مقدمة
ديوجين أحد فلاسفة الإغريق، وصاحب المصباح الشهير الذي كان يحمله في وضح النهار يفتش عن إنسان؟! وكان معاصراً لأفلاطون والاسكندر الأكبر، ولم يهتم - كفلاسفة ذلك العصر - بدراسة الميتافيزيقا أو ما وراء الطبيعة، ولا بما فيها من أفلاك ونجوم، فكان إذا سمع رجلاً يتكلم عن الأفلاك يقوله له: متى كان نزولك من السماء، ثم يلتفت إلى من حوله، ويقول: إن هؤلاء يتكلمون عن الكواكب، وهم لا يعرفون حقيقة ما تحت أقدامهم، ولا ينتبهون إلى ما هم فيه من الفقر وضيق الحال.
بهذه الكلمات يمكن تلخيص فلسفة ديوجين؛ بأن الإنسان هو الذي يعمل ويجد ليحقق الحرية، ويحسن مستوى الحياة، وأن من أهمل هذا الواجب فلا ينبغي أن يعد من البشر. ولذا كان يحمل مصباحه في رابعة النهار يفتش عن «إنسان»، وكان يقول: أسوأ الأشياء الشيخوخة مع الفقر، وأحسنها الحرية، وكان يسخر من الاثينين لأنهم يبنون الهياكل الضخمة للآلهة، وبينهم آلاف الفقراء بلا مأوى، وكان يقصد الهياكل ليأكل فيها، ويصيح آه ما أحسن الاثينين أسسوا لي هذا الهيكل لآكل فيه، يريد بقوله هذا إن السبيل إلى «الإله» أن تنفق هذه الأموال لسد عوز المعوزين، وحاجة المحتاجين، لا لتشييد البنيان، وزخرفة الجدران.
كان ينعى على تقاليد قومه، وينكر عاداتهم، ويسخر من الذين يقدمون القرابين للآلهة، ويتطيرون من الأحلام، وينسون ما يعانونه من آلام اليقظة. خرج ديوجين على تقاليد عصره، ولكنه لم يحمل سيفاً ولا قلماً، بل كان يسير في الأسواق والشوارع، ويدخل المعابد والمجتمعات يوجّه الناس إلى الطريق الأفضل، إلى تغيير الأساليب التي اعتادوها وألِفوها، مبيناً أن التغيير سهل يسير، ويأتي بأفعال تدل على السخرية والاستخفاف بعرفهم وطريقتهم، فإذا وضعوا العطر على رؤوسهم وضعه ديوجين في قدميه، وسئل عن السبب، فقال: إذا وضع في القدم صعدت الرائحة إلى الأنف، يريد بهذه السخرية أن يرشد الناس إلى أن المهم أن ينظر الإنسان إلى الأرض التي يعيش فيها، كما ينظر إلى السماء، ورأى رجلاً يلبسه خادمه النعل، فقال له: لم يبق إلاّ أن يطعمك، فما منفعة يديك؟
ورأى قضاة يحكمون على سارق، فقال: لصوص كبار يحكمون على لص صغير. ورأى رجلاً يرمي غرضاً، ولا يحسن الرمي، فأسرع ديوجين ووضع رأسه مكان الغرض، وقال: خفت أن يصيبني ما دمت بعيداً عن الغرض الذي يرميه، وهو يهدف إلى أن السلامة والرشد في مخالفة من يخطئون، ويقولون ما لا يعملون.
وألح عليه أحد الملوك ليعيش معه في قصره، فقال ديوجين: الخبز اليابس خير من العيش في ظل قصورك. وأحب الاسكندر أنيرى ديوجين، فذهب إليه، وهو جالس في الشمس، فلم يتحرك ديوجين من مكانه، ولم يلتفت إليه، فقال له الاسكندر: أنا الملك اسكندر الأكبر، فقال له ديوجين: وأنا الكلب ديوجين، فقال له الاسكندر: أراك بحاجة لأشياء كثيرة، فسلني ما تريد، فقال له: حاجتي إليك أن تتحوّلمن هنا، فقد منعت عني ضوء الشمس، وقطعت لذتي بها، فعجب رجال الاسكندر من جرأة ديوجين على مليكهم، فالتفت الاسكندر إليهم، وقال: لو لم أكن الملك الاسكندر لأحببت أن أكون ديوجين.
كان ديوجين لا يملك سوى عصا وخِرْج وقدح من خشب وبرميلينام فيه، وكان يمشي حافياً في الصيف والشتاء، ومع فقره هذا كان في نفسه أكبر من الملوك والحكّام الذين يثيرون الحروب، ويريقون الدماء، وينشرون الرعب في القلوب، ويتنافسون على السلطان وابتزاز الأموال، وكان يهزأ بكل إنسان يهتم بأشياء تذهله عن نفسه ومتاعبه، ولا تجديه فتيلا.
بحث أفلاطون وأرسطو عن أسباب الكون وحقيقته، وهل هو حادث أو قديم؟ وانصرف ديوجين إلى النظر في حياة الإنسان وشؤونه، واكتفى باليسير من العيش ليحيا مناضلاً، في سبيل الحرية، مجاهداً ضد الظلم والاستبداد.
لقد مضى على وفاة ديوجين الحكيم أكثر من ألفي سنة، ولا زالت فلسفته حيّة نامية نابضة تؤمن وتعمل بها الشعوب في كل زمان ومكان. وإن لم تسمع باسم ديوجين، وتعرف عنه شيئاً، فذلك لأن فلسفته هذه هي فلسفة الحياة التي تقوم على الإيمان العميق والراسخفي نفس كل من يشعر بحقّه وكرامته.
الشخصيات
الملك لودفيغ الثاني: ملك بفاريا.
الدوقة إليزابيث كوك: ابنة دوق لندن.
لوكس كوفيسكي: رئيس الخدم في قصر نويشفانشتاين.
توماس فان جوخ: صديق الملك لودفيغ الثاني.
الماركيز أنتونيو سورانتي: ماركيز لاكورونيا.
الكونت فرانتشيسكو ديلا فيوري: كونت سردينيا.
الدوق ويليام كوك: دوق لندن.
الكونتيسة دانييلا ديلا فيوري: ابنة الكونت.
الماركيزة سيلفيا سورانتي: ابنة الماركيز.
تدور المسرحية في قصر نويشفانشتاين في مملكة بفاريا.
المشهد الأول
(الملك لودفيغ الثاني يتأمل الطبيعة من نافذة غرفة نوم قصره الجديد نويشفانشتاين ويفكر).
رئيس الخدم: صباح الخير يا صاحب الجلالة، لقد أحضرت لكم قهوتك اللذيذة المعتادة.
الملك لودفيغ: (يخاطب رئيس الخدم) شكراً لك ضعها على الطاولة.
(يضعها رئيس الخدم).
رئيس الخدم: أتأمرني بشيءٍ آخر يا صاحب الجلالة؟
لوكس: لودفيغ: لا، يمكنك الانصراف.
(يأخذ رئيس الخدم الصينية ويهمُّ بالخروج).
الملك لودفيغ: أو انتظر يا لوكس، تعال إلى هنا.
لوكس: بأمرك يا صاحب الجلالة.
الملك لودفيغ: في الحقيقة أريد أن أتحدّث معك بموضوع.
لوكس: كليّ آذانٌ صاغية يا صاحب الجلالة.
الملك لودفيغ: أتعتقد أنيّ مجنون؟
لوكس: من المجنون الذي يتفوّه بهذا الهراء؟
الملك لودفيغ: لا تجاملني لأنك تخاف مني، فأنا أعرف هذا الجواب مسبقاً، بل صارحني من رجل إلى رجل.
لوكس: يا سيّدي لو كنت مجنوناً لما ابتكرت هذا القصر العجاب.
الملك لودفيغ: إذن فأنت تشاطرهم الرأي يا لوكس؟
لوكس: (يرتعد) لا يا صاحب الجلالة فأنا من المستحيل أن أشاطرهم هذا الرأي، لأنني أعرفك جيداً منذ أن تسلّمت مقاليد الحكم في البلاد وأنا أقف معك جنباً إلى جنب، وقضيت قرابة العشرين عاماً بلياليهم أخدم جلالتك صباح مساء، فلا أحد يعرفك حق المعرفة مثلي أنا، وأنا أشهد بأن عبقريتك ودهائك كشفت غيرة المقربين إليك مما دفعهم إلى إدعاء هذه الإشاعات الباطلة.
لوكس: لودفيغ: (يبتسم) كم أنت فصيح اللسان ومقنع، فالله لو ناقشت فون بيسمارك لجاريته أو لهزمته شر هزيمة.
لوكس: هذا بعض مما تعلمته منك طوال تلك السنين.
الملك لودفيغ: لهذا يا لوكس أثق بك.
لوكس: شكرا لك يا صاحبة الجلالة على هذه الثقة التي سأحاول أن لا أخسرها.
الملك لودفيغ: كما تعلم بقي بضعة أشهر على انتهاء هذا القصر الخرافي بكل ما تحملها الكلمة من معنى، وبعد أن أخذوا مني مملكتي، مملكة بفاريا العزيزة، سأعوض نفسي بأن أجعل من هذا القصر مملكتي الخاصة ولن يستطيع أن يأخذه أحد مني وسأجعل منك يا لوكس مستشاري الخاص لأنك كنت على الدوام وفيّ.
لوكس: (يبتهج) انّه لشرفٌ كبير لي أن أكون مستشارك.
الملك لودفيغ: ولكن أتعلم يا لوكس، منذ انتقالي هنا إلى قصر نويشفانشتاين لم يزرني أحد ولم أحتفل مع أحد، وهذا شيء محزن لأن هذا القصر كبير ولكن لا ياتي أحد إليه، ولا يعيش فيه سوء أنا وأنت والخدم.
لوكس: نعم يا صاحب الجلالة معك كل الحق فحتى الآن لم يزرنا أحد كما كانوا يفعلون في السابق.
الملك لودفيغ: لهذا يا لوكس أفكر بأن أقيم احتفالاً في نهاية الأسبوع وأدعو أهم الشخصيات من خارج بفاريا علّني أستفيد منهم مادياً أيضاً لأنّه كما تعلم فقد تزايدت الديون عليّ ويجب ان أجد مخرجاً.
لوكس: ولكن يا سيّدي أعتقد أنّه إذا حضروا الإحتفال فإنهم سيبقون ليوم واحد ولا أعتقد انّه كافٍ للحصول على الدعم المادي.
الملك لودفيغ: أتدري يا لوكس ما هما أهم شيئين فعلتهما في حياتي إلى حد الساعة؟
لوكس: وما هما يا صاحب الجلالة؟
الملك لودفيغ: أنني شيّدت هذا القصر، والثانية أنني عيّنتك مستشاري ومعاوني لأنّك نبيه وفطن!
لوكس: شكراً لك يا صاحب الجلالة، أتمنى لو أنني أستطيع أن أخدمك مدى حياتي.
الملك لودفيغ: اعتبر نفسك بأنك فعلتها. والآن أين كنّا لأنّ عبقريتك أطارت الفكرة من رأسي.
لوكس: لا تقلق يا صاحب الجلالة، فإذا نسيت أنا موجود لأذكّر فخامتك، فقد كنّا نتحدث عن كيف نستطيع إبقائهم لمدةٍ أطول في القصر حتى نحصل على مبتغانا.
الملك لودفيغ: نعم، نعم، أخبرني يا لوكس كم غرفةً أصبحت جاهزة حتى الآن وزيُّنت بالكامل؟
لوكس: هناك أربعة عشر غرفة جاهزة فقط من أصل ثلاثمئة وستين غرفة في القصر.
الملك لودفيغ: يا إلهي حسبت أننا قطعنا ربعهم على الأقل!
لوكس: للأسف يا سيّدي المُبجّل لم نفعل، وذلك لبطء العمل، وخاصة أنّ العمّال بدأوا يتذمرون من أنهم لم يحصلوا على أجورهم منذ خمسة أشهر، ويتحججون دائماً بأن لديهم أسّراً ليُعيلوها.
الملك لودفيغ: وماذا أفعل لهم ولعائلاتهم، لقد بدأوا يتذمرون الآن ويجحدون، فقد نسيوا الخير الذي كنت أغدقُ به عليهم طوال تلك السنين.
لوكس: لاتقلق يا صاحب الجلالة سألهيهم عنّا لفترة وجيزة حتى نلتقط أنفاسنا.
الملك لودفيغ: نعم من الأفضل أن تفعل هذا، والآن اذهب و افعل شيئاً.
لوكس: أمرك يا صاحب الجلالة (يخرج).
الملك لودفيغ: (مع نفسه) تباً ماذا سأفعل حيال جميع المصائب التي انهالت وما تزال تنهال عليّ من كل حدب وصوب؟
(يعود لوكس إلى غرفة الملك ويستأذن الدخول)
لوكس: سيدي نسينا أنّ نذكر أمريّن في غاية الأهمية.
الملك لودفيغ: (يتأفف) وما هما يا لوكس أخبرني؟
لوكس: أولاً من أين لنا ان نغطّي تكاليف الحفلة؟ وثانياً من هم العائلات المدعوّة للحفل؟
الملك لودفيغ: (يضع يده على ذقنه) نعم أنت على حق، مع أنّ هذا الكلام يغضبني كثيراً، ولكن يجب علينا أن نواجه الحقيقة المأساوية.
لوكس: نعم يا صاحب الجلالة، أعتقد أنّه علينا أن نجد ممولاً لهذه الحفلة.
الملك لودفيغ: أتدري يا لوكس لابدّ أن أقيم هذه الحفلة لأنها ستعود عليّ بفوائد كثيرة منها المادية ومنها الإجتماعية، ويجب أن أجد أحداً يقرضني بعض الماركات حتى ننجو يا لوكس.
لوكس: يا صاحب الجلالة لو أنك لم تغدق بمالك على ريتشارد فاغنر ولم تسدد ديونه، لكانت ديوننا أقل ومعنا بعض المال، وما النفع هاهو فاغنر ميّت.
الملك لودفيغ: اصمت يا لوكس! وإياك أنت تتحدث عن ريتشارد فهو حيّ لا يموت بسمفونياته الخالدة، ولا أندم على مارك واحد أنفقته على فاغنر وأعماله الأسطورية التي ستبقى إلى الأبد، وعندما يتذكرّه الناس وسيتذكرون أنّه أنا الذي ساهمت في انجاح مسيرة حياته (يدمع) آه يا ريتشارد فقد ذهبت وتركت الذئاب تنهش لحمي حتى الموت.
لوكس: سيّدي أرجوك اغفر لي فأنا مجرد خادم لك ولا أفقه الموسيقى.
الملك لودفيغ: حسناً يا لوكس انصرف الآن.
لوكس: وماذا عن قائمة المدعوّين يا صاحب الجلالة؟
الملك لودفيغ: (يغضب) انصرف الآن سأفكر كيف أقترض النقود لأقيم هذه الحفلة وبعدها سأرى من سأدعو.
لوكس: كما ترى يا صاحب الجلالة، إذن اسمح لي.
(يشير الملك بيده دون أن يلتفت، ويخرج لوكس).
المشهد الثاني
(يجلس الملك على طرف سريره الملوكي والذي استغرق بناؤه سنتان، يضع يديه على رأسه ويفكّر).
الملك لودفيغ: (مع نفسه) ماذا أفعل؟ لقد ازدادت ديوني حتى أثقلت كاهلي فأنا في العقد الخامس من العمر وأبدو وكأنني في السبعين، أنا تعب جداً ومع ذلك ليس لدي امرأة لتخفف من شدة الشقاء، فبكل شقاءهنّ فإنّه لا يقارن بالشقاء الناجم عن غيابهنّ في حياة الرجل، فبدل أن أشكي لها همي وما يدور في خاطري من متاهة، أشكو لرئيس الخدم لوكس. (يضحك) لا أشعر بأنني ملك ولا حتى سيّد نفسي، فالملك بما يملك، والفقير لما يفتقر. (يرفع رأسه فجأة) آه جائتني الفكرة المناسبة، سأبعث برسالة إلى أخي أوتو، فلم أطلب منه أي نقود من قبل، ولكن هل سأخذ نقود من أخي الصغير؟ تباً لهذه الحياة القاسية... نعم سأخذ حتى أقيم هذه الحفلة والتي ستعود عليّ بالنفع الكبير ومن ثم أُعيد له ماله بالكامل.
(يتناول ورقة وقلم من على مكتبه ويبدأ في كتابة الرسالة إلى أخيه أوتو).
الملك لودفيغ: (يكتب) إلى أخي العزيز أوتو تحية طيبة وبعد، أكتب لك هذه الرسالة لكي أطمئن على صحتك، لأنني لم أستقبل أيّة رسالة منك منذ زمن وجيز، أتمنى أن تكون بخير، وأريد أن أسألك شيئاً آخر، إذا كنت تستطيع أن تقرضني مائتيّ ألف مارك، لحاجة ضرورية وسأردها إليك بأقرب وقت، وسأكون لك من الشاكرين، أخاك المُحّب الملك لودفيغ الثاني.
(ينادي الملك لودفيغ على لوكس).
لوكس: بأمرك يا صاحب الجلالة.
الملك لودفيغ: خذ هذه الرسالة واذهب بها إلى أخي أوتو، فلتسلّمه الرسالة بيده، ولاتعد إلى هنا إلاّ ومعك جواباً لي.
لوكس: (يفتش جيّابه) نعم يا سيدي أنني حاضر على الدوام.
الملك لودفيغ: جيد. فلتذهب.
(يخرج لوكس).
المشهد الثالث
(في صالة القصر الملك لودفيغ الثاني يتناول وجبة العشاء، يدخل الحاجب).
الحاجب: سيّدي لقد عاد لوكس.
الملك لودفيغ: أين هو؟
الحاجب: أنّه عند البوابة الرئيسية سيصل في غضون دقائق.
الملك لودفيغ: حسناً عندما يصل دعوه يدخل في الحال.
الحاجب: بأمرك يا صاحب الجلالة.
(بعد مرور ثلالثة دقائق يدخل لوكس وبيده الرسالة).
الملك لودفيغ: من الغريب أنك عدّت مبكراً !
لوكس: لم أشأ أن أبات هناك يا سيّدي.
الملك لودفيغ: هذا جيّد، والآن أخبرني أتحمل لي خبراً ساراً أم ضاراً؟ فإذا كان ساراً كافئتك، أمّا إذا كان ضاراً قتلتك.
لوكس: (يبتسم) لو كان ضاراً لما عدت باكراً يا صاحب الجلالة، لأنني كنت سأبقى هناك لسنوات حتى أحصل على جواب.
الملك لودفيغ: إذاً فهو سار، أعطني الرسالة يا لوكس.
(يفتح الرسالة ويقرأ: أخي العزيز الملك لودفيغ الثاني أنا آسف لأنني لم أطمئن على صحتك فقد كنت مشغولاً، ولك ما طلبت فقد أرسلت لك ثلاثمئة ألف مارك عوضاً عن مائتي ألف مارك وأرجو أن تستغل هذه النقود استغلالاً جيداً هذه المرة، مع تحيات أخيك المخلص أوتو).
الملك لودفيغ: (يبتسم) أحسنت يا لوكس لهذا أنا أعتمد دائماً عليك.
لوكس: خادمك المطيع يا صاحب الجلالة.
الملك لودفيغ: حسناً يا لوكس، أخرج ورقة وقلم لتسجّل أسماء المدعوين إلى الحفل، لن يكونوا بالكثيرين، ولكن قصدتُ أشخاصاً مُعيّنين.
لوكس: (يسحب من جيبّه ورقة وقلم) نعم سيّدي أنا جاهز.
الملك لودفيغ: أولاً: الدوق ويليام كوك وعائلته، ثانياً: الكونت فرانتشيسكو ديلا فيوري وعائلته، ثالثاً: الماركيز أنطونيو سورانتي وعائلته، ولا تنسى صديقي الحميم توماس، توماس فان جوغ. هل دوّنت ذلك؟
لوكس: نعم يا صاحب الجلالة، ثلاثة عائلات نبيلات والسيّد توماس فان جوغ.
الملك لودفيغ: نعم يكفي هكذا، قلّة من العائلات النبيلة، خير من مليون من الناس العاديين.
لوكس: (في نفسه) بل قل واحد من أبناء القرية خير من مليون عائلة نبيلة، فلولانا نحن الطبقة الكادحة لما أصبحتم نبلاء وما وجدتم أحداً لتحكموه. (إلى الملك) نعم صدقت يا صاحب الجلالة، وقد أحسنت الإختيار.
الملك لودفيغ: أعرف، والآن انصرف، نعم وابعث برسل إلى هذه العائلات لأنه ليس من الذوق أن نرسل لهم العوة برسائل عبر البريد.
لوكس: ولكن يا صاحب الجلالة إذا قمنا بارسال رسول إلى كل بلد فذلك سيكلفنا الكثير من المال والوقت.
الملك لودفيغ: أتدعي أنّك أحكم مني، وتريد أن تشير عليّ ماذا أفعل بمالي، آخر الزمان الخدم يشيرون على أسيادهم. انصرف الآن وافعل ما أمرتك به دون جدال.
لوكس: حاشى لله ولكنني كنت أفكر أن نقتصد بالنقود حتى يبقى معك ما يكفي لمدة أطول.
الملك لودفيغ: نقتصد!!! ماذا قصدت بنقتصد؟ هذه نقودي ومعي من النقود ما يكفي لأشتري قريتك بأكملها وأحرقها أمام عينيك، لا تدعني أغضب أكثر وانصرف دون أية نقاش.
(يخرج لوكس عابس الوجه، يفكر بما قاله الملك).
لوكس: (في نفسه) أهكذا تؤخذ الحياة ففي الصباح كنت أنا أشد المستشارين حنكة، وفي حلول الظلام عدت إلى سابق عهدي خادم، حتى أنّها لم تشرق الشمس ثانية عليّ وأنا مستشار، كل هذا لأنه ببساطة في الصباح كان يعوز المال، وفي المساء أصبح لديه المُلك كُلّه وعاد الملك إلى سابق عهده، فالملك بما يملك، والفقير لما يفتقر.
(يدخل لوكس إلى غرفته ليكتب رسائل الدعوة ويبعث بهم مع الرسل).
الملك لودفيغ: لقد طلبتُ من لوكس بأن يرسل بطاقات دعوة إلى عائلات معيّنة علّني أجدُ ما أتمناه، فقد مضى قطار العمر وأنا أقيم الحفلات، ولا أجد شريكة حياتي، لقد سئمتُ الانتظار.
فان جوخ: ألست أنت من هرب من الكنيسة وأنت أمام القس وكنت على مشارف الزواج وأذكر حينذاك أنّك قلت....
الملك لودفيغ: ... أفضل أن أغرق على أن أتزوج، نعم أذكر ولكن حينها كنت في الثاني والعشرين من عمري وترددت لأنني شعرت بأن حياتي ستنتهي هنا، ولن أعيش شبابي... ولكن...
فان جوغ: أشعرُ ببؤسك وبخيبة أملك، ولكن لا تفقد الأمل ستجد شريكة حياتك قريباً.
الملك لودفيغ: أنت مصدر تفاؤلي يا توماس، سنرى ما سيحدث في الحفلة القادمة وخاصة ً أنني تقدمت بدعوة الكونت ديلا فيوري والماركيز سورانتي والدوق كوك.
فان جوغ: الدوق ويليام كوك؟
الملك لودفيغ: نعم هو، لماذا؟ هل قابلته من قبل؟
فان جوغ: نعم فقد قابلته في لندن عندما كنتُ أدرس هناك، ولقد قمتُ بزيارة بيته مرتيّن، فأكرمني أحسن إكرام، وتناولت العشاء معه هو وعائلته، كان لديه طفلة صغيرة وجميلة الوجه آنذاك.
الملك لودفيغ: جيد، ولكن ما شأني بطفلته الصغيرة؟
فان جوغ: سمعت بأنها الآن من أجمل نساء بريطانيا بأسرها.
الملك لودفيغ: وكم تبلغ من العُمر؟
فان جوغ: لا أعتقد أنها تجاوزت الخامسة والعشرين.
الملك لودفيغ: (يتمتم بصوتٍ خافت) أي أنّ عمرها يساوي نصف عُمري تقريباً.
فان جوغ: يا صديقي القديم لا شأن للعمر بهذا، لأن الحُب لا يعرف أعماراً.
الملك لودفيغ: (مبتسماً) لطالما كُنتَ دائماً تتفوه بكلماتٍ كالذهب، وبحكمةٍ تقارع حكمة أفلاطون.
فان جوغ: لا أفلاطون ولا أرسطو يا صديقي، ولكنّه شكسبير ومن غير شكسبير، إله الحب، ولكن السؤال كيف ستتقرب منها؟
الملك لودفيغ: لا عليك يا توماس فأنا لم أصبح ملكاً لبفاريا من لا شيء.
فان جوغ: ولكنك تخليّت عن بفاريا مقابل لاشيء، وتركت بفاريا في خضم حروبها مع الفرنسيين والنمساويين بعد أن تعهّد ملك بروسيا بأن يدافع عنّا.
الملك لودفيغ: لا تعود إلى ذلك يا توماس لطالما كنت تعلم أنني لا أصلح للحكم، لأنّ الحكم للجبابرة والطغاة وقساة القلوب، أمّا أنا فأعشق الموسيقى والفن.
فان جوغ: وهو ما قضى عليك وجعلك في وضع مادي ضيّق بعد أن أهدرت مالك على هذا القصر وموسيقة ريتشارد فاغنر ومصاريف حياته.
الملك لودفيغ: لا علاقة لريتشارد فاغنر بديوني، بل هو أسطورة وسيبقى أسطورة، على الأقل قبل مماته كان هو سندي فكنت أشكو إليه وأستشيره بصغيرة وكبيرة، آه كم أشتاق إليه.
فان جوغ: (يهمس كأنه مخاطب نفسه) هذا الذي قضى عليّك، لأنّك كنت تصغي إلى ذلك المجنون فاغنر، من يصغي إلى موسيقي!!! كلهم مجانين...
الملك لودفيغ: ماذا قلت؟
فان جوغ: لاشيء، كنت أقول آه على أيام زمان.
(يطرق لوكس باب المكتب ويستأذن الدخول).
لوكس: سيدي لقد جاءت الخادمة وقالت بأن الفطور جاهز.
الملك لودفيغ: حسناً يا لوكس سنوافيك في الحال. هيا بنا يا صديقي العزيز لتناول الفطور.
فان جوغ: (فرحاً ومتمتماً بينه وبين نفسه) لقد قتلني الجوع وأنا أنتظر، تباً لك يا فاغنر جعلتني أنتظر، فأنت ميّت ولايهمك، أمّا أنا فحيّ ويهّمني أن أعيش، وأخيراً سنأكل.
الملك لودفيغ: (إلى فان جوغ) نكمل حديثنا فيما بعد.
(يخرج الملك لودفيغ وتوماس فان جوغ من المكتب ويتوجهان إلى مائدة الطعام).