eKtab
EN ع
ملاك الحقيقة
Read free sample

ملاك الحقيقة

by ضحى الرفاعي

Page 1

1
هذه أنا... هذه حياتي

أخذوني للحديقة ليرتبوا غرفتي، فاليوم أبدأ معاناتي مع طبيبة جديدة بعد وفاة طبيبي السابق، لا أدري هل أنا نحس على جميع من بدأوا يعالجونني، أم أنهم جميعا أغبياء؟

أنا لست حزينة على فراق أي منهم، وبالمقابل أيٌ منهم لم يكن حزينًا على فراقي، فتلك التي تظن أن لا أحد يفهم غيرها في كل شيء حتى الطقس؛ سافرت لأخذ درجة الدكتوراه- مع أنها تظن أن لا شيء من العلوم ينقصها لكن- "هذا العالم الغبي لا يقتنع إلا بالدرجات العلمية، وأنا ذاهبة كي لا يستطيع أحد معارضتي بعد الأن". وكأن أحد كان يجرؤ على معارضتها قبل ذلك، كانت ستأكله بلا ملح، فهي تصبح مخيفة إذا انتقدها أحد.

وذلك الذي كان أكبر من والد جدي ويسميني صغيرتي، كنت أخاف أن أنظر له، لكن تلك التي كانت قبله تقول أنني لا أخاف من شيء، وكانت تتمتع بذمي، كلما سألها المدير عن حالي، عن حالي ها! وليس عن أخلاقي، كانت تصفني بأقبح الصفات، لكني لم أكن سيئة كما كانت تدّعي، بل أنا كما يقول عني علِّي -وهو ممرض أعرفه منذ تسع أعوام عمل هنا منذ تخرجه، وابن مدير المشفى ومن أصول عربية مثلي، وهو يعتبرني صديقة له كما اعتبره: "أنت ملاك سقط من السماء لكن لسوء حظه وقع في العصفورية"، والعصفورية هو المصطلح المحبب له عن هذا المكان، لكنه لا يجرؤ على قوله أمام والده، لكن هذه الطبيبة -مع أنها رحلت منذ كنت في العاشرة من عمري أي منذ أكثر من تسعة أعوام- جعلت سمعتي في الحضيض، فصفاتي هي الفتاة المشاكسة، الشقية، العنيفة أحيانًا، مع أنني لست عنيفة فأنا أخاف منظر الدم على التلفاز عندما أشاهد ما يُهَرِّبُ علِّي من أفلام لنشاهده ليلًا، فهذا ممنوع طبعًا، لكننا لا نجرؤ على عمل ذلك إلا بالليالي التي يكون علِّي هو المسؤول عن المناوبة الليلية في قسمي، حيث يتفقدني ثلاثة مرات في الليل، هذا غير نوم الممرض المسؤول في الغرفة المجاورة لغرفتي ليصله صوتي دائمًا، لماذا دائما؟ آه لقد نسيت أن أعرفكم بنفسي وسبب وجودي هنا.

أنا سالي فتاة مريضة في مستشفى الأمراض النفسية في أرياف فرنسا، وهي من أجمل جنان الأرض وأنا أحب هذا المكان كثيرًا فهو بيتي، صحيح أنني أغادر أحيانًا في الأعياد لأرى والداي لكن في باقي الأوقات أبقى هُنا، أما مرضي فهو أحلامي، إنها أحلامٌ واقعيةٌ جدًا وخياليةٌ جدًا، لكن ما أنا واثقة منه، أنها تصيبني بالفزع، فلا أتوقف عن الصـراخ حتى أجبر على أخذ الإبر وأتأكد أن أحدًا يَهتم لأمري قريبٌ مني، ولن يفارقني لِأنام، لكن إن لم يكن بقربي أحد ويقلق بشأني وأثق أنه لن يتركني فور نومي فلن تفيد أي إبرة مهدئة مهما زادت الكمية.

يبدو أنهم نظّفوا الغرفة، وها هو علِّي قادم لأخذي، نسيت أن أخبركم بعجزي عن السير، بل أنا لم أمشِ في حياتي، منذ كنت طفلة ظللت أحبو حتى عمر ثلاث سنوات، فذهبت أُمي إِلى الطبيب فأخبرها أنني لا أملك أي عيب خلقي يمنعني من السير، لكني لا أرغب في السير وأشار علِّيها باستشارة طبيب نفسي، وهنا بدأت حالتي تُكشف فبكائي طوال الليل لم يكن طبيعيًا وهدوئي بعد كل ليلة عنيفة كهذه لم يكن طبيعيًا أيضًا، لكن أمي لم تنجب قبلي أو حتى بعدي لترى الفرق بيني وبين باقي الأطفال، ها هو علِّي، وها هو قد حملني ووضعني على الكرسي وبدأ يحادثني كعادته.

Page 2

2
صديقي الأول

معظم الناس يرددون كلمة الحب الأول، لكن من يستطيع تذكر الصديق الأول والذي لايزال صديقه الأوحد، لم يخسره ولن يخسره، يفخر به ويحبه، لايتذكره فهو لا يغيب عن باله أبدًا

لكن علِّي يختلف، فهو لا يحدثني ويعاملني كالكبار فقط، بل ويخبرني بكل تفاصيل حياته، حتى أنني أعرف شكل بيته - فهو يقضي

يومه هنا، لكن في الإجازات يعود الى بيته،

أعرف شكل غرفته وأعرف أصدقاءه بالوصف، وأعرف باختصار كل أسراره، حتى علاقاته لقد أحب فتاة في الجامعة، لكنها لم تقبل أن يعمل في هذه العصفورية، وهو أيضًا لم يكن يحب أن يأتي إلى هنا، فوالده كان يحضر إبنته الصغرى دائمًا إلى هنا عندما كانت صغيرة، لكن علي لم يأتي المكان أبدًا قبل أن يقرر العمل هنا.

لكن مع أن علِّي لم يكن يحب العصفورية إلا أنه أحب والده كثيرًا، ويحب أن يُريحه بعمله قربه، فقد أصابه مرضٌ لم يظن الأطباء أنه سوف يعيش بسببه لكنه قاومه حتى الآن. علِّي لم يقبل العمل بعيد عنه وهو في بداية المرض، أنا لم أصدّق الأمر بالبداية، لكنه فعلًا اختار العمل في مكان يكرهه مع والده على البقاء قرب من يُحب، فهجرها مع أنها كانت حُب حياته فكان حزينًا جدًا في أول عام له هنا.

صحيح أنني أحب قراءة لغة الجسد والتجسس أحيانًا، لكنه يمتلك وجه المقامر، ذاك الذي لا يظهر على وجوههم أي علامات للفرح أو الحزن إن أرادوا إخفاء ذلك. وعلِّي لم تظهر عليه أيٌ من تلك العلامات أبدًا حتى جاءت تلك الليلة.

أتى إلى غرفتي وأخبرني أنه مناوب تلك الليلة، انتظرت

ساعة دون أن أنام، فالنوم تجربة لا أحب خوضها أبدًا، تسللت إلى غرفته وصرت أراقبه كان يجلس قرب النافذة، يحمِلُ كتابًا ويحاول أن يقرأه، لكن النظر إلى السماءيشتته، ولن تصدقواكان يبكي! لم أستطيع تركه تلك الليلة دون أن أعرف قصة الشاب الجديد، فأنا كما قلت لكم فضولية، وأنا أعترف بهذه الصفات، فهي صفاتي! تطلعتُ إلى نفسي وسألتُها: ما هي نقاط قوتك سالي؟

قلت: أني قوية وجريئة وفضولية، لكن هذا الموقف لا يتطلب هذه الأمور، ابحثي عن نقاط قوة أخرى.

فأجبت نفسي وقلت:أنا فتاة صغيرة في العاشرة من عمري تقريبًا ، أسير على كُرسي متحرك، جميلة بشعر أسود كالليل وعيون سوداء حالكة، وجه صافي، أمتلك براءة الأطفال، وأستطيع البكاء حتى وأنا غير حزينة.

-"هذه هي". صففت شعري تظاهرة بالحزن وقرصت وجنتاي حتى احمرتا، وطرقت الباب، نظرت إلى الأرض، لأعطيه فرصة التنبه لوجودي ومسح تلك الدموع دون أن أحرجه، رأيت هذا يحدث من بين خصلات شعري التي إنسابت على وجهي، تغير على الفور أخذ نفسًا عميقًا ونظر بعيدًا عني للحظة ثم نظر إليّ فلم أُصَدِق، كان يبتسم ويضحك من أعماق قلبه، لم أصدق عيناي! حتى بياض عينيه كان ناصعًا، لم يكن قد احمر من شدة البكاء كما يجب ان اكون.

لكني تمالكت نفسي ونظرت له بعيون دامعة، فشرد قليلا ثم سألني: "ما بك يا ملاك؟ أنت لم تنامي! لِمَ؟ ظننت أنك قد أرهقتِ من شدة اللعب والهروب من طبيبتك المخيفة". لكنه نظر يمينا ويسارًا وعاد وقال: لا تخبريها أنني قلت ذلك، ستناقشني حتى الصباح، لماذا تراني مخيفة؟ قال جملته الأخيرة مقلدا صوتها بشكل متقن، لم أتمالك نفسي، فأفلتت مني ضحكة لم تفُته فقال لي وهو يعرف: "أظن أنك تشاطرينني الرأي؟ إذًا لن أخاف على سري، فهو سرٌ مشترك".

قال ذلك ثم دنا مني وحملني، سار بي وأجلسني على الكرسي الهزاز، الذي كان يجلس عليه قبل أن أقتحم عزلته، وجلس هو على السرير المجاور، ونظر إلي بعد أن انحنى لتصير عينيه في نفس مستوى عيني، وسألني عن سبب قدومي وسبب بكائي، بل قال أن عينيّ تصبح أجمل وأنا ابكي، هذا مختلف كانت طبيبتي تهزئ بي كلما بكيت، وتقول لي: "إن الصغار الضعاف هم فقط من يبكون، فجعلتني أمتنع عن البكاء حتى في أشد الأوقات، لكني منذ ذلك اليوم أحببت البكاء، وصرت أبكي كلما رغبت بذلك، لا أقصد أنني أمارس البكاء كما أمارس باقي هواياتي، بل ما قصدته أنني لم أعد أكبت البكاء في داخلي، وقد أراحني هذا في كثير من الأحيان".

ومع ذلك غير هذه المرة التي تظاهرت بها أني أبكي لا

أذكر أنني بكيت كثيرًا وبالأخص أمام أحدٍ، ربما يراني الجميع ضعيفة احتاج من ينقلني من مكان الى اخر وارتجف واصرخ عندما ....

البكاء يزيح الهموم عن النفس لكن أبدًا لن أجعل الشفقة هي سبب تقرب الناس مني، ألا يكفي الكرسي و….

المهم أنني في ذلك اليوم شكوت له حالي، وهذا الجحيم الذي أعيشه مع هذه الطبيبة المتوحشة، وهذا المكان الذي لا أحد يلعب معي فيه، فقد كان في ذلك الوقت اللعب هو أهم إحتياجاتي التي لم تستطع هذه الطبيبة مشاركتي بها، ولا منعي عنها، كان كل اهتمامها منصبًا على العلاج السخيف بالتنويم المغناطيسي، والذي لم تكن تتقنه، "انظري لقلادتي" فتظل تحركها كبندول الساعة التي خلفها، لكن حركة البندول أكثر إتزانا، فأنظر له أكثر، وبالنهاية تقول لي آمرة: "ارفعي يدك، أنزلي يدك"وتلقي الأوامر السخيفة، حتى تأتي على ذكر تلك الأسئلة التي أخافها، هي تقترب من الخط الأحمر، وتبدأ تسألني عن أحلامي، وهذا ما لا أرغب بالحديث عنه، فأرفض الخوض في هذا الحديث، فتظن أنني استيقظت من التنويم المغناطيسي لسبب ما وتقول:سنعيد التجربة غدًا، قلت له

أنني أستمتع باللعب معها هذه اللعبة، لأنها فقط في هذه الأوقات تكون هادئة ولا تصرخ في وجهي لأي شيء أقوم به، فتظل تتحدث وكأنها تزور مريضًا ينازع الموت.

أما علِّي فلم يكف عن الضحك طوال سردي لقصصي عنها حتى أغاظني، فسألت بأعلى صوتي، وقبل أن أعرف كيف قلت ذلك: "كيف تضحك و...؟ فصمتت، ونظر لي فعرفت أنني يجب أن أكمل السؤال فهو لن يطردني خارج الغرفة وأنا لا أستطيع السير أصلًا، فتابعت بصوتٍ منخفضٍ جدًا: لقد كنت تبكي منذ لحظات كيف تستطيع أن تضحك الآن؟" لكني توقفت قليلا، فنَظرَتُهُ لي أصبحت مُخيفة، بل وقف ونظر إلي متجهما ساعات وساعات أو ربما هكذا ظننت، ثم أيد ما كانت تصفني به طبيبتي وأمرني بعدم التدخل فيما لا يعنيني.

اقترب مني، وهو بالكاد ينظر لي، وحملني ليضعني ليس على الكُرسي بل في غرفتي وعلى سريري، ثم خرج دون أن يقول كلمة، تم عاد وهو يجرّ الكرسي وينظر له دون أن يرفع عينيه، كنت أبكي بحرارة، لكني توقفت عندما عاد، فإن كان يحب عيناي وهم دامعتان فلن أدعهُ يراهما، لكنه ظل واقفا عند الباب ولم يتحرك، نظر لي طويلًا فبادلته النظر بثقة حتى ذهب دون أن ينطق بأي كلمة.

كنت أعرف أنه كان سيقول شيء، لكنه ذهب! لم أفهمه بل وبقيت طوال الليل أفكر دون ان أصل لشيء، كان في داخلي مئة مئة سؤال، فقررت أن أسأل الشخص الوحيد الذي يتحدث معي في هذا المكان وهو تلك الطبيبة، ويا ليتني لم أفعل.

-" هل الرجال يبكون؟" كان سؤالًا عاديًا، لكنها أجابتني بصوتها البارد المتعالي: "فقط الأطفال الضعفاء يبكون".

لكن هل الرجال ضعفاء؟"حاولت تتصنع أفضل حالات الجدية كي لا تستهزء بي لكنها قالتها بتهكم واضح: "الرجال دائما أقوياء، فقط الأطفال يبكون".

-"هل الرجال أطفال؟"لكنها أجابتني بصوت عالي ودهشة واضحة

-"كيف يكون الرجل طفلا؟" باسغراب شديد.

-"أنت أغبى مخلوق وقعت عليه عيناي!". وبعد هذه الحادثة أضيف إلى ملفي لقب"الغبية"، لكني لم أهتم لذلك فقد كنت سعيدة، فبالصباح بعد أن تركتني جاء علِّي لزيارتي وأحضر لي دمية من الصوف ترتدي قبعة بيضاء جميلة وثوب أحمر، وجلس دون أن يقول شيئًا سوى النظر، أخذتُ الدُمية واعتذرتُ على تطفلي عليه بالليلةِ الماضية،

لكنهُ ظَل كلاعب البوكر " المقامر" لا

تظهر تعابيرُ على وجهه ينظر إلّي، حتى بدأ يتحدث وقال لي كل شيء عن تلك الفتاة كم أحبها وكيف كانت حب حياته، وكيف أنه تعيس في هذا المشفى، وقد اختصر حياته بين المشفى والبيت، لا يتنزه إلا نادرا، لكن عدا تلك الفتاة كانت أسبابه سخيفة، وقلت له ذلك، فأنا لا أخرج أصلا من هنا، وليس لي أصدقاء، ولا أتحدث لأحد، ولا يوجد شيء أفعله سوى هذا التلفاز والذي لا يسمح لي بفتحه إلا نادرا، ولم أحب أيضا في حياتي، ولم أكن أعرف ماذا حصل لكنه بدأ يضحك ويضحك وقال لي: "أنت صغيرة والحياة أمامك ستشفين وتخرجين وتحبين"، لكن هذا لم يحدث حتى الآن، فلا زلتُ هنا بعد قرابة العشر سنوات من تلك الحادثة، ما تغير أنني صرتُ أعرفُ كل شيء عن العالم الخارجي، فقد كان علي نافذتي على العالم، وأصبح يعلمني القراءة والكتابة باللغات الثلاث التي يعرفها«العربي والفرنسي والإنجليزي»، باختصار أصبح لي الصديق الذي أشتاق له عندما يغيب وأتلهف لرؤيته، وساعدني لإقناع المدير بخروجي في أيام الآحاد خارج المشفى، صحيح أننا لم نغادر الريف، لكنني بدأت أخرج وبدأت أحب الريف والطيور والأشجار والحيوانات وصديقي الجديد أو الأول.

Page 3

3
طبيبة غير

يقال أن الغريق يتعلق بقشة

وهل للقشة أن تنقذ غريق؟ لكنه إن لم ينجو لن تلام القشة بل سيقالُ الذنب ذنبه، لأنه لم يلتقطها

سأحاول ولن أسمح لأحد بوضع اللوم عليّ إن كان الفشل

-"اليوم سوف تتعرفين على طبيبتك الجديدة"، هذا ما قاله لي علِّي بعد أن حملني ووضعني على الكرسي وقادني، سألته عنها وأخبرني أنها جميلة، فغضبت وأشحت وجهي عنه، فابتسم لي وقال بمكر: "لكنني دائمًا امتدح الجميلات أتذكرين تلك الممثلة كانت رائعة الجمال". تصصنعت عدم الاهتمام بما يقول، أعرف ما تفكرون به، لقد أصبحت قريبة جدًا من علِّي لكني لا أستطيع أن أقول أنه حب، صحيح أنني أغار أحيانًا، لكنني أعرف كل شيء عنه، حتى غرامياته، نعم غرامياته فهو منذ ترك تلك الفتاة يتنقل من واحد لأُخرى، حتى فقد إيمانَهُ بالحُب، وهو عيني على الدنيا، أنا أيضًا أرى العالم كما يراه هو، فهو الأقرب لي وقد اعتدت عليه، ربما هذا ما يخيفني كلما تقرب من فتاة، أخاف أن تنهب عيني على الدنيا ليتركني عمياء، فمع عجزي يُصبح العمى شيئًا قاتل.

-"إنها في العقد الثالث"، عاد وقال ذلك، لكني رددت بغضب لا أعرف سببه، أنه لا يهمني، فابتسم لي وبدأ يحدثني بجدية وقد توقف عن دفع مقعدي قرب صف من أشجار الحديقة، ونظرت له بعد أن انحنى ليصير في مستوى جلوسي، أعرف عندما يفعل هذا أنني يجب أن أستمع جيدًا ولا أقاطع، وقال: "اسمعيني عزيزتي سالي، لقد تعاقب على علاجك الكثير من الأطباء، لكنهم لم يعرفوا أقل القليل عن تلك الحالة التي تنتابك، بل إنني أظن أنها ليست مرضًا، بل شيئًا ينغص حياة ملاك، يعكر روحه الطاهرة، أتعرفين لِمَ لم ينجح أي من الأطباء السابقين؟ لأنك لم تحبي أيًا منهم، لا أقصد أن أقول أن هذا ذنبك، لا بل هم أيضا لم يفهموك.

سالي لقد نظروا إليك على أنك حالة لا بشر، لم يحاولوا التقرب منك، أنا حاولت لكنني لم أدرس العلاج النفسي، لم أخبرك قبل الآن أني قرأت عشرات الكتب بالطب النفسـي، ليس لأنني أعمل هنا، بل لسبب آخر، لأجلك أنت، لقد اشتريت أول كتاب في تفسير الأحلام بعد أن تعرفت علِّيكِ، نعم كان لأجلك، بل لم أستطع تحمل هذه العصفورية إلا بسبب ملاك مقيد فيها مثلي، مع أنني لست ملاكًا ابدًا.

سالي يجب أن تتحرري من هذه القيود، فالأقفاص لم تُخلق للملائكة، هذه الطبيبة هي طوق النجاة، نعم لقد قابلتها وتحدثت معها، إنها تعرف عملها، لقد قرأت ملفك، لكنها لم تأخذ منه سوى ما يفيدها، سألتني عنك، ولم تقل شيء عما هو مكتوب عن تلك عاداتك السيئة، بل سألتني عن هواياتك ومواهبك، وقالت أنها تظن أنكِ أكبر من سنك، وقالت أن هذا الجمال يجب ألا يظل محبوس هنا، أتعرفين هي من نفس بلد والدتك، بل لن أبالغ إن قلت أنها تشبهها، سالي عديني أن تحاولي معها، يجب أن تشفي، أنا لم أعد أحتمل أن أراك هكذا".

عرفتُ بماذا كان يُفكر، فقد جاءني أحد أحلامي البارحة ولم أهدأ إلا بعد أن أخذتُ الإبر المُهدئة، وظل قربي وأنا مستلقية على صدره حتى نمت، فقد كانت الأحلام أسوء منذ قُرابة الستة أشهر، منذ وفاة والدتي، التي كانت تزورني كل أول شهر لتظل طوال اليوم قربي تستمع وتحدثني، حتى يأتي المساء لتغادر ونحن نبكي الفراق.

-"عديني الآن، عديني أن تبذلي قصارَ جُهدك".

كنت أيضًا آمُلُ أن تنتهي هذه الأحلام الكابوسية، لكنني لم أتجد حتى الآن أيًا من أطبائي يستحق أن أساعده، بل هم أصلا لم يكونوا يرغبوا بهذه المساعدة.

-"لا" كان هذا جوابي، صحيح أنني كنت أعرف أن علِّي صادق في كل ما ذكره، لكنني لم أكن أرى ما كان يراه، هل يعقل أن يتنازل أحد الأطباء ليطلب المساعدة من فتاة مثلي! كانوا يجبرونني على فعل وقول كل ما يريدون، كنت أكذب عليهم دون أي شغورٍ بالذنب، هم من أجبروني على ذلك، لكنني كنت مستعدة لتجربتها لا أكثر.

-"دعني أراها أولًا" قلت له ذلك، نظر لي نظرة تفهّم واقترب مني وقبل جبهتي وتابع طريقه قبل أن يرى البقعة الحمراء على وجنتي ودون أن يسمع قلبي وهو يرفرف، هذه أول مرة يقترب مني إن نسينا المرات التي كان يحملني بها ليضعني في سريري أو مقعدي، وضعني قرب نافذة غرفتي التي تطل على الريف الجميل حيث يزينه غروب الشمس بلونه الذهبي المُحمر ووقف، كانت لحظة الغروب دائمًا لحظة صمت لكلينا، فظللنا ننظر للشمس وهي تودعنا بحزن، لم أعرف يومًا لِمَ تشعرني الشمس عند الغروب بالحُزن، حزنٌ عميق، لكنني لم أخبر أحدًا بذلك، حتى علِّي، كي لا يسألني عن السبب فأنا لا أعرف بماذا سأجيبه، لكنه يشعر بي كما أظن.

-"ترى بماذا يفكر؟"سألت نفسها: "هل يذكر شيئًا مُحزنًا؟"

-"حب حياته؟ لكنه نسيها!". قررت أن أسألع إن كان الغروب يشعرك بالحزن؟"

-"نعم ولكن لا تسأليني السبب فأنا لا أعرف".

-"لحظة الغروب دائما حزينة". كان صوتًا ناعمًا جميلًا لسيدة جاء من الخلف، نظرتُ لأجدها سيدة ذات شعر أسود فاحم وبشرة بيضاء وعينين زرقاوين، عرفتها، فعلا إنها تشبه والدتي قليلًا، لم تكن تنظر إلّي، بل إلى الغروب.

-"لا تنظروا إلي بل تابعوا القرص قبل أن يغيب، فنحن البشر نظن أننا مخلدون، إن سألنا أحدًا كم سنعيش سيكون الجواب سأعيش طويلًا، ولن يفكر بأنه اقترب من موته، لكن عندما ينظر إلى الشمس وهي تغرُب، يصل في أعماق نفسه لمعرفة الحقيقة، حقيقة أن عمره قد نقص يومًا، لا بل يتساءل من خارج وعيه في منطقة اللاوعي، هل سأعيش لأرى هذا الغروب من جديد؟ وربما يكون الجواب نفيًا". أنهت كلامها ونظرت باتجاهنا وكنا ننظر لها، فابتسمت لي وقالت: "اسمي سوزان، رجاءًا خاطبيتي دون ألقاب"، ومدت يدها لتصافحني، لكنني ترددت ونظرتُ لعلِّي، فرد بنظرة تشجيع، مددت يدي بتردد، ثم استأذنت وغادرت لتُرتِبَ حقائبها في بيتها الجديد كما قالت، كانت فرحة جدًا! أنا لا أذكر طبيبًا أو ممرضًا جاء إلى هذا المكان ضاحكًا مثلها إلا صاحبُ الوجه الخادع علِّي، فهل هي حزينةٌ كما كان هو؟ أم أنها سعيدةٌ لوجودها فعلًا؟ وإن كانت كذلك ستكون فعلًا كما وصفها علِّي طبيبة مختلفة عمن سبقها، لكني لن أقنع بالمظهر، عدت أطالع السماء وأفكر بما علي فعله، ماذا أفعل وأنا لا أعرف إن كنت في موقع الدفاع ضد طغيان قادم أم الهجوم ضد متحذلقة متمرسة.

لن أفكر، هذه كانت نتيجة ما فكرتُ به، بدأت السماء تظلم أكثر فأكثر، عرفت أن معطيات هذا السؤال ليست كاملة بعد، وحتى أجد الجواب الصحيح ربما يكون في التأني السلامة كما كانت تقول والدتي.

Page 4

4
طبيبة مختلفة

عندما يحاول الإنسان أن يغير نفسه

تقف في وجهه المعتقدات القديمة

والتي كان يراها قيم

لتعاتبه كيف يهمل أجمل قيمك ويبدلها بأخرى

"غيرتَ قناعاتِكَ وقِيَمك؟"

يحتقر هذا الإنسان نفسه ويعود لسابق عهده

ليحافظ على معتقداته وقيمه الراسخة.

لكن الكارثة إن كانت هذه القيمة هي عادةٌ سيئة تتخفى في ثياب القيم

أحضر لي علِّي تلك الليلة فيلمًا رومانسيًا، قال إنه مشهور جدًا، وقال أنني يجب أن أغيِّر نوع الأفلام التي أشاهدها، فأفلام الإثارة القديمة تزيد من أحلامي السيئة كما قال! لكنه لم يشاهده معي كما اعتاد أن يفعل، وتذرع باجتماع يجب أن يحضره، لكنني لم أصدق، فهو عادةًا إن كان مشغول كان يمنعني من مشاهدة الأفلام دون، وسمي هذا الفعل بالخيانة.

لكنه اليوم جعلني أشاهده وانصرف، لكن الفيلم كان جميل جدًا فنسيت أنني أشاهده بمفردي، وتابعته وبكيتُ كثيرًاعند نهايته، ولم ألحظ علِّي وهو يقف قرب الباب ينظر لي تلك النظرة الخبيثة، فتعجبت لأمره وسألته وأنا أمسح دموعي: "هل انتهى الإجتماع؟" لكنه أجابني بلا مبالاه أن الاجتماع لم يكن مهمًا، لم يعجبني رده فتسائلت: "إذًا لماذا ذهبت إليه؟"

فخرج وأمسك مقبض الباب وأغلق نصفه فلم يظهر إلا رأسه وقال: "حتى أراكِ وأنت أجمل"، ثم أغلق الباب، أغاظني، أرادني أن أبكي، لكنه فيلمٌ حزينٌ فعلًا، مضت تلك الليلة بسلام، بعد كل تلك أمسية الهادئة لم أرى أي كابوس.

استيقظت على صوت الباب وهو يفتح، كانت د.سوزان، في العادة يدخل علِّي أو الممرض المسؤول عني بالصباح، وبالعادة أيضًا أُشاهد الفيلم مع علِّي فيأخُذه معه، ويغادر بعد أن يخفي كل أدوات الجريمة-أي السهرة- من بوشار وفول سوداني والفيلم نفسه، صحيح أنه كما قال علِّي بالفيلم العاطفي لا متعة لطعام فيه فلم يحضر شيء، لكن الفيلم كان لا يزال في جهاز التسجيل، وكان هو أول ما وقع علِّيه نظر سوزان فأخرجته، وصرختُ فعرفتُ أنني في ورطة لكنها قالت: "أرجوك أعيريني اياه، كان هذا آخر فيلم شاهدته بالسينما مع زوجي قبل وفاته.

شعرت بالحزن، هي أيضا مات لها عزيز، سألتها: "منذ متى حدث ذلك؟"

-"منذ أكثر من ستة سنوات"، تذكرت والدتي، كم أشتاق لها، صحيح أن والدي يزورني في نفس تلك المواعيد التي كانت تزورني بها، لكنه استبدل أول يوم بالشهر بأول يوم عطلة بالشهر، فهو كثير الأشغال، قال لي في آخر زيارة أن قريبة والدتي جاءت لزيارته، وأن أقاربنا قد رشحوها ليتزوجها، أعرف أن هذا يبدو غريبًا، لكن لأهل البلد تصرفات راسخة، كانت أمي تخبرني عنها، مثل أن الرجل الأعزب يجب أن يتزوج بسرعة، هذا لا شيء مقابل أن الرجل الذي لا تنجب زوجته يتزوج بأخرى، وإن أنجبت له زوجته أنثى يظلون يطلبون منه الزواج لإنجاب الذكر، لكن والدي لم يفعل ذلك، كانت أمي تقول لي أنني كنت أجمل ما أنعم الله عليهما، لكنها عندما بدأت تمرض أخبرتني أنها ستموت، جعلتني أتمنى لها ذلك لترتاح من آلامها، كنتُ أَبكي كلما غادرت فأنا لم أكن أعرف هل سأراها مرة أُخرى؟ وفي آخر زيارة طلبت أن أساعد أبي باختيار زوجة صالحة له، أنا لم أُرِد ذلك لكنها أجبرتني أن أعدها ثم...ثم ماتت وأنا أجالسها بالحديقة، ماتت بين يدي.

أجابتني الطبيبة وقد انتبهت لشرودي: يبدو أنك قد حلّقتِ بعيدًا، المهم لقد افتقدته طبعًا، لكن هذه هي الحياة، وأبي الآن يرغب بأن أتزوج ليرى أحفاده قبل أن يموت.« نعم إنها إحدى أفكار أهل البلد» حدثت نفسي بهذا.

ثم تابعت، "هو لا يملك غيري، فقد توفيت زوجته الأولى وهي تلد طفلتها فتزوج والدتي وأنجبني منها".

قلت: "إذن لكِ أخت؟"

قالت: لا لقد توفيت هي أيضًا بعد أسابيع من ولادتها". ثم نظرت إليّ نظرة جادة كمن يريد تغيير الموضوع، فهمت أنها تريد الحديث عن مرضي.

سألتني: "والآن جاء دورك لتقولي لي كل ما ترغبين عن نفسك". فتذكرت حنقي عليها وحديث علِّي عنها بالأمس، فرددت علّيها ببرود وصوت عالٍ: "لقد قرأت ملفي واستجوبتِ كل من هو قريبٌ مني".

فردت علِّي بمرح كرهته: "نعم، لكن كان هنالك شيء غريب لاحظته".

-"نعم فأنا شخص غريب، قالت لي مرة إحدى الطبيبات أنني أشبه أطفال المريخ، وأنها تتعجب لِمَ لم يقوموا بإجراء بعض التجارب عليّ ليعرفوا كيف يفكر الفضائيون!".

قالت: "أنت تمزحين". ردت علي بجدية وبدأت تكتب في دفتر ملاحظات صغير أخرجته من حقيبة صغيرة لم أكن قد رأيتها قبل ذلك، فزاد غضبي.

-"ماذا؟ هل أطلقت علي اسم الحالة رقم واحد؟ أم قررتِ اللقب المناسب بهذه السرعة؟"

كان الجميع يبدأ هكذا، كنت المريض رقم سبعة، المريضة المدللة والمشاكسة والمريضة الكابوس"، كنت متأكدة أنها ستبدأ هكذا.

مدت يدها وعرضت عليّ قراءة المفكرة الخاصة بها، لم أكن أتوقع ذلك، فبعضهم كان يتعجب قدرتي على القراءة والكتابة، أخذت المفكرة وفتحت الصفحة الأولى وكانت مبدوءة هكذا:

-"اليوم الأول"

 المدير يقوم بعمله على أكمل وجه. هكذا ظهر

 الأطباء يعملون لكن لا يعيشون.

 الممرضون يعملون ويظنون أن الحياة تكون هكذا!

 استثناء من الممرضين الذين قابلتهم "هناك شاب ممرض يعمل ويعيش ويبذل كل جهد ليشفي ملاكه".

 مريضتي تُدعى سالي رقيقة وحساسة منطوية

 أشترك معها بحب الغروب

و أختلف معها بأشياء أخرى فهي تفقد الأمل وأنا أرى أن الأمل لا يموت

"وهو ترياق الخلود"

الصفحة الثانية

-"اليوم الثاني" سأقابل سالي بالبداية

بعد القليل من الأسئلة من قِبلي بدأت تصرخ وتملي الأوامر،

ربما تريد أن تبدأ العداء من قِبَلِها كوسيلة دفاع.

حيرتني هذه الطبيبة فهي لم تعطني أي لقب أكرهه بل لم تناديني بالألقاب المعتادة، بل نادتني باسمي أكثر من مرة، بل وذكرت أنني أدافع عن نفسي بالصراخ

فسألتها ببعض اللين: "ما هي وسيلة الدفاع تلك؟ ربما كان يجب أن تقولي هجوم لا دفاع".

قالت: "لا، أنت أكيد لا تشاهدين مباريات كرة القدم"، فهززت رأسي نافية وأخبرتها: "فأنا لم يسمح لي إلا بمشاهدة أفلام الأطفال".

-"أنا أيضا لا أحب كرة القدم، أحب التنس، ما رأيك بها؟ المهم سأجيب على سؤالك، يقول مذيع كرة القدم أن أفضل ووسيلة للدفاع عن المرمى هي الهجوم بعيدًا عنها، وأنتِ هاجمتني منذ البداية، وأظن أن السبب مجموعة الأطباء الذين مروا عليك قبلي، وأظن أنك لم تحبي أيًا منهم، واعذريني إن قلت أنهم أيضا لم يُحِبوك، مع أنك تبدين رقيقة ومهذبة".

-"أنا مهذبة؟" كنت في أشد حالات الاستهجان، كانت تجاملني، لكنها ليست مضطرة لذلك! ليتني أعرف حقيقتها، ليتني أعرف هل هذا قناع ترتديه أم فعلًا هي هكذا.. ليتني أعرف!

قالت: "نعم أنت مهذبة، فلو كنتِ كما كُتِبَ في ملفك الخاص، لما مددت يدك وصافحتني، ستقولين إنني قد أحرجتك، لا فلو لم تكوني كما وصفتك فلن أستطيع إحراجك، ولوجدت أن إحراجي أنا بعدم تلقي يدك لتصافحني شيءٌ مسلي، ثم لم يكن هذا هو الشيءُ الوحيد في ملفك الذي لفت نظري ووجدته غير منطقي، فقد قرأته بتمعن، هناك طبيبة جاءتك عندما كانت بالعاشرة من عمرك، قبل حضورها لم يذكر شيء من سوء طبائعك، لكن بعد أن غادرت هذه الطبيبة، أصبح الجميع يكرر نفس الملاحظات والتي تَصب في نفس اتجاه ملاحظات تلك الطبيبة، فهم قرأوا الملف واستوعبوه قبل أن يشاهدونك، فكنت تقابلينهم وأنت مصممه على ألا يرونك كما هو مكتوب بالملف، لكنهم لم يكونوا مستعدين أن لذلك، وأصروا على تلك الصورة التي رُسِمَتْ في مُخيلتهم عنك، وعندما كتبت في مفكرتي أنك بدأت تفقدين الأمل، أنك قد قررت أن تصبحي مِثلما يريدون الفتاة المشاكسة غير المطيعة العنيدة، لكنك مع كل هذا التصنع استطعت أن تجدي البعض يرى فيك الفتاة الذكية والمطيعة والمرحة الفتاة الملاك"، فهمت أنها تقصد علِّي، تابعت دون انقطاع، "لكنك وبالرغم من وجودك هنا منذ أكثر من خمسة عشر عام في مكان يجلس به الناس للعلاج النفسي بينما أنتِ فقط تجلسين للإستجمام، لم تتحسني، نعم لا تنظري لي هكذا فأنت هنا فقط لأن والدك لديه المال الكافي ليجعلك مرتاحة من أحلامك، ووالدتك تمتلك قلبا عطوفا حساسا يجعلها لا تتحمل أن تراك بعد كل كابوس ذابلة متعبة، فأحضـروك إلى هنا، ولم تكِّوني صداقات، وما أتبناه من صفاتك في الملف أنك فتاةٌ انطوائية تحب العزلة وتخشى الاحتكاك بالمجتمع".

انطوائية! ربما هذا صحيح لِمَ لا؟ لِمَ لا أكون انطوائية ؟وليس لدي أي شخص قريب بالسن يقطن قربي وأجعلهُ صديقي، هل يوجد فتاة على هذه الارض أمضت طفولتها ووصلت سن التاسـعة عشـر دون أن تملك أي صديقة؟ لتشاركها أفكارها وأحلامها وألعابها، لم يكن لي هذه الصديقة يومًا، ومع هذا لم أيأس بل وقبلت بعلي بكل صدر رحب كي يكون صديقي وصديقتي، وأمي أيضًا كانت لي الصديقة القريبة.

حاول الكثير من المرضى التقرب مني لكني كنت أنفر منهم، بعضهم ذوو وجوه مخيفة والبعض الآخر أصواتهم حادة، ومن كان منظره طبيعي كنت أرى أقبح النظرات في عيونهم، كنت أرى الشفقة، وأنا لا أطيقها، بل هي أسوء ما تعرضت له، هذا هو ما جعلني أبتعد عن الجميع، فسكانُ المكانِ جميعُهُم لا يُشبِهونني، أريد من يشبهني، لا أريد من يتقرب لي حُزنًا على حالي، بل أريد من يتقرب لي لأنني سالي، لا لأنني عاجزة، فأنا لستُ بحاجة إلى أصدقاء كهؤلاء، لا فهذا اللقب لن يناسبهم أبدًا بل هم مشفقون لا أكثر.

أما بالنسبة لمرضي إنها لم تفهم بعد، فهي لم ترني بعد الكوابيس كيف أكون، قررتُ أنها يجب أن تعرف حتى لا تعود لتقول إنه مجرد دلالٌ من والداي.

تابعت قائلة: "سوف أذهب الآن لأتركك تتنزهين في الحديقة، فقد أخبرني علِّي"صديقك الوحيد" أنك تتنزهين عدة ساعات تقرئين بها إحدى الروايات".

وغادرت الغرفة بمرح طفلة، لم يلبث أن دخل علِّي بعد خروجها مترقب، لم يقل شيئا ظل ينظر وينتظر أن أتكلم، لكنني لا زلت منزعجة منه بعد ما فعله بي تلك الليلة، ومنها لما قالته عن حالتي، حافظت على صمتي حتى يئس وبادر بالسؤال: "ها؟ ماذا حصل؟ قولي"، لكني ظللت صامتة، أردت أن أفكر وأعذبه أيضًا، لكني لم أكن أنوي أن أماطل كثيرًا ليس قبل قبض الثمن، فمن عادته أن يغريني ببعض الأمور ليعرف ما يريد مني وأنا أيضًا أمارس هذا الابتزاز إن استطعت، فقطعت الصمت وقلت له ببرود: "ألن نذهب إلى الحديقة، لقد تأخرتُ وأنا أريد أن أنهي تلك الرواية" كنت قد بدأت بقراءة رواية جديدة، لكنني لم أكن مستعجلة لأنهيها فقد كانت جميلة، ولست متأكدة أنني بعد إنهائها سأقرأ ما هو بجمالها.

حملني عن سريري ليجلسني على مقعدي المتحرك، فشممت عطره، كم هو جميل، أجعله دائما يشتري علبتين كلما اشترى واحدة، وأرسلها إلى والدي، وقد ذكرها في رسائله وقال أن ذوقي ممتاز، لكن أن يضع علِّي هذا العطر اليوم وغدًا عطلة يعني أنه سيسافر إلى باريس بعد الظهر، أي أنني لن أسهر على فيلم، ولن أبقى معه باقي النهار ولن نرى الغروب، لكن مع هذا أنا لم أكن أكره هذه الزيارات لباريس، فهو يحب أن يذهب ليرى والدته وأخته وأصدقاءه ويحضر الكتب التي أقرأها والأفلام التي أشاهدها، وأهم ما يحضره معه هو قصصه عن العالم بالخارج وبالأخص مع صديقاته، نعم أكاد أعرف أدق التفاصيل عن كلٍ منهُن، حتى أنني إن رأيتُ إحداهُن سأَعرِفُها.

وضعني على الكرسي وسار بي إلى الحديقة، وهي أجمل حدائق العالم، أجلس دائمًا تحت شجرة سروٍ عالية، ربما يبلغ عُمرها عمر هذه المشفى الذي يتجاوزعمره القرن ،وهي محاطة بحلقة من الأشجار بالعمر ذاته تقريبًا.

عندما أصل إلى مركز هذه الحلقة أجلس تحت الشجرة الأم (كما أسميتها) فينتابُني احساس جميل وكأني صرتُ بالغابة، نعم فالمشفى تختفي جدرانه ولا يظهر منه شيءٌ على الاطلاق، فلا أرى شيئًا يذكرني بالبشـرية سوى هذا الكرسي القديم، قِدَم الشجرة، بل ربما غرسا معًا في هذه الأرض، والعصافير التي اطمأنت لهذه الشجرة وبناتها بنت أعشاشها وعاشت هانئة، تزقزق ولا تهدأ، لكني أفضل هذه الضوضاء فهي رائعة ، هي ليست ضوضاء، بل بنظري هي زقزقة عصافير بريئة رائعة اختفائها يعني الموت؛ فمثل هذا السرب من الطيور لن يغادر إلا بموت هذه الشجرة، ولن أرغب بالحياة عند تلك اللحظة، لن أقبل المَكان دون الأُم وسِربها الشادي، لكني حتى هذه الحظة أستمتع بأغصاتهم وبظلها وأتمنى أن تبقى وتبقى إلى الأبد، أموت لو ماتت فحياتي كأس والشجرة الماء الذي يرويني.

كانت كبيرة فيصل حجمُها لمساحة المشفى مع حديقتها ربما أكبر قليلا وهي محاطة بالاشجار من كل الانواع وبالصيف يصبح طرفها البعيد اصفر الون كأزهارها عباد الشمس التي تكثر هنا وتمتلئ بالطيور كالبط والأوز والبجع، كم هي جميلة، إن للبجع جمال الأميرات، في احدى المرات التي جاءت بها إلى المكان كنت أجلس منزوية قرب شجرتي فاقتربت احداها مني وقبلت أن أطعمها قليلا فهي اللتي اقتربت مني كان يوم لا ينسى.

وصلنا وسار بي ظننت بالبداية أننا سوف نتجه لشرق المشفى، حيث الشجرة الأم لكنه ظل يسير ويسير حتى تجاوزنا حدود المشفى ووصلنا إلى الطريق وقطعناه حتى البحيرة، لم أزرها كثر ربما مرتين فعلِّي كان يخاف أن أنجرف بسبب أرضها الطينية وأسقط في الماء فتعودنا تجنب زيارتها، لكنه ظل يتقدم حتى بدأت العجلات تَغرُز بالطين، فتوقف وانحنى وحملني وسار بي دون أن ينطق بكلمة، حتى وصل لظل شجرة كبيرة لم أصل أبدًا لها من قبل، أجلسني قرب جِذعِها ثم استلقى قربي ينظر للبحيرة، ظل طويلا هكذا، فقد كانت إحدى عاداته التأمل، علمني إياها حتى أصبحت لصيقةً بي أيضا، عرفت أنه لا وقت لدينا، فهو عند الظهيرة سيسافر، لكنني كنت أعرف أنه هو أيضا يتحرق شَوقًا ليعرف، وكنت على حق، فهو لم يلبث أن قلب جسده ليتكأ على صدره ورأسه بين كفيه ونظر لي وسألني: "ألن تخبريني ماذا حصل؟"

تصنعت اللامبالاة ونظرت إلى البُحيرة، لكني أيضا يجب أن أبادر،

-"لا، لن أفعل". فعاد واستلقى على ظهره وقال: "أظن أنني أعرف ماذا يعني هذا، تريدين الثمن؟ ما رأيك أن أخبركِ أين أنا ذاهب اليوم؟"

فعرفت أنه يماطل، فقطعت علِّيه الطريق وأخبرته: "ذاهب إلى باريس، ولن تعود قبل انقضاء عطلة نهاية الأسبوع، وأظن أن هناك فتاة بالأمر، ربما فيلم سينما أو مسرح أو أوبرا، لا يهم".

-"يبدو أنك تعرفين ما أخطط له، لكن مع ذلك فلدي ما أقايض عليه، ما رأيك أن أخبرك كل ما سيحصل، أعرف أنني أفعل هذا، لكني لن أفعل إن لم توافقي، ما رأيك؟"

عرفت أننه كسب، لكنه يخبرها كل شيء، لكن هذه المرة لن أسمح له بإخفاء شيء، وهو يعرف أنني أعرف باخفائه بعض الأُمور، لكنه لا يهتم، فهو يفعل ما ويخبرنا بما يريده، هو لا يكذب، لذلك يعترف أنه لا يقول كل شيء دون أي إحساس بالذنب.

قلت: "كل شيء؟" فوافق دون مماطلة، لكني جعلته يُقسم قسمًا خاصًا بأنه سيقول لي كل شيء، فأخبرته بكل ما حصل مع د.سوزان، وأخبرته بالنهاية أنني فعلًا أظنها مختلفة عن باقي من مر علِّي من الأطباء.

وعندما انتصف النهار أديت أنا أيضا ذلك القسم بأن أعمل بكل جهدي لتنجح هذه الطبيبة معي، ثم غيرة الموضوع وسألته عن وجهته مع تلك الفتاة.

قال: "سنذهب لحفلة وسأراقصها حتى منتصف الليل كأمير سندريلا". وبدأ يُراقص فتاة وهمية، فسرحت بخيالي متسائلة كيف ستكون الفتاة؟ وكيف سيرقصان؟ وما ثوبها؟ فلم أنتبه له وهو يتوقف عن الرقص وينظر لي، ظل ينظر طويلا حتى تنتبهت لسلوكه، فرفعت رأسي لأراه وهو يضع يديه بوضعية الراقص، ثم انخفض وجلس على الأرض وقال لي برقة : "أنا... أنا آسف... لم أقصد أن، لكن من قال أنك لا تستطيعين الرقص؟"فانتفض ووقف على قدميه ثم انحنى وكأنه الأمير وأنا تلك السندريلا وطلب مراقصتي، لم أعرف ماذا علي أن أفعل، أنا فعلًا أتمنى أن تظهر الساحرة لتهب لي قدمين تستطيعان السير، بل والرقص، لكنه لم ينتظر ردًا فأخذني بين ذراعيه وحملني فألصق جسده بجسدي وبدأ يُراقِصُني وهو يشعر بثِقَل حَملي والتحرك في وقت واحد، لكنه ظل يرقص ويرقص حتى انهار ووقعنا معًا على الأرض.

سقط فوقي فأزاح ثقله عني بسرعة ثم إستدار ليطمئن علي، وظل يعتذر: "أنا آسف، حقا أنا آسف، لم أقصد ذلك، يالي من أحمق، أعدك ألا أفعل ذلك مرة أخرى".

لكنني نطقت وبدون أي تفكير: "لا، لا تعدني بذلك، أقصد هذا جميلا، بل رائع، علِّي، لن أموت قبل أن أرقص تلك الرقصة، أقصد أنك، شكرًا، أنا حقًا سعيدة".

وظل ينظر لي كما فعلت، وكلٌ منا مستلقٍ على الأرض تحت شجرة الصفصاف أمام البحيرة، بدا شعره البني ذهبيًا تحت أشعة الشمس وبشرته الحنطية بدت بلون البرونز، أما عيناه بلون العسل الصافي، فأخفاهم تحت جفونه المغلقة.

في النهاية وضع ظهر يده على جفني وسألني: "ألا يريدُ مَلاكي العودة إلى العصفورية؟"حركت رأسي إيجابا، وأنا لا أرغب في العودة فعلًا، وضعني في الكرسي، كان بعيدًا حتى ظننت أنه أبعد من مكانه الذي تركناه فيه.

عاد بي إلى المشفى وأجلسني تحت الشجرة الأم، فأنا أجلسُ في مكان بعيدا عن باقي المرضى، ثم ودعني بأن ضمني سريعًا وغادر، وعدت أتابع قراءة الرواية بذهنٍ شارد، فآثرت التوقف عن القراءة حتى لا أضيع جمال هذه الرواية بشـرودي هذا،وصرتُ أتامل الطيور وهي تسعى بالأرض حتى قارب المغيب وبدأت تعود لأعشاشها فوق الشجرة الأم.

Page 5

5
الحلم والكابوس

الحلم يرطّب الحياة، و الحلم أيضًا يحفزها

لن يرغب المرء بهذه الحياة ما لم يكن يمتلك حلمًا

لكن لماذا تنتهي كثيرٌ من الأحلام بكابوس؟ وان كان آتٍ لا محال فلماذا لا يأتي الكابوس منذ البداية ؟

أم أنه كابوس لأنه يقطع جمال الحلمنا علينا؟

بعد أقل من ساعة عادت سوزان وبدأت بتحادثني دون أن تنتبه لصمتي معظم الوقت، ربما الكلام هو أحدى هواياتها، لا أحاول إسكاتها فأنا أريد أن أعرف شخصيتها أكثر وأكثر، والغريب أنها لم تأتِ لتخبرني عن طرق العلاج التي ستتبعها بعد، بل جائت لتسألني عن الأفضل، رفضت استعمال عن بعض أنواع العلاجات وبشكل نهائي، وعندما سألتها عنهم قالت أنها علاجات تعطى للمرضى الميئوس منهم"كالعلاج بالصدمات الكهربائية والعلاج بالإبر"فوافقتها بشأن الصدمات الكهربائية، لكن بشأن الإبر، لم أفهم ماذا تقصد بالإبر.

قالت: "الإبر المهدئة". فانتفضت وقلت لها أنني أرفض، فأنا لا أستطيع العودة للنوم دونها، لكنها أصرت وقالت أنها سوف تغير نظرتي لكل شيء في حياتي، وستنتظر الرؤيا الأولى لتقرر كيف ستبدأ، ولم تعد لذكر الموضوع ثانيتًا، بل انتقلت لموضوع لم أكن أظن أنها ستدخل فيه أصلا وقالت: "يجب أن نبدأ العلاج الطبيعي، وحسب ما أظن إنكِ إن كنتِ راغبة في ذلك وبذلت قصارى جهدك سوف تسيرين بعد أقل من عام".

"أنت مجنونة!"لم أعرف كيف قلت ذلك، لكن الحق لي، كيف تطلب مني ذلك؟ وهي تعرف أنني لم أسير على قدمي قبل الآن، هي مجنونة، قيل لي أن قدماي قد ضمُرتا ولن أستطيع السير مرةً أُخرى.

-"هذا ليس عملك، لم يطلب مني أحد الأطباء السابقين ذلك".

قالت: "نعم، لأنهم لم يرغبوا في ذلك، ولن يؤنبني ضميري إن قلت أنهم تغاضوا عن الأمر، فيكفيهم فشل واحد معك، أما أنا فلا يرضيني أقل من نجاحين، هل فهمتِ؟ نجاحين".

غادرت وتركتني بفوضى، هل يعقل أن أسير؟ أنا لم أسر إلا في أحلامي، بل وأحيانًا كنت أركض قبل أن...، أعرف أنني يجب أن أذكر تلك الأحلام، فأنا حتى الآن أتحاشاها، اعذروني فهي مُؤلمة مُخيفة، لِمَ لا ننتظر الرؤيا القادمة كما تقول هي؟ ربما استطعت النطق.

تابعت قراءة روايتي حتى المساء وبعد الغروب جاء أحد الممرضين ووضعني في سريري، فكرت أن أعيد فيلم البارحة لكني تذكرت أن سوزان أخذته فنمت وأنا أفَكِرُ بأشياء كثيرة.

كنت في قاعة رقص كبيرة، كنت أرقص مع شخص شعرت أنني أعرفه، رفعتُ رأسي لأراه، كان يرتدي قناع أسود وقبعة سوداء، فسألته: "من أنت؟".

فقال وقد فاجأه السؤال: "أنا؟ ومن عساي أكون؟ ربما أكون حقًا زورو! وأنت فتاتي لهذه الليلة"، طال الوقت ومازلنا نرقص، حتى توقف الموسيقى فتوقف وطلب مني التوجه معه إلى الشُـرفة، عندما وصلنا نظرت بعيدًا إلى أطراف المدينة حيثُ الظلام، حلقت بعيدًا، حتى صار البعيد يقترب أكثر وأكثر، كنت أعرفُ أين أذهب، كنت كمن يسير وفقَ مُخططٍ معروف، أسعى خلف هدفٍ واثقة من تحقيقه، وكأنني طائرٌ ضخمٌ كُنتُ أُحلق فوق بنايات قديمة، ثم بدأت أهبط وأهبط حتى وصلت لارتفاع طابقين، وتوقفت على الهواء وكأنه أرضٌ صلبة، نظرتُ لليمين كانت سيدة عجوز تشاهد حالة الطقس في دولة بعيدة قالت المذيعة أن الطقس سيكون رطبًا مع توقع هطول زخات متفرقة من المطر، التفت إلى اليسار فرأيت امرأة تحدق من خارج النافذة بإتجاهي لكنها لا تراني، بل منظرها لا يوحي بأنها ترى شيئًا، فالقلق بادٍ علِّيها، لكن ما لبث أن فُتِح باب بيتها، ودخلت فتاة، فجرت تقبلها وتحضنها وتأنبها لتأخرها، ثم ذهبت بعد أن قالت شيئا عن العشاء، ولكن الفتاة اقتربت من النافذة وأرسلت قبلة عبر الهواء لشاب أسمر غادر بعد أن أخذ أمانته المُلقاة من الشرفة، كنت لازلت أتأمل ذلك المنظر الذي لكن الشاب لم يلبث أن عاد وهو بمزاجٍ مُختلف، بل بدا خائفًا، وظهر رجل خلفه وطلب منه شيء، حاول الهرب من طريق الآخر، فظهر رجل يصده، يبدو عجوزًا والأوساخ تملأ وجهه وملابسه قذرة، أخرج منها شيء -لم أعرف في البداية ما هو حتى لمع، كان سكينًا تلمع مع ضوء القمر، وضعها بسـرعة في بطن الشاب وكأنه يوجه له لكمة، فسقط وصار يتخبطُ وينزف دون أن ينتبه له أحد، كُنتُ غير قادرة على النطق، نظرت إلى شقة الفتاة، لكنها كانت تضحك ووالدتها، وما بدا أخوها الصغير، ربما يكون في الرابعة من عمره، صرتُ أصرخ، وأتمنى أن ينتبه لي أحد لينقذه لكن صوتي كان يضيع وكأن ثقبًا أسود يمتصه.

استيقظت وأنا أصرخ وجسدي بأكمله مُتَعَرِق، فبدأ الناس يندفعون لغرفتي، سمعت صوت سوزان وبعض الأطباء والممرضين، لكن ما شاهدته لم يكن أي منهم، بل كان وجه الرجلين قد حُفرا على وجوه كل من بالغرفة، كيف جاءوا لغرفتي؟ صرت أرجوهم ألا يقتلوني أنا أيضًا.

كنتُ أصرُخ وأطلُبُ والدتي طويلًا حتى انجلت لي حقيقة موتها، فعرفت أن لا فائدة من طلبها، فطلبتُ علِّي، بل تعجبت لمَ لم أسمع صوته بعد؟ ولم يضع رأسي على صدره ولم يسمعني أي من كلماته المريحة، كان سيريحني من هذه الأشكال التي بالغرفة، بل لِمَ لم أنم بعد كما أفعل دائما؟ زاد صراخي حتى شعرت بيدين قويتين تمسكان بذراعي وتثبتهما بقوة على قدمي الممددتين وتحني رأسي-بيد حررتها - على صدري وتبدأ بمُحادثتي، وتطلب مني أن أُغمِضَ عينيّ وآخذ نفسًا عميقًا وأن لا شيء مما أراه حقيقي.

كان صوتها دافئًا: كـما صوت... أمــــي، نعم حتى كلماتها، ففعلتُ ما طلبت هي وفتَحتُ عيني التي بهرها ضوء المصابيح في الغرفة، رأيت الممرضين وقد عادت لهم وجوههم كما أعرفها، وسوزان قربي، أمسكت كوب ماء وطلبت مني الشـرب، كان بالماء طعمٌ غريب وكان دافئًا، لكنها قالت أنه نوع من الأعشاب تهدئ الأعصاب.

بدأت أخيرًا أهدأ، وتذكرت أن علِّي مسافر، فشعرتُ بسذاجتي لطلبي اياه، في هذه الأثناء رأيت سوزان تضغط زرًا في ساعة يدها، ثم تدون في دفترها، بدأ الجميع يخرج، ولحقت هي بهم، فصرخت بها بصوت طفل ينادي أمه أن تظل، كنت فزعة، بل في أشد حالات الفزع، لن أعاود النوم، بل لم أكن أشعر بأي بوادرٍ للنعاس، بالعادة كنت أنام بفعل الأدوية، لكن مع ذلك لم يكن علِّي يتركني قبل أن يتأكد من أنني نائمة مع الملائكة وأن الشياطين لن تقربني فيما بقي من الليل، هكذا كان يقول.

لكن الآن لا أحد هنا سوى سوزان، فلماذا لا أطلب منها المكوث؟ وهي من سيشعرني بالأمان، لكنها ظلت تسير، وكأنها لم تسمعني، لم أكن أتحمل أن تغادر وتتركني مع هذين الوجهين اللذين أراهما كلما رمشت عيناي، في ظلام تلك اللحظة بين الإبصار والإظلام، لقد طُبعا في ذاكرتي، كررت بصوت يرجو أن تبقى، وصلت إلى الباب أغلقته واتكأت عليه، ونظرت إلي وقالت: "لم أكن أنوي أن أغادر، لكنني أردت أن أمنحك الهدوء، البعض منه، ثم فتحت حقيبة كبيرة، وأخرجت عشـر شموع كبارِ الحجم، وزعتهم على المناضد في الغرفة، ثم عشـر أُخرى أخرجتها من الحقيبة، وزعتهم على أرض الغرفة، وأخذت علبة ثقاب، بدأت تُشعل الشموع واحدة تلو الأخرى، هكذا حتى انتهت.

ثم سألتني: "هل أنت مستعدة؟" لم أعرف عن ماذا تتكلم فسألتها لتجيبني بما زاد حيرتي.

-"مستعدة لتعيشي عالم الأحلام، يجب أن تتخلي عن كل ما له علاقة بالحقيقة، هذه الأضواء حقيقة فقط".

تحركت برشاقة بين الشموع، حتى وصلت لمفتاح الإضاءة وأطفئتها، فبدا وكأن الغرفة تسبح ببحر من الضوء الخافت، يتماوج من كل شمعة، لم تكن العتمة شديدة، بل يشبه الضوء بعد الغروب.

لم أشعر بالخوفسوى للحظة كانت عندما أطفأت الأنوار، ظننت أن العتمة سوف تعود، لكن الإنارة التي انبعث من الشموع كانت بجمال الغروب، ولها رائحة عطرة، بعيدًا عن رائحة المشفى التي اعتدتُها، ابتسمت وارتاحت أعصابي كما لم أفعل من قبل، فتلك الأحلام لا تأتيني دائمًا، ربما مرةً كل أسبوع، وأحيانًا كل أسبوعين، صحيح أنها تأتني في بعض الأحيان لأيام وأيام، لكن هذا نادرًا ما يحدث، وتُلزمني الفراش على الأقل يومًا كاملًا حتى أشعر بالاسترخاء، لكني أظل متعبة طوال ذلك اليوم، مع أنه لم يمض أكثر من نصف ساعة لكني كنت أفضل بكثير.

-"الآن ما هو الحلم الجميل الذي رأيته؟"يا إلاهي كلما تكلمت هذه الطبيبة عرفت أن في عقلها مسٌ من الجنون.

-"هل كان هذا الذي استيقظت منه كالمجنونة حلمٌ جميل؟"

-"لا، أنا لا أقصد ذلك، معظم الكوابيس قبل أن نراها تبدأ بحلمٌ جميل، فيأتي الكابوس ليتسلل من هذا الحلم ليحوله إلى كابوس". بدأت أفهم وتذكرت قاعة الرقص، فأجبتها بمجموعة أسئلة لم أستطع صياغتها بشكلٍ صحيح، لكنها أجابتني

-"إنه ليس ذكاء، بل فَكِّري، عندما نمت هل كنت تشعرين بهذه التعاسة التي استيقظت بها؟ طبعًا لا وإلا لكان الكابوس غزا أحلامك منذ البداية، القصة هكذا:

تذهبين إلى النوم ربما تكونيين سعيدة لايهم، ما يهم أن أيًا منا عندما يذهب للنوم ينظر الغد، ينتظر المستقبل بأمل حتى في أكثر النفوس تشاؤمًا يظل الأمل بالغد، هذا الأمل (حقيقة) يصعُب على الكوابيس اختراقها، فتبدأين ليلتك بحُلمٍ جميلٍ، هو وليدُ الأمل، تسبحين في عالم الأحلام الجميلة، هنا يكون الأمل الحقيقي قد أصبح حُلمًا جميلًا، فالحُلم الجميل بكل جماله ليس إلا خيال، والخيال وهم، هنا يأتي الكابوس ليخترق جمال الحلم،فيسهل عليه الأمر الآن فالوهم يسهل اختراقه فهو ليس كالحقيقة.

يحطم الكابوس هذا الحلم ويخترقه،لذلك أسألك مرةً أخرى ماذا كان حُلمك الجميل سالي؟

لم أعرف كيف وصلت لهذه الاستنتاجات، لكنها حقيقة على الأقل هذا ما حدث معي اليوم، فسـردتُ لها ذلك الحلم أخبرتها كان جميلًا ذلك العالم حيث حلبة الرقص والفتى زورو، وأنني كنت فتاة زورو كما قال، وكيف دعاني للشـرفة لإستنشاق الهواء ولم أشعر بنفسـي كيف أكملت السرد، ووصلت لسرد قصة الجريمة فنزلت من دمعة من عيني، لم أعرف كيف تسللت من مقلتي، لم أشعر بها إلا بعد أن هبطت على يدي، وكأنني استيقظت فجأة فوضعت يدي على فمي، وأنا في أشد حالات الحيرة، فسألتها: "كيف استطعت استدراجي للحديث عن هذا؟"

قالت: "سهل، لقد بدأت بالحديث عن شيء جميل أحببتِه فلم تشعري بنفسك وأنت تتابعين سرد الأحداث، فأنت أحببت الطيران، والجدة في ذلك البيت، والأم القلقة على ابنتها التي وقعت بغرام ذلك الشاب، أنت فقط لم تحبي النهاية، هذا كل شيء، فعندما وصلتِ لما جرى للفتى استيقظت وتساءلت كيف أخبرتني بالقصة؟ مع أنك كما أعرف لم تبوحي لأحد عما تشاهدين في تلك الأحلام، وهذا فقط هو الذي أخر علاجك كل هذه المُدة، فلو سألتك منذ البداية عن الحلم الذي أزعجك لتذكّرتي قتل الفتى في إحدى ضواحي المدينة، وهذا بحد ذاته لن يجعلك تتكلمين عن أي شيء، وكنت ستبقين طوال حياتك صامتة عن كل ما لا تطيقينه من أحلامك.

بقي شيءٌ واحد، هو أن أقول لك أن ما ذكرته على قدرة الكابوس على التسلل من الحلم الجميل هو من عندي، هذا لا يعني أنه غير صحيح بل أنه غير معترف به بعد، أي أنه مشروع أدرسه، صحيح أنني أؤمن به لكن لا أعرف غيري يؤمن به، لكنه كان مدخلا جيدًا لنبدأ منه".

قلت: "أنا أؤمن به، فعلا إنه صحيح، أظن أن كل أحلامي بدأت بشكل جميل ثم تحولت".

قالت: "أنا آسفة، يبدو أنك لم تفهمي ما قصدته، أنا لم أقصد الأحلام، بل الكثير يؤكد ذلك، لكني أقصد تفسير ذلك، وهو يحتاج إلى الكثير من الدراسة لأخرجه للعالم ليُبدي الرأي فيه؟

بدأت أشعر بالنعاس، كدت أن أتثاءب، لكنني استطعت كبت ذلك، لكن سوزان لم تفلتها ، فبدأت تطفئ الشموع، لكنها تركت لي اثنتين على طرفي السرير قربي لتؤنسا ظلمة الغرفة.

Page 6

6
الزحـف

دخل الضوء إلى الغرفة من النافذة، رفعت رأسي وأنا في قمة النعاس، كانت سوزان، ألا تتعب؟ نعم أظنها كذلك.

استيقظت قبلي وأحضرت الفطور إلى هنا، وكنت نادرًا ما أفطر، بالصباح الباكر شهيتي تكون سيئة.

قالت: "اليوم يجب أن نبدأ التمرين، لكنني سوف أظل لأسبوعين كاملين أتبع تمرينًا واحدًا، وسيكون سريًا بيني وبينك فقط، وهو بسيط، هو يخص السير لا الأحلام، ستواظبين عليه طوال الأسبوعين القادمين لساعتين، ساعة في الصباح وساعة قبل النوم، وهو بسيط جدًا، بل هو غريزي يفعله الأطفال، لكن يجب أن نبدأ به هذه الفترة لأن قدميك بحاجة إلى، دعيني أقول أنها بحاجة الى التحمية كالرياضيين قبل دخول المباراة، لتعتاد قدمهم على الركض بعد دخولهم المباراة، المهم ما سنفعله هو"الزحف".

-"الزحف!"لم أعرف ماذا أقول، كلما قالت فكرة جديدة من أفكارها فكرت بالاعتراض، فبدأت تشرح لتسكتني، هي مقنعة لكنها تتحدث كثيرا، وأنا بالعادة معتادة على صديقي الثرثار لكن مواضيعه لا ترهقني كهذه، فسوزان طرقها مختلفة، فهي تتحدث بالعلوم والفرضيات وأشياء لم يتحدث بها أحد معي من قبل، هي ليست مملة، فأنا استمع لها وأنا أشعر برغبتي لسماع المزيد، وأرغب بفهم تلك الأمور، أنا الآن أريد أن أسمع ليس لأنني مقتنعة أنني أريد السير"بل لنقل أريد الرقص مع، مع زورو".

صحيح! ما هذا الإسم؟ إنه غريب، لا بل سخيف ولم أسمعه من قبل، لا بد أن أسأل علِّي حالما يعود، بدأت أنزل عن السرير وانتظرت إرشاداتها، لكنها لم تنظر لي، تجاهلتني وجلست تقرأ الصحف، بدت كبداية شاقة ليوم شاق، أمضيت معظم الصباح أحبو كالأطفال، لم يكن هذا سهلًا في البداية بل كان في منتهى الصعوبة لم أعتد على الأعمال الشاقة قبل ذلك، وكان الزحف من أصعب الأمور التي مرت علي، فقدماي لم تتحملا أي ثقل من قبل، بل لم استعملهما قبل ذلك أبدًا، لم أكن أتحرك وكلما اردت التقدم للأمام عدت للخلف.

ليست هذه هي المشكلة بل تكمن في أن حركتي تصاحبها آلامٌ شديدة، تجعلني أترك الزحف لأرتاح لكن سوزان تبدأ باصدار الأوامر، هيا تحركي كل راحة تأخذينها الآن تأخر علاجك يومًا كاملًا، لا أريد أن يتأخر إن كنت سأسير بعد عام فلن أقبل بيوم بعد ذلك، أخذت دفتر ملاحظاتها الصغير وبدأت تكتب، هكذا حتى انتهيت، فوضعتني على مقعد المائدة، وبدأنا نتناول الإفطار معًا، فسألتها عما كانت تكتبه؟ فأخبرتني بكل بساطة أنها ترسل رسالة لوالدي.

نشأ في داخلي مئة سؤال في تلك اللحظة، فتابعت أنها تريد أن يرسل بعض الأجهزة إلى هنا، وأنها لن تدع أحدًا يراني وأنا أتدرب لتكون مفاجأة سيري هي الأعظم، وأن المشفى يستطيع منحها الأجهزة لكنها تحافظ على سرية العلاج، راقتني الفكرة لكن ليس للأسباب التي ذكرتها، بل-لحاجة في نفس يعقوب-، هل أزعجتكم؟ أنا أيضا أنزعج كلما سمعت علِّي يقول هذه الجملة الغامضة. لكنه نادرًا ما استخدمها، هذه العبارة ترمز لما كان النبي يعقوب يبغي من إدخال أولاده الأحـد عشر إلى مصـر متفرقين، آه كم أتمنى زيارة مصر، إنها من أجمل الأماكن في العالم، ليس لشيء أكثر من شمسها ونهرها.

أحب الشمس كثيرًا عندما تكون قوية، لكن أحب القمر دائمًا، بل إنني أجعل علِّيًا أو الممرض المسؤول يحرك سريري عدة مرات بالشهر لأرى القمر بشكل أفضل، وأنا مستلقية في سريري حتى أغفو، هذا طبعًا لا يعني أنني لا أحب الشتاء حيث يحجب القمر أيامًا، بل هكذا أشتاق له أكثر، فأنا لا أريد أن أكون من نوع الفتيات الآتي يحصلن على كل ما يردن، ربما تعودت أن أحب الحرمان من بعض الأشياء، لكن لفترة ثم أعود وأحصل علِّيه، عدا أمي، فقد التي فقدتها للأبد.

دق الباب وأنا أنهي طعامي ودخل علِّي، لم أتوقع أن يكون هنا قبل الظُهر، لكنه علم ربما من والده عن ليلة الأمس، فجاء ليخفف عني، لكنني استقبلته على المائدة وأنا أتناول الفطور، بعد أن استيقظت مبكرة، وفوق كل هذا باسمة! كانت دهشته كبيرة في اللحظة الأولى، لكنه تمالك نفسه وبدأ يتحدث للطبيبة وبشكل رسمي عن أخذي للحديقة، فابتسمت وغادرت الغرفة.

فما لبث أن دخل وأغلق الباب ثم جلس مكانها وبدأ يحقق معي، لكني لم أكن أجيبه، بالنهاية صمت وانتظر أن أبادر بالحديث فسألته: "من هو زورو؟"لكن ردة فعله بدت غريبة، فكأنني صفعته على وجهه. وقف واحمر وجهه وبدأ يتلعثم.

قلت: "سوف أخبرك بعض ما أستطيع لكن البعض الآخر آسفة وعدتها أن يظل سر، لكن ليس قبل أن تحدثني عن كل شيء حدث معك البارحة كما وعدتني، إن كنت لا تزال تذكر". فوافق وانتقلنا للحديقة لنجلس تحت الشجرة الأم فلا يقاطعنا شيء.

Page 7

7
زوروا

هل تتلاقى الأرواح؟

سؤال صعب لن تصدق أحدًا ادعى المعرفة وأجابه

هل تغادر الأرواح قاطنيها بعض الوقت ثم تعود لتتابع حياة لم تنتهي بعد؟

-"فتاة في أواسط العقد الثاني من عمرها، شقراء، شاحبة البشرة، خضراء العينين، ممتلئة قيلا، شقية، ماذا تريدين أن تعرفي أكثر من ذلك؟"هو كعادته يخبرني بالأمور رويدًا رويدًا، يعرف لهفتي للمعرفة فلا يشبعها بسرعة، فأشحتُ وجهي وصمت.

-"لقد ذهبنا لحفلً راقص، وكانت جميلة بثيابها الإسبانية، وكنت أرتدي زي... "وتوقف وكأنه متردد ويترتب على كلامه الكثير.

-"لماذا سألتني عن زوروا؟"سألني بغضب، تعجبت لسؤاله فقلت: "لا شيء، سؤال عرضي لم أقصد به شيء، إن لهذا الزوروا قصة سأخبرك بها، أكمل وقال: "آه نعم، لقد كانت حفلة تنكرية كما أخبرتك".

قلت: "لا، لم تخبرني، أنت لم تذهب من قبل إلى حفلة تنكرية".

قال: "لا بل ذهبت لكن منذ زمن فأنا منذ قدومي إلى هذا المشفى... "كان دائمًا يتردد في ذكر تلك الفترة، أكمل: "لم أحضـر أيًا من تلك الحفلات، كنت دائمًا أفضل البقاء هنا، ربما عوضني قربك عن الكثير، كنت أرتدي ثياب زوروا". نظرت له غير مصدقة وصارت الأسئلة تتدافع في رأسي ، فأصغيت باهتمام أكبر، تابع دون أن يلحظ التغير الذي طرأ على عيناي.

-"كان قصرًا كبيرًا، قاعة الرقص أكبر من المشفى، رقصنا حتى تعبت".

قاطعته باهتمام: "ماذا كان اسمها؟"

فقال: لم أعرف فهي أيضا تضع قناع لكنني... "

-"لكنك ماذا؟" صرت أستجوبه بلهفة فالحجرة متشابهة والأحجية سهلة مع أنها غير مقنعة، فأجابني كمن استيقظ من أحلام اليقظة: "لا يهم لقد أسميتها فتاة زورو".

-"كيف؟ هل سألتك إن استطعت أن تعرفي شخصيتها؟"

قال: لا لكن يبدو أنني أعجبتها، فسألتني ونحن نرقص"من أنت؟"

أجبتها متهربا"ومن عساي أكون سوى زوروا وأنتِ فتاتي". شعرت بدوار خفيف، ظن أنني لم أنل قسطًا كافيًا من الراحة، فطلب مني أن أبقى حتى يحضر الطبيبة، لكني رجوته أن ينتظر، فأنا أريد أن يكمل القصة، فتابع وهو يسرد لي بصوت هادئ منخفض

-"ثم أخذتها إلى الشرفة.، ولا أدري كيف فعلت ذلك، سوف تقولين عني مجنون بمجرد أن أنهي كلامي.

المهم أني أخذتها للشرفة كانت تنظر للبعيد وأنا أبعد نظري عنها وكأن...

المهم أمسكتها من خاصرتها وقبلتها... ونزعت قناعها وأرادت نزع قناعي، لكني لا أعرف بعد أن رأيتها بدون قناع استيقظت، لا أعرف لكنني.... ربما ظننتها فتاة أخرى، أعرف أن هذا مستحيل لكني كنت كالذي يسير في منامه، استيقظت فور أن نزعت القناع، كنت أظن أنني سأرى فتاة أخرى، من المستحيل أن تكون هي".

تشابك الأمر علي هل كنت أنا أم لم أكُن؟ وهل ظنها أنا؟ لكن هل له رغبة بأن يقبلني؟

كان الأمر مستحيلًا شائكًا كحلم جميل اختلط عن غير قصد بالواقع، صرتُ أزنُ الأمور في عقلي

الفتاة في قلبه منذ أكثر من عشر سنوات ولم تمت حتى الآن، وله مغامرات كثيرة، لم يشعرني يومًا بشـيء كهذا، هو يقول لي كل ما يقوله المرء لأخته، ولو شعر اتجاهي بالحب-ولو قليلًا- لما أخبرني بكل شيء صراحتًا.

أنا أيضًا أراه كصديقي، كان دائمًا مهما خرج مع أي فتاة لا يقبل أن يلمسها أو يقبلها بل كان يقول"أنا أتسلى لن أقبّل إلا تلك التي سأحِبُها"، لذلك قررت أن أتكلم بعد أن سكت وشرد بعيدا

قُلت: "هل ظننتها ماريا؟"ماري هي تلك الفتاة التي أحبها في الجامعة

-"سالي ماريا لا تخطر على بالي ،ليتك تعرفين لقد ذكرت منذ ايام امامي فلم اشعر بما يتعدى الفضول، لم يتحرك في داخلي شيءٌ، ذكر لي أحد أصدقائي تلك اللكنة الظاهرة في حديثها فحاولت تذكرها بصعوبه تذكرت، أظنني نسيت صوتها.

سمعت ذات مرة قصيدة جميلة تحزنك عندما تخافين ان تنطبق على أحد اصدقائك لكنها الواقع، اسمها بعد الحب اسمعي :

«بعد الحب وبعد العشره نلتقي مثل الأغراب ...

واحد مايعرف الثاني ولا كأنه كنا أحباب أحباب ...

ماتت لهفتنا المجنونة .. ما أقساه وما أقساني

أتسائل وحدي وأتألم ياترى من فينا الجاني ؟

الزمن اتغير لو احنا ما فينا عيوب وفينا أخطاء

احنا مجرد هيكل فارغ وأخذتنا الموجه العمياء

مات الحب .. مات الاحساس .. مات النور اللي نهتدي فيه

مات الانسان بداخلنا مات ..

يوم سافرت وودعتك خدودي بنار دموعي احترقت

لكن في موعد رجوعك بكل برود استقبلتك

وين دموعي وين وين دموعك ؟

وين التنهيده التنهيده اللي بضلوعك؟

من كنت تضمني واتحسس جمر انفاسك ويا انفاسي

طاير بيك وطاير بيه ياعمر احساسك و احساسي

وين الحب اللي هز العالم؟ وين اخلاصك وين اخلاصي؟

حبيبي

حبيبي سابقا لا أكثر.. حبيبي أحس كل شي بينا تغير

اختلفت كل المقاييس حتى أنت وحتى أنا

عاطفتنا انتهت بينا وبردت أحلى الأحاسيس

بمبدأ المنفع صرنا نقرأ طالعنا التعيس

حبيبي

والتقينا بموعد آخر من جديد

كراسينا من حديـد .. كلماتنا من جليــد

من غزلنا المفتعل .. وردك ووردي ذبل ..

صرنا نتصنع الضحكه .. وعلى شفايفنا الخجل

يالله يالله خلنا ننهي اللقاء

كافي تمثيل ورياء كافي تمثيل ورياء

اشربنا كاسك يا ملل .. ننهض نودع بعضنا .. ويدفع الفاتوره عنا ..

بطــل قصتنا الفــشــل»

جميلة أليس كذلك لكنها حزينة لكنها حقيقة، سوف تشعرين بهذا الاحساس إن افترقنا لبضع سنين.أعرف أن هذا مستحيل ولا أرغب بالتجربة فسألته لأغير الموضوع: " من ظننتها إذًا؟"

فرد والصدق بادٍ على وجهه: "لا أعرف، فعلًا لا أعرف".

"إذا فقد وقعت أخيرًا"، قلت وأنا أتصنع المرح، "لقد أحببتها، هكذا من وراء الأقنعة! لقد فاجأتني، كنت أعرف أنك لا بد ستقع في حب إحداهن، أكمل ماذا حصل؟"

قال: "لا أنت لم تفهمي، لم أعرف كيف حصل هذا، أنا كنت كمسلوب الارادة غير واعٍ لما أفعل، لم أقع بحبها بل لا زلت لا أعرف ولا أهتم بمعرفت من تكون، وهي أيضا لا تعرفني، فقد تركت الحفلة، هربت وأخذت قطار الفجر وجئت إلى هنا". ثم سكت وكان يلهث فأشفقت علِّيه، وقررت أن أخبره بكل ما حصل، له الحق بالمعرفة والتفكير معي ببعض التفاسير لما حدث، لكنه بالبداية يجب أن يكون صريحًا معي قبل أن أخبره بحقيقة اقتحامي لتلك الحقيقة: "علِّي، أنت لم تكن واضحًا معي، لهذا، إدعيت الغباء، أنت لم تخبرني كل شيء حتى أفهم ما حدث".

ذهل قليلًا وأطال النظر لي دون أن يرمش أو ينطق، ثم غادر المكان.

بقيت جالسة لوحدي مع أفكاري، أفرح قليلا وأحزن قليلا"هل كان يراني وأنا أراقصه؟ كيف ذهبت إلى هناك؟ كيف رأيت وسمعت كل ما حدث معه؟ هل أنا فعلًا من كان يراقِصُها؟ هل هذا سحر؟ ربما أكون ساحرة.

لكني توقفت عند سؤال مدمر، بمجرد أن لاح في عقلي تجمدت، ولم أشعر بسوزان وهي تجلس مكان علِّي وتراقبي بهدوء

قالت لي: "ماذا جرى؟ لماذا وجهك شاحب؟"نظرت لها، فكرت أنني أجدها قربي كلما احتجت لها، وسردت لها كل ما قاله علِّيٌ لي دون تحفظ، لم تتعجب بل بدأت تستجوبني كما فعلت به.

وبالنهاية سألتني وهي ترجوني أن أصدقها: "من هي الفتاة التي ظن أنه راقصها واصطحبها للشرفة؟" فأجبتها بسـرعة وكأنها ستجيب على السؤال الذي تهرّب هو عن الإجابة عليه: "لم يجبني عندما بل وغادر دون أي كلمة وكان ينظر بعيدًا وكأنني اختفيت".

قالت: "حسنًا حسنًا هذا جيد ". قالت ذلك وهي مسترخية

Page 8

8
رسالة إلى بوليس

تلك الرسائل التي ترسل لرجال الشرطة من مجهول تكون لغزًا إضافيًا للغز الجريمة ذاتها

كيف يتوقع مرسلها أن رجال الشرطة سيهملونه، وكيف يتوقع أن يهتموا بهام الم يهتموا بمرسلها نفسه.

هنا تعتمد قاعدة ما بني على صواب فهو صواب.

بقيت مسترخية تفكر لبعض الوقت ثم فتحت عينيها وقالت: "إليك صدمة، لكنك ستتحملينها ". لم أفهم شيء من كلامها، لكنها فتحت حقيبتها الحمراء الكبيرة وأخرجت منه صحيفة اليوم، وفتحت على صفحة الحوادث، كان هناك خبرًا، بالخط العريض عن وفاة إبن أحد رجال الأعمال البارسيين الليلة الماضية، لم أفهم شيء، وما شأني أنا؟لم أكن أعرفه بل لا أعرف في باريس غير والدي وهو ليس له أبناء غيري. قالت: أنت لم تفهمي قصدي، فلا بد لك من قراءة التفاصيل، كانت تتحدث بالبداية عن مدى ثراء هذا الشاب ثم بدأت بتفاصيل عن القتيل:

أثبتت التحقيقات أنه قضى السهرة مع فتاة وقع في غرامها، شوهدا على ضفة النهر الشرقية يتمشيان قرب أحد الجسور ويتبادلان القبل، وقالت تلك الفتاة التي تنحدر من أسرة فقيرة ،أنهما ظلا معًا حتى منتصف الليل، عندما قررت العودة للبيت فوالدتها شديدة القلق عليها ، وأنه أوصلها إلى البيت حيث كانت والدتها تنتظرها لتناول العشاء معًا كما اعتادت ، ورأته وهو يغادر الزقاق ، ثم لم تره بعد ذلك ، إلا أن الجريمة ارتكبت تماما تحت المنزل في نفس الزقاق ، مما أدى إلى القبض على الفتاة ، ولا زال البحث جارًا عن الشركاء.

فرميت الصحيفة وصرخت بأعلى صوتي: "لا، هي لم تفعل ذلك".

قالت: "نعم أعرف بما تشعرين، لكن كما عرفنا من كلام علِّي و خبر الصحيفة أن أحلامك ليس فقط كوابيس كما ظننا، بل حقيقة لكن لا أحد من رجال الشرطة سيصدق فتاة في مستشفى للأمراض النفسية".

نكست رأسي و بكيت، بكيت فتاة تبكي حبيبها ويراها الجميع قاتلته، بكيتُ أمها وأخاها الصغير.

قالت: "لكن يوجد حل لهذه المشكلة وهو بسيط، يجب أن تملي عليّ وصفًا كاملًا لشكل الرجلين, فأنا ماهرة برسم الوجوه، سأرسم وجها الرجلين، و ستكتبين أنت رسالة للشرطة تصفين أدق تفاصيل الجريمة، ستذكرين بعض التفاصيل التي لم تذكر بالصحيفة كوجود طفل في الرابعة من عمره و الجدة في البيت المقابل ومكان الطعنة، كل هذا سيجعل المحقق المسؤول يصدق أقوالك وإن كان المجرمان معروفين ربما جعلوهما يعترفان، هكذا لن يكون هنالك داعٍ لوجودك والإدلاء بشهادتك لتبرأة الفتاة.

نعم الكلام سهل كان هذا ما شعرتُ به بعد أن بدأت الوصف،لم يكن الأمر سهل، بل كان مقيت ليتني لا أفعل، لكن هذا ضروري لأجل تلك الفتاة، حاولت تذكر كل التفاصيل، العينين الأنف الشعر وكان أحدهما يمتلك علامة على رقبته، جرحًا طويلًا يختفي امتداده تحت قميصه، والرجل الآخر أصلع، وهنالك وشم على يده اليمنى لطائر جارح كبير ثم كتبت رسالة ألحقناها مع الرسومات.

وبدأنا بالخطة وكانت بأن أقوم بكتابة الرسالة وإلحاق الرسومات التي بدت كالحقيقة، حتى أنني اضطررت لضبط نفسي كي لا أمزقهم، وسافرت سوزان في المساء لباريس على أن تعود عند المساء من اليوم التالي.

تركتني لأعود إلى أفكاري، لم أصدق نفسي، أنا لا أعرف بعد ما هو الحب، لكن علِّي هو كل ما أملك، هل يشعر بشيء؟ ما هو يا ترى؟ لقد قال علِّي شيء عن أنه لم يذهب لهذا النوع من الحفلات منذ قصته مع ماريا، هل بدأ حقا يبحث، إذًا هو لا يفكر بي، نعم لكن هل يريحني هذا؟ ربما لأملك فسحة للتفكير قليلًا في الأمر، فأنا أظن أنني لا أستطيع رفضه إن عرض علِّي حبه، إن أصعب تجارب الحب تلك التي تنشأ مع الأصدقاء، فهي بذاتها تهديدٌ لتلك الصداقة، هو عيني على الدنيا، لكن لو أن سوزان تأخذ مكانه لبعض الوقت وتحضـر لي الكتب والصحف والمجلات، هل أستغني عنه؟ أنا أحب وجوده قربي، لكني لا أريد أن أفقد صداقته، فكيف سيصبح حالي إن كان يحبني وفشل الأمر؟ سأخـسره، نعم فصداقته هي الأهم لي، قررت أن أطلب من سوزان إحضار هذه الأشياء لي، فكتبتُ لها ورقة وسأنتظر أن يمر أحد الممرضين وأرسلها معه، وضعت فيها أسماء بعض الكتب والمجلات والأفلام.

كنت متأكدة أن علِّي لن يحضـر لاصطحابي، لكنني كنت مخطئة، فبعد أن كتبت الورقة وطويتها رأيته من بعيد، أستطيع أن أميزه حتى في الظلام، وقف في مواجهتي وابتسم لي، أراد قول شيء لكنه عدل عن ذلك ففتح فمه ثم عاد وأغلقه، دار خلفي وقاد الكرسي بهدوء، لم أستطع كبح دموعي، أنا لا أريد أن أفقد أعز صديق لي.

عند البوابة شاهدتني سوزان أخفيتُ دموعي وأظن أني نجحت، جاءت إليّ وسألتني إن كنت أريد شيء من المدينة فأخرجت الورقة، أخذتها وذهبت، ثم تابع علِّي السير، سألني ما هذه الورقة، فأخبرته بشأنها، فلم يعلق على الأمر.

وصلنا الغرفة لكنه لم يدخل، ظل يقف قرب الباب، ثم غير اتجاه الكرسي لأواجهه وجلس على ركبتيه ونظر لي، كان كمن يريد مهاجمتي، لكنه ضعف عندما رآى دموعي، فلم أعرف لم، لكنه ضمني وبدأ يبكي هو أيضًا، بكينا كثيرًا، ثم أدخلني الغرفة وغادر دون أن ينطق بأي كلمة.

وأنا أيضا لم أكن مستعدة لأي حديث طويل كان أو قصير، نمت تلك الليلة دون أحلام من أي نوع، كنت أشعر وكأنني استيقظت بعد لحظات من نومي، ودهشت عندما رأيت النور يعم العرفة، قررت أن أبدأ الزحف لا لساعة كما هو مفروض بل حتى يحين وقت الإفطار أي قرابة الثلاث ساعات، فقد استيقظت مع الفجر تقريبًا ثم سحبتُ الكرسي وشددت المكابح على عجلاته وحاولت الجلوس لوحدي ولأول مرة، كنت مجهدة، وعندما فتحت عيني وجدت علِّي يقف ومعه وجبة الإفطار وكان متجمد عند الباب، حاولت تلطيف الجو، بعدما كان بالأمس، فابتسمت: "صباح الخير، منذ متى وأنت هنا؟"

فكأنني فككت عنه تعويذة كانت تربط جسده، فسار بالغرفة ووضع الطعام على المائدة، وعاد وفك المكابح عن العجلات، ثم سحبني للمائدة، وجلس أمامي.

-"منذ أن صعدت الكرسي بعد أن زحفت كل هذه المسافة".ثم توقف وشرب نصف كوب من الماء.(وكأنه يريد حجة كي لا ينظر لي).وتابع: "لماذا؟ هل أزعجتك بشيء؟"ضاقت نفسي، صرت أسبب له الألم، وهذا ما لم أكن أريده، لكن يجب أن أثبُتَ حتى أعرف ماذا أريد على الأقل.

-"إذا فقد أزعجتك، قولي لي ماذا فعلت؟"

-"لا لم تفعل، ولن تفعل في حياتك، أنت كل شيء لي، أنت أعز صديق، لا بل أنت صديقي الوحيد".

-"لكنك غير مرتاحة".

-"و أنت أيضا".

-"نعم، لكنني لا أستطيع أن أقول لِمَ، لأنني أتخبط ولا أعرف الأجوبة، ولن أحيرك معي".

-"حسنًا لكنني أريد أن أرتاح وهناك ما سيريحني، هل تفعله لأجلي؟ قل؟ هل تفعله؟

-"نعم فأنا أيضًا أريد أن أريحكِ بأي ثمن".

-"لن أطلب الكثير، أريد أن تعدني أن نظل أصدقاء طوال العمر، ومهما حصل، حتى لو تزوجت من زوجة غيورة جدًا، لا تجعل أي شيء يبعدك عني مهما حصل، إلى الأبد".

-"أتريدين أن أعدك بذلك؟ نعم سأعدكِ، لكن لنؤدي القسم معًا فأنا أيضًا أريد منكِ الوعد ذاته".ووضع يده في يدي:

فرت دمعة من عيني فمسحها بيده وسألني: "لماذا تبكي الآن؟ ألم تقولي أن هذا ما سيريحك؟"

-"نعم أراحني لكن، سأخبرك ولا تضحك علِّي"

-"أضحك! منذ البارحة نسيت كيف أفعل ذلك"

-"لقد تذكرتُ رواية أحضرتها لي يومًا، تَذْكُر أزميرالدا وقبرها، في نهاية الرواية يقول "هوجو" في روايته أنهم أرادو نقل المدافن فوجدوا جثتين لرجل أحدب وامرأة يمسكان بأيديهما بالقبر، لقد بكيت كثيرا عندما قرأتها، هل تظن أن الموت قد فرّق بينهما؟"

-"لا، لم يفعل".

Page 9

9
الروايات

وكأن هذا الوعد جدد الصداقة بيننا، عدنا نمرح ونقرأ، أنا عادةًا من كان يقرأ، فقد كان علِّي إذا أحب رواية طلب مني قراءتها بصوت عالي، ليجلس كالأطفل يستمع لي دون أن يقاطعني.

علمني هذا كيف أكون مُبهرة في القراءة، كنت أحاول أن أُظهر انفعالاتي وأنا أقرأ، يهدأ صوتي أحيانًا ويصدح أحيانًا أخرى، يظهر الحزن في مواقف والفرح في مواقف أُخرى، كنت أنا نفسي أستمتع بهذا، كنا نقرأ اليوم رواية قديمة نوعًا ما، فهي تتحدث عن إحدى حروب أمريكا قبل التوحد "ذهب مع الريح"بدأنا بها منذ يومين، أنهيتها الآن، وهناك سؤال في نفسي من كانت تحب سكارليت أوهارا؟ آشلي أم ريت؟

-" أنا لا أفهم، من أحبت من الاثنين، طوال الرواية وهي تخبرنا أنها تعشق آشلي، تزوج ولم تنسَه وعاشوا في نفس البيت، وهي تنظر لزوجته كالأخت، وتزوجت ثلاث مرات ولم تنسه، وعندما أصبح أقرب لها وغير متزوج أدركت أنها لا تحبه، بل وتريد زوجها!

أما زوجها فلطالما أرادها منذ الفصل الأول، وهي تريد غيره، وظل يطاردها حتى حصل علِّيها وتزوجها، وهو يعرف أنها تحب غيره، وعندما ركعت أمام قدميه واعترفت بحبها له نبذها وعزم السفر، هل هكذا هي الحياة؟ إن كانت كذلك فأنا سعيدة لوجودي هنا، على الأقل لا أعاني إلا في أحلامي".

-"لا، أنت لم تفهمي الحياة ولم تفهمي سكارليت أيضًا، كان حبها لآشلي يقويها وكانت سعادتها لا توصف وهي تراه قربها، صحيح أن كلًا منهما كان زوجه لكنه يحبها، هذا ما جعلها تحيى بسعادة، لم يغلف مشاعرها حزن الفراق إلا فترات قليلة، أقل من تلك الأوقات التي سَرها وجودُهما تحت سقف واحد يُظِلهما، أما "ريت" فقد قواه حُبها ولم يضعفه، وعندما نبذها بعد أن طلبت حبه وقربه كان مجرد صدمة وفاة ابنتهما السبب لرد فعله ذلك، أتعرفين لماذا انتهت الرواية هنا ولم تتبع بأي جزء آخر؟"

-"ربما لأن الكاتبة تركت لنا أن نستنتج النهاية، أو ربما لأنها ماتت ولم تستطع إتمام الجزء الآخر".

-"الحياة جميلة بحلوها ومرها، لو كنتِ أنت كاتبة الرواية ماذا ستكتبين نهاية قصتها؟"

-"كنت... لكنت جعلتها تحمل شمعة وتتبعه إلى غرفته ، تغلق الباب خلفها وتنتظر ترحيبه بها، ربما بكى قليلًا، لكنها تظل قرب الباب واقفة حتى تنطفئ شمعتها دون أن يتغير المشهد، لكنها تقف الآن في الظلام، دون مقدمات تشعر بحركته يقترب منها وكأنه يراها يمسك معصميها ويعانقها،يسقطا على قدميهما ويبكيان ابنتهما معًا، هكذا أنهي روايتي فرواية بدأت بالحب لن تنتهي بغيره".

-"نهايتك جميلة أتمنى أن تظلي هكذا". لم أفهم ما دخلي أنا بالنهاية التي اقترحتها، أنا فقط توقعتها هكذا.

-"ماذا تعني؟"

-"أنت لم تزوري اللوفر من قبل، لكنك بلا شك سمعت عما يقال عن لوحة الموناليزا(الجوكندا)، تلك الإبتسامة التي يفسرها السعيدُ كدليل فرحة صاحبة اللوحة، ويفسرها الحزين ابتسامة حزن.

أظن أن الكاتبة تركت للقارئ أن يكتب النهاية التي تناسبه، أنت رأيت أنها نهاية لابد أن تكون سعيدة، فأنت لم تختبري الحياة، وتؤمنين بالحب، لكن أنا لا أؤمن بالحب أو أنني في أقل حالات الإيمان به، ربما لأنه وجد يومًا في داخلي فقتلته، ويصعب علي أن أؤمن بأنه سيستطيع النمو في داخلي من جديد، لكني أمتلك بعض الأمل".

-"إذا قل لي ما هي نهاية الرواية بنظرك؟"

سكت قليلًا ثم قال بعد تفكير: "أظن أنها ستذهب لتنام وتقرر أن تبدأ بالغد في وضع الخطط، لكنها تستيقظ لتجده قد سافر، ولا تعرف عنه شيئًا بعد ذلك ".

أما آشلي فستنساه ولن تذكره بعد ذلك، فقد مات حبه في قلبها، أي أنها لن تحصل على شيء، ولا أظن أنها ستعيش طويلًا، ربما تموت خلال أشهر".

-"هل هكذا هي الحياة بنظرك؟"

-"ليست مختلفة كثيرًا عما ذكرت، أنا وقعت بالحب وأخلصت له، لكن ماذا كانت النهاية؟ نحن دائمًا نردد لفظ الحب، في القصص والروايات والأغان، الجميع يبحث عن الحب، الكل ينظر له من جهة واحدة، أما حب الأم والأب والإخوة والأصدقاء هذا بالمرتبة الثانية، وربما العاشرة، عندما طلبت مني ماريا عدم العمل هنا أخبرتها أن والدي بحاجة لي، وأني أحبه، وهو رجلٌ مريض وسيحتاجُني قربه، قالت بكل بساطة لكنك تحبي، فأخبرتها أنني أحبه أيضا، أتعرفين ماذا قالت لي؟" سكت قليل ثم تابع، كان ينظر لي بعيون لا ترمش، كنت خائفة من كل ما كان يقول، كان كمن يُحطم تمثالًا مُقدسًا أمامي، تمثالًا لطالما تضرعت له اسمه الحب.

كما قال فالجميع يبحث عن الحُب، لكني فكرت لو خيروني بين عودة أمي وحبيب أقع بحبه لاخترتها، هي أجمل ما ما مر في حياتي، بل هي دنياي كلها.

قال: "لقد خيرتني بين العمل مع أبي وبقائها معي، لا كان ما قالته حرفيًا أنا أو عائلتك، إما حبك لي أو حبك عائلتك، أنا لا أقبل بجزء من قلب رجل، بل إن أردت رجل فسأريد قلبهُ بكاملهِ لي.

ثم تابع: "مستحيل الحب يملأ الدنيا، إن أردت السفر سافرت للمكان الذي تحبينه، إن اشتريت وردة تختارين التي أحببتها، أنا لا أعمل إلا ما أحب، ولا أعيش دون أن أحب كل ما حولي، لن أكون لها، هذا ما فرّق بيننا، الحب يملأ الدنيا، كيف عليّ فقط أن أحبها؟ كيف أعدها بذلك؟ حتى لو فعلت ونسيت من حولي، أبنائي ألن أحبهم؟ لا أستطيع وهبها وعدًا يتضمن أن لا أحب أحد سواها، حتى أولادي! ألا ترين وعدي لها يتضمن أن لا أحب أحد سواها، عندما أفكر بها الآن أتعرفين ماذا يدور في عقلي؟ أتساءل كيف تعيش الآن؟

الجواب ببساطة هو أحد احتمالين، إما أنها حتى الآن لم تتزوج، أو أنها تزوجت أكثر الرجال نفاقا وكذبًا".

-"لكنك ندمت، نعم وإلا لكنت تزوجت منذ زمن، ولا زلت تفكر بها، بل وتقارن كل الفتيات الآتي تعرفهم بها، هي المقياس دائمًا، فكلما كانت تلك الفتاة أقرب لها كلما كانت الأفضل".

فقاطعني: "على مهلك، على مهلك، أنا لا أقول أنك مخطئة، لكني لا أبحث عن شكل أو صوت أو جسد أو أي من هذا، كل ما في الأمر أني أقارن بين شعوري مع أي فتاة من الفتيات اللاتي عرفتهم وبين شعوري اتجاهها، شعوري الذي كان، بل وأحاول أن أعطي الواحدة منهن أكبر فرصة من الوقت لأستطيع الحكم علّيها، لكن لم تنجح أي منهن".

-"أنت مغرور، أتظن أن الفتيات سيظلون بانتظار رأيك؟ أنت لن تعجب الجميع أم تظن نفسك دونجوان عصرك؟"

-"لننحاز لأصولنا العربي ونترجمها "فدونجوان" ليست كلمة عربية الأصل، كان هناك عند العرب دونجوان نساء يسمونه "زير نساء"، أما بخصوص الفتيات كنت أتمنى أن تتركني إحداهن قبل أن أضطر لتركها، فأنتم الفتيات كلكن تملكن قلوبًا من كريستال، أظن أني كسرت الكثير منها، لكن هذا لن يزعجني، فقد كنت أملك قلب أكثر رقة، لكن إحداكُن كسرته".

-"هل حقا؟ هل أنت معقد؟ لم أفطن لذلك من قبل!".

-"لا! أنا فقط أستعرض الكلمات، سيأتي يوم أشعر بذلك الشيء مرة أخرى، لكني سأكون بنصف قلب، فالباقي مشغول بأشياء كثيرة وبعضه فارغ ينتظر ساكنيه، ذات يوم سيأتي كم أنا حائر".

-"هل هي تلك الفتاة في الحفلة؟"فكأنه استيقظ، فعاد لشروده مرة أخرى.

-"آه... تلك الفتاة ليست التي ظهرت عندما نزعت القناع بل التي راقصتها، هذه هي، أشعر أنني أعرفها، أعرفها جدًا، لكن من هي؟ لا تسخرِ مني، لكن، لا... لا شيء ".

Page 10

10
تمارين

وصلت الأجهزة بعد أسبوع من طلبها، وأخبرتني سوزان أنها من أفضل الأنواع لكن كنت أظن أن والدي سوف يأتي لزيارتي عندما يحضرها، لكنه اعتذر وأخبرتني سوزان أنها طلبت منه الإمتناع عن زيارتي لأشهر.

ثُرت في وجهها، لكنها كالعادة أقنعتني فبعد عدة أشهر تحضر جدتي إلى البلاد وتقيم حفلة كبيرة، ستحضر لمدة أسبوع تقضيه مع الأسرة.

ولهذا السبب قررت سوزان تكثيف التمارين حتى نختصـر المدة، أما علِّي فلا أعرف ما به، أصبح يغادر كثيرًا إلى باريس، ولم أجد الوقت الكافي لأسأله، وصادف لمدة شهر أن يكون مسافرًا في عطلة نهاية الأسبوع، فحتى هذه الفرص لم تسنح لي لأسئله، وصار كلامه سريع عابر، فقط للإطمئنان على علاجي، لكني عرفتُ ربما بغريزتي أن سوزان تحاول إبعاده كما فعلت مع أبي، لكن إن كان لذات السبب، فأنا أفضل أن يراني الجميع في تلك الحفلة أقف لأول مرة، لكن لن أدع علِّي يبقى بعيدا عني.

إنه قادم الآن وأنا أراهن أنه لن يطيل.

-"مساء الخير جئت لأجلس معك قليلًا". قال ذلك ثم نظر لساعته وقال: "الحقيقة قليلًا جدًا، سوف أسافر اليوم، أظن أنني سأتأخر هذه المرة".كان اليوم هو الأحد وبالكاد كان قد عاد، لكنه سيسافر مجددا!

قلت: "أريد أن أراك". قاطعته بلا مبالاة فوعدني أن يحاول العودة بعد أسبوع.

قلت: "لا، أنا سوف أنتظرك يوم الأحد القادم، أريد أن أذهب إلى البحيرة معك، وإلا لن أكلمك أبدًا، الآن اذهب قبل أن تتأخر، لا تناقشني، صدقني أذني صماء، وداعًا". كنت حازمة، أشحت بوجهي عنه وأنا في أشد حالات الضيق، لم يكن هذا تصنع، لقد ضقت ذرعًا به.

رأيت سيارة الأجرة تقف بعيدا، فانسحب بعد أن قال: "وداعًا".

غادر دون أن يقول شيئًا عن الموعد، لكنه يعرف أنني سوف أذهب، يعرف أنني لن أخلف الموعد حتى لو هو فعل، لن أترك المكان عند البحيرة حتى أقول كل ما لدي حتى أشكوه للشجر والبحيرة والطيور حتى لو لم يكن موجودًا، لن أكتم شيء في داخلي ،يجب أن يأتي، يجب أن يسمع، يجب يخبرني بكل ما بات يُخفيه عني، أكره الأسرار الغموض الذي بات يغلفه.

حتى يوم الاحد القادم يجب ان اعرف الحقائق.

في اليوم التالي تابعنا التمارين المعتادة ثم بدأت ببعض التمارين الخاصة على الأجهزة، وبدأت بتعلم القليل عن ضبط الأعصاب، وأهم الدروس لي كانت عن أحلامي؟"

سألتني سوزان: "لماذا تستيقظين فزعة؟"

فرددت: "ربما هو الموت، أنا دائمًا أرى الموت في أحلامي".

-"لكن الموت حقيقة لابد سنختبرها يومًا ما".

-"هل سأموت؟ أنا لم أفكر في ذلك من قبل؟ نعم الجميع يموت، لكن أنا لم أكتف من الحياة بعد". توقف قلبي للصورة التي تحملها سوزان، عرضتها أمامي لطفلة رضيعة مقتولة بالرصاص.(الكتابة بالخط الاحمر ملغية)

-"يا إلهي! من يريد قتل طفلة بهذا العمر؟"

-"أردت الإجابة على سؤالك (أنك لم تعيشي بعد لتموتي) فعرضت عليك هذه الصورة، لكن إن أردت أن أجيب عن من يريد قتل فتاة كهذه أقول لك قصة عمرها أكبر من عمري وعمرك، أنت هنا في أجمل بقاع الأرض، لا تعرفين الكثير من الأمور، هل سمعتي يومًا عن فلسطين؟ عن إسرائيل؟ عن اليهود؟

-"اليهود؟ نعم في تاجر البندقية كان هنالك يهودي في الرواية، وهم منبوذون هنا في أوروبا، هذا ما أخبرني به علِّي عندما قرأت الرواية".

-"نعم، كانوا كذلك في زمن شكسبير حتى زمن هتلر إن سمعتي عنه، لكن تم تجميعهم من كل بقاع الأرض وزرعهم في أرض واحدة، ليكون وطن لهم".

-"وهل هكذا ينشأ الوطن؟ نحضـر الناس ونزرعُهم؟ أليس هذا ما حصل في قارة أمريكا عندما قتلوا الهنود الحمر، سمعت عن هذا".

-"نعم، ومن كان برأيك الأحق بالأرض؟ الهنود الحمر أم المهاجرين بحثًا عن أرض جديدة؟".

-"سؤال محير، الأرض كانت كبيرة لكن المهاجرين بدأوا بإسعباد الهنود الحمر وسلبهم أرضهم مع أنهم كانوا يستطيعون التعايش معًا". لكن سوزان عادت لطرح سؤال آخر: "فإن كانت الأرض صغيرة تكفي فقط سكانها من يكون الأحق الهنود أم المهاجرين؟"

-"طبعًا الهنود ولن يختلف معي أحد".

-"هاجر اليهود إلى فلسطين، قتلوا أهلها وهجروا الباقين، أصبح أهل الأرض هم الأقليات المستضعفة، وكل دول العالم المتحضـر اعترفت بدولتهم، وحجبت هذا الإعتراف عن فلسطين، أرض المعجزات مهد المسيح، أرض المعراج والكثير من المقدسات الدينية والروحانية، ربما تقولين لِمَ كُل هذا؟ وما سبب طرح هذا الموضوع؟ إنها إيمان صاحبة الصورة، عمرها أشهر لكن يبدو أنها كانت تهدد أمن إسرائيل.

لا يجب أن تخافي من الموت، اعملي لتلك اللحظة، آمني بوجود حياة بعدها، كلما عملت أكثر من الأعمال الجيدة كنتِ أعلى مرتبة في تلك الحياة، وكنتِ أبعد عن العقاب بعدها.

لماذا أقول ذلك؟ لأن أهم جزء من علاجك هو أن تتخطي هذه العقبة، دائما تشاهدين الموت في أحلامك، لِمَ تخافينه لا تتعايشين معه؟ لِمَ لا تعتبرين نفسك وسيطة لهؤلاء الضحايا المساكين الأبرياء؟ لِمَ لا تشعرين بالفرح كلما استنجدت بك إحدى هذه الضحايا؟"

-"إن ما فعلته كان عظيم، عندما أرسلت تلك الرسالة".

ثم أخرجت من كومة الكتب صحيفة عرفت أنها صحيفة قديمة بعض الشيء ربما لشهرٍ مضى، وبدأت تقرأ:

الكشف عن قاتل ابن رجل الأعمال الوحيد بظروف غامضة

أُطلق سراح الفتاة المتهمة "صديقة المغدور" بعد حصول رجال البوليس على رسالة غامضة من مجهول تحوي تفاصيل دقيقة وسرية للجريمة، وكانت تحوي الرسالة أيضا على رسم بورتري لشخصين مسجلين ومعروفين في سجلات البوليس فتم القبض عليهم فورًا، حيث ضبط في حوزتهما مليون يورو وبأرقام متسلسلة ، تم الكشف عن مصدرها من أحد البنوك المعروفة، حيث قام المحرض على الجريمة بوهبهما المبلغ بعد تنفيذ الجريمة ، أما المفاجأة فهي أن المحرض هو ابن عم المتهم الذي علم بمرض عمه"رجل الأعمال" وقرر الاستيلاء على الثروة بعد التخلص من الوريش الوحيد لعمه.

ويبقى السؤال في هذه الجريمة من هو صاحب الرسالة؟

ڤيونا آبوت

-"هذه الكاتبة من أهم من يكتب في صحفنا، هل بقي لديك سبب لتخافي من أحلامك؟"

حقا هل بقي سبب؟ نظريا لقد تخطينا جميع العقبات، لكن بالواقع كل شيء كما هو ،لن أقتنع قبل التجربة لا أفضل التجربة لكني أيضًا لن أكون أسيرة تفاؤلٍ فارغ دون براهين .

كل ما قالته سوزان عن الموت وعما حصل للفتاة والمجرمين جميل بل رائع، لكن سأحاول ان أتذكره ليتني اتذكر.

تابعنا التمارين حاولت ألا أفكر بشيء لكنني لم أستط ألا أنتظر ذلك الموعد بقلق ولهفة، قلقة ألا يأتي ولهفةٌ لأني افتقدته، خلال هذه الفترة بدأت أتعلم السباحة، قالت سوزان أن السباحة ستجعلني على الأقل أستعمل قدمي دون أن أضغط عليها بثقلي، وفعلًا كنت أسبح وكأنني طائرٌ في الفضاء، لكن مع وجود اطار مليءٍ بالهواء يلتف حولي، كنت معظم وقتي باليوم بالسباحة.

بعد أيام استطعت العوم دون الطوق الهوائي، لكن سوزان ظلت قلقة، كنت أسبح دون عجز، وشعرت أن هذا العالم هو العالم الذي يناسبني، فأنا فيه حرة كسمكة في بيئتها، حسدت حوريات الماء على قدرتهم على العيش فيه ، كنت دائما أعجب بقصة حورية البحر، الآن أراها غبية لتفضل عالمنا على عالمها.

بقيت مستمرة على التدريب بواسطة الأجهزة، ساعتين صباحًا ومثلها مساءًا، عرفت أني أتقدم، ولن أظل ما بقي لي في هذه الدنيا على هذا الكرسي، فقد اكتشفت بعد تعلمي السباحة أن لا أجمل من أن يكون الإنسان حُرًا في حركته واتجاهاته.

وقررت أن أصبح ماهرةًا في السباحة، فأنا حتى الآن لم أجرب الغطس وأخاف أن أفتح عيني في الماء، لكني سأنجح، مع التمرين سأنجح، وهكذا حتى يجيء يوم الأحد.