Page 1
هذه المختارات
بقلم: أ·د· محمد جابر الأنصاري
الأستاذ تقي محمد البحارنة أديب متمكن شعراً ونثراً وقد قرأت له، أول ما قرأت، مقالاً نثرياً في صوت البحرين منتصف الخمسينيات من القرن الميلادي المنصرم، وهذا ما ذكرته في كلمتي الموجزة عنه في مناسبة تكريمنا له بمركز عيسى الثقافي· وقد شرفني حينئذ بطلب أن أكتب مقدمة لهذه المختارات الشعرية الجميلة·
وللأمانة فلا بد أن أذكر بداية رأيي في شعرنا العربي· إنني أعتقد أن عبارة الشعر ديوان العرب عبارة انتحارية· فالتعامل مع واقع العالم شعراً بمثابة عملية انتحار· وقد تجاوز العالم الحديث مسألة العواطف (التي تحكم الشعر) وصار يعبر عن رؤى العقل نثراً، وأستغرب من كبار المثقفين العرب الداعين لتأسيس شعر عربي جديد، لماذا لا ينادون أولاً بتأسيس نثر عربي جديد؟ ما لم يحدث هذا التطور الأدبي، وتدخل أمتنا عالم العقل وما يتطلبه من صياغات نثرية، فإننا سنبقى في عالمنا القديم نجتر الشعر وننظر إلى واقع العالم بنظرة شعرية، عاطفية، تبعدنا عن ذلك الواقع !
لكنني أعتقد، أيضاً، إن الشعر ملكة جمالية إنسانية لا يستغني عنها الإنسان في حياته، بشرط ألا تكون معياراً لنظرته إلى واقع العالم· لن يستغني الإنسان عن الشعر، مهما أسرف في رؤى العقل، ومهما تعددت زياراته إلى القمر في ظل فتوحات العلم·
وعندما يفرغ الإنسان من تأمله العقلي، يلجأ إلى الشعر في مخاطبة الحبيبة والطبيعة والكون بأسره· من هنا الاحتفاء بالشعر والشعراء، وبهذه المختارات الشعرية الجميلة·
والجدير بالذكر، ملاحظة نقدية، لاحظتها من دراستي للأدب العربي والأدب الإنساني المقارن، وهي أن الأديب إما يبرع في الشعر أو في النثر، ولو حاول الانتقال مما برع فيه، إلى الفن الآخر، تعثر وجاء بنموذج لا قيمة له·
وقد خرق الأستاذ تقي محمد البحارنة قاعدة التخصص إمّا شعراً أو نثراً··· فقد كتب في الفنين· والبعض يراه ناثراً فحسب، والبعض الآخر لا يطرب إلا لشعره·
وثمة مساحة مشتركة بيننا وهي حبنا وتقديرنا لشاعر البحرين الكبير الأستاذ إبراهيم العريض الذي واصل كتابة مقالات صحفية بعنوان (منزلة الشعر بين الفنون) ثم أصدر كتاباً قيماً بعنوان (الشعر والفنون الجميلة) حافلاً بالنماذج الشعرية في كل فن من تلكم الفنون الجميلة··· ومعروف عن الأستاذ العريض ذوقه الشعري الجميل، وعلى يده وبتشجيع منه تخرج شعراء عديدون لاسيما في موطنه البحرين··· فاستحق إهداء هذا الكتاب إلى روحه الطيبة· كما يكتب الأستاذ تقي تقدمةً منه لهذه المختارات الجديرة بالاهتمام·
فهذه الأشعار اختارها المؤلف خلال رحلة العمر ولم يجلس إلى طاولة ويختارها، كما فعل آخرون·
وفي تقدمته لهذه المختارات - وكأنه يرد على القائلين بهامشية الشعر في الحياة الإنسانية، نراه يقول: حينما يكون الشعر جميلاً، أنه يأخذ موضعه من القلب، والقلب لا يخضع للموازين·
فذلك صحيح· وهو رد على مدرسة العقل·
وهذه المختارات الشعرية الجميلة بين يدي القارئ، وستكون مرجعاً لمن يريد التعرف على الذوق الشعري لدى تقي البحارنة، لكني أتمنى أن يطلع القارئ على ما كتب من نثر، ففيه جمال، وفيه التقاط للمح إنسانية، كما في كتابه (أوراق ملونة)·
وأعتقد أن صدور هذه المختارات، في هذه المناسبة: المنامة عاصمة الثقافة العربية التي نقدر لوزيرة الثقافة البحرينية الشيخة مي بنت محمد بن إبراهيم آل خليفة، جهدها في سبيل إعلانها وتنظيمها، ما هو إلا دليل آخر على غنى هذا البلد بالأدباء والشعراء· فتحية للأستاذ تقي البحارنة، صاحب هذه المختارات الجميلة، وللشيخة مي بنت محمد بن إبراهيم آل خليفة وزيرة الثقافة البحرينية صاحبة الجهود العديدة في مجال إحياء التراث الوطني لمملكة البحرين··· والله من وراء القصد·
أ·د· محمد جابر الأنصاري
Page 2
الـمـقّدمـة
تـعـددّت جهود الأدباء والشعراء والناشرين في وطننا العربي في مجال جمع المختار من اشعار العرب، بدأ بحماسة أبي تمام والبحتري وما جاء قبلهما، إلى مختارات الأستاذ إبراهيم العريض المعنونة من الشعر الحديث ومن لحق به في هذا المضمار حتى يومنا هذا·· وقد وضعت مـلحقاً لهذا الكتاب بأسماء أهم تلك المختارات الشعرية لفائدة القارىء الكريم·
أما في هذا الكتاب، فقد اخترت من الشعر العربي ما حسبته في ذوقي شعراً جميلا دوّنت معظمه في أوراق متناثرة خلال رحلة العمر منذ الصغر وإلى اليوم، حين حسبتها قد أينعت وحان قطافها· وقد أكملت تلك المختارات الشخصية بما تيسر قطافه من بقية كتب الأشعار· لهذا فليس من المستبعد أن يجد القارىء في هذه المختارات قصائد وأشعاراً لم يسمع بها من قبل، وشعراء ليست لهم دواوين شعر متداولة·
وقد رتبت تلك المختارات من الأشعار في مجموعات متـّـفـقة في موضوعاتها بحسب التسلسل التاريخي؛ لكي يكتشف القارىء بنفسه اختلاف رؤية كل شاعر وأسلوبه مع تطور الأزمان واختلاف الظرف والمكان، على أن يكون الجمال الشعري هو القاسم المشترك في تلك المختارات··· بحيث يكون أقرب إلى النفس وألصق بالمشاعر الإنسانية النبيلة· وإذا كان القارىء ممن يعنى بدراسة الأساليب الشعرية، فسيجد في تلك النصوص مجالاً خصباً لمقارنة اساليب التعبير، وجموح الخيال، وتـقـّـلب المناخ الذي يتنفس فيه الشعراء على مدى العصور·
يحتوي هذا الكتاب على مختارات من الشعر العربي الجميل، خلال فترة تمتد من العصر الجاهلي حتى وقتنا هذا·
بعض تلك المختارات قصائد كاملة أو شبه كاملة، وبعضها مقتطفات· ومن البديهي أن الشعر العربي الجميل، على امتداد تاريخه الطويل الذي يتجاوز ألفا وسبعمائة سنة، لا يمكن أن يستوفيه كتاب واحد·· فاقتضت الضرورة الاقتصـار على نماذج يسيرة منه· واقتضت الضرورة أيضا اختصار بعض أبيات من القصائد من تسلسلها الأصلي بما يتناسب مع المواضيع التي جاء بها التبويب؛ أو لخشونتها أحيانا، أو لكونها أحيانا لا تعبر عن قيم إنسانية·
وقد اكتفيت بالنماذج التي تيسر لي الاطلاع عليها، مع العلم أن في ذلك حرماناً يقتضي الاعتذار·· لكثير من الشعراء البارزين القدامى منهم والمحدثين في أقطار المشرق العربي ومغربه·· وأندلسه ومن سواهم في أقطار العالم، للأسباب التي ذكرتها· وبإمكان القارىء المتتبع الذي يوجه اهتمامه للنصوص الأصلية الكاملة أن يجدها في مظانها الأصلية ومراجعها المعروفة·· وذلك استيفاء للأمانة العلمية والأدبية·
كما أني ضربت صفحا عن أشعار وقصائد المديح والهجاء والفخر والرثاء وأشعار المناسبات، واقتصرت على مواضيع أخرى يتجّـلى فيها الشعر الجميل أكثر من غيرها·
يتردد كثيراً القول بأن الشعر هو الفن الجامع للفنون الجميلة·· في الشعر فن الغناء إذ لا غناء بلا شعر··وفي الشعر تجد الموسيقى والنغمات المتناسقة في التفعيلات والقوافي والأوزان، ومن الشعر ما يشبه النحت والتصوير وما يصلح للتمثيل على المسرح، كما تجد في الأشعار أبياتا راقصة تهتز لها طرباً··· وفنوناً أخرى تحرّك العاطفة مما لا تجده في سائر الفنون·
ومن أواخر الذين أكدوا هذا القول ودافعوا عنه وأفردوا له المقالات والكتب هو شاعر البحرين الأستاذ إبراهيم العريض، الذي واصل كتابة مقالات صحفية بعنوان (منزلة الشعر بين الفنون) ثم أصدر كتابا قيما بعنوان (الشعر والفنون الجميلة)·· حافلاً بالنماذج الشعرية في كل فن من تلكم الفنون الجميلة·· ومعروف عن الأستاذ العريض ذوقه الشعري الجميل، وأن على يده وبتشجيع منه تخرج شعراء عديدون، لاسيما في موطنه البحرين·· فاستحق اهداء هذا الكتاب إلى روحه الطيبة·
وقد يلاحظ القارىء الكريم أنني أقللت بعض الشيء من مختارات الشعر الحديث، وذلك بسبب سهولة تناوله وقرب أيامه، وانتشار دوواين الشعر الحديث لتكون في متناول المهتمين·· لكني لم أبخل عليه·· ووجهت اهتمامي لحاجة طلاب المدارس ومدرسي الأدب العربي وعامة الناس··للتعرف على نماذج من الشعر الجميل ليست عويصة ولا مستعصية على الفهم، وخاصة من الشعر الجاهلي والقديم الذي انصرف معظم الناشئين عنه لصعوبته وامتلائه بأسماء المواضع والقبائل والكلمات القاموسية·
Page 3
وبعد - فلقد تنوّعت أحكام الأقدمين ونظريات المحدثين حول العناصر الفنية الواجب توافرها في تقييم الشعر الجميل·· واجتمعوا على أن الذوق الشعري هو أهمّها عند الأختيار· حينما يكون الشعر جميلاً فإنه يأخذ موضعه في القلب، والقلب لا يخضع للموازين·· وحينما يكون الشعر جميلاً فهو يأخذ بالألباب ويستولي على السمع والبصر والفؤاد، وتراه يتغلغل في النفس دون خوف من حاجب ولا أذن من رقيب·
أما أنا··· فتتراءى لي مختارات الأشعار عموما وكأنها باقات من الزهور مختلفة الألوان، ينظمها الأدباء والشعراء حسب أذواقهم الفنية لتزدهر بأريجها وألوانها رفوف المكتبات وأفئدة القارئين، تنشر العطر وتغذي الروح وتصقل الملكات··· وفي أحيان أخرى تبدو لي وكأنها كنوز انسانية من الفكر والعواطف وتجارب البشر تنثر جواهرها بين الناس فتثير فيهم الدهشة والأعجاب ويغمرهم الفرح وتستولي عليهم مشاعر الأبداع وأحلام اليقظة والمنام··· وأما عند المغرمين بروائع الكلم وسحر البيان ورقة المشاعر ودقة التصوير وجمال الكون·· فهي تستفزّهم للإيمان بعظمة الخالق، هاتفين لجلاله خاشعين: الله أكبر وسبحان الله·· أو كما قال شاعر متأمّل :
أَقَّدّس الحـسـن ومـا أبـصرت
عيـناي إلأّ قـبساً مـن سـنـاه
***
عـلى أنني لا أزعم أن أزهار باقتي هي الأجمل والأكثر عطرا··· أو أن كل ما جاء في هذه المختارات الشعرية يتمتع بكمال الذوق الشعري وجودة الاختيار ففي ذلك إجحاف لأذواق فنية أخرى تعلو على ذوقي·· فليس كل مجتهد مصيباً· وعسى أن أكون مصيبا فيما اخترته من كنوز الشعر لأنثرها بين الناس كما فعل من جاء قبلي، وكما سيفعل آخرون من بعدي··· والله وليّ التوفيق··
تقي محمد البحارنـة
مايو 2012
Page 4
شـكوى
إلى اللّه أشكـو ثم أشـكو إلـيـكمـا
وهل تنفع الشكوى إلى مـن يـزيـدهـا
حـزازات حـبٍ في الـفؤاد وعـبـرة
أظلّ بـأطـراف البنـان أذودهـا
يـحنّ فـؤادي من مـخافـة بـينكم
حـنـين المـزجـّي وجـهـةً لا يريدها
* عبدالله بن الدمينة
Page 5
الوجد
فمـا وجد ملواح مـن الهيم حلـّـئـت
عن المـاء حتى جوفها يتصلـصلُ
تحـوم وتغـشاهـا العـصيّ وحولها
أقاطـع أنـعـام تـعـلّ وتنـهلُ
بأعـظـم مني غـلّة وتـعطفـاً
إلى الوِرد·· إلاّ أنني أتـجمّـلُ
* أعرابي
Page 6
روعة الذكرى
وإنـيّ لتـعـرونـي لذكراك روعة
لهـا بين جـلدي والعـظام دبيبُ
وما هو إلا أن أراهـا فجـاءَة
فـأبـْهـتَ حـتى لا أكـاد أجـيبُ
وأصرف عن رأيي الذي كنت أرتأي
وأنسى الذي أعددت حين تغيبُ
ويـضـمـر قـلبـي عـذرهـا ويـعـيـنهـا
عليه فـما لـي في الفـواد نصيبُ
حـلفـت برب الّراكعـين لربّهم
خشوعاً، وفوقَ الراكعين رقيبُ
لـئـن كـان برد المـاء حـّران صـادياً
إليّ حـبيبـا إنـّها لحـبيـبُ
* عروة بن حزام
* جاهلي أدرك الإسلام
Page 7
هوى ناقتي
هوى ناقتي خلفي وقـّدامي الهوى
وإنّـي وإيـّـاها لُمـختـلـفانِ
تحـنّ فتُبـدى مـا بهـا مـن صبابـةٍ
وأخفي الذى لولا الأسى لقضاني
فـيـا كـبديْنـا أجـمـلا إن وجـدتـمـا
بأهل الـحمى مـا لم تجـد كبـدانِ
إذا كـبـدانـا خـافـتا وشك نـّية
وعـاجل بـيـنٍ ظـلـّـتا تـجـبانِ
* عروة بن حزام العذري
هوى ناقتي خلفي وقـّدامي الهوى
وإنّـي وإيـّـاها لُمـختـلـفانِ
تحـنّ فتُبـدى مـا بهـا مـن صبابـةٍ
وأخفي الذى لولا الأسى لقضاني
فـيـا كـبديْنـا أجـمـلا إن وجـدتـمـا
بأهل الـحمى مـا لم تجـد كبـدانِ
إذا كـبـدانـا خـافـتا وشك نـّية
وعـاجل بـيـنٍ ظـلـّـتا تـجـبانِ
* عروة بن حزام العذري
Page 8
سلبت عظامي
سـلـبتِ عـظامـي لحمَها فتركتِها
مـجرّدة تضحى إليكِ وتـخصرُ
وأخـلَيتِها مـن مـخِّها فـتـركتها
أنابيبَ في أجوافها الريحُ تـصفرُ
إذا سـمعتْ بـاسـم الفراق تقعقعت
مَـفَاصـِلُها مـن هولِ ما تتنظّرُ
خذي بيدي ثم ارفعي الثوب فانظري
بـيَ الـضُّرَّ إلا أننـي أتـستّرُ
فـما حـيـلتي إنْ لم تكن لكِ رحمةٌ
عليَّ ولا لي عنك صبرٌ فـأصبرُ
فـواللـه ما قـصّرتُ فـيما أظنـّه
رضاكِ ولكـّني مـحبّ مكـفّرُ
* الحارثي
* شاعر قديم
Page 9
غربة ونزوح
أفـي كـل يـوم غـربـة ونـزوحُ
أما للـثـّوى مـن (ونيـةٍ)·· فتريـحُ
لقد طلـّح البين المشتّ ركائبي
فـهـل أريـنّ البيـنَ·· وهو طـليـحُ
وأرّقني بالـريّ صوت حمـامةٍ
فنحتُ·· وذو الشّجو الغريبُ ينوحُ
على أنها ناحت ولم تذر عبرةً
ونحـتُ وأسـراب الدمـوع سفـوحُ
وناحت وفرخاها بحيث تراهم
ومـن دون أفراخي مهـامـه فيـحُ
* عوف بن محلم السعدي
* شاعر من العصر القديم
Page 10
شوق الحمامة
و مـا هـاج هـذا الشـوق إلا حـمـامـةٍ
دعت سـاق حرّ تـرحة فـترنّمـا
مـطّوقة خضبـا تـسـجّع كـلمّـا
دنا الصيف وانجال الربيع فأنجما
مـحـلات طوقٍ لم يـكـن بـتـمـيمـةٍ
ولا ضـرب صـواغ بكفّيه درهما
تـغـنّت على غـصنٍ عـشاءً فـلم تـدع
لنائحةٍ فـي نـوحهـا متـلــوّمـا
إذا حـرّكـته الريـح أو مال ميلة
تـغنـّتْ عـلـيـه مـائلا ومـقــوّما
عجبت لهـا أنـّى يـكـون غنـاؤها
فصيحـاً و لـم تفغـرْ بمنطقهـا فما
فـلـم أر مـثلي شـاقـه صـوت مـثلـهـا
ولا عـربيّا شـاقـه صوتُ أعجما
* حميد بن ثور الهلالي
* شاعر قديم