eKtab
EN ع
ملحمة الخيارات الصعبة من يوميات الدكتور كامل مهنا
Read free sample

ملحمة الخيارات الصعبة من يوميات الدكتور كامل مهنا

by شوقي رافع

Page 1
مقدمة الطبعة الثالثة

في ستينيات القرن الماضي، كان الحلم الكبير والانكسار الكبير... وكنت في صخب الحركة القومية حينذاك، طالباً تموج فيه تداعيات التاريخ: روايات عن الظلم العثماني، عن شراسة الانتداب الفرنسي.. وفلسطين، في الذاكرة الطفولية، تختزلها دموع وأحزان وبقايا متاع تليد. حملتها قضية حيث أخذت بي طريق، وحفرت اسمها على الصخور وجذوع الأشجار ومقاعد الدراسة. ثم كانت الهزيمة (1967) واندثار الأماني، فانعطفت «يساراً» وبدا لي ضوء من بعيد شدّني إليه، لأجد نفسي في ما سمي بـ «البؤر الثورية»، وعلى خطى جيفارا، انخرطت فيها حتى الجمام. لعله «الربيع العربي» ـ في قراءة الحاضر ـ أتى مبكراً حينذاك، ليشهد على سقوط الأنظمة المتخاذلة... ولكن «الربيع» لم يزهر، وكل «ربيع» آت قد تنطفئ أزهاره قبل الأوان، مخيباً الآمال إن لم يكن فعلاً صادقاً نحو التغيير.

هكذا «البؤر» في زمانها، فلم تكن الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية من همومها، فانتهت إلى حروب أهلية وانشقاقات حزبية، وصراعات مسلحة بين تنظيمات القضية الواحدة. وكان المجتمع المدني ضحيتها، وعلى أنقاضها سارت الأنظمة القمعية، والقادة «الثوريون» تحولوا بدورهم إلى «رموز» سلطوية، فلم يتبق سوى الشعارات.

هذه الهواجس داهمتني، وأنا أعد مقدمة الطبعة الثالثة لـ «ملحمة الخيارات الصعبة»، وما بين هذه والطبعة الأولى، شهدت المنطقة العربية انتفاضات، ولا نقول ثورات، لأن الأخيرة ينبثق منها تغيير جذري في بنية المجتمع ونظامه، وإذا بتجربة «البؤر» تعيد إنتاج نفسها، والانتفاضات تصادرها قوى الطغيان في الخارج، فلا تنفك تستنفر العصبيات وتؤلب أطرافاً على أخرى.. وينابيع الدماء لا تتوقف عن الفوران.

لنعد إلى أحلامنا، إلى الماضي حيث كانت للأخيرة مساحة واسعة فيه، وتحت سقفها لم نبرح المغامرة وركوب الأخطار. فمن نضالات المدرسة في زمن التوهج القومي، إلى الجامعة في فرنسا، طالباً في كلية الطب، تابعت المسيرة بوتيرة أكثر حماسة، تتوجت بانتخابي أول أمين عام للاتحاد العام للطلاب اللبنانيين.. وفلسطين دائماً في موقع القطب من الدور، وفي صميم قضية تلك الكوكبة من الشباب الذين ضحوا بسنوات من أعمارهم في سبيلها. ولقد صدر بحقي قرار طرد من الحكومة الفرنسية، ألغي بعد حملة واسعة من الاحتجاج نظراً للدور النضالي البارز للاتحاد آنذاك. وحين جاء أوان التخرج لم أضع وقتاً، فالتحقت بالبؤرة «الظفارية»، مواكباً أولئك المناضلين البواسل، ومنخرطاً مع الصامدين الفقراء، وهم يتفجرون حماسة ولا يأبهون للصواريخ والقذائف تنهال عليهم. لقد تعرفتهم جيداً، وأنِسوا إليّ طبيباً يغامر في الذهاب إلى معاقلهم البعيدة، ويسعد بشفاء مرضاهم.. كانت مثيرة تجربة «ظفار»، وددت لو طال المقام في شعاب الأخيرة وكهوفها.

ومن الجنوب العربي، إلى الجنوب اللبناني، كانت تقودني، على السجية، الطريق، فلا أتوقف عن التجوال في ثغوره وبلداته، والقُرى التي طالما استبد بها الحرمان، وتوغلت في مسامها شظايا النكبة الفلسطينية. وكنت طبيباً في زي مقاوم، فلم أكف عن التردد أسبوعياً على الخيام وشرقها، وكلاهما في أتون النار، ولم أنقطع عن ذلك إلا بعد نشوب الحرب التي أخذتني إلى «جنوب» آخر، إذ بدا لي، تجوزاً في كل الجهات: في الفاكهاني وتل الزعتر والنبعة، إلا أن الأخيرة كان لها طعم أشد مرارة، وقد عبرت إليها في موكب الخطر، خابطاً بين الحواجز، ومطارداً من القناصين هواة القتل، وخرجت من ركامها، وكأنني وهبت حياة جديدة، لم أظن أنها ستستعاد.

والخيام حيئنذ كانت بانتظاري، فلم تصدق أنني خرجت سالماً من الجحيم.. احتفت بي، وعانقتها بشغف العاشق.. ثم صباحاً غادرتها إلى بيروت.. إلى مقر الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وكنت قد التزمت مبكراً بخطها الراديكالي، ووجدت فيها الإطار الموائم للعمل الجاد نحو التغيير، حيث أسست مع مجموعة من المناضلين والمناضلات جمعية «النجدة الاجتماعية» التي تعمل في المخيمات والمناطق الشعبية، ومنها انطلقت إلى الدور الذي سبقت الإشارة إلى تفاصيله، على الجبهات كافة، مما هو مندرج في متون «الخيارات».

وما بين «اجتياحين»، عبرت مجدداً إلى منعطف آخر، من البؤر الثورية إلى بؤر الفقر والحرمان، فكانت «عامل» التي خرقت التقليد في المجتمع المدني، مؤسسة صحية، اجتماعية، تنموية، حقوقية. وقد وُلِدتْ فكرة في فندق بقاعي متواضع، حيث كنت والصديق إبراهيم بيضون نتناقش معاً ونحلم معاً في ذلك اليوم الطويل، ثم تصبح الفكرة حقيقة واليسار اتجاهاً تغييرياً اختارت الانضواء فيه، إلى منظمة العمل الشيوعي والقوى الديمقراطية والوطنية، التزاماً بالمواطن الإنسان بمعزل عن خياراته. والحلم يتحول واقعاً، والوقت كان مطواعاً فلم يطل.
Page 2
وعلى مدى ثلاثين عاماً ونيف، ما انفكت «عامل» في خطها الوطني الإنساني، الرافض للطائفية وسياسات الشحن والتحريض، وكل ما يعوق قيام الدولة ـ الوطن، على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات. وكانت لا تزال تمارس دور المحرك في إطار منظمات المجتمع المدني، في الحرب العبثية والسلم القلق، متصدية لثقافة الانقسام والنقد الهدام وهيمنة الشخص، وذهنية كل شيء أو لا شيء السائدة عموماً في عالمنا العربي. خلافاً لذلك تبنت «عامل» شعار «التفكير الإيجابي والتفاؤل المستمر»، إلى شعار «نهجوي» أكثر تحديداً، تختزله «ميمات» ثلاث: «مبدأ وموقف وممارسة» .

ولأن «عامل» لا تمثل فئة أو طائفة، فقد استمدت قوتها من فعاليتها في المناطق الشعبية، معتمدة صيغة الانفتاح على الجميع، وذلك بتوثيق العلاقة مع الأصدقاء، واستقطاب المحايدين وتحييد الخصوم، ما أتاح لها مجالاً حيوياً لتطبيق برامجها التنموية، والتواصل الإيجابي مع كل الفئات، مشددة على ثقافة الحقوق، في حرية التعبير والصحة والتعليم والعمل والسكن والغذاء والبيئة السليمة، ومشاركة المرأة في المجتمع وتعزيز دور الشباب، جيل الحاضر والمستقبل، وذلك بمعزل عن الخيارات السياسية والعقائدية وعن الانتماءات الجغرافية. وتقديراً لنشاطها الدؤوب في المجال الإنساني، ملتزمة بالقضايا العادلة للشعوب، لا سيما القضية الفلسطينية ورافضة الإملاءات الخارجية على حركات التغيير في المجتمعات العربية، واعترافاً بأهمية التجربة وما رافقها من تضحيات، صنّفت «عامل» جمعية دولية، ما كان ثمرة جهود بذلتها ولا تزال، وما سيكون، حافزاً للمزيد من العطاء والمعاندة في تحدي الظروف الصعبة، ودائماً بالحفاظ على الجذور الاجتماعية.

وبعد، فلا يسعني في هذه المقدمة، إلاّ أن أتوجه بالشكر إلى الذين واكبوا هذه التجربة، أو كانوا في صميمها، عاملين وأصدقاء ومشجعين، واعداً إياهم بالبقاء على العهد، وفياً للمبادئ التي حملت، وللنهج الذي عليه سرت، مختصراً بالثالوث:

1 ـ العمل من أجل إنسان صحيح الجسم.

2 ـ حر في تفكيره.

3 ـ يتمتع بحقه في التعبير والحياة اللائقة الكريمة.

هذه التجربة بما حققته من نجاح، أدين فيها لهم، كما أدين للأهل ولتشجيع زوجتي وتضحيتها، فإليها حبيبة وصديقة وشريكة عمر كل الوفاء والتقدير.. أخاطبها وفي قلبينا الابن البكر بشار، الحاضر دائماً بوداعته وفروسيته وإقدامه حتى الشهادة في إنقاذ رفاقه، موجّهاً إلى روحه الصافية تحية، بل زفرة لن يخمد حرّها أبداً.

وإلى أبنائي: زينة وأسعد ومريم ونور، الذين سلبت «عامل» مني الوقت الكثير المخصص لهم، الاعتذار والحب الكبير، والاعتزاز بما قدموه للمؤسسة، منوّهاً بتفوقهم في الدراسة، وعلاقاتهم الاجتماعية المميزة.

أما رفيق الدرب وصديق العمر الدكتور إبراهيم بيضون، أنا الآخر، الحاضر على الدوام، في نبض المؤسسة والغائص في همومها، فهو يرفض أي ثناء عدا المودة.

والشكر العميق للصديق دولة الرئيس سليم الحص، لرعايته الدائمة لمؤسسة عامل، كما للصديق طلال سلمان، رفيق المسيرة في تجلياتها الخاصة والعامة، محتضناً «عامل»، ومشجعاً لها أمام التحديات، كل التقدير، والإعجاب به كاتباً مبدعاً في الأدب السياسي. ومثل ذلك للصديق ياسر نعمة، مدير عام جريدة السفير وأمين السر الدائم للمؤسسة التي أعطاها الكثير، والتقدير لكل الأخوة والأخوات في الهيئة الإدارية والمكتب التنفيذي ممن تعاقبوا على قيادة المؤسسة، وأعضاء الهيئة العامة، والدفاع المدني. والوفاء لذوي الشهداء والجرحى ولكل من أسهم بنصيب من العاملين والمتطوعين في دعمها وتطويرها.

وليس أخيراً أتوجه بشكر خاص إلى الصديق شوقي رافع، الذي من دونه لما كان هذا الكتاب، فهو المحرض على إصداره بعد تلكؤ دام نحو عقود ثلاثة.. وهو القائل إبان محنة تل الزعتر والنبعة ـ وكان يومئذ في أسرة «السفير»: «سأكتب عنك يا كامل إذا خرجت سالماً من الحصار». وقد وفى بأكثر من ذلك حين تصدى لتحرير مادة الكتاب. ولن أنسى في هذا السياق العزيزتين ثريا حيدر وسعاد شواف لما قامتا به من جهد في توثيق التجربة، فإليهما الشكر والتقدير.

وتحية حميمة أيضاً موجهة إلى الأصدقاء الذين كتبوا عن «الخيارات» أو شاركوا في ندوات حولها: الوزير السابق الدكتور جورج قرم، الفنان أمين الباشا، الدكتور إبراهيم بيضون، الدكتور ألبير جوخدار، الدكتور زهير هواري، الأستاذ أحمد بزون، الأستاذ جوزف باسيل، الصحافية سكارليت حداد، الدكتور محمد ماضي، الدكتور فؤاد مرعي، السيدة فاطمة بدير في تلفزيون المنار، شهادة الوزير السابق بهيج طبارة، السيدة هلا طويل في تلفزيون NBN ، الأستاذ كمال البني في إذاعة مونتي كارلو، تلفزيون فلسطين اليوم، الأستاذ عبيدو باشا في تلفزيون لبنان.... وغيرهم ممن علّق على الكتاب أو أقام ندوة تلفزيونية عنه، وأخص بالشكر النادي الثقافي العربي، ودار الفارابي ممثلة على الخصوص برئيس مجلس إداراتها الصديق الأستاذ جوزف أبو عقل.
Page 3
ولن أنسى كذلك الأصدقاء الذين شرفوني بحضورهم حفل توقيع الكتاب، والأخوة والأخوات في المجتمع المدني، فإليهم جميعاً أعمق الود وأبلغ التقدير، معاهداً إياهم على مواصلة العمل لما فيه خير المواطن والإنسان في عالم أكثر عدالة وأكثر إنسانية.

ويبقى الحلم، في الحراك العربي الذي دخل في مسار يقوده الجيل الجديد، سلاحه الحرية والديمقراطية والعدالة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والذي بات ملهماً لشعوب العالم وبالتحديد في الغرب الذي تزداد في مجتمعاته أعداد المهمشين والعاطلين عن العمل. فمؤسسة عامل الدولية تناضل مع شركائها في منظمات المجتمع المدني في الشمال والجنوب، لكي يكون هاجس العمل الإنساني، قضايا الشعوب العادلة وليس أداة لاجندات خارجية، وأن تكون قضية فلسطين في أولوياته، من أجل إرساء نظام عالمي على قاعدة العدالة والحرية، ومواجهة سياسة التصحيح الهيكلي المعتمدة حالياً والتي أدّت إلى سباق حثيث على الأرباح، وإلى احتكار قلة جوهر الثروات العالمية. ففي مواجهة عولمة رأس المال والاقتصاد، هناك ضرورة لعولمة النضالات الاجتماعية، التي بدأت ملامحها في الحراك العربي وجيل الشباب الثائر والواعد، والتي ألهمت «حركة الغاضبين»، من أجل مستقبل أفضل.

كامل مهنا بيروت في 20/01/2012 مقدّمة الطبعة الأولى

ليس ثمّة استراحة للمحارب القديم، فقد نيّف على الستين وكأنه في نداءة العمر، لا يكاد ينفض عنه عجاج المعركة، حتى يتأهّب مجدَّداً للقتال. فما زال وصناعة المنجزات من تقاليده، وقهر الصعاب من مألوف مزاجه، والانحياز إلى المقهورين ممّا فُطر عليه. فلا استراحة إذاً، ومن العبث أن تحادثه في ذلك.. وإن بدا أنّه يصغي إليك، سرعان ما تكتشف أنه تائه عنك، يخطّط لمشروع يعجز عنه فيلق من الرجال. من أين لهذا المحارب الطمّاح تلك الحماسة الدّافقة؟ ذلك سؤال قد لا تدرك سِرَّه وإن كنت الأقربَ إليه، فهو دائماً في المقدّمة، وأنت تلهث وراءه، وهو في دائرة الخطر وأنت على ضفافها، لكن من دون أن يُشعرك بالانفصال عنه، أو أنكَ على مسافة منه، كما هو القائد، إلّا أن الجميع، حين يُعلن النفير، قادةٌ أيضاً، سوى الذين تخلّفوا عن الركب، ورضخوا لذواتهم فأخطأوا الهدف وارتجّت عليهم الخيارات، وأغام في وعيهم النهج.

كانت عصيةً القراءةُ بعين مؤرخًٍ في تجربة الدكتور كامل مهنا، من دون أن تخترق شغاف الوجدان. ذلك ما صرفني عن صياغة هذه "اليوميات" التي واكبتها عن كثبٍ وكنت في بعضها خلال أربعين عاماً من صداقةٍ لم تنقطع، ولم تمرّ في سمائها غيمةٌ، حتى بدونا وكأننا في ذات واحدة، يتعرّف أحدنا مكنون الآخر دونما حاجة إلى كلام. فلن أكون، مهما اجتهدتُ محايداً، ولن أنجو بالتالي من تهمة الانحياز في أول الطريق. فكان أن تصدّى للمهمة شوقي رافع، بأسلوبه الشيّق، مروّضاً النصّ إلى ما يشبه الرواية، إن لم تكن رواية مكتملة العناصر الفنية والنفسية، عدا العناوين الجاذبة التي توّجت فصولها. هذا الصحافي اللامع الذي عرفناه منذ الأيام الأولى لجريدة السفير، قبل أن يأخذه الترحال طويلاً في بقاع الأرض، مكتسباً ملكات جديدة، أضفت على هذه "اليوميات" نكهة خاصة، فكان أديباً وصحافياً وروائياً في آن. لقد أمسك بعنان السيرة الفريدة لمناضل فريد، ما انفكّ يراكم تراثاً من التحدي، دونما تهيّب من الخطر الذي عاشه بكل ألوانه وصنوفه وشروره.

من أين تبدأ؟ ذلك هو السؤال الأصعب، وما عليك حينئذٍ سوى الوغول مسافات بعيدة في الزمن. فالمناضل الاستثنائي لا يظهر فجأة أو يأتي من فراغ، حيث الجذور تشدّكَ إلى فلسطين المنكوبة، وقد جاشت في وعي الطفل، وما برحتْ تسكن فيه، صبياً ثمّ شاباً حتى الكهولة. ومنها استلهم الدور الذي وجد نفسه فيه، واختطّ المسار الذي أدمن عليه، قومياً متأثراً، كأبناء جيله بالتيّار العروبي المتوهّج بقيادة عبد الناصر، وماركسياً يرى في "البؤر الثورية" هي الحلّ لإنقاذ الأمة من الهزائم والانكسارات، و"جنوبيّاً" ينخرط في جبهة الفقراء على مساحة الوطن، إلى أن يكون «عاملاً» بصمتٍ تحت شعار ميماته الثلاث الشهيرة.

من الخيام إذاً كانت البداية، حيث الرغيف الفلسطيني ما برح يعبق في رئتيه.. وإذ انقطع فجأة أدرك في وعيه الطفولي هول المأساة. لقد ضاعت حينئذٍ فلسطين.. قرأ ذلك في وجوه الأهل، وفي الدموع المختنقة في العيون، وفي الجسوم المنهكة، والمَتاع القليل في مواكب المغادرين قسراً من "الفردوس المفقود". هذا المشهد ظلّ كامناً في الذاكرة، مُتداعياً في وجدان فتى أخذ يرصد بدقّة معالم الطريق. فالتفوّق كان ديدنه في الدراسة، كما في ترويض الجسم على القوة ونفسه على الاحتمال، إلّا أن الصدام كان آخر ما يلجأ إليه. كان ذلك من سمات فروسيته بمعناها الكلّي، خارج مدار التهوّر والادّعاء، وهي بعدّ متجذّرة فيه ومطواعة له، فلا يوقفه تحدٍّ عن متابعة المسيرة المثقلة بالشجن وضروب الأخطار.

وفي بيروت تجلّت ملامح الدور المضطرب بالآمال الكبار، ولكن المحطة-المنعطف كانت في فرنسا، وفيها تعرّف ذاته أكثر، مناضلاً ثورياً يقود اتحاد الطلاب اللبنانيين، ومعه جمهرة توقّدتْ خيِاراتها معه، فكانت لهم عينٌ على الوطن، تهتك ستره العمليات العدوانية الصهيونية، وعينٌ أوسع على فلسطين، بعد الصدمة التي صدّعتْ الأحلام في هزيمة حزيران. وفي حمأة الفوران تمّ احتلال السفارة اللبنانية، تعبيراً عن الفجيعة، لتصبح فلسطين محور الحركة المهتدية بالماركسية، بديلاً عن حركة لم يعد مجدياً المراهنة على مشروعها المتعثّر. ولم تغفر السلطة الأمنية للطالب المشاغب تصرّفه الجريء، فما لبثت أن استدعته ـ وكان يجري امتحانه الأخير في كلية الطّب ـ وأبلغته قرار الطرد. ولكن أمام حركة الاحتجاج الواسعة، من داخل اتحاد الطلاب الفرنسيين، ومن الأحزاب وبعض البعثات الدبلوماسية العربية، عاد الطالب إلى مقعده في الجامعة، ليتخرّج طبيباً، والخيارات بعدُ تتآزح في نفسه، ما بين خيار الحياة المترفة في عيادة مترفة، وبين خيار الانضواء إلى جبهة الفقراء والنضال الثوري، فكان الثاني ما أغواه وذهب من دون تردّد إليه.
Page 4
وإذا كان ثمة من ينتظره بلهفةٍ في الوطن فقد أخطأ الظنّ، فما لبث أن تابع سيره على متن طائرة قديمة، إلى إحدى البؤر المشتعلة حينذاك، ليحطّ في كهوف ظفار شهوراً، كان الخطر إبّانها رفيقه اليومي، ولكن جوارحه تفتّحت على مثل هذه التجربة التي انسكبتْ في روحه، ولا ينفك يستذكرها بوجد عاشقٍ ترك دمغة في قلبه. وما كاد يعود ـ لأسباب طارئة ـ إلى الوطن، ويفتح عيادة على تخوم مخيمات البؤس، حتى اندلعت مجدداً في شرايينه حمّى الثورة ولمّا تكن قد خفتتْ بعد.

وكان القرار حينئذٍ بالانضمام إلى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.. وأذكر أنني جِلتُ معه لوقت، وقد غلس الليل، والقذائف تتقطّع غير بعيدة عنّا، ونحن نناقش هذا القرار، إذ كنتُ أرى أنَّ الجنوب يستحق نصيباً منه، لأتبيّن في نهاية المطاف أن الأمر محسوم ولا عودة عنه. حينذاك بدأت رحلة الخطر الحقيقي، متخذة دورتها ما بين الفاكهاني وأحياء الضاحية فالجنوب، ومن ثمّ، بعد جنون الحرب، إلى تلّ الزعتر، متآلفاً مع الموت الذي كان ينجو مصادفة من براثنه على الحواجز القاتلة. ولكن "النبعة" كان لها شأن آخر، حيث سار إليها، في آخر مغامرة، محمّلاً بالأدوية، ليمكث فيها الشهور العجاف، متخلِّفاً عن الآخرين من الأطباء الذين وجدوا فسحة للمغادرة، وعن قوافل الهاربين من القذائف إلى حواجز السفّاحين على الطريق.

عن النبعة الأسطورة حديث يطول، وكلما عبر شيءٌ منه في الذاكرة ارتجفت، إذ أدركني اليأس حينذاك من عودة المناضل الجليد الذي تجرّع الأهوال مع نفر من الشجعان، قضى بعضهم، وظلّ القليل، وقد أصرّ الطبيب المنهك ألّا يغادر من دونه، بعد استحالة البقاء، وكان ذلك بفعل تدخّل أستاذه (الدكتور مجدلاني) في مستشفى الروم، وزميلة تلميذة للأخير أيضاً (الدكتورة صهيون) والتي اتخذت عيادة لها على مشارف النبعة.

هل استكان الفارس الشغوف بالخطر؟ مرة أخرى ليس من استراحة لمحارب على الجبهة.. ولم يكد يمضي غير سواد الليل، بعد العودة، في الخيام، حتى كان في صبيحة اليوم التالي في بيروت. فما برح على ظمأ، وإذا بمغامرة جديدة بانتظاره في الدامور، التي أصبحت مخيماً حلّ فيه المهجرون من الفلسطينيين واللبنانيين. ورحلة الخطر لمّا تنته بعد، إلا أن التجربة كانت مثيرة في المنجزات التي تحققت على مستوى الإغاثة ورعاية الطفولة، وتأمين العمل للمنكوبين. وقد شهدت الدامور حينئذٍ توافد عددٍ من ممثلي الهيئات الإنسانية في الغرب، مستكشفين أو داعمين، وبالتالي منبهرين بالروح المعنوية العالية في المجتمع الطارئ. وكانت رسولة اللحظة في هذا الصخب، الراهبة أوديل منزي، تلك "القديسة" التي وهبت نفسها لمثل هذه المهمات الصعبة. وقد وُجد بين هؤلاء القادمين من أرّخ لـ"كامل المقاوم"، منوّهاً بصلابته وديناميته، إلى نكران الذات في الحياة المتساوية في التقشّف مع أولئك المهجّرين، باعثاً فيهم إرادة الصمود والتحدي والتغلّب على القهر والإحباط.

ولم تكن الدامور وحدها في وجدان المناضل الدؤوب، ففي حلّه وترحاله، هو على سباق دائم مع الوقت، والمهمّات على اطراد، من رعاية "النجدة الاجتماعية" التي أنشأها في إطار الجبهة الديمقراطية، وما زالت مؤسسة فاعلة حتى اليوم، إلى التنقّل بين مستوصف وآخر، دون أن يعبأ بأوجاع الظهر التي حملها من النبعة وطرحته شهراً على فراش صلب، ولمّا تزل تعاوده بين الحين والحين. وما بين اجتياحين اسرائيليين (1978-1982)، وفي غمرة التحوّلات على أرض الجنوب، وهو الجنوبي العميق جذوراً في الأرض، كان لا بدّ من إعادة النظر في خياراته، أو بالأصحّ في وجهة سيره. فكانت "عامل" التي تصادفت خصوصاً مع نكبة الخيام ومجزرتها المروّعة، والتي أعلن تأسيسها مع نخب من المثقفين المناضلين، من دون أن تكون لها سمة جنوبية فحسب، بل اتّخذت بعدها الإنساني باختراقها حواجز المكان والمذهب والطائفة، إلى الإطار الوطني الشمولي.

وبعد نيّف وثلاثين من الأعوام، أصبحت "عامل" المحور والقطب في مجالها.. تجدُها في معمعان الحرب الغشوم كما في السلم الفقير، ودائماً في عين الفقراء، لا تدّخر سانحة من أجل أن تكون صوتهم، كما جريدة السفير بقيادة ناشرها طلال سلمان، والتي سبق أن وجّهت عنوانها الرئيس إليهم، متآخياً مع همومها الوطنية والقومية. وقد شهد الدكتور مهنا ولادة "السفير"، وتأثّر بخطّها، وصادق كتّابها، وبعضهم كان في الهيئة التأسيسية لعامل، حتى بدا وكأن الأخيرة والجريدة تنبثقان من نبع واحد، وتشج بينهما قضية واحدة.

وبعد أيضاً، فليس من مزيد لكلام، وقد توقّفتُ عمداً عنه، فما يُضاف يفجّر حزناً لا حدود له، وما النكبات سوى امتحان للرجال الكبار، والدكتور مهنا شأن هؤلاء يكبت الجراح رغماً عنه، لأن حامل الراية مكانه في المقدمة، فإن سقطت منه كانت الهزيمة، وهو من احترف الانتصار، على ذاته كما على جبهات الحرب والصمود. وهو ما زال يُنافح بالوتيرة عينها، وليس ثمة انكفاء في مسيرته المتوهّجة.. هذا "الصامت"، المؤمن بالعمل "فريضة"، العازف عن طواحين الإعلام وعن إغواءات السياسة المجوّفة. فقد ألِف التضحية وركوب الخطر، في عشرينياته كما في ستينياته، ولما تزل "عامل" تستلب الوقت من أسرته البهية التي أحاطها بكل الحبّ، وهي بدورها تطبّعتْ بنمط سلوكه.. فالمناضل الفذّ يولّد مناجدين على مثاله.

تحية لك مناضلاً أنموذجاً، ممّن يفخر بأنك صديق عمره ويتمنى لك دوام التألّق في مسيرة التحدي والعنفوان.

وليس آخراً للأستاذ شوقي رافع محرّر هذه "اليوميات"، وللأستاذ جوزف بو عقل ـ رئيس مجلس إدارة دار الفارابي ـ ناشرها، الشكر والتقدير.

د. ابراهيم بيضون
Page 5
تمهيد

قال راشد: "سقطت النبعة". وساد وجوم ثقيل قاعة التحرير في جريدة "السفير" في بيروت.

يوسف سأل وهو يفتح جهاز اللاسلكي: أين كامل مهنا؟

وعلى مدى ساعات كانت الحكايات تتردد على أجهزة الهاتف واللاسلكي عن مصير الطبيب الوحيد الذي بقي في منطقة النبعة حتى سقوطها.

"ربطوا قدميه في سيارتين، وكل سيارة سارت باتجاه معاكس... شقوه نصفين"، قالها عائد من النبعة عن طريق "حاجز التيوس" في العدلية. ولكن وكما تبين ليلاً، فإن كامل مهنا نجح مجدداً في العبور إلى "حياة ما بعد الموت"، كما فعل قبلاً في كهوف الجبال أثناء المشاركة في ثورة ظفار في جنوب الجزيرة العربية.

"يا حكيم متى ستكتب مذكراتك؟ باريس وظفار والنبعة؟" كنت أسأله في العام 1976، وبعد ذلك كنت أضيف إليها الدامور والخيام وكفرشوبا والمقاومة الفلسطينية في المخيمات، وكان يجيب ضاحكاً: "عندما يصبح اليوم 25 ساعة ربما أستطيع أن استقطع ساعة للكتابة".

وبعد 32 عاماً وقعت المعجزة، ونجح الحكيم على مدى ثلاثة شهور في استقطاع ساعة من وقته يومياً يقضيها مع آلة التسجيل ويكشف من خلالها عن محطات في حياته انتقل فيها من محاولة صنع البؤر الثورية إلى المشاركة في مسيرة المجتمع المدني.

ولا يزال كامل مهنا يقاتل على خطوط التماس... وريادة المجتمع المدني في لبنان.

شوقي

سقوط "مملكة الرغيف الانكليزي"

تقول نظريات الطب الحديث إن الانسان يرث ما يزيد عن خمسين بالمئة من جيناته من والديه. يعتقد د. كامل مهنا أن النظرية صحيحة وأنه ليس شذوذاً عنها، ولكن من أين تأتي الخمسون بالمئة الباقية من الجينات؟

الإجابة التي كرستها تجارب العمر حتى الآن باتت بديهية بالنسبة له: إنها تأتي من بلدته الخيام. نصف جيناته على الأقل "خيامية". قد لا تكون هذه حقيقة علمية، ولكنها قناعة ذاتية ولا يملك لها رداً؛ هذه الخيام التي ولد فيها مع عام الاستقلال في لبنان، هي عالم كبير شاسع الأطراف يكاد يختصر الدنيا كلها. هكذا كان يراها في طفولته ولا يزال يراها اليوم. ولا يعرف كيف يدخل في وصفها، فهي حبلى دائماً، ومثل لوحات بيكاسو، لا تتوقف تفاصيلها عن التناسل. فأمّه الطيبة والمفعمة بالحب والحنان حملت (16) جنيناً، صمد منهم أحد عشر، وأمه ليست سوى رافد صغير في نهر الخيام المتدفق أبداً، هي بلدة استثنائية بامتياز، في الجغرافيا كما في التاريخ.
Page 6
ونبدأ من موقعها: تقع الخيام في لبنان الجنوبي وتتجاور مع شمال فلسطين، وجنوب سوريا، وكان أشقاؤه وأترابه الأكبر سناً يتجولون سيراً على الأقدام، أو ركوباً على الدواب، ما بين بحيرة الحولة والمزارع والبلدات الفلسطينية عند بلدة المطلة، وربوع الخيام. كانت ساحات ملاعبهم ثلاث دولٍ بحالها، وكانت هذه الدول نفسها هي "مربط خيل" والده. فقد كان تاجر خيول ومواشي: يخلع الطربوش العثماني ويضع على رأسه الكوفية والعقال، يحمل البندقية "المعدلة" وينطلق فوق حصانه باتجاه الخالصة في الحولة أو القنيطرة والمنصورة، في سوريا، ويعود بقطعانه يبيعها في سوق الخان في العرقوب أو سوق بنت جبيل.

بالطبع كانت هناك حدود بين هذه "الدول" فقد كان على والده عندما يغادر الخيام، أن يمر على المخفر، ليس لانجاز المعاملات، أو الحصول على تصريح خروج فحسب، بل لشرب الشاي مع الشرطة، فقد كان المخفر يقع داخل أرضهم في "باب الثنية"، وكانت مساحتها تزيد عن 80 دونماً، تتكاثر فيها الحيوانات البرية وتغطيها الحشائش والأعشاب والكروم والتين والزيتون. إذن كانت سوريا وفلسطين ولبنان من المفردات الأولى التي استقرت في جينات ذاكرته. لم يكن يسمع كثيراً عن بيروت، فقد كانت بعيدة، وكان والده لا يقصدها إلا مضطراً. فلسطين في طفولته الأولى كانت تعني أرض العسل واللبن، فقد كان الوالد يحمل منها أثناء عودته "الرغيف الانكليزي" وما باتوا يسمونه اليوم "الافرنجي" الذي كانوا يحتضنونه بين أصابعهم بشغف، ويفتحون طرفه بالسكين، ويحشونه بالخبز المرقوق، خبز الصاج الأسمر، ودخلت "الساندويشة" قاموس مفرداته، باعتبارها أول كلمة أجنبية يحفظها ويتمتع بنطقها ومضغها وابتلاعها. ولم يكن الوالد وحده من يفيض عليهم ببركة "الرغيف الانكليزي" بل كانت شقيقته الكبرى زينب وزوجها خليل أبو عباس يحملان إليهم من حيفا، حيث يعمل الزوج، تلك الأرغفة داخل أكياس من الورق الأسمر السميك، وما إن يفتحوها حتى تعبق تلك الرائحة، وكان باستطاعته تمييزها ولو عن بعد ميل. لم تكن تلك الأرغفة ساخنة بالطبع، فقد كانت الرحلة من حيفا إلى الخيام تستغرق وقتاً طويلاً، ولكن كيس الورق الأسمر السميك كان يختزن الرائحة. وأخيراً فإن فلسطين جاشت في طفولته كما الأرض التي يملكونها في الخيام، وفيها يقع المخفر، والتي كانوا يقصدونها في موسم العنب والتين، ولا يزال يذكر تلك الشجرة الضخمة، شجرة التين، وقد كانت أغصانها تكاد تلامس التراب من ثقل ما تحمل من الثمر.

كانت غابته، يمتطي أغصانها ويختار ثمراتها، يقطفها من دون مساعدة، ويتلذذ بها على مهل، تاركاً لسانه يغوص في حلاوتها. كانت شجرة التين مملكة تضاف إلى مملكة "الرغيف الانكليزي"، وإلى "طلة" الوالد يعود من فلسطين، راكباً حصانه، معتمراً الكوفية والعقال، والمعدلة على كتفه، وخلفه قطعان الماشية.

في الخامسة من عمره انهار هذا العالم، شاهده ينهار، وإذا استطاع وصف هذا الانهيار، فهو يعتقد أن للأمر، كما قال سابقاً، علاقة بالجينات، وخمسون بالمئة منها خيامية. وذاكرة أهل الخيام مثل ذاكرة الجنوب قوية وخصبة، إذا عصيت عليها الحقيقة لا توفر الخيال.

الانهيار لم يقع دفعة واحدة، فقد دخلت شقيقته الكبرى وزوجها وأطفالها المنزل، وعندما عانقت والدتها بدأت تنتحب بصوت مرتفع، وانتقل النحيب إلى الوالدة وشقيقاته؛ أمسك كامل بجلباب والدته، بينما نظراته تنقب في الأغراض التي أحضرتها شقيقته معها.

الأكياس الورقية الكبيرة السمراء لم تكن موجودة، وعبثاً شرّع كامل فتحتي أنفه، بحثاً عن تلك الرائحة... ولم يجدها، فبكى مع الآخرين، بكى بحرقة. إذ إن زيارات شقيقته زينب ارتبطت مع ذلك الرغيف، بالفرح والضحكات تزغرد في أنحاء المنزل الكبير وتلهب خياله بأرض من العسل واللبن اسمها فلسطين.

"ضاعت فلسطين"، ولولت امرأة في الخارج، وعبر الباب المفتوح شاهد جموعاً من الناس، بينهم الكثير من النساء والأطفال، ولم يكن يعرفهم. كان والده يجلس على المصطبة، خارج البيت، يسلّم على بعضهم بحرارة ويدعوهم للجلوس، كان يعرفهم. وكان أشقاؤه وشقيقاته لا يتوقفون عن ملء أباريق المياه والكؤوس، يقدمونها للواقفين والعابرين. كان الجميع يتحدث وفي وقت واحد، وكانت فلسطين هي العبارة الوحيدة التي كان يفهمها، ولكنه لم يفهم كيف "ضاعت فلسطين"، هو كان يضيع ألعابه، ولكن فلسطين ليست لعبة، شقيقته وزوجها وأولادها عندهم بيت فيها، بيت مثل بيتهم، فكيف يضيع البيت؟

في تلك الليلة، تغير منزلهم، نامت أمه وأخواته في حجرة، ونام كامل مع والده وأخوانه في حجرة ثانية، ولأن ترتيبه العاشر بين إخوته، فقد نام قرب والده، وشعر بالسعادة والدفء إلى جواره. فقد كان ينام مع أخيه عزيز وأخيه عصام في حجرة واحدة، بينما يتوزع الباقون في أربع حجرات، واحدة بينها كانت حجرة الوالد والوالدة. ولكن البيت تغير، وهناك كثير من الناس، يملأون باقي الحجرات، وبينهم أطفال في عمره سيلعب معهم في الغد، وسرح به الخيال إلى الألعاب التي سوف يقومون بها، والأماكن التي سيدلّهم عليها، فهم لا يعرفونها، وقبل أن يغفو سأل أخاه عزيز إلى جواره: "شو يعني ضاعت فلسطين، أين ضاعت؟ وجاءه الرد باقتضاب: أخذها اليهود. سأل: من هم اليهود، وأين أخذوها؟ قال عزيز: نم. ستعرف فيما بعد".

وتوالت الأيام على تلك الحال، كان الناس الذين يبيتون عندهم في المنزل، يتغيرون، ولكن الغرف كانت دوماً مزدحمة، ولم يعد يسأل عن اليهود، فهم مثل "الضبعة" تهجم في الليل، وكم كان يكره "الضبعة" و.. يخافها.
Page 7
كنوز وحروب

نال كامل شهادته الأولى (السرتيفيكا)، من المدرسة الرسمية الوحيدة في الخيام. وفتحت المدرسة أمامه بوابات إلى العوالم الواسعة البعيدة. أستاذه المربي الكبير علي العبد الله، اكتشف مبكراً شغفه بمادة الحساب، وهي المادة التي كان أقرانه يصارعون الأهوال من أجل النجاح بها. فشجعه ليتابع التركيز عليها. "الأستاذ"، وبسبب العدد الكبير للراسبين في الشهادة الابتدائية "اخترع" صفاً هو نوع من السنة التحضيرية لصف السرتفيكا، فلا هو رابع ولا هو خامس، وكان التركيز فيه على الرياضيات. وعشق كامل كذلك مادة التاريخ، وهو عشق كان يقوده باستمرار إلى منطقة "الخرايب" القريبة. لقد كان وأصدقاؤه يعتقدون أن فيها كنوزاً أثرية، فكانوا يحملون معاولهم ويطرقون على صخورها، فإذا سمعوا صدى لطرقاتهم فمعنى ذلك أن الكنز مخبأ في الداخل. وبالطبع كانوا يسمعون الصدى باستمرار وتبدأ معاولهم بالضرب في الصخر إلى أن يهدهم الاعياء. ولم يكن هذا يمنعهم من أن يتابعوا بحثهم عن الكنز الموعود في الأيام الآتية. ولم يكونوا وحيدين، فالكبار من أهلهم كانوا يتناقلون حكايات عن قوم في غابر الزمان يسكنون الخرايب، كانوا أغنياء، ولديهم منازل كبيرة، ولكن فاجأتهم في إحدى الليالي، جيوش من النمل الطيار، وكان حجم النملة يصل إلى حجم "الدبور" وقضت عليهم جميعاً، ولم يعد أحد من بعدهم يجرؤ على المرور بالمكان الذي تناوبت عليه السيول والعواصف، وقلبت عاليه سافله. وكان بعض الكبار يدعم هذه الرواية بأكثر من حكاية عن مزارعين أثروا بين يوم وليلة بعد أن عثروا على "فخارة ذهب" هناك، ولكن لم يبوحوا بسرهم لأحد.

ولم يبخل "الأستاذ" في إشعال خيالهم بروايات عن معارك وقعت في السهل بين الخيام ومرجعيون، أثناء الحروب الصليبية، ويستدركها بالحرب الأخيرة التي احتشدت فيها الجيوش الفرنسية المتحالفة مع هتلر، بقيادة الجنرال دانز وفي مواجهتها قوات الحلفاء التي اجتاحت قوات الجنرال، و"كادت تمحوها عن وجه الأرض" كما يقول "الأستاذ".

ومع الحروب تأتي الزلازل والهزات الأرضية، هذا ما حدث عندما كان كامل يتمشى ليلاً مع مجموعة من رفاقه في "حارة المسيحية"، مروا قرب "بيت بطرس" وكان يضع الراديو قرب النافذة، التقط سمع كامل أن زلزالاً سياسياً سيضرب لبنان، بدءاً من الجنوب .. صرخ برفاقه "هل سمعتم؟ الزلزال سيضرب الخيام". وجرفتهم الحماسة، فهرعوا كل في اتجاه منزله بينما ذهب كامل إلى محمد الباشا، وهو شاب أكبر منه، وروى له ما سمعه، فركض مع عدد من رفاقه إلى مكبر الصوت، وهب الأهالي على صوت يصرخ أن "هزة أرضية" ستقع الليلة، وقد أعلن الراديو ذلك، وبالطبع، غادر الجميع منازلهم، وتراكضوا نحو الحقول، فتدخل رجال المخفر وقاموا باتصالات، ليتبين بعدها أن الأمر كله "إشاعة" انطلقت من بيت (أولاد مهنا). إثر ذلك جاء رجال الشرطة وقبضوا على شقيق كامل الأصغر (عصام)، وأودعوه المخفر، ولكن بعد تدخل والده أفرجوا عنه. بعدها قال الوالد لكامل: "أنت صاحب الاشاعة، رفاقك أخبروني"، فأقسم أنه سمع بالراديو أن زلزالاً سياسياً سوف يقع .. وضحك الوالد حتى كاد ينقلب على قفاه، وكان ما حدث هو درسه الأول في السياسة.

وفي أثناء حرب فلسطين عام 1948 بدأ المسلحون يظهرون في الخيام، كانوا يمرون في البلدة، وأحياناً يريحون خيولهم أمام بيت مهنا، ويجلسون على المصطبة مع والده، ويتحدثون عن القائد فوزي القاوقجي وأخبار المعارك، كانوا عرباً لبنانيين وسوريين وفلسطينين، تطوعوا مع "جيش الانقاذ" في حملة الجهاد لتحرير فلسطين.

"كنت أحسدهم " يقول كامل : كانوا رجالاً حقيقيين، فرسان صلاح الدين يخرجون من سطور التاريخ، يمتطون صهوات خيولهم، يعبرون السهول والجبال، لا ينتظرون عدوهم بل يبحثون عنه، "يستردون أرض العرب بسلاحهم" كما كان يقول "الأستاذ". وكان سلاحهم عبارة عن بندقية صيد أو مسدس أو سيف أو خنجر إلى "زوادة طريق".

وبينما كان الوالد يودعهم بعناق الرجال للرجال، وأخته زينب تهتف من النافذة: "فلسطين راجعة"، كان كامل يود لو يرافقهم، ولم يكن في هذا أقل خيالاً من أي واحد فيهم، أو أصغر أحلاماً، أو أضعف إرادة.

وقد بقيت عائلة خليل أبو عباس وهي تضم أخته وزوجها والأولاد تتقاضى من (الأنروا)، وكالة غوث اللاجئين، الاعاشة الشهرية على مدى سنوات، إذ لم يكن النازحون فلسطينيين فقط، بل لبنانيين أيضاً، استقروا في فلسطين عقوداً من الزمن، عملوا فيها واشتروا بيوتاً وأراضي، ولم يكن هناك ما يميزهم عن اللبناني إذا انتقل من الخيام أو من أية قرية جنوبية إلى بيروت أو طرابلس، فكانت العروبة حياة وممارسة يومية وليست نظريات في الكتب.

عندما نجح كامل في الصف الثالث التكميلي وهو آخر صفوف الدراسة في مدرسة الخيام الرسمية، كانت فلسطين معهم في المدرسة والشارع والمنازل، وكانت تدخل غرف نومهم، وقد حملها معه إلى صيدا عندما انتقل إليها للتقدم إلى شهادة "البري؟ية".
Page 8
الخروج من "القطيع"

كان أسعد مهنا، والد كامل، عقلانياً لا يؤمن بالمعجزات وكان التحدي من طبعه. كانوا أحد عشر ولداً وبنتاً، فكيف له أن يقوم بتعليم نصف دزينة من الشباب، ومثلها تقريباً من الفتيات، وأن يصير الأوائل ما بين طبيب، وقاض، وأستاذ ثانوي، ومهندس، ومدير مصرف، وأن يحمل ثلاثة منهم شهادات التخرج من فرنسا؟ ثم من لا يذكر تلك الحكاية الشهيرة عن الزعيم الجنوبي أحمد الأسعد، عندما أطلق عبارته الشهيرة: "ابني كامل يتعلم، وهذا يكفيهم". يروي كامل الحكاية لأن أخاه الأكبر كان طرفاً فيها:

"أخي محمد درس في مدرسة الخيام الرسمية، ثم عبر جميع الخطوط الحمر، وهي غالباً خطوط الفقر. ونال شهادة الرياضيات من مدارس الحكمة في بيروت، و"الحكمة" في ذلك الوقت هي معقل "النخبة". وكان زميله في الدراسة كامل الأسعد، ابن "الرئيس" أحمد الأسعد الوحيد. ولعل تفوق أخي في الدراسة ساعده على اختراق الحاجز الطبقي، فنمت علاقة صداقة بين زميلي الدراسة، تعززت عندما ساهم الرئيس الأسعد، مع آخرين من أصحاب النفوذ اتصل بهم والدي، في الحصول لأخي على بعثة تخصص في الطب في فرنسا، وكان كامل الأسعد في وداعه على المرفأ عندما سافر، ثم ما لبث أن لحق به إلى فرنسا لدراسة الحقوق، وبعد تخرجه وعودته إلى لبنان، كتب له أخي رسالة تهنئة استهلها بعبارة: "أخي كامل". وقد وقعت الرسالة في يد والده، فقال أمام بعض الحضور في قصره ببلدة الطيبة: "أنظروا ماذا يحصل عندما يتعلم أولاد الفلاحين، إنهم يرفعون الكلفة مع زعمائهم، يعني يفكرون أنهم صاروا مثلهم. لماذا يتعلمون.. إن ابني كامل يتعلم وهذا يكفيهم". وعلى ما روى بعض الحضور فإن الرئيس أحمد الأسعد كان منفعلاً، ما أدى بعد ذلك إلى قطع منحة الدراسة عن أخي في فرنسا، وهي منحة حكومية كانت رهناً بكلمة أصحاب النفوذ، وهو ما يعني أن على محمد أن يعود من دون أن يكمل تخصصه. لماذا قطع "الرئيس" المنحة؟ قيل إنّ عدداً من "وجوه" العائلات في الخيام، ذهبوا إليه في الطيبة، وقالوا: شو بدك تعمل من آل مهنا زعماء علينا؟ وعلى ذمة الرواة فإن الوجهاء، أخبروه كيف أن الوالد "بيته مفتوح" يقيم فيه كل من يزور البلدة ضيفاً أو لعمل، ثم إن جميع أبنائه يتعلمون".

هذه الرواية ربما أخذ بها التواتر إلى المبالغة، ولكنها ترسم صورة للواقع السياسي في الجنوب في تلك الفترة، ففي بلدة الخيام كان الناس يتوزعون حسب تسميتهم فئتين: المزارعون أو أهل البلد مقابل "آل العبدالله"، وهؤلاء لم يكونوا اقطاعيين إنما توارثوا الزعامة عبر عقود نتيجة حظوتهم لدى أهل السلطة، وتحولوا إلى اقطاع سياسي، منهم رئاسة البلدية ولهم النيابة، وتاريخ الخيام هو تاريخ "صراع" بين هذا الاقطاع السياسي وبين أهل البلد، وقد حقق المزارعون "انتصارهم" الأول في الخمسينيات، عندما نجحوا في انتزاع رئاسة البلدية من آل العبدالله، على أن يكتفي هؤلاء بالنيابة، وكان أول رئيس بلدية منتخباً من "أهل البلد" هو الحاج خليل حيدر، وهو مغترب عاد من الأرجنتين، أما نائب الرئيس فكان والد كامل مهنا، وقد تم انتخابه عدة مرات لهذا المنصب.

تلك كانت معارك هامشية أما المعركة الحقيقية فقد جرت في ميدان آخر، إذ إن الرئيس الأسعد عندما قطع المنحة عن شقيق كامل مهنا، محمد، قال الوالد: "سيكمل أخوكم الدراسة ويعود طبيباً. البيك لن يقرر مستقبله، ولا مستقبلنا، لسنا قطيعاً في مزرعته".

كلمة "القطيع" هزت كامل، كما بقيت تهزه في جميع مراحل حياته حتى الآن. "القطيع" يمكن أن يحكمه كلب، بينما الراعي يستريح، وحفظ "كامل" الحديث الشريف: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، ولكن الرعاة ارتاحوا في قصورهم وعواصمهم. وكانت الخيام "قطيعاً" تنهشه "ضبعة" اسرائيل وتتحكم بها جماعة الاقطاع السياسي، وكان "أبو محمد" التاجر بين سوريا و فلسطين، يرفض أن يكون فرداً في القطيع، فاستطاع أن يوفر المال لشقيق كامل كي يتابع الدراسة في فرنسا، فصحّ فيه مثل الحكيم الذي قال لتلميذه: "إذا قلت ألف فعليك أن تقول باء وإذا قلت باء لا يمكنك أن تتوقف قبل أن تنتهي بالياء".

إن قرار والد كامل فتح شهية الأخوة الباقين على اتساعها لمتابعة تحصيلهم العلمي، وقرر شقيقه الثاني أحمد الذي أنهى دراسته الثانوية في مدرسة المقاصد في صيدا، أن يلتحق بالأخ الأكبر في فرنسا لمتابعة دراسة الحقوق. رفض الوالد في البداية لأن أحمد كان قد حصل على وظيفة حكومية مرموقة، وعين مراقباً في مرفأ بيروت، وكانت الوظيفة الحكومية، حلماً يصبو إليه الشباب في لبنان، فكيف بابن الجنوب الضائع في جمهورية النخبة، ثم أن الجميع في تلك الفترة، وربما حتى يومنا هذا، كان يرى أن الجمارك منجم ذهب، لا يعتمد فيه الموظف على راتبه فقط. ولكن "جينة الخيام" ضربت شقيقه أحمد، فالطموحات المالية لم تكن أحد همومه، فما بالك إذا كانت من المال الحرام؟ وأمام ممانعة الوالد هدّد بالانتحار: "أسافر أو أنتحر". كان كامل حاضراً عندما قالها، وتوقع أن ينفجر الوالد غضباً، ولكنه لم يفعل، إذ أنه نهض عن كرسيه، ووضع طربوشه على رأسه، وقبل أن يخرج قال: "إذا كنت مصراً إلى هذا الحد فسوف تنجح. أنا ذاهب لتدبير نفقات السنة الأولى من دراستك". والتحق أحمد بشقيقه في "مونبلييه" في فرنسا.

وكرت سبحة التخصص، وفي أحسن المدارس والجامعات. الشقيق الثالث عبد الأمير أنهى دراسته الجامعية وبات أستاذاً ثانوياً، وعزيز تخرّج مهندساً معمارياً، وعصام تخرج من كلية إدارة الأعمال وهو مدير أحد المصارف حالياً. أما أخواته البنات فكان "العريس" أسبق إليهن من الشهادات، وعوّضن ذلك التقصير بانجاب حوالى 250 ابناً وحفيداً، معظمهم من ذرية الشقيقات. وقرّت عين الوالدة بهذه الذرية وأفاضت عليهم بحنان لا يعرف الحدود. وكانت تلك الذرية ترجمة جنوبية لمقولة كارل ماركس" إن الإنسان أثمن رأسمال".
Page 9
ما يحدث بين الريف والعاصمة

وصل كامل صيدا وأجواء العدوان الثلاثي على مصر تملأ الأفق بالتظاهرات، كانت المدينة تغلي، وصور القائد جمال عبد الناصر تتصدر الساحات والمحال التجارية والبيوت، وكان معروف سعد النجم الدائم في المهرجانات. وعندما اندفع ذلك الضابط السوري الشاب "جول جمال" وفجر زورقه العسكري بحاملة الطائرات الفرنسية "جان بارت"، خرجت صيدا عن بكرة أبيها تهتف لمصر وسوريا وفلسطين، وقرعت أجراس الكنائس احتفالاً بالضابط "العربي". كان مسيحياً، ولكن القاموس السياسي في تلك الفترة لم يكن قد اعتمد التعريف الديني أو المذهبي في وصف الأشخاص، وخاصة في بلدة الخيام والجنوب عموماً. فالأديان والطوائف كانت مثل الزهور البرية تنمو مع الطبيعة. لقد كانت البلدة تضم أربع كنائس تتجاور مع المساجد والحسينيات وتتواصل مع "خلوات" الموحدين الدروز، وكانت الطقوس الدينية، من الصلاة إلى الأعياد، ومن التهنئة بالمواليد إلى إقامة مجالس العزاء، تبدو أقرب إلى تنوع أصناف الطعام فوق مائدة واحدة يشارك فيها الجميع. وبالإضافة إلى "البيوتات" السياسية :الأسعد، بزي، الزين، عسيران وبيضون ... كانت الأحزاب والتيارات تستقطب معظم الشباب: الحزب الشيوعي، السوري القومي، البعث، التقدمي الاشتراكي، والناصرية الصاعدة. كانت كلها أحزاباً، عابرة للطوائف والأديان، وعلى هذه الخلفية انتمى كامل في صيدا إلى القوميين العرب، لم يدخل التنظيم بل كان يشارك في المسيرات والتظاهرات مع حركة القوميين العرب والناصريين.

التحق بالمدرسة الرسمية التكميلية للحصول على شهادة البري؟ية، وسكن في شقة شقيقه القاضي أحمد المتزوج من ابنة صيدا السيدة نزيهة الأنصاري، وكانت الشقة تقع في بناية شهرزاد القائمة في وسط المدينة، مما أتاح له التفاعل مع أحداثها، فالوسط هو قلب المدينة النابض، وكانت ارهاصات "ثورة 1958" قد بدأت تطفو على السطح عندما انتسب إلى الثانوية الرسمية في عين الحلوة للحصول على البكالوريا وكان يديرها الأستاذ مصطفى الزعتري. ويذكر كامل من أحداث تلك الفترة أنه كانت هناك دعوة للتظاهر من أجل دعم الثورة في الجزائر بعد أن احتجزت أميركا سفينة جزائرية في نيويورك، فوقف على المدخل الشرقي للمدرسة، بينما وقف صديقه نبيه جوهر (شقيق مرافق معروف سعد) على المدخل الغربي، وطلبا من رفاقهما عدم الدخول إلى المدرسة والمشاركة في الاضراب، وبالطبع كانت الاستجابة كاملة، ولكن عندما عاد كامل في المساء إلى الشقة طرق باب المنزل صف ضابط من مخابرات الجيش، ففتح الباب، وبعد أن عرّفه صف الضابط بنفسه بدأ التحقيق معه حول الحزب الذي ينتمي إليه ودوره في الاضرابات التي تحصل في المدرسة، وقبل أن يغادر قال متوعداً: "إن التحريض على التظاهر وإثارة الشغب جريمة عقوبتها الحبس، وفي المرة المقبلة سأحبسك"، قال العبارة الأخيرة بحزم وهو يتطلع في عيني كامل مباشرة. كانت تلك أول "مواجهة" له مع السلطة، بعدها عصفت به الأسئلة: هل يتوقف عن التظاهر والمشاركة في الاضرابات كي يحصل على الشهادة، وهل ما يهمه هو الحصول على الشهادة فقط، وماذا عن القضايا العربية: فلسطين والجزائر ومصر...؟

وفي اليوم التالي كان كامل يشارك في تظاهرة ضد "حلف بغداد". لقد حسم خياراته وكانت "ثورة58 " في صيدا، مهرجاناً متواصلاً من الاجتماعات والاضرابات. أما التدريب العسكري فكان بإشراف مناضل من بيت المصري، وكانوا يجتمعون غالباً مع صديقه جوهر وآخر من بيت ديماسي في بيت الزعتري، ليضعوا خطط مشاركتهم في الاضرابات والاعتصامات.

كانت أيام الدراسة أقل من أيام الاضراب ومع ذلك فقد نجح كامل وحصل على البكالوريا.

من صيدا انتقل إلى بيروت، وفيها اكتشف أن لبنان الرسمي هو "العاصمة"، وكل ما عداها أرياف. في الفترة الأولى اعتبر أنه اقتحم "عالماً غريباً" فدفع اشتراكاً لناد في المصارعة، وانتسب إلى ثانوية الرمل الظريف، وهي أحد معاقل الحركة القومية العربية. وكان من أصدقائه في الصف سميح قانصوه وسمير القاضي (أصبح لاحقاً رئيساً للأركان في الجيش) وجوزيف غصن (عين قائداً للطيران العسكري). وقرر أن يستكشف مجاهل العاصمة، كان "التراموي" وسيلة نقله الوحيدة، يستقله إلى ساحة البرج، ومنها إلى الدورة ويتابع على قدميه إلى النبعة والمكلس وسواهما. في سوق الخضار قرب سينما الريفولي كان يحس بالالفة، فالمزارعون يحضرون إنتاجهم من القرى، من جميع أنحاء لبنان، وكان يشم في السوق رائحة الخيام. بلدته المهملة الملقاة على حدود فلسطين (لم يتعود أن يسميها "إسرائيل" وهو أمر اكتسبه من والده فقد كان يصر على أنها فلسطين).
Page 10
سينما "امبير" كانت المفضلة لديه بأفلامها الأجنبية، ثم أصبح مدمناً على سينما "الحمراء"، وصار شارع الحمراء بديلاً عن ساحة الخيام أثناء طفولته، لم يكن يملك دائماً ثمن فنجان قهوة يشربه في أحد مقاهيه، وكان غالباً يكتفي بالتسكع، وفيه تعرف على معنى الأناقة، وأصبح أكثر اهتماماً بهندامه، وأرفق هذه الأناقة بالتركيز على اللغة الفرنسية، ولأن الأفلام الفرنسية كانت قليلة فقد كان يحرص على ألا يفوته واحد منها، بل لقد اتفق مع عدد من الأصدقاء في صفه أنهم عندما يمشون في شارع الحمراء لا يتكلمون إلا الفرنسية، ومع نهاية العام الدراسي كان قد تصالح مع "العاصمة" ولم يعد يشعر بالغربة فيها.

نال شهادة الرياضيات، وعندما وضع قدميه في "البوسطة" المتجهة إلى الخيام بدأ يستنفر كل طاقاته استعداداً لمعركة حسم مستقبله، فقد قرر أن يتخصص في الطب و.. في فرنسا.

كان أشقاؤه قد طرحوا مسألة تخصصه قبل فترة، واقترحوا أن يدرس الهندسة بسبب تفوقه في الرياضيات، ولكن بعد عودة أخيه محمد طبيباً من فرنسا، بدأ يعمل في الخيام وفي بنت جبيل، فكان كامل يرافقه أيام العطل ويتعلم منه تضميد الجروح ومعالجة الحروق وزرع الحقن، وقد أحب هذه المهنة وقرر أن يكون الطب هو مجال تخصصه، وأن يسير على خطى شقيقه، وكان عليه إقناع الوالد بقبول هذا الخيار المكلف.

انعقد "مجلس العائلة" في إحدى غرف المنزل، ولكن الوالد قرر أن لا يشارك فيه وجلس على المصطبة أمام البيت. طرح أخوته قضية تخصص كامل في الهندسة، وقالوا إنّ كلفتها أقل مادياً، فيمكن الانتساب إلى إحدى الكليات في بيروت، ثم يمكن أن يستكمل لاحقاً تخصصه في فرنسا... دافع عن خياره بكل ما أوتي من حماسة ولكن لغة الأرقام عن كلفة التخصص في فرنسا كانت تضعه أمام حائط مسدود.

خرجوا من الاجتماع وبقي كامل في الداخل محبطاً بينما كان والده يتحدث مع أشقائه، ثم استدعاه إلى الخارج، سأله: "ما هي رغبتك؟" قال دون أن يخفي إحباطه: "أريد أن أسافر إلى فرنسا لأتخصص في الطب". صمت الوالد برهة ثم قال: "أنت تعرف أنني لا أملك ما يكفي من المال لتحقيق رغبتك، مع ذلك اذهب إلى بيروت واشتر ما تحتاج إليه، وجهز نفسك للسفر...".

طار كامل إليه معانقاً وهو يحبس دموع الفرح، فتاجر المواشي كان يتجاوزهم جميعاً ويتفوق على نفسه. لقد ورث التجارة بالمواشي عن والده ولكن الجد لم يحقق نجاحاً في تجارته، فقد كان يخشى الأسفار، ويكتفي بالعمل في الأسواق المحلية، بينما كانت متعة الوالد أن يكتشف البعيد إلى حيث يسبق الجميع ولا يسبقه أحد؛ كان يحمل لقب "الآدمي"، وكان الجميع يثقون به ويودعون لديه الأمانات أو الأموال يتاجر بها من دون كتاب أو صك، وكان أول من ابتنى بيتاً في الخيام من الاسمنت، وأول من حصل على رخصة ماء وهي تحمل الرقم واحد، فقد كان الجميع يحصل على الماء من العين.. كان متسامحاً ومنفتحاً في جميع المجالات. وعندما كبر أشقاء كامل وبدأوا يتلقون اتصالات هاتفية من فتيات، كان يجيب على الهاتف، ويمازح الفتاة من دون حرج. ولإيمانه بأهمية الطب منح الدكتور أديب رحال غرفة حوّلها عيادة، وقد أطلق الدكتور رحال على ولده اسم الوالد أسعد تيمناً به، ومن بعده جاء الدكتور عبد المسيح محفوظ. لقد كان الوالد يحب عشرة الناس، فأقام "البيت المفتوح" يستقبل فيه كل من جاء البلدة ضيفاً أو عابراً، وكان بعضهم يقضي أياماً وربما أسبوعاً أو أكثر، كما كان يحترم العلماء، وتوطدت الصداقة بينه وبين بعضهم، لا سيما العلامة الجليل السيد عبد الرؤوف فضل الله والد سماحة المرجع محمد حسين فضل الله.

ويعاود كامل السؤال: "هل كان والدي حالة خاصة وشذوذاً عن قاعدة: "ولدي يتعلم وهذا يكفيهم"؟. ومع صعوبة التصنيف فإنه يعتقد أن الوالد كان أحد رواد البورجوازية الصغيرة الصاعدة في مواجهة الاقطاع السياسي، كان تاجراً كثير الأسفار، يلتقط المعارف ويراكم المهارات ويحولها إلى وسيلة أنتاج متنقلة، يصعب على الاقطاع السياسي أن يحكمها أو يتحكم بها. كان الرئيس أحمد الأسعد في مواسم الانتخابات يقيم الولائم والاحتفالات، وكان أهالي القرى يأتون إلى تلك المناسبات وهم يحملون إليه البيض والدجاج والخراف وأفضل ما تعبت أيدي زوجاتهم في صنعه من "القاورما" والمربيات والحلويات، مع نتاج الموسم من الفواكه والخضار، وعند نهاية الاحتفال كانوا يعودون لينقلوا إلى "أهل البلد" كيف استقبلهم "البيك" وصافحهم فرداً فرداً، ثم "أولم لنا وشاركنا في الطعام"، وكانت الحسرة تدب في صدور جيرانهم أو منافسيهم لأنهم لم يحظوا بمصافحة "البيك" أو بمشاركته في المأدبة التي أقامها لهم! وكان الحوار غالباً ما ينتهي بالشكر للبيك "فهو ينادينا بأسمائنا، ويحفظها لأنه يهتم بنا". وفي منتصف الخمسينيات قرر رضا التامر، وهو من مؤيدي الرئيس كميل شمعون، أن يرشح نفسه للانتخابات النيابية ضد القائمة التي يختارها الرئيس أحمد الأسعد، وطرح برنامجاً يؤكد فيه على أن الحصول على الماء والكهرباء وطرق المواصلات هو حق للمواطنين لأنهم يدفعون الضرائب، وسرعان ما أصبح أسعد مهنا "ماكينة انتخابية" للمرشح مع أنه لم يلتقه سوى مرات معدودات "ولكن برنامجه أعجبني، فنحن ندفع ثمن هذه الخدمات مضاعفاً، ثم لا نحصل على تزفيت طريق لا يزيد طولها عن خمسة كيلومترات إلا بعد ثلاث دورات انتخابية"، كان يقولها بسعادة غامرة وكأنه وجد أخيراً من يمثله.

كان الإقطاع السياسي يتهاوى والبورجوازية الصغيرة تصعد، وكان والد كامل واحداً من أولئك الرواد الذين شقوا الطريق ومهدوا للتغيير قبل أوانه.