eKtab
EN ع
من العزيزية إلى ساحة التغيير - أعاصير الثورة العربية
Read free sample

من العزيزية إلى ساحة التغيير - أعاصير الثورة العربية

by شاكر النابلسي

Page 1
المقدمة
 
-1-
 
ما هو منهجنا في كتابه تاريخ الثورات العربية الجارية الآن، سواء في الجزء الأول من هذا الكتاب (من الزيتونة إلى الأزهر) أو في هذا الكتاب الذي يؤرخ للثورات الشعبية في ليبيا، واليمن ؟
 
هيجل فيلسوف التاريخ الأكبر، قسّم كتابة التاريخ إلى أقسام عدة، منها:
 
1- التاريخ الأصلي، وهو التاريخ الذي يعيش فيه المؤرخ منبع الأحداث· والمؤرخ هنا ينقل ما يشاهده، ويسمعه، ويقرأه، وما ينقله له الآخرون· والمؤرخ هنا، يحمل الأحداث إلى عالم التصور العقلي· ويصبح التاريخ هنا مستوحى، كما يستوحي الشاعر الصور المادية التي ينفعل بها ويحولها إلى صور ذهنية· ومن أهم خصائص هذا النوع من التاريخ - وهو التاريخ الأقرب إلى ما نكتبه هنا في هذا الكتاب، وما كتبناه في كتاب (من الزيتونة إلى الأزهر) - أن الفترة التي يتحدث عنها المؤرخ قصيرة·
 
2- التاريخ النظري، وهو التاريخ الذي لا يعيشه المؤرخ، وإنما هو يجاوز العصر الذي يعيش فيه لكي يؤرخ لعصر آخر، كما يقول إمام عبد الفتاح إمام·(1)ولما كان من المستحيل على الإنسان أن يعيش الماضي لأنه ابن عصره وربيب زمانه، كما يقول هيجل في فلسفة الحق، فإن المؤرخ النظري في هذه الحالة سوف يبدو وكأنه يتعسف في ذكر الوقائع التاريخية؛ لأنه يُسقط أفكار عصر ومصطلحاته، ولغته، وثقافته على العصور الغابرة، ولهذا يظهر أن الروايات التي يرويها لا تمثل روح العصر الذي يؤرخ له، فيبدو المؤرخ متأثراً بأفكار عصره أكثر مما يبدو متأثراً بالحقيقة التاريخية(2)·
 
3- التاريخ الفلسفي، وهو دراسة التاريخ من خلال الفكر، فالتاريخ الحقيقي للإنسان لا يبدأ إلا مع ظهور الوعي، وبالتالي، فإن المجتمعات الأولى التي كانت تعتمد على الأساطير، لا تكون إلا جزءاً من تاريخ الإنسان، فالتاريخ هو تاريخ الإنسان، والفكر جوهري بالنسبة له، فهو الخاصية التي تميّزه عن الحيوان· وكل ما هو إنساني لا يكون كذلك، إلامن حيث ما فيه من فكر·(3)وتاريخ المؤرخ سيكون عسيراً ما لم ينظر إلى الأحداث التاريخية على أنها مظهر خارجي للتفكير· وقد قمنا في جانب من تاريخنا لأعاصير الثورة العربية في كتاب (من الزيتونة إلى الأزهر) وفي هذا الكتاب، بتطبيق بعض عناصر التاريخ الفلسفي لهذه الأعاصير وكتابة تاريخ الأفكار، وليس تاريخ الأحداث فقط، ومحاولة تفسير أحداث التاريخ (أعاصير الثورة العربية) تفسيراً سياسياً، واجتماعياً، واقتصادياً، ونفسياً·
Page 2
-2-
 
ومن الجدير بالذكر أن هيجل يحذرنا من الروايات الخرافية التي تنتشر انتشاراً واسع المدى بين الناس، لكنها لا تُعدُّ مع ذلك جزءاً من التاريخ· وقد شاهدنا في أعاصير الثورة العربية، كيف قام القذافي في الثورة الليبية الشعبية بالاستعانة بالجن وبالدجالين، لكي ينصروه على المقاومة الليبية·
 
فقد هدد ساحر مشعوذ ليبي (يوسف شاكير)، الذي يصف نفسه بأنه رجل روحانيات، قوات التحالف، التي تشنُّ ضربات جوية ضد القذافي، بتسخير الجن لهزيمتهم، وإشاعة الفوضى فى العالم بأكمله، في حال استمرت تلك القوات، فى استهداف القذافي·
 
وتوعد الساحر الليبي، بإخراج ما أطلق عليه المربوط الليبي لحسم المعركة ضد قوات التحالف والثوار، الذين اعتبرهم من أتباع تنظيم القاعدة، وأنهم يتعاطون حبوب الهلوسة والمخدرات· وقال يوسف شاكير، في برنامج عشم الوطن على القناة الليبية، موجهاً حديثه إلى الليبيين- :
 
إن الصالحين يحاربون معكم، وإن أهل الباطن معكم، في إشارة إلى الجن·
 
وهذا بعض ما جاء في الرسالة التي وجهها شاكير عبر القناة الليبية:
 
لا حل للإشعاعات النيزكية أيها الأمريكيون·
 
ارحلوا قبل أن يداهمكم الموت البطيء السريع·
 
تراجع وعوّض ما فاتك وإن تقدمت على العناد·
 
سنتقدم على أكبر فوضى بالعالم·
 
وأنتم تعلمون من هو المربوط الليبي؟
 
السلطان هيمشاس··
 
أرض الأتراك تنشق بزلزال من أجل بيع الدين بالدنيا·
 
ارحلوا يا آدميين·
 
قادتكم لم يتركوا لكم أي خيار·
 
ستموتون غداً باليوم
Page 3
-3-
 
هذا هو التاريخ الذي تكتبه الدكتاتوريات القروسطية العربية، أما مؤرخو التاريخ الأصلي، والتاريخ الفلسفي، فلا يكتبون مثل هذا التاريخ المليء بالخرافات المضحكة· فـالعقل يحكم التاريخ، وليس الجن، والشعوذة، والخرافات· وهيجل يعتبر أن العقل هو جوهر الطبيعة، كما أنه جوهر التاريخ البشري أيضاً·
 
وهذا ما حرص هذا الكتاب، وكتاب (من الزيتونة إلى الأزهر) كذلك، على تقديمه إلى القارئ، كتاريخ أصلي، لأعاصير الثورة العربية·
 
شاكر النابلسي
 
سبتمبر- 2011
Page 4
ليبيا من تحت الدلف إلى تحت المزراب!
 
-1-
 
شرُّ البلية ما يُضحك·
 
لقد ضحكتُ كثيراً، وقهقهتُ، حتى انقلبتُ على قفاي من شدة الضحك· فالبلايا العربية لا تُحزن فقط، ولا تبعثُ على الاكتئاب فقط، وإنما أيضاً تُضحك إذا كانت من وزن البلية الليبية، التي ابتليت بها ليبيا عمر المختار، وليبيا الاستقلال الذي حققه محمد إدريس السنوسي عام 1951، وليبيا بشير السعداوي زعيم المؤتمر الوطني 1922، والمناضل أحمد زارم، والمناضل مصطفى المصراتي، وليبيا إبراهيم الكوني، الروائي الليبي العظيم، المرشح لجائزة نوبل، والتي تُرجمت رواياته لأربعين لغة، وليبيا الشاعر الليبي المجيد خالد المطاوع، وغيرهم من أعلام ليبيا المعاصرة في السياسة، والتاريخ، والأدب·
Page 5
-2-
 
منذ عام 1969 وليبيا مبتلية بالملازم معمّر القذّافي، الذي نسخ الثورة المصرية 1952، وجاء بمثلها المسخ في ليبيا· وفعل بالعقيد الركن الليبي سعد الدين بوشويرب ما فعله عبد الناصر بمحمد نجيب· وهو الذي قام في 1969 بترقية نفسه من رتبة ملازم إلى رتبة عقيد، ثمّ عينه رفاقه ـ وفي اليوم نفسه ـ رئيساً لأركان الجيش الليبي؛ فقفز بالرتبة الجديدة أربع رتب في الجيش دفعة واحدة· وهو ما فعله عبد الناصر بعبد الحكيم عامر· ثم شيئاً فشيئاً صفّى ضباط الثورة، وأصبح هو مالك المزرعة الوحيد التي يُطلق عليها الجماهيريّة العربيّة الليبيّة الشعبيّة الاشتراكيّة العظمى
Page 6
-3-
 
بعد أكثر من 35 سنة من سرقة ليبيا، واختطافها إلى المجهول، يأتي الملازم معمّر القذّافي، وهو يتباكى على الوضع الاقتصادي في ليبيا، وحال الشعب الليبي الفقير، ويهدد الفاسدين والناهبين إن لم يكفوا عن فسادهم ونهبهم، فإن للصبر حدوداً· وإذا لم تتحقق العدالة الاجتماعية بين الليبيين سأقود بنفسي ثورة ضد الذين أُثروا بصورة غير مشروعة· ودعا القذافي للكشف عن الممتلكات التي أُخذت بصورة شرعية، أو حتى التي سُرقت، وممارسة الشفافية قبل أن تُتخذ إجراءات لا تُحمد عُقباها فى إطار مكافحة الفساد·
 
صحَّ النوم يا مولانا العقيد العتيد!
 
أين أنت، وأين وريثك وولي عهدك سيف الإسلام، قائد تيار الإصلاح الليبي، وليبيا تُسرق وتُنهب منذ أكثر 35 سنة؟
 
فأنت، وأنت وحدك، من يملك ليبيا بصحرائها، وبحرها، وفقرها، وغناها، وأهلها، وتعاستها، وبترولها، وكتابها الأخضر، ونظريتها العالمية الثالثة، وقضاتها، وجيشها، وعِلمها، وجهلها، وسجونها، وحراسها، وفسادها، وسلطتها الشعبية·
 
أنت أبو ليبيا، وأمها·
 
وأنت لسانها الأوحد، وخطابها الأوحد، وقائدها الأوحد، وبطلها الأوحد، ومعمرها الأوحد، وفيلسوفها الأوحد!
 
وأنت من يمتلك السّلطة، والثروة، والسلاح·
 
أمّا الشّعب الليبي فهو خارج السّلطة·· إنه قطعان من الأنعام، وروضة من الأطفال، كما تظن، وتعتقد، ولذلك فأنت تخاطبه بهذه اللغة المزوَّرة، والكاذبة·
 
أنت صاحب الشرعية الثورية، كما تقول، وتنادي·
Page 7
-4-
 
فكيف مرّ الفساد، والنهب، والسرقة، من بين يديك يا حكيم الزمان، وحامل الصولجان، وحارس البستان، وتأتينا اليوم لتقول لنا:
 
ما زلتُ أُمسكُ بصمام الأمان من انفجار ثورة الفقراء، الذين يشعرون بالغبن من عدم المساواة في توزيع ثروة النفط، التي هي مُلك كل الليبيين، ولا يجب أن يستحوذ عليها الحذّاق والشُطار· وإن الثروة الآن تتكدس في يد مجموعات صغيرة· والفقير لا يجدُ من يضمنه· وهذا أمر غير مقبول؟
 
يا سلام على كلام العسل الثوري!
 
الحقيقة المرّة، أن القذافي وأولاده وباقي الحكام العرب، يخاطبون شعوبهم، وكأن هذه الشعوب من الأطفال أو الأنعام، أو أقل من الأطفال، والأنعام·
Page 8
-5-
 
ما الفرق بين القذافي وأولاده، وفساد عهدهم، وبين فساد العهد الملكي السابق، الذي كان أرحم على الشعب الليبي من فساد دجال ليبيا الأكبر معمر أبا منيار القذافي وأولاده، الذين يعيشون في ليبيا وأوروبا، عيشة الملوك والأباطرة، ثم يتحدثون عن الفساد والمفسدين، بينما الشعب الليبي يموت جوعاً كالكلاب، كما اعترف القذافي بلسانه البارحة·
Page 9
-6-
 
لقد انتقلت ليبيا في الغالق(4)من سبتمبر 1969، من تحت دلف الفساد الملكي إلى تحت مزراب الفساد الثوري القذافي·
 
ففي العهد الملكي، كان الفساد ضارباً أطنابه· واعترف الملك إدريس السنوسي(5)بالفساد في ذلك الوقت، كما اعترف به القذافي اليوم· ففي عهد حكومة عبد المجيد كعبار، وهي أطول حكومات العهد الملكي عمراً، تم اكتشاف النفط بكميات تجارية عام 1959، وأدى ذلك إلى ازدياد الفساد المالي واستشرائه، لدرجة أن الملك أصدر بيانه الشهير بلغ السيل الزُبى، موجهاً خطابه لرئيس الحكومة والوزراء وولاة الأقاليم، مندداً بقبول المسئولين للرشاوى واستغلالهم لسلطاتهم، ونفوذهم· وكانت ليبيا في العهد الملكي تعيش تحت دلف الفساد الملكي، متمثلاً برؤساء الحكومات الفاسدين السارقين من أمثال عبد المجيد كعبار، ومحمد بن عثمان الصيد، ومصطفى بن حليم وغيرهم· وكان الفساد في العهد الملكي دلفاً؛ أي نقطة نقطة· ليس لأن هؤلاء المسئولين كانوا شرفاء قليلاً، ولكن لأن المال المُتاح للسرقة كان قليلاً في ذلك الوقت· فقد سرق هؤلاء في ذلك الزمان جملاً· أما اليوم فقد سرق القذافي وطناً بأكمله·
 
فأموال ليبيا وذهبها الأسود والأصفر لا يُعدُّ، ولا يُحصى· وهي تدفع مليارات الدولارات طواعية، تكفيراً عن ذنوبها السابقة في الإرهاب الدولي، ولا يهتز لها طرف عين· وتدع الناهبين والسارقين يمرحون ويسرحون، دون حساب، أو عقاب، والشعب الليبي يموت جوعاً موت الكلاب، كما يصفه القذافي بنفسه بكل وقاحة وحماقة، وهو يبتسم، إما غباءً، وإما مكراً·
Page 10
-7-
 
ما يثير الفزع حقاً في ليبيا، أن لا أمل قريباً هناك في الإصلاح·
 
فسيف الإسلام الشاب الإصلاحي، ابن الزعيم القائد الأوحد، كان أبرز الداعين إلى الإصلاح الاقتصادي والسياسي والانفتاح على الغرب، وانتشال ليبيا من حالة الفوضى السائدة· وهو الذي اعتبر أن حالة الفوضى هذه عائدة إلى غياب الدستور والقوانين، متهماً المافيا الليبية بالتصدي للمشاريع الإصلاحية· ولكن يبدو أن المافيا الليبية هي التي تحكم ليبيا الآن، وأن الـ (Godfather بابا معمّر) لا يستطيع أن يفعل شيئاً·
 
فهو أسدٌ على المعارضة وأرنبٌ على المافيا· وإن سيف الإسلام العتيد هذا - ويبدو أنه سيف من خشب قديم - لم يستطع أن يفعل شيئاً، سيما وأن أباه هو علي بابا طرابلس الغرب، وبلغ بسيف الإسلام اليأس من الإصلاح حداً أن ترك ليبيا مهاجراً، كما تقول الأخبار!
 
وأنا أريد أن أسأل:
 
ماذا يفعل القذافي في ليبيا·· هل هو حاكم أم (طرطور)؟
 
وكيف يسكت على هذا الفساد، والنهب، والسرقة، منذ عشرات السنين؟
 
أم أن معمّر أبا منيار القذّافي هو علي بابا طرابلس الغرب، كما يبدو جلياً؟
 
سلامٌ على ليبيا·· وقلبي مع هذا الشعب الليبي الطيب، الذي خرج من تحت دلف الفساد الملكي، ليقف تحت مزراب الفساد الثوري القذافي!
 
فبئست الثورة العربية الكاذبة، وبئس ثوّراها الحرامية من الدكتاتوريين القروسطيينّ!