Page 1
ما قبل الكلام...
هذه القصائد ـ يا أخي القارئ ـ تكاد تكون منك بقدر ما هي لك:
أولاً... لأن أرواحنا الفردية منبثقة من الروح الكبرى في هذا الكون. والشعر ـ كماهيّة ـ هو شوق هذه الأرواح الجزئية إلى تلك الروح الواحدة. وهو ـ كفنّ ـ سعيها ووسيلتها إلى التحرر من المادة لمعانقة الروح الكبرى: إنه حنين آتٍ من المستقبل...
وإنه لَسؤال وجودي مقلق دائماً، وجواب نوراني مدهش أبداً، ولكنه ناقص أبداً، نقصانَ لغة الفن عن التعبير الأمين الوافي. ولذا قاربتُ تعريفه منذ حوالى خمسين عاماً بالقول: «إنه علامة استفهام تليها علامة تعجب تليها ثلاث نقاط» (1).
وهذه القصائد تكاد تكون منك بقدر ما هي لك:
ثانياً... لأن القصيدة ـ بما فيها العبثية ـ هي دائماً صنع اثنين: الشاعر والآخر. فهذا الآخر ـ قارئاً أو مستمعاً ـ حاضر أبداً في وجدان الشاعر، في مرآة وعيه وفي بئر لاوعيه، اعترف الشاعر بذلك أم لم يعترف. وإذا صح الزعم بأن الشاعر ـ أو الأديب عموماً ـ لا يعرف لماذا يكتب، أي أنه يكتب عفواً، إلهاماً طبيعياً يفيض من النفس والذات... فلماذا ينشر ما يكتبه إذاً؟
إن المجتمع بكليته جزء عظيم من شخصيتنا. والأدب ـ بما هو تعبير عن الشخصية ـ شجرة ثمارها في جذورها مثلما جذورها في ثمارها.
الشعر أكثره اكتشاف وأقله إبداع، والعبقري جمع في مفرد...
... وإن هذا يشكل تحدياً للشاعر المسؤول كي يبتدع نسقاً جديداً في التعبير، لغةً في اللغة، لمّاحةً وحمّالةَ أوجُه، يلاقي بها أشواق الآخر ـ الذي هو أيضاً جمع في مفرد ـ فيحفزه بنص ذكي على الاكتشاف ليشعر بأنه قطب موجب لا سالب فقط، ويستمتعَ بالإعجاب بنفسه، فضلاً عن الإعجاب بغيره...
والنص الذكي المعني يفترض غموضاً أسمّيه «الغموض الخلاق»، شرط أن يكون غموض غلالة لا غموض حجاب، وإلا فإن الشعاع لن ينفذ والرسالة لن تصل... إذا خرجت المعاني المحتملة عن دائرة الخيال والتصور لدى المتلقي تموت القصيدة. يجب أن نبقي على «خيط أريان» كي لا نضيع في المتاهة وكي لا يبقى المعنى في... قلب الشاعر!
الغموض إغراء، فيما الوضوح فجاجة والعتمة تعمية... فيما السهولة تسجن والصعوبة تحرر.
... وإن الغموض الفني لضرورةٌ أخلاقية أيضاً: إنه يدل على احترامنا للآخر باعتبارنا لوجوده وذكائه منذ البدء بالعمل، كما يدل على حبنا إياه لرغبتنا في أن ينال هو بدوره حظاً من التحرر والخلاص بمعاودة عملية الخلق الشعرية.
إنما الشعر سفارة من الإنسان إلى الإنسان، وكل شاعر سفير، إذا تأملت، وما كل سفير شاعراً، إذا لاحظت... وإنساننا هذا أرض وسماء إذا شئت، أو سماء وأرض، إذا فضّلت... وعنده أن الخير والحق والجمال قيم مترادفة أكثر مما هي متعاطفة، وعنده أيضاً أن الروح في الشعر ـ كما في اللغة ـ مذكر ومؤنث في آن...
وإنى لن أبسط الكلام على لغة الشعر في هذا المقام، فلقد فعلتُ في كتابي «مع الشعر العربي...» منذ سنين (2). ولكن لا بد لي هنا من الإشارة إلى أن هذه اللغة ـ على المعنَيَين ـ ينبغي أن تفي بشرطين:
أ ـ الأول أن تجمع الصفاء إلى العمق والبراءة إلى الوعي. فإذا افتقر الصفاء إلى العمق كان الماء قليلاً، وإذا افتقرت البراءة إلى الوعي انتفت المتعة، إذ يصير النوم فناً، مثلاً. ولهذا السبب بالتحديد كانت أحلام اليقظة أمتع من أحلام المنام، وكانت العبقرية أفضل من الإلهام...
ب ـ وأما الشرط الثاني للغة الشعر ـ ودائماً على المعنَيَين ـ فأن تكون على عمود الشعر، ولكن بمفهومه الأصيل، وليس بذلك الشائع بين العامة من مطابقة الكلام على تفاعيل البحور وتوحيد القوافي مما هو نظم و«صف كلام»...
هذه القصائد ـ يا أخي القارئ ـ تكاد تكون منك بقدر ما هي لك:
أولاً... لأن أرواحنا الفردية منبثقة من الروح الكبرى في هذا الكون. والشعر ـ كماهيّة ـ هو شوق هذه الأرواح الجزئية إلى تلك الروح الواحدة. وهو ـ كفنّ ـ سعيها ووسيلتها إلى التحرر من المادة لمعانقة الروح الكبرى: إنه حنين آتٍ من المستقبل...
وإنه لَسؤال وجودي مقلق دائماً، وجواب نوراني مدهش أبداً، ولكنه ناقص أبداً، نقصانَ لغة الفن عن التعبير الأمين الوافي. ولذا قاربتُ تعريفه منذ حوالى خمسين عاماً بالقول: «إنه علامة استفهام تليها علامة تعجب تليها ثلاث نقاط» (1).
وهذه القصائد تكاد تكون منك بقدر ما هي لك:
ثانياً... لأن القصيدة ـ بما فيها العبثية ـ هي دائماً صنع اثنين: الشاعر والآخر. فهذا الآخر ـ قارئاً أو مستمعاً ـ حاضر أبداً في وجدان الشاعر، في مرآة وعيه وفي بئر لاوعيه، اعترف الشاعر بذلك أم لم يعترف. وإذا صح الزعم بأن الشاعر ـ أو الأديب عموماً ـ لا يعرف لماذا يكتب، أي أنه يكتب عفواً، إلهاماً طبيعياً يفيض من النفس والذات... فلماذا ينشر ما يكتبه إذاً؟
إن المجتمع بكليته جزء عظيم من شخصيتنا. والأدب ـ بما هو تعبير عن الشخصية ـ شجرة ثمارها في جذورها مثلما جذورها في ثمارها.
الشعر أكثره اكتشاف وأقله إبداع، والعبقري جمع في مفرد...
... وإن هذا يشكل تحدياً للشاعر المسؤول كي يبتدع نسقاً جديداً في التعبير، لغةً في اللغة، لمّاحةً وحمّالةَ أوجُه، يلاقي بها أشواق الآخر ـ الذي هو أيضاً جمع في مفرد ـ فيحفزه بنص ذكي على الاكتشاف ليشعر بأنه قطب موجب لا سالب فقط، ويستمتعَ بالإعجاب بنفسه، فضلاً عن الإعجاب بغيره...
والنص الذكي المعني يفترض غموضاً أسمّيه «الغموض الخلاق»، شرط أن يكون غموض غلالة لا غموض حجاب، وإلا فإن الشعاع لن ينفذ والرسالة لن تصل... إذا خرجت المعاني المحتملة عن دائرة الخيال والتصور لدى المتلقي تموت القصيدة. يجب أن نبقي على «خيط أريان» كي لا نضيع في المتاهة وكي لا يبقى المعنى في... قلب الشاعر!
الغموض إغراء، فيما الوضوح فجاجة والعتمة تعمية... فيما السهولة تسجن والصعوبة تحرر.
... وإن الغموض الفني لضرورةٌ أخلاقية أيضاً: إنه يدل على احترامنا للآخر باعتبارنا لوجوده وذكائه منذ البدء بالعمل، كما يدل على حبنا إياه لرغبتنا في أن ينال هو بدوره حظاً من التحرر والخلاص بمعاودة عملية الخلق الشعرية.
إنما الشعر سفارة من الإنسان إلى الإنسان، وكل شاعر سفير، إذا تأملت، وما كل سفير شاعراً، إذا لاحظت... وإنساننا هذا أرض وسماء إذا شئت، أو سماء وأرض، إذا فضّلت... وعنده أن الخير والحق والجمال قيم مترادفة أكثر مما هي متعاطفة، وعنده أيضاً أن الروح في الشعر ـ كما في اللغة ـ مذكر ومؤنث في آن...
وإنى لن أبسط الكلام على لغة الشعر في هذا المقام، فلقد فعلتُ في كتابي «مع الشعر العربي...» منذ سنين (2). ولكن لا بد لي هنا من الإشارة إلى أن هذه اللغة ـ على المعنَيَين ـ ينبغي أن تفي بشرطين:
أ ـ الأول أن تجمع الصفاء إلى العمق والبراءة إلى الوعي. فإذا افتقر الصفاء إلى العمق كان الماء قليلاً، وإذا افتقرت البراءة إلى الوعي انتفت المتعة، إذ يصير النوم فناً، مثلاً. ولهذا السبب بالتحديد كانت أحلام اليقظة أمتع من أحلام المنام، وكانت العبقرية أفضل من الإلهام...
ب ـ وأما الشرط الثاني للغة الشعر ـ ودائماً على المعنَيَين ـ فأن تكون على عمود الشعر، ولكن بمفهومه الأصيل، وليس بذلك الشائع بين العامة من مطابقة الكلام على تفاعيل البحور وتوحيد القوافي مما هو نظم و«صف كلام»...
Page 2
لأن أداة التعبير في الشعر هي اللغة، ولأن اللغة مَشاع، يتصور أيٌّ كان أن في إمكانه قول الشعر، جاهلاً (أو متجاهلاً) أن الشعر مُهرٌ حَرون لا حمارٌ مَقود، وأن للشعر العربي الحقيقي خاصية هي الوزن الفائض من المعنى فيض الجلد من الجسم، وليس مجرد الثوب أو الكيس الذي تملأه بما تشاء حتى ولو كان ذهباً...
إن موسيقى الوزن الخارجية عنصر بنيوي في الشعر يتفاعل مع عناصره الأخرى فيغني معناه ويزيد من تأثيره، على غرار ما تحدثه الفنون المختلفة من غناء ورقص وموسيقى ورسم وإضاءة (وربما تعطير وتبخير)، عندما تتآزر في ما بينها في مشهدية ساحرة تأخذك إلى حيث تدري ولا تدري...
وباختصار، نحن مع السنونو والنسور، ولسنا مع البط والدجاج...
فيا أيها الآخر
يا أخي حقاً، كما عرفت... ويا شريكي فعلاً، كما رأيت...
إن الحياة هي قصيدتنا الكبرى... ولا أريد أن أصدق أن الموت هو قصيدتنا الأخيرة...
فما عليك من بعد، إذا نشدت الاسترواح والخلاص، إلا أن تقبل على عالمنا العبقري هذا، بعين الرائي وقلب المحب... وبِلِبسة المتفضل أيضاً:
إنما الشعر ضيّق الباب فاخلع
عنك أصداف مُضمَرات الجُمانِ
وتبتل في بيته وتناول
سرّ خمر وعاه قلب الدنانِ
فإن له مدخلاً... وينبغي أن يكون له...
وإن له مخرجاً... والأفضل ألا يكون له!...
أنـا
كَبِرتُ، صَغِرتُ... شتاءٌ وصيفْ
على شُرفةٍ؟... ذاكَ واللّهِ حَيفْ
على أنني رُغمَ أسرارها
سأكملُ دربي على حَدِّ سيفْ
وأغرفُ منها بِكلْتَا اليدينِ
فلستُ على ظهرها غيرَ ضيفْ
يكرّر لعبةَ فأرٍ وقطٍّ
مع الموت... يُلْبِسُها ألفَ كيفْ
فمالٌ وجاهٌ وحربٌ وحُبٌّ
ودينٌ وفنٌّ وصدقٌ وزَيفْ
وأشياءُ أخرى... تصير إلى
ظلامٍ تَبَرّأَ من كل خوفْ
له شاهدٌ مرمريٌّ يقولُ:
«أنا الوهمُ... فافرحْ بأنك طيفْ»!
10/1/1997
إن موسيقى الوزن الخارجية عنصر بنيوي في الشعر يتفاعل مع عناصره الأخرى فيغني معناه ويزيد من تأثيره، على غرار ما تحدثه الفنون المختلفة من غناء ورقص وموسيقى ورسم وإضاءة (وربما تعطير وتبخير)، عندما تتآزر في ما بينها في مشهدية ساحرة تأخذك إلى حيث تدري ولا تدري...
وباختصار، نحن مع السنونو والنسور، ولسنا مع البط والدجاج...
فيا أيها الآخر
يا أخي حقاً، كما عرفت... ويا شريكي فعلاً، كما رأيت...
إن الحياة هي قصيدتنا الكبرى... ولا أريد أن أصدق أن الموت هو قصيدتنا الأخيرة...
فما عليك من بعد، إذا نشدت الاسترواح والخلاص، إلا أن تقبل على عالمنا العبقري هذا، بعين الرائي وقلب المحب... وبِلِبسة المتفضل أيضاً:
إنما الشعر ضيّق الباب فاخلع
عنك أصداف مُضمَرات الجُمانِ
وتبتل في بيته وتناول
سرّ خمر وعاه قلب الدنانِ
فإن له مدخلاً... وينبغي أن يكون له...
وإن له مخرجاً... والأفضل ألا يكون له!...
أنـا
كَبِرتُ، صَغِرتُ... شتاءٌ وصيفْ
على شُرفةٍ؟... ذاكَ واللّهِ حَيفْ
على أنني رُغمَ أسرارها
سأكملُ دربي على حَدِّ سيفْ
وأغرفُ منها بِكلْتَا اليدينِ
فلستُ على ظهرها غيرَ ضيفْ
يكرّر لعبةَ فأرٍ وقطٍّ
مع الموت... يُلْبِسُها ألفَ كيفْ
فمالٌ وجاهٌ وحربٌ وحُبٌّ
ودينٌ وفنٌّ وصدقٌ وزَيفْ
وأشياءُ أخرى... تصير إلى
ظلامٍ تَبَرّأَ من كل خوفْ
له شاهدٌ مرمريٌّ يقولُ:
«أنا الوهمُ... فافرحْ بأنك طيفْ»!
10/1/1997
Page 3
قراءة على الشاشة
1 ـ لمساتُ بَنان... فإذا بك في اليابان...
في كندا... في الكونغو... في البلقان...
في أي مكان!
تغدو قمراً في الأقمار يدورُ مع الفلك الدوّارْ...
ليلَ نهارْ
تشهد حفْلاتٍ ومجازرْ
بالألوانْ
تحضر مؤتمرات
وتجيئك آلافٌ آلاف...
في غرفهْ
دون شعور بالضيق أو الكلفهْ
فتظل تُمَزمِز فِنجان القهوة...
أو تبقى بلباس النوم:
تتعشّى صوراً
وتنامُ على صور
وتُفيقُ على صور
لتهوّم في صور!
كلّ الأشياءِ غدت صوراً... حتى الصّورة!
2 ـ لمساتُ بَنان... وَخَزات سِنانْ
وأصابعنا المقرورة
أفصحُ منا،
في بعض الأحيان:
كانت هِبَةً من قصب السكّرْ
فغدت في صحة «بِيك»
(رحم اللّه زمانَ السكّر،
غزْلَ بناتٍ وشبابيك)
وُسْطاها شكت السّبابهْ
فاتهمت هذي الإبهام...
بمعاداةِ الأقلام
وبكى قصبُ الشبّابهْ
موت الحبر ونحر الأوراق:
أمسِ مكاتيبَ العشاق
1 ـ لمساتُ بَنان... فإذا بك في اليابان...
في كندا... في الكونغو... في البلقان...
في أي مكان!
تغدو قمراً في الأقمار يدورُ مع الفلك الدوّارْ...
ليلَ نهارْ
تشهد حفْلاتٍ ومجازرْ
بالألوانْ
تحضر مؤتمرات
وتجيئك آلافٌ آلاف...
في غرفهْ
دون شعور بالضيق أو الكلفهْ
فتظل تُمَزمِز فِنجان القهوة...
أو تبقى بلباس النوم:
تتعشّى صوراً
وتنامُ على صور
وتُفيقُ على صور
لتهوّم في صور!
كلّ الأشياءِ غدت صوراً... حتى الصّورة!
2 ـ لمساتُ بَنان... وَخَزات سِنانْ
وأصابعنا المقرورة
أفصحُ منا،
في بعض الأحيان:
كانت هِبَةً من قصب السكّرْ
فغدت في صحة «بِيك»
(رحم اللّه زمانَ السكّر،
غزْلَ بناتٍ وشبابيك)
وُسْطاها شكت السّبابهْ
فاتهمت هذي الإبهام...
بمعاداةِ الأقلام
وبكى قصبُ الشبّابهْ
موت الحبر ونحر الأوراق:
أمسِ مكاتيبَ العشاق
Page 4
واليوم جرائدَنا الغرّاء وغيرَ الغرّاء
وغدا ظَرْف الظُرْف وعاءَ الحكمة خيرَ الجلساء!
3 ـ أحلامك أصلاً صورٌ
وحياتك صارت صوراً
فتصور:
ما أروع تحقيق الأحلام!
ما أروع أن ترتاحْ
في حضن أريكهْ
وتجيئك بالتفّاحْ
حسناء مليكهْ
ما قادت مكّوكَ فضاءْ
أو ركبت دبابهْ
في رملِ الصّحراء!
4 ـ آهٍ يا ليلاي:
الواقفُ خلف الكاميرا
يستهوي العدسات
والواقفُ قُدّام العدسات
ليس سوى صورة
فلماذا لا نُلفي الرّجلَ العربي
خلف الكاميرا؟
ولماذا في علم حسابه
ـ يا ذات السّجنين ـ
ليس حصيلة جمع المرأة والرجل اثنين؟
إن قرأ اليوم بأنّ مؤنّثَ أعور... عورة
فغداً يقرأُ أنّ مذكّر ثورٍ... ثورة!
5 ـ سهم مسار الأقمارْ في الفلكِ الدوّارِ...
من الغربِ إلى الشّرق
أمّا الطعنة في القلبْ
فشِمالَ جَنوب...
والصّورةُ في المرآةِ كسيرة!
بالسيف عليك وبالحبْ
بالصّفرِ وبالجبرْ
من أين أتى الكسر
وكلّ مرايانا أخلصها الأعلمْ...
إبن الهيثم؟
فتصور!...
(8/1/1995)
وغدا ظَرْف الظُرْف وعاءَ الحكمة خيرَ الجلساء!
3 ـ أحلامك أصلاً صورٌ
وحياتك صارت صوراً
فتصور:
ما أروع تحقيق الأحلام!
ما أروع أن ترتاحْ
في حضن أريكهْ
وتجيئك بالتفّاحْ
حسناء مليكهْ
ما قادت مكّوكَ فضاءْ
أو ركبت دبابهْ
في رملِ الصّحراء!
4 ـ آهٍ يا ليلاي:
الواقفُ خلف الكاميرا
يستهوي العدسات
والواقفُ قُدّام العدسات
ليس سوى صورة
فلماذا لا نُلفي الرّجلَ العربي
خلف الكاميرا؟
ولماذا في علم حسابه
ـ يا ذات السّجنين ـ
ليس حصيلة جمع المرأة والرجل اثنين؟
إن قرأ اليوم بأنّ مؤنّثَ أعور... عورة
فغداً يقرأُ أنّ مذكّر ثورٍ... ثورة!
5 ـ سهم مسار الأقمارْ في الفلكِ الدوّارِ...
من الغربِ إلى الشّرق
أمّا الطعنة في القلبْ
فشِمالَ جَنوب...
والصّورةُ في المرآةِ كسيرة!
بالسيف عليك وبالحبْ
بالصّفرِ وبالجبرْ
من أين أتى الكسر
وكلّ مرايانا أخلصها الأعلمْ...
إبن الهيثم؟
فتصور!...
(8/1/1995)
Page 5
قصيدتي...
قصيدتي تُحبّني
لكنها تصبو إليكْ
قصيدتي تنامُ في الحروفْ
لكنْ بهيُّ حُلمها وقفٌ على ما خُطّ بالثُلُثْ
أو الريحانْ
أو ابنِ عمّه أو عمّتهْ
وتترك الكابوس للرقعةْ
(مظلومِ محفل الخطوط)
ثلاثةٌ في واحدٍ
فقل آمين ـ لا آمونْ ـ
كَرمى لإخناتون!...
لكنّ بيتها القصيدْ
بيت بعيدْ
وحالُه حالُ العِنَبْ:
إن تختصرْ رحلته تحصُلْ على زبيبْ
وإن تُطِلْها تحظَ بالمنّ وبالسلوى وبالحليبْ
ألا يقول المثل: «الأجرُ على قدر المشقةْ»؟
وأنّ المعبد القريب لا يشفي؟
وأن سرّ البركهْ
في الحركهْ؟
فَقُمْ أسرجْ حصان البرقِ دقَّ الأرضَ هُزَّ الميتَ جُدْ بالزيتِ... يحيَ البيتُ تستروحْ بك الحياةُ، تحتفِ، تُقرعْ لك الأجراسُ فيهِ فاسمعْ جرْسها العميقْ
قصيدتي تُحبّني
لكنها تصبو إليكْ
قصيدتي تنامُ في الحروفْ
لكنْ بهيُّ حُلمها وقفٌ على ما خُطّ بالثُلُثْ
أو الريحانْ
أو ابنِ عمّه أو عمّتهْ
وتترك الكابوس للرقعةْ
(مظلومِ محفل الخطوط)
ثلاثةٌ في واحدٍ
فقل آمين ـ لا آمونْ ـ
كَرمى لإخناتون!...
لكنّ بيتها القصيدْ
بيت بعيدْ
وحالُه حالُ العِنَبْ:
إن تختصرْ رحلته تحصُلْ على زبيبْ
وإن تُطِلْها تحظَ بالمنّ وبالسلوى وبالحليبْ
ألا يقول المثل: «الأجرُ على قدر المشقةْ»؟
وأنّ المعبد القريب لا يشفي؟
وأن سرّ البركهْ
في الحركهْ؟
فَقُمْ أسرجْ حصان البرقِ دقَّ الأرضَ هُزَّ الميتَ جُدْ بالزيتِ... يحيَ البيتُ تستروحْ بك الحياةُ، تحتفِ، تُقرعْ لك الأجراسُ فيهِ فاسمعْ جرْسها العميقْ
Page 6
ولا عليك إن قضى بوقفةٍ كبرى على عتبتهْ
ووقفة أخرى حِذا خرزة زرقاء فوق بابهِ
معلقهْ
كمشنقهْ
لكل عينٍ قد تصيب أربعهْ:
مهندسا
وعاقلاً قد شاد محبسا
للريح والصواعقْ
وحارسا
يُطلقها ليشعل الحرائقْ
في جسد القصيدهْ
ثم ـ أخيراً ـ غاوياً يعشو إلى وهْج الضرامْ
كي ينتشي بالبردِ والسّلامْ
ويزدهي بنفسه أنْ عَرَفَ الهيامْ...!
من بعد هذا كلّهِ...
إذا أتى شيطان شعري زاعماً بأنه الذبابةُ التي تحدو جياد المركبهْ
وأنني بالبيت دائماً مسكونْ
(أي أنني مجنونْ)
فلا تصدقه لأنه شيطانْ!
الشعرُ عندي قُدُسٌ وجَنّةٌ وجُنّةٌ فكيف تدّعيه الجانْ
أما كفاه ما جنى عليه اثنان في هذا الزمانْ
فطائرٌ منظِّرٌ للغيم في الأدبْ
قد ضيّع العنوانْ
وطارىءٌ أعجزه فنُّ العربْ
فكسر الميزانْ؟
الشّعر فعلُ الصدق فعل الحب واتساق الخفقان
ويستوي في بعثه الصهيل في الميدانِ والصهيل في الكيانْ
والشوك والساتانْ
والوردُ ملموماً على فمٍ أو مشرعاً في الجرح آناً بعد آنْ
وشاهداً في السرّ والعَلَنْ
في لوحة الفنان... والبستانْ
على هشاشةِ المكانِ
وانهزامِ الوقتِ في وجه الزمن!
فسلهما بأيّ وردةٍ يكذّبانْ
بل سلهما بأي وردةٍ يصدّقانْ
إسألهما إسألْ
ولا تَمَلْ
ما الشعر إلا ذلك السؤالُ
ذلك الأملْ
بلحظةٍ من مجدْ
فيها يسير الورد
في جنازة البيانْ
كي ينقذَ الإنسان!
هذي هي الحكايهْ
كما عرفتها في بيتها السعيدْ
ذاك البعيدْ
وسامحوني إن أنا كررتها إلى ما لا نهايهْ
ووقفة أخرى حِذا خرزة زرقاء فوق بابهِ
معلقهْ
كمشنقهْ
لكل عينٍ قد تصيب أربعهْ:
مهندسا
وعاقلاً قد شاد محبسا
للريح والصواعقْ
وحارسا
يُطلقها ليشعل الحرائقْ
في جسد القصيدهْ
ثم ـ أخيراً ـ غاوياً يعشو إلى وهْج الضرامْ
كي ينتشي بالبردِ والسّلامْ
ويزدهي بنفسه أنْ عَرَفَ الهيامْ...!
من بعد هذا كلّهِ...
إذا أتى شيطان شعري زاعماً بأنه الذبابةُ التي تحدو جياد المركبهْ
وأنني بالبيت دائماً مسكونْ
(أي أنني مجنونْ)
فلا تصدقه لأنه شيطانْ!
الشعرُ عندي قُدُسٌ وجَنّةٌ وجُنّةٌ فكيف تدّعيه الجانْ
أما كفاه ما جنى عليه اثنان في هذا الزمانْ
فطائرٌ منظِّرٌ للغيم في الأدبْ
قد ضيّع العنوانْ
وطارىءٌ أعجزه فنُّ العربْ
فكسر الميزانْ؟
الشّعر فعلُ الصدق فعل الحب واتساق الخفقان
ويستوي في بعثه الصهيل في الميدانِ والصهيل في الكيانْ
والشوك والساتانْ
والوردُ ملموماً على فمٍ أو مشرعاً في الجرح آناً بعد آنْ
وشاهداً في السرّ والعَلَنْ
في لوحة الفنان... والبستانْ
على هشاشةِ المكانِ
وانهزامِ الوقتِ في وجه الزمن!
فسلهما بأيّ وردةٍ يكذّبانْ
بل سلهما بأي وردةٍ يصدّقانْ
إسألهما إسألْ
ولا تَمَلْ
ما الشعر إلا ذلك السؤالُ
ذلك الأملْ
بلحظةٍ من مجدْ
فيها يسير الورد
في جنازة البيانْ
كي ينقذَ الإنسان!
هذي هي الحكايهْ
كما عرفتها في بيتها السعيدْ
ذاك البعيدْ
وسامحوني إن أنا كررتها إلى ما لا نهايهْ
Page 7
لأنّ بيتي ها هنا ثاوٍ على جُرْفٍ بأدنى أرضه نهرٌ خرافيٌّ عنيدْ
يجري إلى ما لا نهايهْ
منبعه من جبل مقلوبْ
يدعونه عبقرْ
وماؤه نصفان: مالحٌ وكوثر
منه اغْتُرِفتُ في البدايهْ
ثم اغْتَرَفتُ هذه الحكايهْ
مُدامةً للعيش... ما أقلَّها
أدمنتُ منها سكبها... وعَلَّها
لعلّها تنقذني من حَيرتي... لعلّها
فعقدةُ الوجود والخلود والغرور والمسير والمصير
قد فهمتها
ولكن ما استطعت حلّها!
تلكمْ هي الحكايهْ
أمانةً أتركها لديكم
أمانة أتركها لكمْ
لعلّكمْ...
لعلّها!...
(2007)
يجري إلى ما لا نهايهْ
منبعه من جبل مقلوبْ
يدعونه عبقرْ
وماؤه نصفان: مالحٌ وكوثر
منه اغْتُرِفتُ في البدايهْ
ثم اغْتَرَفتُ هذه الحكايهْ
مُدامةً للعيش... ما أقلَّها
أدمنتُ منها سكبها... وعَلَّها
لعلّها تنقذني من حَيرتي... لعلّها
فعقدةُ الوجود والخلود والغرور والمسير والمصير
قد فهمتها
ولكن ما استطعت حلّها!
تلكمْ هي الحكايهْ
أمانةً أتركها لديكم
أمانة أتركها لكمْ
لعلّكمْ...
لعلّها!...
(2007)
Page 8
إلى الاسكندرية...
1 ـ أديري على ذكرها المِبْخَرهْ
لما قد رأيتُ وما لم أرهْ
وحوطي عجائبها بالرُّقى
هي اسكندريّةُ يا اسكندرهْ!
أخو إرَمٍ قبل الاُسكندر
افتلاها على خِرَب الدّسكرهْ (3)
ولكنْ ربيبُ أرسطو العظيمِ
ابتنى واجتلى فغدت مفخرهْ
وكانت عماراتها درراً
وسبعةُ أسوارها أسورهْ
وأغنى عن الضّوءِ في ليلها
بياضُ الرّخامة والمرمرهْ
وعوّذ قرنيه أنسالُه
بعينين كلتيهما مبصرهْ:
منارةِ بحرٍ علا برجُها
وبركارها دوّخ المِسطرهْ
ومرآتها رَوّعت جِنّةً
ففرُّوا إلى اللّجّ كالأَحمرهْ
ومكتبةٍ عَدُّ أسفارها
مئاتُ ألوفٍ سَنَت مُبهرهْ
وعن عالمٍ كشفت ظلمةً
فأحرقها ظالمٌ قيصرهْ...!
تُرى كليوباترا أعادت إليها
شميم اللفائِف والمِحبرهْ
أم انّ الكفاح اقتضى قلبها
تَملّقَ قيصرَ كي تقهرهْ؟
... وخفّت إليها زنوبيّةٌ
فمرّت كحلم... وما أقصرهْ
ولكنّ عَمْراً حباها السّلام
غداة مُقوقسُها استنصرهْ!
* * *
1 ـ أديري على ذكرها المِبْخَرهْ
لما قد رأيتُ وما لم أرهْ
وحوطي عجائبها بالرُّقى
هي اسكندريّةُ يا اسكندرهْ!
أخو إرَمٍ قبل الاُسكندر
افتلاها على خِرَب الدّسكرهْ (3)
ولكنْ ربيبُ أرسطو العظيمِ
ابتنى واجتلى فغدت مفخرهْ
وكانت عماراتها درراً
وسبعةُ أسوارها أسورهْ
وأغنى عن الضّوءِ في ليلها
بياضُ الرّخامة والمرمرهْ
وعوّذ قرنيه أنسالُه
بعينين كلتيهما مبصرهْ:
منارةِ بحرٍ علا برجُها
وبركارها دوّخ المِسطرهْ
ومرآتها رَوّعت جِنّةً
ففرُّوا إلى اللّجّ كالأَحمرهْ
ومكتبةٍ عَدُّ أسفارها
مئاتُ ألوفٍ سَنَت مُبهرهْ
وعن عالمٍ كشفت ظلمةً
فأحرقها ظالمٌ قيصرهْ...!
تُرى كليوباترا أعادت إليها
شميم اللفائِف والمِحبرهْ
أم انّ الكفاح اقتضى قلبها
تَملّقَ قيصرَ كي تقهرهْ؟
... وخفّت إليها زنوبيّةٌ
فمرّت كحلم... وما أقصرهْ
ولكنّ عَمْراً حباها السّلام
غداة مُقوقسُها استنصرهْ!
* * *
Page 9
2 ـ هنيئاً لكِ العزُّ عهدَ المُعزّ
بأسطولكِ السّيّد السيّطرهْ
وعهدَ «مُحمدْ علي» وابنه الـ
مُجدَّين للوَحدة المثمرهْ
كأنهما هما جدّا «جمال»
عشيّة فيكِ اعتلى منبره
وهزّ الورى وكأنّي به
على ظهر أبجره عنترهْ
فحرّك «سعداً» بميدانه
وأيقظ «رمسيس» في المقبرهْ (4)!...
ترى ما تزال على عهدها الـ
حياة على أرضكِ الخيّرهْ
تموج شواطئكِ السّاحراتُ
بأحلامنا الغضةِ المزهرهْ
وتملأ «كُرْنيشَك» المستهامَ
مواكبُ للحُسن والغندرهْ؟
وما حال «مُرسي» و «أولاد بحري»
وكيف «التّرامُ» وكيف «الكُرَهْ»؟
و «سَيّدُ درويشَ»... مَن بَعدَه
تغنّى بصخركِ فاستعبرهْ؟
وتلك الّليالي؟ وتلك الجوالي؟
وتلك الجوامع والأديرهْ
وتلك الثقافات في عرسها
سفائنَ مقبلةً مدبرهْ:
«مُحمّدُ عبدهْ» و «طه حُسين»
بأسطولكِ السّيّد السيّطرهْ
وعهدَ «مُحمدْ علي» وابنه الـ
مُجدَّين للوَحدة المثمرهْ
كأنهما هما جدّا «جمال»
عشيّة فيكِ اعتلى منبره
وهزّ الورى وكأنّي به
على ظهر أبجره عنترهْ
فحرّك «سعداً» بميدانه
وأيقظ «رمسيس» في المقبرهْ (4)!...
ترى ما تزال على عهدها الـ
حياة على أرضكِ الخيّرهْ
تموج شواطئكِ السّاحراتُ
بأحلامنا الغضةِ المزهرهْ
وتملأ «كُرْنيشَك» المستهامَ
مواكبُ للحُسن والغندرهْ؟
وما حال «مُرسي» و «أولاد بحري»
وكيف «التّرامُ» وكيف «الكُرَهْ»؟
و «سَيّدُ درويشَ»... مَن بَعدَه
تغنّى بصخركِ فاستعبرهْ؟
وتلك الّليالي؟ وتلك الجوالي؟
وتلك الجوامع والأديرهْ
وتلك الثقافات في عرسها
سفائنَ مقبلةً مدبرهْ:
«مُحمّدُ عبدهْ» و «طه حُسين»
Page 10
و «شوقي» و «محفوظ» في المنظرهْ
صنيعَ «فُلوطينَ» ذي المشعلينِ
و «فيلونَ» والعصبةِ النيّرهْ
وكلّ الذين أتوا بعدهم
وكانوا هم الزّيت والمِعصرهْ؟...
أعِدْلَ أثينا وقرطاجةٍ
وروما بما فكرُكِ استعمره
لو النّيلُ من قبل أن توجدي
تقرّى حضارتكِ المضمرهْ
لَثلّثَ دِلتاهُ ثمّ انتخى
وعَمّدَ مَوردَه مصدرَه!...
* * *
3 ـ سلامٌ عليكِ عروسَ الثغورِ
سلامٌ عليك مدى الأدهرهْ
سلامٌ... ويصدمني حَجَرٌ
إلى الغرب مستعمر هجّرهْ (5)
بكته «رشيدُ» كما قد بكيتِ
مِسلّة الاقصر والجوهرهْ!
سلامٌ... ويهتف بي «خَفرعٌ»
و «خوفو» وصاحبه «مُنقَرَهْ»
بأنْ جاءنا هرمٌ رابعٌ
يُشرّف مصرَ ومَن عمّره
أطلّ علينا بمكتبةٍ
تسامت بقُبّتها المقمرهْ
على شط بحركِ موعودةً
بعقلٍ يُكبّرُ مُستكبرَه
صنيعَ «فُلوطينَ» ذي المشعلينِ
و «فيلونَ» والعصبةِ النيّرهْ
وكلّ الذين أتوا بعدهم
وكانوا هم الزّيت والمِعصرهْ؟...
أعِدْلَ أثينا وقرطاجةٍ
وروما بما فكرُكِ استعمره
لو النّيلُ من قبل أن توجدي
تقرّى حضارتكِ المضمرهْ
لَثلّثَ دِلتاهُ ثمّ انتخى
وعَمّدَ مَوردَه مصدرَه!...
* * *
3 ـ سلامٌ عليكِ عروسَ الثغورِ
سلامٌ عليك مدى الأدهرهْ
سلامٌ... ويصدمني حَجَرٌ
إلى الغرب مستعمر هجّرهْ (5)
بكته «رشيدُ» كما قد بكيتِ
مِسلّة الاقصر والجوهرهْ!
سلامٌ... ويهتف بي «خَفرعٌ»
و «خوفو» وصاحبه «مُنقَرَهْ»
بأنْ جاءنا هرمٌ رابعٌ
يُشرّف مصرَ ومَن عمّره
أطلّ علينا بمكتبةٍ
تسامت بقُبّتها المقمرهْ
على شط بحركِ موعودةً
بعقلٍ يُكبّرُ مُستكبرَه