهرب من بلده؟
ـ لا يهرب أحدٌ من بلده. لا يهرب المرء إلّا من نفسه، من حقيقته أو من نكبته، كأنّ الروح يضيق بها جلدها فتحاول الخروج منه.
ركلتني زوجتي من تحت الطاولة.
ـ توقّف عن مناجاة نفسك، تذمّرت قائلة بصوت خافت، لكنه حازم كفاية لايقاظ فيليب.
تنبّه هذا الأخير إلى أنّه يوشك أن يغفو، فجلس ملقياً نظرةً على ساعته.
قال مداراةً لحساسيتها:
ـ النادلة تتأخّر.
ـ إنها تنسانا.
بحث عنها، فوجدها في آخر الغرفة، فبادرها بإيماءات لافتة، فأشارت إليه وهي ترتدي مريولها الأزرق بأن يصبر، واستدارت نحو زبائن آخرين.
Page 3
2
أقلعت البووينغ وهي تحمل على متنها، قلّةً من الركاب، مما سمح لنا بالجلوس حيثما نشاء...
وحدهم المقتَلَعون من جذورهم يسافرون يوم رأس السنة؛ فبين المقاعد كانت غزلان ومحمد يدوران كفراشات، أما حسنيّة فكانت في حضن أمّها، تبحث عنّي من فوق المسند، فأبادرها بحركة من وجهي؛ إنها تغمرني بالسعادة. لقد أبصرت النور يوم بلوغي الخامسة والأربعين؛ وفسّرت مجيئها غير المنتظر على أنه إشارة: لقد تزامن مولدها مع الوقت الذي تخليت فيه عن مسيرتي العسكرية وانصرفت جسداً وروحاً إلى الدعوة الوحيدة التي طالما عنت لي، وهي الأدب.
منحتني المضيفة ابتسامة حلوة، دغدغت شعر طفلتي واتجهت نحو راكب منكبّ على مطالعة جرائده ويبدو عليه مظهر البيتنيكس. إنه ألماني يقبّل رفيقته على مرأى من ابنتي التي سارعت بمزيج من الذهول واللهو إلى حجب عينيها بيديها الاثنتين، أما محمّد فقد تصرّف كبكر وقور غير معير أيّ اهتمام للعاشقين المراهقين. ارتحت لاستنتاجي أنّ السفر لم يصبْه بالاضطراب. وفي العاشرة من عمره، كانت آية قرآنية تثيره على غرار النشيد الوطني. وكان كلّما لمح رمز بلده في مكان ما، بدا كأنه أمام مشهد مقدّس. لكن، ماذا عرف عن بلده؟ في سن الثالثة، وجد في خضمّ تبادل لإطلاق النار بين قوى الأمن والمتطرّفين الفارين من سجن مرس الكبير العسكري. وفي الرابعة، وأثناء قيام أمه بنشر الغسيل على الشرفة، شهد نحر جندي شاب أمام بنايتنا على أيدي متطرفين كانوا قد اختطفوه. لذلك، فقد تعلّم منذ صغره، الامتناع عن القفز في الحقول حيث تعبث ذئاب بشرية مجنونة، وكذلك في الغابات حيث ينتظره خطر الموت بانفجار قنبلة يدوية؛ وفهم أنه نظراً لكونه ابن جنديّ فهو معرّض تلقائياً للشقاء.
حاولت إقناعه بأنّ المستقبل لا بدّ سيبتسم له؛ لكن عبثاً، حيث كان رفاقه يسخرون منه، والشائعات الكابوسية المغرضة تهزم أوهامي. وكان كلما فاجأني مرة، وأنا أحزم أمتعتي العسكرية، يدرك أنني ذاهب في مهمة فيأخذ بالبكاء. وعلى غرار جميع أطفال الجزائر، تعايش مع هول خبر عبثي قد يحيله يتيماً.
في مكسيكو ـ أي على بعد آلاف الكيلومتلرات من رمال الجزائر ـ وكلما ذهبت ليلاً للصلاة في جامع بولانكو، يكاد لا يغمض له جفن قبل عودتي. وغالباً ما كنت أظنّه يغطّ في نوم عميق، لكنه كان يباغتني في تأمّلي ويقفز عليّ فيضمني بقوة ليتأكد من أنني عدت فعلاً.
يا لوساخة الحرب!
من نافذة الطائرة لفتت نظري الأبنية التي تضيق المسافات في ما بينها. أحببت مكسيكو كثيراً؛ فالعاصمة كما ضواحيها غريبة ومجنونة عظمة بعض الشيء، مكتظّة بالحكايات وفقيرة بالمبادرات، تعجّ بعشرين مليون نسمة ومليون شبح وتتمسّك بماضيها إلى حدّ الهجس، كما أنها تسمح، طوعاً، بأن تغيّر ملامحها حداثةٌ غير ملائمة وفوضوية الهوى. إلّا أنها تبدو أقلّ حزناً على مستقبلها من حزنها على قبح أبراجها وتهجين جاداتها. وكمحارب أسطوري قديم مكسوّ بالميداليات كما بالندوب، كانت تجترّ أمجادها العابرة ساخرة بشدّة من سراب مستقبلٍ تخمّنه مفتقراً إلى الكاريزما كهرقليّ جوّال. إنها وهي واهنة إثر مذبح التضحيات، توافق أحياناً ـ لا ندري بأيّ خيمياء ـ على تسمية شوارعها بأسماء شعراء أجانب ورفد تنهّداتها بمسحة غنائية.
لا تؤمن مكسيسكو كثيراً بالولد العبقريّ لأنَّ أشباحها تكفيها. فهي شبيهة بماستودون مقدّس، تنطوي على روماتيزمها ورقيّاتها، حزينة وشفوقة على هنودها الصغار ذوي القلب الكبير، وعلى المتسكّعين الطارئين، وفولكلورها الألفي، وطقوسها الخاصة بالموت، والخراب الرهيب في أهراماتها العجيبة. وعلى الرغم من اطّراد الكوارث والخطوب المجهضة، لم تفقد كثيراً من كونها مدينة شبه مقدّسة، لأنّ التمازج المتناغم بين الأعراق والمعتقدات، والتجاور الهادىء بين العوَز والبذخ، حرب الربا من غير اقتناع ولا عداوة بين الكسل والتصلّب، هذه كلّها كانت تحيلها حتماً إحدى المدن الأكثر تسامحاً على الكوكب.
وداعاً، مكسيكو... المدينة الأولى التي جعلتني ألمس بأطراف أصابعي العالم الصغير الذي طالما حلمت به، والذي كان لي، أرضي الموعودة : عالم الكُتّاب.
شاءت المصادفة ـ أو الحظ ـ أن أقطن في كونديسا، وهو حيّ بورجوازي شهير بحاناته الفرنسية المناخ، بجوّه اللطيف ومثقّفيه. إنه، خاصةً، حيّ الروائيين. فكلّ مساء تقريباً، تقام المحاضرات في الطبقة الأرضية من المنزل الذي شاركني فيه شاعر ألباني ناجِ من ويلات كوسوفو، هو كزفديت بيراي. وهكذا، رأيت فرساناً ماهرين رائعين يمرّون بالتتالي، كتّاباً من القارات جميعها، كما نشأت صداقة بيني وبين انريكيه سيرنا ـ وهو من القلّة التي تعتاش من كتبها، وفق ما همس لي كزيفديت ـ، ومونيكا منصور، المترجمة الماهرة، وانيدرا أميرتنياغان، الناشر السريلانكي الصلب واللطيف كخبز حلو، وجورج م. غوغلبرغر مدير الجامعة الأميركية في كوستاريكا والذي حاول اختراق كياني كما يفعل مغوّرو أحشاء بركان، وألفارو موتيس، وإدوار غليسان.. ..
ـ أتحبّ الأدب الجزائري ياسيّد غليسان؟
أقلعت البووينغ وهي تحمل على متنها، قلّةً من الركاب، مما سمح لنا بالجلوس حيثما نشاء...
وحدهم المقتَلَعون من جذورهم يسافرون يوم رأس السنة؛ فبين المقاعد كانت غزلان ومحمد يدوران كفراشات، أما حسنيّة فكانت في حضن أمّها، تبحث عنّي من فوق المسند، فأبادرها بحركة من وجهي؛ إنها تغمرني بالسعادة. لقد أبصرت النور يوم بلوغي الخامسة والأربعين؛ وفسّرت مجيئها غير المنتظر على أنه إشارة: لقد تزامن مولدها مع الوقت الذي تخليت فيه عن مسيرتي العسكرية وانصرفت جسداً وروحاً إلى الدعوة الوحيدة التي طالما عنت لي، وهي الأدب.
منحتني المضيفة ابتسامة حلوة، دغدغت شعر طفلتي واتجهت نحو راكب منكبّ على مطالعة جرائده ويبدو عليه مظهر البيتنيكس. إنه ألماني يقبّل رفيقته على مرأى من ابنتي التي سارعت بمزيج من الذهول واللهو إلى حجب عينيها بيديها الاثنتين، أما محمّد فقد تصرّف كبكر وقور غير معير أيّ اهتمام للعاشقين المراهقين. ارتحت لاستنتاجي أنّ السفر لم يصبْه بالاضطراب. وفي العاشرة من عمره، كانت آية قرآنية تثيره على غرار النشيد الوطني. وكان كلّما لمح رمز بلده في مكان ما، بدا كأنه أمام مشهد مقدّس. لكن، ماذا عرف عن بلده؟ في سن الثالثة، وجد في خضمّ تبادل لإطلاق النار بين قوى الأمن والمتطرّفين الفارين من سجن مرس الكبير العسكري. وفي الرابعة، وأثناء قيام أمه بنشر الغسيل على الشرفة، شهد نحر جندي شاب أمام بنايتنا على أيدي متطرفين كانوا قد اختطفوه. لذلك، فقد تعلّم منذ صغره، الامتناع عن القفز في الحقول حيث تعبث ذئاب بشرية مجنونة، وكذلك في الغابات حيث ينتظره خطر الموت بانفجار قنبلة يدوية؛ وفهم أنه نظراً لكونه ابن جنديّ فهو معرّض تلقائياً للشقاء.
حاولت إقناعه بأنّ المستقبل لا بدّ سيبتسم له؛ لكن عبثاً، حيث كان رفاقه يسخرون منه، والشائعات الكابوسية المغرضة تهزم أوهامي. وكان كلما فاجأني مرة، وأنا أحزم أمتعتي العسكرية، يدرك أنني ذاهب في مهمة فيأخذ بالبكاء. وعلى غرار جميع أطفال الجزائر، تعايش مع هول خبر عبثي قد يحيله يتيماً.
في مكسيكو ـ أي على بعد آلاف الكيلومتلرات من رمال الجزائر ـ وكلما ذهبت ليلاً للصلاة في جامع بولانكو، يكاد لا يغمض له جفن قبل عودتي. وغالباً ما كنت أظنّه يغطّ في نوم عميق، لكنه كان يباغتني في تأمّلي ويقفز عليّ فيضمني بقوة ليتأكد من أنني عدت فعلاً.
يا لوساخة الحرب!
من نافذة الطائرة لفتت نظري الأبنية التي تضيق المسافات في ما بينها. أحببت مكسيكو كثيراً؛ فالعاصمة كما ضواحيها غريبة ومجنونة عظمة بعض الشيء، مكتظّة بالحكايات وفقيرة بالمبادرات، تعجّ بعشرين مليون نسمة ومليون شبح وتتمسّك بماضيها إلى حدّ الهجس، كما أنها تسمح، طوعاً، بأن تغيّر ملامحها حداثةٌ غير ملائمة وفوضوية الهوى. إلّا أنها تبدو أقلّ حزناً على مستقبلها من حزنها على قبح أبراجها وتهجين جاداتها. وكمحارب أسطوري قديم مكسوّ بالميداليات كما بالندوب، كانت تجترّ أمجادها العابرة ساخرة بشدّة من سراب مستقبلٍ تخمّنه مفتقراً إلى الكاريزما كهرقليّ جوّال. إنها وهي واهنة إثر مذبح التضحيات، توافق أحياناً ـ لا ندري بأيّ خيمياء ـ على تسمية شوارعها بأسماء شعراء أجانب ورفد تنهّداتها بمسحة غنائية.
لا تؤمن مكسيسكو كثيراً بالولد العبقريّ لأنَّ أشباحها تكفيها. فهي شبيهة بماستودون مقدّس، تنطوي على روماتيزمها ورقيّاتها، حزينة وشفوقة على هنودها الصغار ذوي القلب الكبير، وعلى المتسكّعين الطارئين، وفولكلورها الألفي، وطقوسها الخاصة بالموت، والخراب الرهيب في أهراماتها العجيبة. وعلى الرغم من اطّراد الكوارث والخطوب المجهضة، لم تفقد كثيراً من كونها مدينة شبه مقدّسة، لأنّ التمازج المتناغم بين الأعراق والمعتقدات، والتجاور الهادىء بين العوَز والبذخ، حرب الربا من غير اقتناع ولا عداوة بين الكسل والتصلّب، هذه كلّها كانت تحيلها حتماً إحدى المدن الأكثر تسامحاً على الكوكب.
وداعاً، مكسيكو... المدينة الأولى التي جعلتني ألمس بأطراف أصابعي العالم الصغير الذي طالما حلمت به، والذي كان لي، أرضي الموعودة : عالم الكُتّاب.
شاءت المصادفة ـ أو الحظ ـ أن أقطن في كونديسا، وهو حيّ بورجوازي شهير بحاناته الفرنسية المناخ، بجوّه اللطيف ومثقّفيه. إنه، خاصةً، حيّ الروائيين. فكلّ مساء تقريباً، تقام المحاضرات في الطبقة الأرضية من المنزل الذي شاركني فيه شاعر ألباني ناجِ من ويلات كوسوفو، هو كزفديت بيراي. وهكذا، رأيت فرساناً ماهرين رائعين يمرّون بالتتالي، كتّاباً من القارات جميعها، كما نشأت صداقة بيني وبين انريكيه سيرنا ـ وهو من القلّة التي تعتاش من كتبها، وفق ما همس لي كزيفديت ـ، ومونيكا منصور، المترجمة الماهرة، وانيدرا أميرتنياغان، الناشر السريلانكي الصلب واللطيف كخبز حلو، وجورج م. غوغلبرغر مدير الجامعة الأميركية في كوستاريكا والذي حاول اختراق كياني كما يفعل مغوّرو أحشاء بركان، وألفارو موتيس، وإدوار غليسان.. ..
ـ أتحبّ الأدب الجزائري ياسيّد غليسان؟
Page 4
لقد حضر إدوار غليسان من كاليفورنيا لاحياء سلسلة محاضرات، عازماً على عدم إجهاد نفسه سدىً، وكان يشاركنا مائدة دعانا إليها فيليب أولليه-لابرون حيث كنا "ننقد" الطعام مشدودين إلى نكات الشاعر الكولومبي المدهش آلفارو موتيس، وهو صديق حميم لغارسيا ماركيز، والذي يعتبر واحداً من أهمّ الأقلام الخمسة في أميركا اللاتينية، وبمشاركة من بعض النساء، وبينهنّ سيلفي زوجة إدوار بحيث جاءت مداخلاتهنّ الخافتة وضحكاتهنّ الذكية لتضفي على عشائنا بعض الاحتفالية.
أما إدوار غليسان الذي كان يسترسل في تقطيع المقانق أمامه ثمّ يبلّلها بالعصير ويمضغها بأناقة فكان يسدّد اليّ نظرة أبنوسيّة ويروي:
ـ تعرّفتُ إلى كاتب ياسين في باريس بداية الستينيات. إنه رجل محترَم. (امتلأت عيناه بظلال ذكريات مؤلمة)، وأذكر أنني أنا من اضطلع بتقديم مسرحيته. كنا خرجنا للتوّ من الحرب الكولونيالية حيث استمرّت الانقسامات بين المجموعتين. اذاً، كان بديهياًً أن تنزل على رأسنا رسالةُ تهديد تضمنت إنذاراً بأنّ أوّل من سيظهر على الساحة سيُقتَل. ربت ياسين بفرح على كتفي ودفعني نحو الخشبة. "إذهب يا إدوار بما أن الأمر على هذا النحو. لن تكون أبداً سوى شهيد آخر للثقافة". كان يتمتع بدرجة عالية من الفكاهة، لكن مزاجي لم يكن ملائماً للفكاهة تلك الليلة. صعدت اذاً إلى الخشبة وانتظرت، بتسليم توراتي، ألا يحدث سوء.
ابتسم بحزن، ففهمت شعوره، لكنني امتنعت عن التفكير بأن الأدب الجزائري يرتوي خاصةً من مناهل العنف.
حمل غليسان كأسه إلى شفتيه بطريقة ملكيّة، وكان انتقل من هنا إلى مكان في ذكرياته حيث استحوذته محطّة تأمّلية.
عاود ألفارو موتيس ممازحاته مقهقهاً بشيء من التشنج. إنه رجل ضخم، يتكلّم عن البوهيميا التي تنتظرني بجدارياتها وطيشها، بسخائها وعقوقها، حيث ارتدادات الاطراء تُخرِس غالباً أفصح الخطباء؛ حركتان من وجه ألفارو، رماني بعدهما بنظرة ودودة. كان يعرف أنني كاتب، وأنني آتٍ من بلد حيث يتصارع الموت والدسيسة، وكان عليه أن يتساءل ماذا يمكن أن يغيّر طائش مغفّل مثلي ذو عيون غارقة في الرأس مثل أفكار دفينة.
أعود إلى معاكسة السيد غليسان، المتحمّس ككشفيّ يسرح في الطبيعة.
ـ هل سمعت بياسمينا خضرا؟
قال إدوار منحنياً بقوة على صحنه:
ـ قرأت له.
ـ وما رأيك؟
ارتسمت برطمة على شفتيه وحركة بديهية من رأسه يمنة ويسرة؛ المغمورون لا يثيرون حماسته. فكرت لحظة أن أكشف له أنني ياسمينا، لكن فات الأوان، لأنه كان قد رفع القناع قبل إبداء الاعتراض. أسفت لياسمينا خضرا. فإذا كان مرجع كإدوار غليسان يتحفّظ عن الكلام، فذاك يعني أن خضرا لم يُقنع..
لم ألحّ، إذ ربما ستضيء باريس فانوسها.
أما إدوار غليسان الذي كان يسترسل في تقطيع المقانق أمامه ثمّ يبلّلها بالعصير ويمضغها بأناقة فكان يسدّد اليّ نظرة أبنوسيّة ويروي:
ـ تعرّفتُ إلى كاتب ياسين في باريس بداية الستينيات. إنه رجل محترَم. (امتلأت عيناه بظلال ذكريات مؤلمة)، وأذكر أنني أنا من اضطلع بتقديم مسرحيته. كنا خرجنا للتوّ من الحرب الكولونيالية حيث استمرّت الانقسامات بين المجموعتين. اذاً، كان بديهياًً أن تنزل على رأسنا رسالةُ تهديد تضمنت إنذاراً بأنّ أوّل من سيظهر على الساحة سيُقتَل. ربت ياسين بفرح على كتفي ودفعني نحو الخشبة. "إذهب يا إدوار بما أن الأمر على هذا النحو. لن تكون أبداً سوى شهيد آخر للثقافة". كان يتمتع بدرجة عالية من الفكاهة، لكن مزاجي لم يكن ملائماً للفكاهة تلك الليلة. صعدت اذاً إلى الخشبة وانتظرت، بتسليم توراتي، ألا يحدث سوء.
ابتسم بحزن، ففهمت شعوره، لكنني امتنعت عن التفكير بأن الأدب الجزائري يرتوي خاصةً من مناهل العنف.
حمل غليسان كأسه إلى شفتيه بطريقة ملكيّة، وكان انتقل من هنا إلى مكان في ذكرياته حيث استحوذته محطّة تأمّلية.
عاود ألفارو موتيس ممازحاته مقهقهاً بشيء من التشنج. إنه رجل ضخم، يتكلّم عن البوهيميا التي تنتظرني بجدارياتها وطيشها، بسخائها وعقوقها، حيث ارتدادات الاطراء تُخرِس غالباً أفصح الخطباء؛ حركتان من وجه ألفارو، رماني بعدهما بنظرة ودودة. كان يعرف أنني كاتب، وأنني آتٍ من بلد حيث يتصارع الموت والدسيسة، وكان عليه أن يتساءل ماذا يمكن أن يغيّر طائش مغفّل مثلي ذو عيون غارقة في الرأس مثل أفكار دفينة.
أعود إلى معاكسة السيد غليسان، المتحمّس ككشفيّ يسرح في الطبيعة.
ـ هل سمعت بياسمينا خضرا؟
قال إدوار منحنياً بقوة على صحنه:
ـ قرأت له.
ـ وما رأيك؟
ارتسمت برطمة على شفتيه وحركة بديهية من رأسه يمنة ويسرة؛ المغمورون لا يثيرون حماسته. فكرت لحظة أن أكشف له أنني ياسمينا، لكن فات الأوان، لأنه كان قد رفع القناع قبل إبداء الاعتراض. أسفت لياسمينا خضرا. فإذا كان مرجع كإدوار غليسان يتحفّظ عن الكلام، فذاك يعني أن خضرا لم يُقنع..
لم ألحّ، إذ ربما ستضيء باريس فانوسها.