Page 1
عرض وتقديم:
الدكــتور زهــير إبراهــــيم
أستاذ الأدب العربي في جامعة القدس المفتوحة / منطقة نابلس
إن أول ما يشد انتباه القارئ لمقالات الأستاذة الدكتورة أفنان دروزه عنوان الكتاب "من القلب"، فمنذ الوهلة الأولى يشطح بك الخيال لتتساءل ماذا تريد الكاتبة؟ وهل ما جادت به قريحتها هو إحساسها الصادق بخلجات قلوب أبناء شعبها وأمتها التي يعتصرها الألم والمعاناة مما تكابد من ويلات الاحتلال الغاشم؟ أم ما يربض على صدرها من مكابدتهم للممارسات القهرية، والضغوط النفسية التي يعايشها كل مواطن في حياته اليومية، فتجعله محبطا يائسا يترنح من معاول الهدم، والكبت، والظلم، وهو يرى بأم عينه كيف يستباح وطنه، وتنهب مصادر ثروة بلاده، وتفرض عليه القيود في كل مناحي حياته. فهو لا يستطيع ولا يملك حرية التنقل أو التفكير، أو العيش الكريم، فقد ضاقت به السبل وضيّقت الخناق حول عنقه، في كل لحظة يعيشها، حتى في منامه تلاحقه الكوابيس لتنغص عليه أحلامه.
وكيف الحال إذا ما كانت كاتبة وباحثة وعالمة ومربية إحدى هذه الحالات المتوثبة والمتيقظة لما يدور حولها، وما تكابده وتعانيه في مكان عملها، أو سكناها، فينبض قلبها ويختلج، فتخرج هذه المقالات صادقة ومعبرة فكأنها أمتها، وكأن أمتها هي وبلدتها نابلس معقل جبل النار، وعاصمة الثوار التي ينبض فيها الحجر والشجر قبل الإنسان، بالتوق إلى الحرية، والنضال من أجل إزالة أدران الاحتلال والقهر والتخلف، وكيف إذا ما كانت أديبتنا صاحبة قلم صادق ومعبر فيخط على صفحات الكتب وينقش على جدار الزمن، ما ينبض به قلبها، وما تعيشها وتعيها ذاكرتها من أحاسيس، ومشاعر لا حدود لها في التعبير بأمانة وإخلاص، عن واقع مرير، ورؤيا لمستقبل واعد بالخير والعطاء والحرية.
فمقالاتها الثماني والثلاثون جاءت نابضة بالحياة والحب، وتتراوح بين هذه المعاني السامية التي تنشدها، وتحض عليها، فهي تواقة إلى حياة كريمة خالية من الشحناء والبغضاء، وما ينغص الفرد والمجتمع على حد سواء من كدر العيش، وسوء المعيشة، وما يفسد الود بين الأفراد وبين الجماعات على حد سواء، فتستفتح مقالاتها بعنوان " فلنحسن الظن"، فيها تطالب الجميع بأن يحسنوا الظن، وكيف لا، والظن آفة هدامة تخلخل العلاقات الاجتماعية، وتعمل على تفكك المجتمع، فترى أديبتنا سوء الظن بأنه "تحريف القول عن مواضعه، وتأويل الأحاديث بطريقة مقلوبة، ووضع الأمور في غير نصابها الصحيح" وهو عندها يعد بمثابة الإثم الذي يستوجب التوبة والاستغفار، لأن فيه اتهام الآخر بما ليس فيه، وإيذاء لمشاعره، وطعنا لأفكاره ومبادئه"، وتخلص إلى نتيجة حتمية بقولها: "لولا سوء الظن لأزهرت العلاقات الاجتماعية وأينعت، وأثمرت الدر والجوهر، وملأت الحياة حبا وسعادة وعملا وإخلاصا وراحة نفسية وطول عمر. هيا فلنحسن الظن بالآخرين هدانا الله." وهذه معانٍ جميلة سامية حض عليها الدين الإسلامي الحنيف بقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن، إن بعض الظن إثم"، وقوله عليه السلام: " إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث."
وهكذا تمضي بمقالاتها من دعوة إلى التسلح بالأمل، وعدم العبث بالثقة، وأشياء تحيرنا، وكل عام والمتفائلون بخير، إلى جمال الصدق، ولا شيء يعادل الوطن. وهكذا تمضي الكاتبة التي لا يزال قلمها المعطاء، وقلبها الدافق بالحب، ونفسيتها المستشرفة إلى غد أفضل، تشد القارئ إلى هذه المشاعر النبيلة من دعوات تتناول مختلف مناحي الحياة. وإذا شئت أيها القارئ قلّب صفحات الكتاب لتطالعك مقالاتها بالعناوين المعبرة عن واقع مرير صعب، من مثل "الصابرون المرابطون"، و "طريق الآلام"، و "الأخلاق أساس الدولة"، وغيرها، وآخر جميل عذب من مثل "شكرا أساتذتي، وتربية النفس، والرياضة الروحية" وغيرها، وكيف لا وهي التي تقول في مقالتها عندما يدق القلب: "ما الذي يحدث عندما يدق القلب! ما الذي يطرأ على الإنسان من تغيرات فتجعله يرى الأشياء فجأة ملونة بألوان قزح! ما التفاعلات التي تحدث في كيميائياته فتجعله يشعر بالراحة والهدوء الذي يود أن يخلد له العمر كله". وتمضي في مقالتها الدهر يومان، فتقول: "الذي عرف بجبروته وسطوته وسلطانه وظلمه ونفاقه وبمؤامراته وخداعه، وكان يحكم ويرسم، ويعاقب ويعفو، ويرفع ويخفض، ويعين ويقيل، ويظلم ويفتك وكأنه يد الشيطان على الأرض مع أنها يد واهية، كل هذا سيذهب أدراج الرياح، وتقلب له الحياة ظهر المجن، لقد شاء القدر أن يسخط على هذا الرجل وينقله من مقاعد الحكام إلى مقاعد المحكومين، ومن كراسي الرؤساء إلى حصيرة المرؤوسين، ومن عز المكاتب إلى ذل الملاجئ، ومن فئة الظالمين إلى فئة المظلومين" فالدهر يومان يوم لك ويوم عليك، ويخطئ من يظن أنه سيبقى في الغمة إلى الأبد، وعليه فإن ثبات الحال من المحال، وهي سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا".
حقا إنها مقالات متنوعة جادت بها قريحة الكاتبة وخبرتها وعلمها، فما عليك عزيزي القارئ إلا أن تتنقل بين أزهار حديقتها كالفراشة والنحلة التي تتوق إلى الرحيق، وتغذي روحك وعقلك من بهاء العبارة، وصفاء الفكرة، وخلاصة التجربة؛ فتنشد الأمل والمستقبل، وتغني للحب والعطاء، وتتسلح بالإيمان، وتمضي في رحلة العمر بعزة وشموخ وكبرياء، بالعزيمة نفسها، وبالثقة ذاتها، التي أودعتها الأديبة الدكتورة أفنان في مقالاتها الساحرة، وأسلوبها الأخاذ، ورشاقة الكلمة، ورصانة الفكرة، وأصالة المنهج.
Page 2
فلنحـــسن الظــــــن...!
أرى أن كثيرا من المشكلات التي تحدث بين الناس سببها سوء الظن والتفكير بشكل خاطئ ومحدود. فسوء الظن هو وراء كل خصام، وهو وراء كل جدال وشجار، وكل كره وبعاد، وكل حقد وضغينة، ووراء انهيار العلاقات الحلوة الجميلة.
وسوء الظن أن يفهم المرء الأمور بشكل خاطئ، ويفسرها تفسيرا لا يتفق وحقيقة ما تتضمنه من معانٍ وأفكار، بل هو تحريف القول عن مواضعه، وتأويل الأحاديث بطريقة مقلوبة، ووضع الأمور في غير نصابها الصحيح. من هنا، فالشخص الذي يسيء الظن يصبح يفسر الحركات كما يراها هو وليست كما هي على أرض الواقع، ويفهم الكلام كما يتراءى له وليس كما يتضمنه من معاني وأفكار، ويترجم الأشياء بشكل يتفق وخلفيته الثقافية والاجتماعية وليس كما هي على حقيقتها، وما كل ذلك إلا لجنوح في خياله، أو شطط في مشاعره، أو ضيق في تفكيره، أو نقص في ثقافته، أو تعصب في أفكاره ومبادئه، أو فقر في خبراته.
وسوء الظن يعد بمثابة الإثم الذي يستوجب التوبة والاستغفار، لأن فيه اتهام الآخر بما ليس فيه، وإيذاءً لمشاعره، وطعنا لأفكاره ومبادئه، وظلما له وبهتانه، وخاصة عندما يؤدي إلى تفسير سلوكه تفسيرا خاطئا، أو تحليل مشاعره تحليلا مغايرا، فيظن فيه الصدق كذبا، والبراءة رذيلة، واللطف مجاملة، والحب مصلحة، والتقرب منفعة، والتودد نفاقا، والإخلاص تهاونا، فيستهين به وبكلامه ومشاعره وتقربه ولطفه وإخلاصه، ولا يحسب له أي حساب، بل على العكس فتفهم مشاعره ـ عند سوء الظن ـ فهما عكسيا، مما يؤدي إلى إيذائه وضرره والإساءة إليه وإهانته وظلمه، وما كل هذا إلا لأن سيئ الظن لا يفكر تفكيرا صحيحا، ولا يضع الأمور في نصابها الصحيح، ولأنه يحكم على الأمور حكما ذاتيا بعيدا عن الواقع والموضوعية.
وسوء الظن عواقبه وخيمة، ونتائجة ضارة ومدمرة، فإذا حدث بين الأصدقاء فيبعدهم، وإذا تسرب إلى الأزواج فيفرقهم، وإذا طال الزملاء فيؤذيهم، وإذا دلف إلى الأبناء والآباء فيجحدهم ويعقّهم، وإذا تسلل إلى الأحباب فينفرهم ويبعدهم. لذا، فيجب على الإنسان قبل أن يسيء الظن بالآخرين أن يتروى ويستهدي، وألا يطلق الأحكام جزافا ويتهمهم بما ليسوا فيه، ومن المفروض قبل أن يسيء المرء الظن، أن يتفكر ويتأمل ويربط الأحداث بمسبباتها ويفسرها ضمن مواقيتها والخلفية التي انطلقت منها لا أن يكون ضيق التفكير محدود الأفق لا يرى أبعد من أرنبة أنفه، ولا يعيش إلا في لحظته، ولا يخرج عن إطار محيطه وبيئته، ولا يفكر إلا في حاضره. وحتى لو حدث سوء الفهم، فيجب المكاشفة والمصارحة قبل اتخاذ القرار بالبعاد والقطيعة أو النظرة السلبية المقيتة، والمفروض التدبر في الخلفية التي انطلق منها الآخر في كلامه وأفعاله وهمساته وحركاته قبل أن يفسر كلامه بشكل خاطئ، أو يحلل مشاعره بشكل مقلوب، والمفروض أن ينتهج منهج المفاتحة قبل أن يسيء الظن بالآخرين ويتهمهم ويؤذي مشاعرهم ويبتعد عنهم، كما عليه أن يعطي الآخر فرصة التعبير عن نفسه وأفكاره وأفعاله قبل أن يساء الظن به ويحكم عليه، وأن يعطي نفسه أيضا بعدا زمنيا لاختبار فرضيته قبل أن يسيء الظن ويصدر الحكم، وذلك حتى تتضح الأمور وتتجلّى على حقيقتها، ويظهر كل شيء على طبيعته، وبعد التحقق والتمحيص يستطيع الشخص أن يحكم ويتخذ قراره في الابتعاد أو التقرب. أما أن يسيء الظن نتيجة لجموح في خياله، أو ضيق في أفقه وتفكيره، أو تعصب لأفكاره ومبادئه، أو لغاية في نفس يعقوب، فهذا هو الغباء بعينه إن لم يكن فيه الظلم والإثم اللذان يستوجبان غضب الله وسخطه.
ونعود ونقول، لأن الفرد قد يفكر بطريقة مغايرة عن تفكير الشخص الآخر، أو يقوم بعمل قد لا يقصده الطرف الآخر، أو يتفوه بكلام لا يعكس المعنى نفسه الذي فهمه الطرف الآخر، يقع سوء الظن ويحصل سوء الفهم، ومن ثم تقع القطيعة والفراق، وتنتهي العلاقات الجميلة ويسدل عليها ستار البغض والقطيعة، والتي ـ لولا سوء الظن ـ لأزهرت وأينعت وأثمرت الدر والجوهر، ولملأت الحياة حبا وسعادة وعملا وإخلاصا وراحة نفسية وطول عمر. هيا فلنحسن الظن بالآخرين هدانا الله.
Page 3
شــــكـرا أســـــــاتذتـي...!
من عادتي عندما أزور عمان أو أي بلد، أن أتنقل بين مقاهيها، ومطاعمها، ومتنزهاتها، وشوارعها، آكل وأشرب وأسترخي وأتأمل وأطالع وأغتنم الفرص الضائعة من أيام العمر التي نحرم منها نحن الفلسطينيّين في الضفة الغربية بسبب الضغوطات النفسية والسياسية والاجتماعية التي يفرضها علينا الاحتلال؛ مما يصادر حريتنا ويضغط على أرواحنا ويجعلنا لا نعيش الحياة الطبيعية كما ينبغي مثل أي شعب من شعوب العالم التي تنعم بالحرية والاستقلال. ولا أذكر فيما أذكر، وخاصة عندما أكون وحدي في سفر أو تجوال، أو مطعم أو متنزه أو أي مكان، إلا وبيدي كتاب أقرأه وقلم أخط به ما يجيش في صدري من انفعالات، وما يتراود إلى ذهني من أفكار وصور وأحلام، كي أجسد الفكرة، وأحيي الخبرة. هكذا هو دأب الكاتب يتحين الفرص والأحداث في كل زمان ومكان ليتأمل ويفكر ويكتب ويرصد.
ولدى زيارتي الأخيرة لعمان، وبينما كنت جالسة على شرفة مطعم "الميكدانولدز" الفسيحة المطلة على بوابة الجامعة الأردنية التي تعلوها الشموع الإسمنتية كديكور معماري يزيد من فخامتها، ويذكي الأمل والتفاؤل في نفوس طلبتها وهم سائرون في دروب العلم والمعرفة يستضيئون بشعاعها ويستهدون بنورها، وبينما كانت السيارات تسير في كلا الاتجاهين مسرعة وغير مسرعة، والشمس مشرقة ساطعة تطل علينا بأشعتها الذهبية، والنسيم العليل يرطب وجوهنا فيحرك أغصان الشجر بتمايل يحدث معه حفيفا خفيفا لأوراق الشجر، نظرت وتأملت، وسرحت وتخيلت، فتذكرت الأيام الخوالي عندما كنت طالبة أجلس على مقاعد الدراسة في الجامعة الأردنية أروح وأجيء وأبحث وأدرس، ما أثار في نفسي الحنين إلى تلك الأيام الجميلات التي كانت تمتلئ صدقا وعملا وإخلاصا، وعلما وثقافة وصفاء، وأملا بمستقبل مشرق واعد ينشر بريقه على أيام دراستنا، فانتعشت روحي بهذا الحنين، وترطبت مشاعري بهذه الذكريات ، فشعرت بسعادة ما بعدها سعادة.
عندها تذكرت كم قضيت ورفاق صفي الساعات الطوال في المكتبة ونحن نبحث ونقرأ ونتصفح الجرائد والمجلات والكتب والمراجع من أجل بحث نعدّه، أو مقال نخطّه، أو معلومة نجمعها، أو فكرة نتذوقها! تذكرت كم تجولت في مبانيها الأنيقة المنزرعة بين الأشجار والمحاطة بالممرات المكسوة بنوافير الماء والعشب الأخضر، والورد الأحمر، الذي كان يجمل نفوسنا، ويفتح شهيتنا للعلم، وعقولنا للدراسة والمعرفة! تذكرت كم كنت حريصة على وجودي في قاعاتها الدراسية قبل موعد المحاضرة بفترة وجيزة؛ لأضمن مقعدا فيها قبل تهافت الطلاب عليها حرصا على ألا يفوتني شيء من علم الأستاذ إذا ما تأخرت عن المحاضرة، أو تلكأت في المجيء إليها! تذكرت أساتذتي بوجوههم النيرة، ونفوسهم الطيبة، وعلمهم الغزير، وعقولهم المتفتحة، وشخصياتهم القوية، وكفاءاتهم العالية، وهم يبذلون كل ما يستطيعون بتفان وإخلاص ليزرعوا في عقولنا علما نفهمه، أو طبعا نتخلقه، أو عادة نكتسبها، أو مهارة نتقنها، أو معرفة تثقفنا، أو نصيحة تبصرنا! تذكرت كم كانوا يغمروننا بحنانهم، ويحيطوننا بعطفهم واهتمامهم، وهم يشرحون لنا شيئا مستعصياً علينا، أو يرشدوننا في تسجيل مساقاتنا، أو ينتظروننا في مكاتبهم إذا ما ضربنا معهم موعدا لمناقشة فكرة، أو الاستنارة برأي أو موعظة! تذكرت مشاركتهم لنا في حفلاتنا، وندواتنا، ورحلاتنا، مما كان له كبير الأثر في بناء شخصياتنا، والثقة بأنفسنا، وتمكننا من علمنا، ونجاحنا وتفوقنا وتخرجنا! تذكرت بالذات الذين خصوني بمحبتهم، وحبوني برعايتهم واهتمامهم، فامتلأت نفسي شكرا وتقديرا، وفاضت مشاعري حبا وعرفانا وتعظيما.
كل هذا تذكرته وأنا أتأمل وأنظر إلى بوابة الجامعة الأردنية جالسة في مقعدي، فهاج في نفسي الحنين إلى جامعتي، والشوق إلى أيام دراستي، وانبعثت في روحي كل مشاعر الحب والتقدير إلى أساتذتي وكل من ساهم في تعليمي والوصول بي إلى الدرجة التي أنا عليها، والمكانة التي أتمتع بها بين أهلي وخلاني وشعبي ووطني وطلابي. وبينما أنا على هذه الحال أغوص في بحر الذكريات والصور تتدافع في مخيلتي، والمشاعر تتراقص في روحي ووجداني، هرعت إلى القلم ألتقطه من حقيبة يدي؛ لأجسد هذه الذكريات الغاليات في كلمات نابضات ناطقات تفيض بالشكر والعرفان، والتقدير والامتنان لأقول من أعماق قلبي، شكرا.. شكرا أساتذتي على كل ما بذلتموه من أجلي، شكرا على كل حرف علمتموني، شكرا على كل جهد صرفتموه في توجيهي وإرشادي، شكرا على كل معرفة ساهمت في تنويري وتفتيح مدارك عقلي، شكرا على كل عمل أو توجيه ساهم في بناء شخصيتي وعمل على صقل طباعي وازدياد معرفتي، شكرا على جهودكم الخيرة المباركة، إذ لولاكم لما تعلمنا، ولولا إخلاصكم وتفانيكم لما استفدنا ولا أثمرنا. والشكر الأول والأخير لله العلي القدير الذي قدر فهدى، ويسر السبيل فأعطى، وأنار الفؤاد فأبصر، وفتح القلب فأقبل.
وهكذا ظللت أردّد كلمة الشكر هذه كلما مررت بمدرسة درست فيها، أو جامعة تعلمت فيها، سواء أكان ذلك في بلدي نابلس، أو الأردن، أو أمريكا.
Page 4
جمــــال الصـــــدق!
الصدق كلمة جميلة، وأجمل منها الشعور الذي تحدثه في النفس البشرية. فللصدق بهاؤه، وسحره وجماله. والصدق يحيي النفوس، ويطهر القلوب، ويجعل الإنسان يسمو بإنسانيته ويعيش حياته الاجتماعية على أسس ثابتة متينة. وبالصدق ترتقي الروح وتتسامى، ويرتاح الضمير ويتعالى، ويصبح الإنسان كائنا راقيا يعيش في سماء كلها طهر ونقاء وصفاء.
والإنسان الصادق هو الذي يتفق ظاهره مع باطنه، وقوله مع عمله، وسريرته مع أفعاله وعلانيته؛ فلا ينافق ولا يداهن، ولا يمثل ولا يتصنع، ولا يرائي ولا يتذبذب، بل يتعامل بجرأة وثبات، وثقة واطمئنان. إنه إنسان يعني ما يقول، ويقصد كل حركة صغيرة أو كبيرة تصدر عنه، لذا فتراه إذا حدّثك حدثك بصدق، وإذا كلمك كلمك بصدق، وإذا دعاك لوليمة دعاك بصدق، وإذا أسدى لك معروفاً أسداه بصدق، وإذا أحبك أحبك بصدق، وإذا قدم لك مساعدة قدمها بصدق، وإذا امتهن حرفة امتهنها بصدق. إنه يفعل ذلك لا لغاية يبتغيها أو مغنم يكسبه، بل لأن الصدق خلق من أخلاقه، وطبع من شمائله وأفعاله، لا يبتغي من ورائه جزاء ولا شكورا، أو مدحا أو تقريظا. علاوة على أن الصدق يشعره بنفسه، وقيمته وقدره، وأنه إنسان ذو بال، وعلى درجة عالية من الأخلاق والفضيلة، إذ لا يستوي عنده الذين يصدقون والذين لا يصدقون؟
والإنسان الصادق أيضا إنسان مخلص، ووفيَ، وأمين، يحفظ عهدك في حضرتك كما يحفظه في غيبتك، ويصون ودك في قربك كما يصونه في بعدك، ويؤدي لك الأمانات دون أن يمسها بسوء أو يصيبها بأذى، علاوة على أنَّ الإنسان الصادق لا يتوانى أن يصارحك إذا ما انزعج منك أو غضب، ولا يتردد أن يكشف لك عما في نفسه إذا اقتضى الأمر، وما كل ذلك إلا لأنّه إنسان صادق وواضح وصريح لا يخشى في الحق لومة لائم.
والإنسان الصادق إنسان ثابت في رأيه، واثق من نفسه، لا يتغير ولا يتبدل، ولا يجامل ولا يتملق، يتصرف في جنح الليل كما يتصرف في وضح النهار، ويتعامل معك في السر كما يتعامل في العلانية، لا يتقلب مع الأهواء، ولا يتأثر بالشائعات، ولا يتغير تحت وطأة الضغوط والإكراه، فلا تفسده المصالح، ولا تعبث به الماديات. إنه إنسان، ناضج، وجريء، وذو فكر مستقل، وقلب كبير، وشخصية متزنة، لا ترى فيها تصدعا ولا فطورا، بل تماسكاً وانسجاماً، وسحراً وجاذبيةً تأسرك إليه وتشدك بقوة.
والصدق خلة جميلة، وأجمل منها الشعور الذي يولده في النفس والروح. فما أجمله حينما يتجلى في كلمة صادقة تنبع من القلب لتصل القلب ، أو لمسة حانية تنضح بالشعور فيتجاوب معها الشعور، أو نظرة عميقة مليئة بالمعاني والأسرار، فتتجاوب معها الروح وتبلغ المراد.
ولأن الصدق فضيلة ترتقي بالإنسان وتنقله من مرتبة الدونية إلى مرتبة الإنسانية التي أرادها الله له، فقد دعا إليه موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، ونادت به الرسالات السماوية وجميع الأديان، وأمر به "حمورابي، وكنفوشيوس، وزرادشت" وغيرهم منذ قديم الزمان، ورفع شعاره من بعدهم المصلحون والروحانيون في كل عصر وزمان ومكان.
وما دام للصدق كل هذا السحر وهذا الجمال، فلم لا نهتدي به ونتحلى بفضيلته! ولم لا نزين أخلاقنا بسحره وجماله! ولم لا نطهر نفوسنا بنقائه ونسعد أرواحنا ونريح ضمائرنا بصفائه وقدسيته؛ فتستقيم حياتنا، ويشيع الأمن والمحبة والإخاء بيننا، ونرسي علاقاتنا الاجتماعية على أسس ثابتة ومتينة! إذ لا يوجد أجمل من الصدق خلّة، ولا أبهى منه خلقاً، فللصدق جمال وأي جمال!
30/7/2006م
Page 5
الرياضة الروحية
يقولون أن الروح كالجسد كلاهما بحاجة إلى رياضة، وكلاهما بحاجة إلى ما يزيل عنهما أتعاب الحياة وأوزارها. وإذا كانت الرياضة الجسمية معروفة لدى كثير من الناس ولها نوادٍ ومؤسسات وجمعيات وحتى جامعات للاهتمام بها وممارستها لكي يحافظوا على أجسامهم قوية معافاة، فإن الرياضة الروحية لا يعرفها إلا القليل من الناس ممن حُبي برهافة الحس وحرارة الوجدان، وجمال الروح وتذوق الجمال؛ ولهذا فقد تجدها في معظم الأحيان عند الأنبياء والمصلحين، والشعراء والفنانين، والأدباء والموسيقيين وغيرهم من الناس المتأملين الذين يدركون بفطرتهم الربانية أهمية الانسلاخ عن العالم المادي الملوث والتحليق في عالم روحاني جميل نقي صاف. مثل هؤلاء الناس تراهم يقضون ساعات طويلة معتكفين في بيوتهم أو في كهوفهم وصوامعهم، أو متجولين في البراري والوديان، أو متنزهين في الجبال والآكام، أو جالسين على ضفاف النهر والغدران، أو متمشين على شاطئ البحر والمحيطات، أو جالسين تحت الشجر في الغابات يتأملون ويتفكرون ويستوحون ويتعبدون، وينظمون ويكتبون، ويرسمون وينحتون، ويعزفون ويغنون، ويتذوقون الجمال ويبدعون الخ.. من الأعمال التي تجعل من أرواحهم أرواحا صافية نقية، هادئة مطمئنة، وكأنها غسلت بنور وريحان، وعطرت ببخور وزهر وزعفران.
إنها الرياضة الروحية التي تلقي عن كاهل الإنسان ما علق بها من سقام وأمراض، وتسقط عنه الهموم والمتاعب والأحزان، إنها الرياضة الروحية التي تفتح قلبه وبصيرته على كنه الحياة الروحية السامية وجمالها، الحياة التي تشع طهرا وبراءة، وحبا وخيرا وجمالا، وسلاما وأمنا وإيمانا. ولهذا فقد يمارس الفرد الرياضة الروحية في أثناء العزلة والتعبد، أو في السجود والتأمل، أو في القنوت والتضرع، أو عن طريق النظم والكتابة، أو الرسم والنحت والصياغة، أو العزف والغناء، أو التجول في البراري والجبال أو في محاكاة الطيور والأنجم والأزهار. إنه يجد روحه في مطلع الشمس ومغربها، وبزوغ النجوم وإدبارها، وتغريد الطيور وجمالها، واختلاف الزهور وألوانها، وكل ما من شأنه أن يخرجه من العالم المادي المسموم ويسمو بروحه إلى عالم الحب والأمن والسلام.
فالإنسان الذي يمارس هذه الرياضة يسقط عن نفسه أثقال المادة المتعبة المضنية ويتخلى عن بريقها وزخرفها ليخلد إلى الهدوء والصفاء والبساطة والنقاء، والعيش بطريقة خالية من العقد والتعقيدات.
ولأن الله سبحانه وتعالى عليم بالنفس البشرية وما يعتريها من هموم وأحزان وما تواجهه من مشاكل وتعقيدات وهي تسير في رحلة العمر ومشوار الحياة، فقد أرسل لها الأنبياء والمصلحين، والعلماء والمرشدين ليعلموها كيف تقوم بهذه الرياضة الروحية، وكيف تنعش نفسها وتجددها، وتغسلها من الشوائب والأدران وتطهرها من الذنوب والآثام في كل يوم وليلة وشهر وسنة. من هنا فقد نزلت الرسالات السماوية وفرضت العبادات، ووضعت الشعائر الدينية وأمرت بالطاعات، لتحث الإنسان على التأمل في الحياة والتدبر في كيفية الخلق والإبداع، ولتعرفه أن كل شيء مفطور بمقدار ومكتوب في سجل محفوظ فوق العرش قبل أن يخلق الله السموات والأرض، فتهدأ بهذا التفكير روحه وتطمئن نفسه ويعلم أنه الحق من ربه الذي خلقه وصوره، وقدر رزقه وعلمه، وإلى السبيل يسره، وكتب له في لوح الأقدار قسمته وقدره، ومسلكه ومستقبله، وسعادته وشقاءه لقوله تعالى: ويتفكّرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار [آل عمران: 191] ، وكلّ شيء عنده بمقدار [الرعد: 8]، وفي السماء رزقكم وما توعدون [الذاريات: 22] وبالتالي، فقد يجد الإنسان الرياضة الروحية بالتسبيح والتهليل والصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها من الطقوس والشعائر الدينية التي تسمو بروح الإنسان إلى أعلى درجات الإنسانية.
فإن كانت هذه هي الرياضة الروحية وهذه حسناتها، وهذه دروبها وهذه مسالكها، فلم لا نعين لنا ساعة في اليوم، ويوما في الشهر، وشهرا في السنة، نقضيه في رياضة روحية تجدد حياتنا وتنعش أرواحنا وتملأ صدورنا وقلوبنا حبا وإيمانا وأمنا وسلاما! فجميعنا بحاجة إلى رياضة روحية، وجميعنا يتلهف إلى الحياة الوادعة الهنية، وجميعنا يطمح إلى العيش بسلام وأمان وحب واستقرار، ومثل هذه الحياة لا تكون إلا بالرياضة الروحية التي لا تعادلها كنوز الأرض مالا وذهبا.
28 / 7/ 2004 م
Page 6
العـــالِم والعــــابد !
لا أرى شبها قويا كالذي أراه بين العالم والعابد. فالعالم كالعابد كلاهما يحتاج إلى الهدوء، وكلاهما يحتاج إلى التأمل، وكلاهما يحتاج إلى صفاء الروح والتدبر. وهذه جميعها لا تتم إلا بالخلوة، ولا تتحقق إلا بالاعتكاف والعزلة: العزلة عن الناس، والعزلة عن الضوضاء، والعزلة عن المقربين والأحباب، وحتى العزلة عن النفس والرغبات. إنهما يعيشان عزلة المكان بالابتعاد عن الناس، وعزلة الزمان بنسيان الأشهر والأعوام. وبهذه العزلة يشعر المحيطان بهما أنهما أصبحا غريبين عن البشر في مأكلهما وملبسهما وأفكارهما ونظرتهما للحياة، والأشياء التي تسعدهما والأشياء التي تحزنهما وكأنهما لا يمتان للناس بصلة مع أن هذا ليس بصحيح.
والعالم كالعابد وقت كل منهما غال وثمين، فنرى العالم يقضيه معتكفا في صومعته بين أفكاره وكتبه وأوراقه وعلمه إلى أن ينزل عليه وحي الإلهام فيفيض عليه ما يفيض من الأفكار الأصيلة والاختراعات الجديدة والمقالات الممتعة والأشعار المعبرة ما يتحف النفس ويسعد الفؤاد؛ ونرى العابد يصرفه بين صلاة ومناجاة وقعود وقيام وركوع وسجود وتأمل وابتهال إلى أن يهبط عليه وحي السماء فيفيض عليه ما يفيض من نور التجلي والإشراق، والتوحد بالذات الإلهية ورؤية الأنوار السماوية، ما يزكي الفؤاد ويلهج اللسان بالحمد والشكر والهدي والإرشاد.
ووقت العالم كوقت العابد لا يرتبط بجدول زمني مقيد بالساعات والأيام، بل هو مقرون مع طلوع الشمس وبزوغ القمر، وتوالي الفصول ونزول المطر، وشدو الطيور وتفتح الزهر، فترى العالم يقضي بين دفات الكتب وصرير الأقلام لياليَ وأياماً إلى أن تتبلور أفكاره وتتولد اكتشافاته فيخرج بها على الناس وكأنه يزف إليهم مولودا جديدا أو خبرا سعيدا، وترى العابد يقضي وقته متعبدا متجولا هائما في السهول والجبال مستغرقا في سبحات الخيال وهيام التأمل والإلهام إلى أن يصل إلى حالة من الصفاء النفسي والإشراق الروحي فيخرج بها على الناس وقد تحولت إلى معرفة بالله وإعجازه، وترجمت إلى حكم وآيات لتبصر الناس بطريق الحق الذي لا طريق غيره ولا معرفة قبله ولا بعده، ألا وهو طريق الله. وإذا ما اختل جدول أعمالهما بزيارة قريب مفاجئة، أو طلة جار أو صديق بغتة، فتراهما ينزعجان ويتضايقان، ويتململان ويتبرمان، ولا عجب إذا ما حنقا أو غضبا، ونأيا بنفسيهما وابتعدا ولم يتكلما، وغشاهما الصمت لأيام وأيام.
وهكذا نرى العالم يعيش في صومعة علمه دافنا نفسه بين كتبه وأوراقه وتبعثر أقلامه وأدواته، ونرى العابد يعيش في محراب صلاته وصومه وتسبيحه ومناجاته. إنهما يعيشان في خلوة مع الذات لا يحبان أن يخدشها قريب، ولا يؤرقها عزيز أو صديق. ولولا هذه الجوهرة الثمينة المسماة بالوحدة لما ابتكر العالم ولا اخترع، ولا تعبد العابد ولا اتصل. إنهما يلوذان بها، ويتدثران بصمتها وهدوئها، لأنهما يريان فيها ما لم يرى، ويسمعان ما لم يسمع، ويصوغان بخيالهما ويصوران بأفكارهما ما لم يصور ولا يخطر على بال السواد الأعظم من البشر.
فالخلوة هي التي تصفي فكريهما وتحرك قلبيهما بحب الله والمعرفة، وهي التي تدفعهما إلى التفكر والتعبد والتأمل والاستلهام والعمل والإنتاج. وإذا ما أردت أن تقطع على العالم حبل أفكاره، فدق عليه باب صومعته، وإذا ما أردت أن تزعج العابد وتشوش عليه جو خشوعه ومناجاته فاخترق عليه محراب صلاته، فالعالم تتشتت أفكاره وتتلاشى مع الضوضاء والناس، والعابد ينقطع حبل اتصاله مع الله بزيارة الآخرين له والناس.
من هنا، فإذا ما رأيت عالما منغمسا في علمه وكتاباته فاتركه وحده ولا تشوش عليه فكره وإلهامه، وإذا ما رأيت عابدا هائما بحب الله فاتركه مستغرقا في تأملاته ومناجاته ولا تطرق عليه باب محرابه، فنحن نحتاج إلى الأول بما تتفتق عنه نور بصيرته وإلهامه ما يضيء لنا العقل وينير ظلمات الوجدان، ونحتاج إلى الثاني بما تتفتق عنه نور روحه وصفاء وجدانه من إشعاعات ما يجلو الروح ويضيء سراديب النفوس، فهذا يفيدنا بعلمه وكتاباته واختراعاته، وذاك يفيدنا بنور روحه وهديه وإرشاده، وكلاهما يخرجان القوم من الظلمات إلى النور.
10/8/2004 م
Page 7
أشياء تحيرنا!
كثيرة هي الأشياء التي تحيرنا، تدهشنا، ولا نستطيع أن نجد لها سببا، أو نقف على تفسير لها. قد تمر وتنتهي ولكنها تترك أثراً في نفوسنا وتجعلنا نهبة لأفكارنا وأحاسيسنا لدرجة تجعلنا نقف أمامها حيارى متسائلين: لماذا حدث هذا وكيف حدث! ولماذا أحس بهذا الشعور وما السر! لماذا ارتحت لفلان وكأني أعرفه العمر كله! ولماذا نفرت من فلان ولا أستسيغه ووددت لو لم أصادفه في حياتي! لماذا ملأ الأول علي حسي وكياني وجعل حياتي جميلة مشرقة ملونة بأشعة الشمس ونور القمر، ولم يترك الثاني أثرا يذكر إلا نفورا وصدودا وعزوفاً!
هذه الأحداث غالباً ما نصادفها عندما يقع الواحد منا في مشاعر الحب والصداقة والارتياح، أو مشاعر الكره والنفور والانزعاج. فمن الناس من تراه كل يوم ولا يحرك فيك ساكنا، تتعامل معه دون أن يثير فيك أي مشاعر، يغدو ويروح أمام ناظريك وكأنه غير موجود، لا يغيب عن عينيك وكأنك لم تره! وعلى النقيض من ذلك، فمن الناس من تقابله بشكل عابر ولكنه يترك أثرا طيبا في نفسك وتصبح صورته لا تفارق عينيك، قد يحدثك بشكل متقضب ولكن تشعر كأنك سمعت منه قصص ألف ليلة وليلة، يصافحك بيده ولكنه يثير فيك مشاعر الألفة والارتياح! قد يغيب عنك سنين ولم تره ولكن عندما تراه تنبعث فيك أحاسيس المحبة والإعجاب من جديد كالطاقة الكامنة التي تحركت في نفسك فجأة لتشحنك ولا تهزك وكأنك لم تفارقه لحظة واحدة! إنك ترى نفسك لا شعوريا مأخوذا به، منجذبا إليه، مرتاحا له، متوجها بكل وجدانك وأحاسيسك إلى ما يقول ويفعل! إنه يسكن فؤادك منذ اللحظة الأولى، إنه يملأ عليك قلبك وعينك وعقلك وتشعر كأنك تعرفه منذ زمن، ثم تعود بينك وبين نفسك لتسأل: ما السر، وماذا جرى، ولماذا أشعر بهذا الشعور، وما القشة التي قسمت ظهر البعير، ولماذا لم يفقد الزمن حرارة حبه وصداقته وإعجابه؟ أم أنَّ مشاعر الحب خارجة عن حدود المنطق ولا يدركها العقل، ومشاعر الارتياح والصداقة لا يسبرها الفكر ولا تبلغها الأفهام؟
البعض يرجع هذه الظاهرة إلى كيميائيات الجسد حيث يقولون أن كيميائيات بعض الناس تتفاعل وتندمج بكل انسياب وانسجام فتتجاوب وتقترب، وكيميائيات البعض الآخر تتنافر وتحدث الانفجارات والضجيج فتتنافر وتبتعد. و فريق يعزوها إلى إشعاعات الروح التي تتجاذب وتتضاغد لدى رؤية فلان، وتتخلخل وتتنافر لدى رؤية الآخر. ونفر يفسرها بتوارد الأفكار التي تصل بين أرواح المحبين فتجعلهم يفكرون في الشيء نفسه في الوقت نفسه. وطائفة ترجعها إلى ما يتحلى به المحبوب من امتيازات تجعل الطرف الآخر ينظر إليه بنظرة الإعجاب التي يفرخ تحتها كل حب وصداقة وإقبال.
لحد الآن، لا يستطيع أحد أن يجزم أو يعرف السر الذي يكمن وراء هذا الشعور، ولا يستطيع أحد أن يؤكد تفسيرا بذاته، أو تبريرا بعينه. فهناك أشياء تظل غامضة في حياتنا ونظل نجهلها ولا نعرفها، وأشياء لا يسعنا إلا أن نقف أمامها حيارى عاجزين. وحتى العلم فلم يستطع لحد الآن أن يجد لها تفسيرا مقنعا أو تعليلا شافيا، ولهذا فلا أفضل من الرجوع إلى قوله تعالى في محكم آياته: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" وإلى قول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلّم: "الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف" .
نشر في: 9/9/2004 م